كان الصباح هادئًا في فالدوين.
تساقط الثلج طوال الليل، فغطّى أسطح البيوت والحجارة القديمة بطبقة بيضاء ناعمة. خرجت ميرا بعد أن أنهت فطورها، ووجدت بعض الأطفال يلعبون قرب الساحة.
ركضت نحوهم وانضمت إليهم.
كانوا يبنون رجلًا من الثلج، ثم يتشاجرون على من سيضع له القبعة.
وبينما كانت ميرا تحاول رفع كرة ثلج كبيرة، لاحظت ولدًا لم تره من قبل.
كان يقف قرب الأطفال، يراقبهم بصمت.
كان نحيفًا جدًا، وشعره داكنًا وغير مرتب قليلًا.
أما ملابسه فكانت أكبر منه بوضوح.
كان يرتدي معطفًا طويلًا يصل إلى ما تحت ركبتيه، وأكمامه تغطي يديه تقريبًا.
نظر إليه أحد الأطفال وضحك.
- معطفك كبير عليك.
نظر الولد إلى معطفه، ثم رفع كتفيه.
ضحكت ميرا أيضًا، لكن بهدوء.
اقتربت منه.
- ما اسمك؟
نظر إليها.
بقي صامتًا لثوانٍ.
ثم قال:
- ما بتذكر.
توقفت ميرا عن الابتسام.
لم يقلها بطريقة حزينة.
ولا بدا عليه أنه يحاول التذكر.
قالها ببساطة، وكأنه أخبرها أن الثلج بارد.
- ما بتتذكر اسمك؟
هز رأسه.
ثم ركض خلف الأطفال عندما بدأوا لعبة جديدة.
بقيت ميرا مكانها للحظة.
ثم لحقت بهم.
بعد ذلك، أصبح الولد يظهر بينهم كل يوم تقريبًا.
لم تسأله ميرا مرة أخرى عن اسمه.
ولم يسأله أحد أيضًا.
كان وجوده بينهم يبدو طبيعيًا مع مرور الأيام.
يلعب معهم.
يركض.
يسقط في الثلج.
ويضحك أحيانًا.
ثم يختفي قبل أن يحل المساء.
وفي أحد الأيام، كانت ميرا جالسة معه على حافة الساحة، يأكلان قطعًا صغيرة من بسكويت أحضرته من البيت.
نظر الولد إلى ما بقي في يدها.
- بتحبي البسكويت؟
- إي.
فكر قليلًا.
ثم قال:
- عندي بيت قريب.
نظرت إليه.
- عندك بسكويت؟
هز رأسه.
- يمكن.
ابتسمت ميرا.
- يمكن؟
- يمكن يكون في.
ضحكت.
ثم نهض.
- تعالي.
سارت خلفه.
لم تكن تعرف إلى أين يذهب، لكنها لم تفكر كثيرًا في الأمر.
كان يمشي في أحد الأزقة الضيقة بين البيوت الحجرية، حتى وصل إلى منزل صغير قديم.
توقف أمام الباب وأخرجه مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
فتح الباب.
- فوتي.
دخلت ميرا.
كان البيت هادئًا جدًا.
ليس هدوء البيوت عندما يكون أهلها نائمين.
كان هدوءًا آخر.
بيت بلا أصوات.
بلا حركة.
بلا شيء تقريبًا.
كانت هناك طاولة خشبية صغيرة، وكرسيان، وموقد قديم، وسرير في الزاوية.
وعلى رف قريب، وُضع طبق فيه عدة قطع من البسكويت.
قال الولد:
- قلتلك يمكن يكون في.
ابتسمت ميرا.
جلست على الكرسي.
جلس هو مقابلها ووضع الطبق بينهما.
أخذت قطعة.
وبينما كانت تأكل، راحت عيناها تتجولان في الغرفة دون قصد.
لم يكن هناك الكثير من الأشياء.
لكن شيئًا واحدًا لفت انتباهها.
خزانة خشبية كبيرة.
كانت قديمة، وبابها نصف مفتوح.
ظهر من داخلها معطف آخر.
ثم قميص أبيض.
وبنطال طويل.
كلها ملابس لرجل بالغ.
نظرت ميرا إليها قليلًا.
ثم عادت إلى البسكويت.
لم تسأل.
بعد لحظات قالت:
- من إمتى إنت هون؟
رفع الولد عينيه إليها.
فكر.
طويلًا هذه المرة.
ثم قال:
- ما بعرف.
- من زمان؟
هز كتفيه.
- يمكن.
- وما بتتذكر؟
نظر حوله.
كأنه هو نفسه ينظر إلى البيت للمرة الأولى.
ثم قال:
- بتذكر البيت.
صمت قليلًا.
- بس ما بتذكر إمتى جيت عليه.
بقيت ميرا ساكتة.
أخذ قطعة بسكويت أخرى.
ثم سألها:
- بدك كمان؟
نظرت إليه.
- إي.
مد يده إلى الطبق.
وفي تلك اللحظة، سمعت ميرا صوتًا خفيفًا من داخل الخزانة.
