كان الصباح عاديًا في فالدوين.
تساقط الثلج بهدوء فوق أسطح البيوت الحجرية، وتراكم على حواف النوافذ وفي الأزقة الضيقة. كان الدخان يخرج من مداخن البيوت، بينما بدأت أصوات الناس تنتشر في الشوارع مع بداية النهار.
جلست ميرا إلى المائدة تتناول فطورها مع عائلتها.
كان والدها، ماتياس، يصلح مقبضًا خشبيًا مكسورًا كان قد أخذه من الورشة في الليلة السابقة، بينما كانت والدتها هيلينا تخيط قطعة قماش بجانب النافذة.
كانت إيفا تتحدث عن شيء حدث في السوق، ولم تكن ميرا تستمع إليها جيدًا.
كانت تنظر من النافذة.
في الجهة المقابلة من الشارع، كان جارهم يخرج من منزله.
رجل في منتصف العمر، اعتادت ميرا رؤيته كل صباح تقريبًا.
رفع يده عندما التقت عيناه بعينيها.
لوّحت له ميرا.
ابتسم لها ثم أغلق باب منزله خلفه.
قالت ميرا:
- صباح الخير، سيد إميل.
نظرت إليها هيلينا.
- ماذا قلتِ؟
- سلمت على السيد إميل.
توقفت يد هيلينا فوق القماش.
- إميل؟
- نعم.
ضحكت إيفا.
- أنتِ تعرفين نصف سكان فالدوين، ميرا.
ابتسمت ميرا وعادت إلى طعامها.
لم يكن هناك شيء غريب في ذلك الصباح.
حتى المساء.
مع اقتراب الليل، بدأت الثلوج تزداد.
عاد ماتياس إلى المنزل قبل الغروب بقليل، وحمل معه بعض الحطب.
جلست العائلة حول المدفأة.
كانت هيلينا تصلح ثوبًا قديمًا، بينما كانت إيفا تقرأ قرب الضوء.
أما ميرا، فكانت تجلس على الأرض وترتب قطع الخشب الصغيرة التي أحضرها والدها.
ثم سُمع صوت بعيد.
دونغ.
رفعت ميرا رأسها.
لم يتحدث أحد.
دونغ.
توقفت إيفا عن القراءة.
نظر ماتياس إلى النافذة.
ثم جاء الصوت الثالث.
دونغ.
قالت هيلينا بهدوء:
- أغلقي النافذة يا ميرا.
لم تفهم ميرا السبب، لكنها نهضت.
وقبل أن تصل إليها، جاء الجرس الرابع.
دونغ.
أغلقت ميرا النافذة.
ثم أغلقت هيلينا الستارة.
في الخارج، بدأت نوافذ البيوت الأخرى تختفي واحدة تلو الأخرى خلف الستائر.
مصابيح أُطفئت.
أبواب أُغلقت.
لم يعد هناك أحد في الشارع.
قالت ميرا:
- لماذا يفعل الجميع ذلك؟
لم يجبها أحد.
جاء الجرس الخامس.
دونغ.
ثم السادس.
دونغ.
والسابع.
والثامن.
كلما ارتفع صوت الجرس، ازداد صمت البيت.
حتى ماتياس لم يعد يحرك قطعة الخشب بين يديه.
ثم جاء الجرس التاسع.
ميرا اقتربت من الستارة ومدت يدها نحو طرفها.
قالت هيلينا بسرعة:
- لا تفتحيها.
توقفت ميرا.
- لماذا؟
لم تجبها أمها.
دونغ.
الجرس العاشر.
ثم الحادي عشر.
كانت ميرا تسمع دقات قلبها بوضوح.
ثم...
دونغ.
الجرس الثاني عشر.
بعده مباشرة، ساد الصمت.
صمت كامل.
لم يعد هناك صوت في فالدوين.
لا خطوات.
لا أصوات أطفال.
لا كلاب.
ولا حتى الريح.
ظلت ميرا واقفة أمام النافذة.
ثم سمعت شيئًا.
صوتًا خافتًا جدًا.
طرق.
نظرت إلى الباب.
طرق آخر.
ثم ثالث.
قال ماتياس:
- لا أحد يفتح.
تجمدت ميرا.
لكن الطرق لم يكن على باب منزلهم.
كان من الخارج.
ومن مكان قريب.
اقتربت ميرا من الستارة، ورفعت طرفها قليلًا.
كان الشارع مظلمًا.
