خرج ماتياس وميرا من البيت في الصباح الباكر.
لم يكن لديهما وقت.
إذا كان الجرس الثالث عشر موجودًا تحت المحطة، فعليهما الوصول إليه قبل أن تمنعهما فالدوين بطريقة أخرى.
قال ماتياس وهو ينظر إلى الشارع:
"المحطة من هون."
أومأت ميرا.
كان الطريق واضحًا.
مشيا.
خطوة.
ثم أخرى.
لكن بعد دقائق قليلة، توقف ماتياس فجأة.
كان الشارع أمامهما مسدودًا.
لم يكن هناك شيء بالأمس.
أما الآن، فقد انهار جزء من أحد الأبنية وسقطت الحجارة فوق الطريق.
نظر ماتياس إلى الركام.
"لازم نلف."
سارا في شارع جانبي.
لكن الشارع انتهى أيضًا.
بوابة حديدية ضخمة أُغلقت في وجههما.
جرب ماتياس فتحها.
لم تتحرك.
ضربها بيده.
"مستحيل..."
نظرت ميرا حولها.
"منروح من الشارع التاني."
سارا.
لكن الطريق الثاني كان أسوأ.
كان ضيقًا جدًا، ومغطى بالثلج، وبين البيوت جدار أسود مرتفع.
توقف ماتياس.
"ما في ممر."
قالت ميرا:
"كان في."
نظر إليها.
"شو؟"
أشارت إلى الجدار.
"أنا بتذكره."
اقتربت منه.
لمست الحجارة.
كانت باردة.
لكنها لم تكن قديمة.
كانت جديدة.
كأن الجدار بُني خلال الليل.
قال ماتياس:
"المدينة عم تسكر الطرق."
أجابت ميرا:
"بعرف."
استدارا.
وعادا إلى الشارع الرئيسي.
لكن هذه المرة...
كان هناك أشخاص يقفون في الطريق.
مجموعة من الرجال والنساء.
قال ماتياس:
"لو سمحتوا، بدنا نمر."
لم يتحرك أحد.
تقدم رجل مسن.
"ما تروحوا عالمحطة."
قال ماتياس:
"ليش؟"
"ارجعوا."
"نحنا ما بدنا نأذي حدا."
هز الرجل رأسه.
"مو أنتو اللي رح تأذوا حدا."
نظر إلى ميرا.
"أنتِ رح تقتلي المدينة."
تجمدت.
قالت:
"أنا؟"
لم يجب.
فقط بقي واقفًا أمامهما.
حاول ماتياس المرور من جانبه.
تحرك الرجل معه.
سد الطريق.
"ارجعوا."
قال ماتياس بغضب:
"تحرك."
لكن الرجل لم يتحرك.
بدأ الناس خلفه يقتربون.
لم يكن معهم سلاح.
لكنهم كانوا كثيرين.
أمسك ماتياس بيد ميرا.
"منرجع."
استدارا بسرعة، وركضا في زقاق ضيق.
سمعا أصوات الناس خلفهما.
لكنهم لم يلحقوا بهما.
كانوا فقط يراقبون.
ركضا حتى خرجا إلى شارع آخر.
وهناك...
توقف ماتياس.
كان وجهه شاحبًا.
أمامهما وقف شخص يعرفانه.
امرأة.
ماتت منذ سنوات.
عرفتها ميرا فورًا.
لم تستطع الكلام.
قالت المرأة:
"ميرا..."
اقتربت ميرا منها ببطء.
"إنتِ..."
ابتسمت المرأة بحزن.
"إي."
"بس إنتِ ميتة."
"بعرف."
نظرت المرأة إلى ماتياس.
ثم عادت بعينيها إلى ميرا.
"لا تروحوا عالمحطة."
قال ماتياس:
"مين بعتك؟"
هزت رأسها.
"ما حدا."
"فالدوين؟"
سكتت.
وكان صمتها جوابًا.
قالت ميرا:
"شو موجود هناك؟"
نظرت المرأة إلى السماء.
"نهاية."
ثم قالت:
"إذا دق الجرس الثالث عشر..."
توقفت.
"فالدوين رح تنتهي."
اختفت.
بقيت ميرا واقفة.
قال ماتياس:
"ميرا..."