طَق.
توقفت يدها.
نظر الولد نحو الخزانة.
ثم قال:
- يمكن البرد.
وعاد يأكل.
نظرت ميرا إلى الخزانة مرة أخرى.
كان بابها ساكنًا.
لم ترَ شيئًا.
لكنها، لسبب لم تفهمه، شعرت أن البيت لم يكن فارغًا كما بدا لها في البداية.
كأن شيئًا ما كان موجودًا فيه.
شيئًا لم تستطع رؤيته.
شيئًا ربما كان الولد نفسه قد نسيه.
لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى سمعا صوتًا خافتًا عند النافذة.
التفتت ميرا.
لم يكن هناك شيء.
كان الثلج يتساقط بهدوء في الخارج، والنافذة مغلقة بإحكام.
قال الولد:
- بدك تشوفي؟
- شو؟
أشار إلى رف صغير قرب الموقد.
كان عليه إبريق قديم.
نهض وأخذه، ثم وضعه فوق النار.
جلست ميرا تراقبه.
كان يعرف تمامًا أين يضع الحطب، وكيف يفتح الموقد، وكيف يضع الإبريق فوقه.
بعد قليل، بدأ الماء يسخن.
قالت ميرا:
- بتعيش لحالك كل الوقت؟
نظر إليها.
- إي.
- وما بتخاف؟
هز رأسه.
- من شو؟
لم تعرف ميرا ماذا تجيب.
كان البيت صغيرًا جدًا، لكنه لم يكن يبدو مهجورًا.
على العكس.
كان هناك شيء غريب فيه.
كأن أحدًا ما كان يعتني به باستمرار.
كانت قطعة القماش على الطاولة مطوية بعناية.
والحطب مكدسًا بجانب الموقد.
والملابس في الخزانة مرتبة.
حتى البطانية فوق السرير كانت مطوية بطريقة مرتبة.
نظرت ميرا إلى الولد.
- إنت بترتب كل هاد؟
- أحيانًا.
- وأحيانًا؟
رفع كتفيه.
ثم شرب من الكوب.
لم تجبه.
بعد لحظات، نهضت ميرا لتضع كوبها على الطاولة.
وقبل أن تصل إليه، تحرك الكوب وحده.
ببطء.
انزلق فوق الخشب عدة سنتيمترات.
توقفت ميرا.
نظر الولد إلى الكوب.
ثم نظر إليها.
- وقع؟
قالت:
- لا.
سكت.
مد يده وأعاد الكوب إلى مكانه.
لم يسألها شيئًا.
وكأن الأمر لم يكن مهمًا.
بعد قليل، نهضت ميرا.
- لازم أرجع.
أومأ.
ارتدت معطفها.
وعندما فتحت الباب، دخلت دفعة باردة من الهواء.
وقفت للحظة.
كان هناك شيء على الثلج أمام البيت.
آثار أقدام.
بدأت من عند الباب، واتجهت نحو الطريق.
نظرت ميرا إليها.
ثم نظرت إلى الولد.
كان واقفًا خلفها.
- في حدا كان هون؟
نظر إلى الثلج.
- لا.
- طيب هدول الآثار؟
اقترب من الباب.
نظر إليها.
ثم هز رأسه.
- يمكن إلي.
نظرت ميرا إلى قدميه.
كان يرتدي حذاءً صغيرًا.
أما آثار الأقدام أمامهما فكانت أكبر بكثير.
لم تقل شيئًا.
أغلقت الباب خلفها ومشت.
بعد خطوات قليلة، التفتت.
كان الولد لا يزال واقفًا عند الباب.
رفع يده لها.
لوّحت له.
ثم تابعت طريقها.
في اليوم التالي، عاد الولد إلى الساحة.
كان يحمل نفس المعطف الكبير.
جلس بين الأطفال وكأن شيئًا لم يحدث.
ميرا لم تخبر أحدًا عن البيت.
ولم تسأله عن الآثار.
لكنها بدأت تنتبه إليه أكثر.
كان أحيانًا يضع يده في جيبه ثم يتوقف فجأة، وكأنه شعر بشيء.
وأحيانًا كان ينظر إلى باب بيته قبل أن يعود إليه.
وفي إحدى المرات، كان الأطفال يلعبون بالقرب من النافورة القديمة، فسقطت قبعة الولد في الثلج.
انحنى لالتقاطها.
لكن قبل أن تصل يده إليها، ارتفعت القبعة قليلًا من الثلج.
ثم استقرت فوق يده.
تجمدت ميرا في مكانها.
الولد لم يبدُ متفاجئًا.
وضع القبعة على رأسه، وعاد إلى اللعب.
نظرت ميرا حولها.
الأطفال الآخرون كانوا يضحكون ويتراكضون.
لم يرَ أحد شيئًا.
عادت تنظر إلى الولد.
كان يضحك معهم.
وللمرة الأولى، شعرت ميرا بأن هناك شيئًا في فالدوين لا يستطيع الجميع رؤيته.
remanwrites