وفي الجهة المقابلة، كانت نافذة بيت السيد إميل مضاءة.
رأته واقفًا خلف الزجاج.
كان ينظر مباشرة نحو منزل ميرا.
رفع يده.
ثم انطفأ الضوء.
اختفى.
حدقت ميرا في النافذة.
لم تعرف لماذا شعرت بالخوف.
في صباح اليوم التالي، عادت فالدوين إلى حياتها الطبيعية.
خرج الناس إلى الشوارع.
فتح أصحاب المتاجر أبوابهم.
بدأ الأطفال اللعب في الثلج.
حتى إن ميرا بدأت تشعر أن ما حدث في الليلة الماضية كان مجرد حلم.
إلى أن نظرت إلى البيت المقابل.
كان الباب مفتوحًا.
اقتربت من والدتها.
- أمي؟
- نعم؟
- أين السيد إميل؟
نظرت إليها هيلينا باستغراب.
- من؟
- جارنا.
- أي جار؟
أشارت ميرا إلى البيت المقابل.
- هذا البيت.
نظرت هيلينا إليه.
ثم قالت ببساطة:
- هذا البيت فارغ.
شعرت ميرا بالبرودة.
- لا.
- ميرا...
- السيد إميل يعيش هناك.
ضحكت إيفا.
- أنتِ مخطئة.
- أنا رأيته بالأمس!
نظر ماتياس إليها.
لم يكن يضحك.
- ميرا، لم يسكن أحد هناك منذ سنوات.
حدقت فيه.
- لكنني تحدثت معه صباح أمس.
ساد الصمت.
ثم قالت هيلينا:
- ربما كنتِ تتحدثين مع شخص آخر.
هزت ميرا رأسها.
لم تكن مخطئة.
كانت تعرفه.
كانت تعرف صوته.
وجهه.
معطفه.
وحتى الطريقة التي كان يرفع بها يده عندما يراها.
لكن الآن...
لم يتذكره أحد.
ولا شخص واحد.
في وقت الظهيرة، خرجت ميرا من المنزل.
لم تكن تعرف إلى أين تذهب.
كانت تمشي في الشوارع وهي تنظر إلى الناس، محاولة العثور على شخص يتذكر.
لكن الجميع كانوا يتصرفون كالمعتاد.
وصلت إلى الساحة.
وهناك رأت رجلاً يجلس أمام حامل خشبي، يحمل فرشاة بيده.
كان يرسم.
اقتربت ميرا ببطء.
كان يرسم فالدوين.
البيوت السوداء.
الكاتدرائية.
الأبراج.
والثلج.
وقفت خلفه تراقب اللوحة.
كانت جميلة.
لكن شيئًا ما جعلها تتوقف.
في وسط الشارع، بين بيتين بعيدين، كان هناك شخص.
شخص أسود بالكامل.
لم تكن له ملامح.
مجرد هيئة طويلة داكنة.
قالت ميرا:
- من هذا؟
توقف الرجل عن الرسم.
نظر إليها.
- من؟
أشارت إلى اللوحة.
- هذا الرجل.
اقترب الرسام منها.
حدق في اللوحة طويلًا.
ثم تغير وجهه.
- أنا... لم أرسمه.
نظرت ميرا إليه.
- لكنه موجود.
أمسك الرسام بالفرشاة.
- لم يكن هناك أحد عندما كنت أرسم.
نظرت ميرا إلى الشارع.
كان المكان الذي ظهر فيه الرجل الأسود فارغًا.
ثم عادت إلى اللوحة.
كان الرجل لا يزال هناك.
واقفًا بين البيوت.
يراقب المدينة.
قال الرسام بصوت منخفض:
- لا أعرف من هذا.
سألته ميرا:
- هل تستطيع رؤيته الآن؟
هز رأسه.
- لا.
صمت قليلًا.
ثم نظر إلى اللوحة مرة أخرى.
- لكن يبدو أنه يستطيع رؤيتنا.
رفعت ميرا عينيها إليه.
وفي اللحظة نفسها، شعرت بشيء غريب.
كان الرجل الأسود في اللوحة...
أقرب مما كان عليه قبل لحظات.
حدقت ميرا في اللوحة بفضول
كان الرجل الأسود واقفًا في منتصف الشارع، لكنه لم يكن في المكان نفسه الذي رأته فيه قبل لحظات.
كان أقرب.
اقترب الرسام أيضًا، ثم مال برأسه محاولًا رؤية التفاصيل.