رفعت رأسها.
"لازم نكمل."
تابعا السير.
لكن الطريق إلى المحطة صار أسوأ.
كلما اقتربا منها، ظهرت مشكلة جديدة.
سقف سقط أمامهما.
شارع غمره الماء.
جسر خشبي انهار بمجرد أن وضع ماتياس قدمه عليه.
اضطرا إلى تسلق درج حجري طويل، ثم النزول من الجهة الأخرى.
مرة اضطرا إلى المرور بين بيوت ضيقة حتى خدشت الحجارة أكتافهما.
ومرة كاملة...
ضلا طريقهما.
كانا متأكدين أنهما يسيران باتجاه المحطة.
لكن بعد نصف ساعة...
وجدا نفسيهما أمام الكنيسة السوداء.
المكان نفسه.
قال ماتياس:
"رجعنا."
كانت ميرا تلهث.
نظرت إلى البرج.
الأجراس الاثنا عشر كانت معلقة فوقهما.
لكنها لم تكن تتحرك.
قالت:
"هي عم تلفنا."
جلس ماتياس للحظة فوق الدرج.
كان متعبًا.
"كأنها ما بدها إيانا نوصل."
قالت ميرا:
"لأنها عرفت."
رفع رأسه.
"عرفت شو؟"
نظرت إلى المدينة.
"إن الجرس الثالث عشر ممكن يقتلها."
نهض ماتياس.
"يعني بعد كل هالسنين..."
نظر حوله.
إلى البيوت.
إلى الشوارع.
إلى الناس.
إلى الأبراج.
قال:
"فالدوين صارت واعية."
أومأت ميرا.
"وصارت تخاف."
ثم سمعا صوتًا.
صرير عجلات.
قطار.
نظر الاثنان إلى بعضهما.
كان الصوت يأتي من جهة المحطة.
قال ماتياس:
"قريب."
ركضا.
لكن هذه المرة لم يحاولا اتباع الطرق.
قطعا الأزقة.
تسلّقا جدارًا منخفضًا.
عبرا ساحة مليئة بالثلج.
ثم وجدا نفسيهما أمام طريق ضيق جدًا بين مبنيين.
كان بالكاد يتسع لشخص واحد.
دخل ماتياس أولًا.
ثم ميرا خلفه.
وفي منتصف الطريق...
انهار جزء من الجدار.
سقطت الحجارة.
صرخت ميرا.
أمسك ماتياس يدها وسحبها بسرعة.
خرج الاثنان من الجهة الأخرى.
كانا يلهثان.
ثم رفعا رأسيهما.
هناك.
بين الضباب.
كانت المحطة.
لم تكن بعيدة.
لكنها بدت وكأنها على بعد كيلومترات.
قال ماتياس:
"وصلنا."
مشت ميرا نحوه.
خطوة.
ثم أخرى.
وفجأة...
خرج رجل من باب المحطة.
وقف أمامهما.
كان يحمل مصباحًا.
قال:
"ارجعوا."
توقفا.
نظر ماتياس إليه.
"مين إنت؟"
رفع الرجل وجهه.
وعرفته ميرا.
شهقت.
كان شخصًا مات منذ زمن طويل.
شخصًا عزيزًا عليهما.
نظر إليهما بحزن.
وقال:
"إذا دخلتوا..."
نظر إلى ميرا.
"...فالدوين رح تدافع عن حالها."
اقترب ماتياس.
"ما رح نرجع."
أجاب الرجل:
"بعرف."
ثم نظر إلى المحطة خلفه.
"لهيك هي خايفة."
اختفى.
بقي الباب مفتوحًا.
لكن من الداخل...
كان الظلام كاملًا.
نظر ماتياس إلى ميرا.
كانت ملابسها مغطاة بالثلج، ووجهها متعبًا، ويداها ترتجفان.
ومع ذلك...
تقدمت.
قالت:
"بعد كل هالسنين..."
نظرت إلى المدينة خلفها.
"هي كانت تعتقد إنها عم تحمينا."
ثم نظرت إلى طريق المحطة.
"هلأ صارت تحمي حالها."
أمسك ماتياس يدها.
ودخلا.
خلفهما...
كان ماتياس وميرا بالكاد يستطيعان المشي.
قطعا آخر شارع ببطء، والثلج يلتصق بملابسهما، وأنفاسهما تخرج متقطعة في الهواء البارد.
كان ماتياس يعرج قليلًا.
أما ميرا فكانت تمسك بيده بقوة.
لم يعودا يتحدثان.
لم يعد لديهما طاقة للكلام.
كانا يريدان فقط الوصول إلى المحطة.
قال ماتياس أخيرًا:
"وصلنا..."
رفع رأسه.
ثم توقف.
كان أمامهما مكان واسع وفارغ.
أرض مغطاة بالثلج.
بعض الحجارة.
أعشاب يابسة.
وجدار قديم في الطرف الآخر.
لكن...
لا محطة.
لا مبنى.
لا سكة قطار.
لا رصيف.
ولا حتى باب.
حدق ماتياس بالمكان.
"شو؟"
مشت ميرا إلى الأمام.
نظرت حولها.
"المحطة كانت هون."
"مستحيل."
"مكتوب بالمذكرات."
أخرج ماتياس مذكرات فالدوين من معطفه، وفتح الصفحات بصعوبة.
قلب الصفحات.
ثم رفع عينيه.
"هي هون."
أشار إلى الأرض.
"بس ما في شي."
سكتت ميرا.
كانت تنظر إلى المذكرات.
ثم إلى الأرض.
ثم قالت:
"يمكن ما بتظهر."
رفع ماتياس رأسه.
"شو يعني؟"
أجابت:
"المحطة ما بتظهر إلا إذا عزفنا اللحن."
تغير وجه ماتياس.
تذكر القارب.
النهر.
والمدينة القديمة.
أخرج النوتة الموسيقية.
كانت الورقة ترتجف في يده.
جلس على حجر قريب.
لكن ميرا أوقفت يده.
"أنا بعزفه."
نظر إليها.
"متأكدة؟"
أومأت.
ثم أخذت النوتة.
رفعت رأسها.
وبدأت تعزف.
كانت النغمة الأولى هادئة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
مرّت الريح بين الأبنية.
توقف الثلج عن السقوط.
وفي اللحظة التي خرجت فيها آخر نغمة...
حدث شيء.
اهتزت الأرض.
سمع الاثنان صوتًا بعيدًا.
تَك... تَك... تَك...
نظر ماتياس إلى الأرض.
بدأت خطوط سوداء تظهر تحت الثلج.
ثم خرجت قضبان حديدية ببطء من الأرض.
سكة قطار.
ظهرت أمامهما.
امتدت عبر المدينة.
ثم ظهرت أخرى بجانبها.
ميرا تراجعت خطوة.
وفجأة...
ظهر رصيف حجري.
ثم مقاعد.
ثم مصابيح قديمة.
ثم مبنى صغير.
وفي اللحظة الأخيرة...
ظهر شباك التذاكر.
كان كأنه كان موجودًا طوال الوقت، لكنه كان مختفيًا عن أعينهم.
حدق ماتياس فيه.
ثم نظر إلى المذكرات.
قرأ سطرًا قديمًا.
"تذكرة واحدة لكل شخص."
رفع عينيه.
ثم قال:
"يعني لازم نشتري تذكرتين."
اقترب من الشباك.
كان هناك رجل جالس خلف الزجاج.
لم يتحرك.
لم يرفع رأسه.
قال ماتياس:
"تذكرتين."
رفع الرجل عينيه ببطء.
كانت عيناه رماديتين.
مد يده.
دفع ماتياس النقود.
أخذ التذكرتين.
ثم ناولهما الرجل دون أن يقول شيئًا.
نظر ماتياس إلى التذكرتين.
كان اسمه مكتوبًا على واحدة.
وعلى الأخرى:
ميرا.
تجمد.
لم يقل شيئًا.
أمسك يد ميرا.
"يلا."
ظهر القطار من الضباب.
لم يسمعا صوته في البداية.
فقط رأيا مصباحًا واحدًا بعيدًا.
ثم مقدمة سوداء.
ثم عربات طويلة.
اقترب القطار ببطء.
حتى توقف أمامهما.
فتح الباب.
خرج منه هواء بارد.
لكن الهواء لم يكن طبيعيًا.
كان ثقيلًا.