- هل تحرك؟
سألته ميرا.
- من؟
أشارت إلى اللوحة.
رفع الرسام حاجبه.
- لم أرَ شيئًا يتحرك.
أمسكت ميرا بطرف اللوحة.
- كان هناك.
- ماذا؟
- هنا.
وضعت إصبعها على المكان الذي كان يقف فيه الرجل.
لكن الآن لم يكن هناك أحد.
تراجعت ميرا.
كان الرجل الأسود قد اختفى.
قال الرسام:
- ربما أخطأتِ.
نظرت إليه ميرا.
- أنا لا أخطئ.
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها لم تكن ابتسامة شخص يعتقد أنها مخطئة.
- وأنا لا أحب أن أختلف مع الأطفال.
ثم عاد إلى فرشاته.
ميرا لم تتحرك.
كانت تحدق في اللوحة.
شيء ما كان خطأ.
ثم لاحظت شيئًا آخر.
- هل ترسم فالدوين كل يوم؟
توقف الرسام.
- تقريبًا.
- منذ متى؟
فكر قليلًا.
- منذ سنوات.
- وهل ترسم نفس الأماكن؟
- أحيانًا.
اقتربت ميرا من اللوحات الموضوعة بجانب الحامل.
كانت هناك لوحات كثيرة.
فالدوين في الشتاء.
فالدوين في الصيف.
الساحة.
الكاتدرائية.
النهر.
الشارع القديم.
وكلها بدت طبيعية.
لكن في لوحة قديمة، رأت شيئًا أسود صغيرًا قرب برج بعيد.
أمسكتها.
- وهذا؟
أخذ الرسام اللوحة منها.
حدق فيها.
لم يجب.
- هل هذا هو نفسه؟
ظل صامتًا.
ثم قال:
- لا أتذكر أنني رسمته.
قالت ميرا:
- لكنه موجود.
وضع الرسام اللوحة جانبًا.
- أحيانًا ترسم اليد أشياء لا يتذكرها العقل.
نظرت إليه ميرا باستغراب.
- ماذا يعني ذلك؟
- لا أعرف.
كان صادقًا.
وهذا أخافها أكثر.
في المساء، عادت ميرا إلى منزلها.
كانت هيلينا تعد العشاء.
دخلت ميرا وجلست إلى المائدة.
سألتها إيفا:
- أين كنتِ؟
- عند رسام.
- ماذا كنتِ تفعلين هناك؟
ترددت ميرا.
ثم قالت:
- كان يرسم المدينة.
رفع ماتياس رأسه.
- أي رسام؟
- لا أعرف اسمه.
- وأين وجدته؟
- في الساحة.
عاد ماتياس إلى طعامه.
- لا تبتعدي كثيرًا وحدك.
نظرت ميرا إلى أمها.
كانت تريد أن تسأل عن السيد إميل مرة أخرى.
لكنها لم تفعل.
كانت تعرف مسبقًا ما سيقولونه.
من هو إميل؟
بعد العشاء، صعدت إلى غرفتها.
فتحت النافذة قليلًا.
كان الثلج يتساقط.
نظرت إلى البيت المقابل.
كان مظلمًا.
تمامًا كما قالوا.
بيت فارغ.
لكن ميرا كانت متأكدة من شيء واحد.
في الليلة الماضية، قبل أن يرن الجرس الثاني عشر...
كان هناك شخص يعيش فيه.
أغلقت النافذة.
ثم استدارت.
وتجمدت.
على الأرض، قرب سريرها، كانت هناك آثار أقدام صغيرة مبللة بالثلج.
لم تكن آثار قدميها.
تقدمت خطوة.
ثم ثانية.
كانت الآثار تبدأ عند النافذة...
وتتجه مباشرة نحو سريرها.
توقفت ميرا.
وفي آخر أثر قدم، وجدت شيئًا صغيرًا.
قطعة فحم سوداء.
التقطتها.
وفي اللحظة التي أغلقت فيها أصابعها عليها، سمعت من بعيد...
دونغ.
رفعت رأسها.
كان ذلك مستحيلًا.
لقد كان النهار.
والجرس الثاني عشر لا يرن إلا عند منتصف الليل.
ثم جاء الصوت مرة أخرى.
دونغ.
ميرا لم تتحرك.
ثم جاء الجرس الثالث.
لكن هذه المرة...
لم يكن الصوت قادمًا من أحد أبراج فالدوين.
كان قادمًا من تحت الأرض.
remanwrites