كأن شيئًا داخل القطار يتنفس.
نظر ماتياس إلى ميرا.
كانت تحدق في الداخل.
قال:
"منطلع؟"
لم تجب.
كان بإمكانهما العودة.
كان بإمكانهما ترك المحطة.
كان بإمكانهما التظاهر بأنهما لم يجدا شيئًا.
لكن ماتياس تذكر كل الذين اختفوا.
كل الذين ماتوا.
كل السنوات التي عاشتها فالدوين داخل هذه اللعنة.
أمسك يد ميرا.
وصعد.
دخلت خلفه.
وفي اللحظة التي وضعت فيها قدمها على أرضية القطار...
شعرت بشيء في جسدها.
برد.
ليس برد الشتاء.
بل برد دخل إلى عظامها.
توقفت.
"بابا..."
التفت إليها.
"شو؟"
همست:
"بدي انزل."
نظر إليها.
وللحظة...
شعر بنفس الشيء.
الخوف.
خوف حقيقي.
القطار من الداخل كان مختلفًا تمامًا.
المصابيح ضعيفة.
الجدران سوداء.
النوافذ مغطاة بطبقة من الضباب.
لم يكن هناك صوت ركاب.
ولا حديث.
ولا حركة.
فقط صوت العجلات تحت الأرض.
تك... تك... تك...
جلس بعض الأشخاص داخل العربات.
لكنهم لم يبدوا كأشخاص طبيعيين.
أحدهم كان جالسًا في الزاوية.
نظر ماتياس إلى قدميه.
لم تكونا موجودتين بالكامل.
كان الجزء السفلي من جسده شفافًا، وكأنه يختفي داخل الضباب.
رفع الرجل رأسه.
كان وجهه شاحبًا.
وعيناه مفتوحتين بشكل مخيف.
ثم ابتسم.
ميرا أمسكت بيد ماتياس بقوة.
انتقل نظرهما إلى مقعد آخر.
امرأة تجلس وحدها.
شعرها يغطي نصف وجهها.
لكن الجزء الآخر...
لم يكن فيه جلد.
كان مجرد ظل أسود.
وفي آخر العربة...
رجل طويل يقف أمام النافذة.
كان يحدق إلى الخارج.
لكن عندما تحرك القطار...
لم يتحرك انعكاسه.
شهقت ميرا.
"بابا..."
قال ماتياس بسرعة:
"لا تطلعي."
لكنها كانت تنظر.
كلما تحركا داخل القطار، ازداد الشعور سوءًا.
كان الجو ثقيلًا.
خانقًا.
حتى التنفس أصبح صعبًا.
نظر ماتياس إلى الباب خلفهما.
كان لا يزال مفتوحًا.
قال:
"إذا بدك ننزل..."
توقفت ميرا.
كانت تريد ذلك.
بشدة.
لكنها نظرت إلى السكة خلف الباب.
ثم إلى الظلام أمامهما.
وأخيرًا قالت:
"إذا نزلنا..."
توقفت.
"يمكن ما نلاقي المحطة مرة تانية."
صمت ماتياس.
ثم أغلق الباب.
طَق.
جلس بجانبها.
على مقعد خشبي قديم.
جلست ميرا إلى جانبه، ولم تترك يده.
بدأ القطار يتحرك.
ببطء.
ثم أسرع.
نظر ماتياس من النافذة.
فالدوين بدأت تختفي خلف الضباب.
الأبنية السوداء.
الأبراج.
الكنيسة.
الثلج.
كل شيء صار أصغر.
ثم اختفى.
لم يعد هناك شيء خارج النافذة.
فقط الظلام.
قالت ميرا بصوت خافت:
"بابا..."
"شو؟"
"حاسّة إنو هالرحلة..."
نظرت إلى الركاب الذين لا يشبهون البشر تمامًا.
ثم إلى الظلام خلف الزجاج.
"...مو رح تمشي على خير."
لم يجب ماتياس.
لأنه كان يفكر في الشيء نفسه.
ووضع يده فوق يدها.
وبقي الاثنان جالسين في صمت...
بينما كان القطار يحملهم بعيدًا عن فالدوين.
نحو مكان لم يعرف أحد منذ مئات السنين...
الجرس الثالث عشر.
remanwrites