كان الصباح باردًا على نحو غير معتاد.
استيقظت هيلينا قبل ميرا وإيفا بقليل، وأشعلت النار في المدفأة الصغيرة.
كانت الريح تصفر خلف النوافذ، وتحرك أغصان الأشجار العارية في الشارع.
بعد قليل، دخلت ميرا إلى الغرفة وهي تفرك عينيها.
- ماما... برد.
- تعالي لهون.
اقتربت ميرا وجلست قرب المدفأة.
ثم دخلت إيفا، وشعرها مبعثر.
- صباح الخير.
قالت هيلينا:
- صباح الخير. روحي جيبي أختك الكبيرة شي تلبس، شكلها رح تطلع من البيت بهاللبس.
نظرت إيفا إلى ميرا.
- هي أصلًا ما بتعرف تلبس لحالها.
- بعرف!
ضحكت هيلينا.
دخل ماتياس وهو يحمل بعض الحطب.
- اليوم السوق رح يكون مزدحم.
سألته هيلينا:
- ليش؟
وضع الحطب قرب المدفأة.
- ما بعرف. من الصبح الناس عم تتحرك باتجاه الساحة.
رفعت هيلينا رأسها.
- في شي؟
هز كتفيه.
- ما سمعت.
بعد أن تناولوا الفطور، خرجت هيلينا مع ميرا وإيفا وماتياس.
كان الضباب منخفضًا فوق الشوارع.
البيوت الحجرية بدت أكثر قتامة من المعتاد، والنوافذ الصغيرة بالكاد يدخل منها الضوء.
في الطريق، مروا بجانب مجموعة من الأطفال.
كانوا واقفين أمام أحد البيوت.
لا يلعبون.
فقط ينظرون إلى الباب.
سألت ميرا:
- شو عم تعملوا؟
التفت إليها أحدهم.
- ناطرين.
- مين؟
لم يجب.
ثم فتحت امرأة باب البيت، فنظر الأطفال إليها ودخلوا جميعًا دون كلمة.
حدقت ميرا فيهم.
- غريبين.
قالت إيفا:
- أهل فالدوين كلهم غريبين.
سمعتها هيلينا.
- لا تحكي هيك.
- بس غريبين.
ابتسم ماتياس.
- شوي.
وصلوا إلى السوق.
كان الخباز يخرج أرغفة من الفرن، وصاحب محل الألعاب يرتب الدمى الخشبية، والحداد يقف أمام دكانه.
كل شيء يبدو طبيعيًا.
لكن هيلينا لاحظت أن الناس كانوا ينظرون إلى الشارع أكثر من المعتاد.
ثم سمعوا الجرس.
دونغ...
توقفت الحركة في السوق.
رفعت هيلينا رأسها.
لم يكن صوتًا عاديًا.
كان بطيئًا وثقيلًا.
دونغ...
اقتربت امرأة من منتصف الساحة.
ثم رجل.
ثم آخر.
قال ماتياس:
- شو هاد؟
لم تجبه هيلينا.
جاء صوت ثالث.
دونغ...
بدأ الناس يسيرون باتجاه الكنيسة.
قالت ميرا:
- وين رايحين؟
أجابت امرأة كانت تمر بجانبهم:
- عالجنازة.
تبادلت هيلينا وماتياس نظرة.
قالت هيلينا:
- جنازة مين؟
نظرت إليها المرأة باستغراب.
- ما بعرف.
ثم تابعت طريقها.
توقفت هيلينا.
- ما بتعرف؟
لكن المرأة لم تسمعها.
بدأت مجموعة من الرجال تظهر من آخر الشارع.
كانوا يرتدون ملابس سوداء ويحملون نعشًا خشبيًا أسود.
خلفهم نساء وأطفال ورجال من مختلف أعمار المدينة.
الجميع يسيرون بصمت.
اقتربت ميرا من أمها.
- ماما...
- نعم؟
- مين جوّا؟
نظرت هيلينا إلى النعش.
- ما بعرف.
اقترب ماتياس أكثر.
كان النعش مغلقًا.
لا أحد يحمله على عجل.
ولا أحد يبكي.
حتى الأطفال كانوا يسيرون بهدوء.
قالت إيفا:
- إذا ما حدا بيعرف مين مات، ليش عاملين جنازة؟
لم يجب أحد.
تبعت العائلة الجنازة حتى الكنيسة.
كان داخل الكنيسة أكثر برودة من الخارج.
وضِع النعش أمام المذبح.
وقف الجميع حوله.
دخل الكاهن.
قرأ كلمات قديمة بصوت منخفض.
كانت بعض الجمل بلغة لم تفهمها هيلينا.
نظرت إلى ماتياس.
كان هو أيضًا لا يفهم.
بعد انتهاء الصلاة، اقترب أحد الرجال من النعش.
وضع يده عليه.
ثم قال:
- رحمه الله.
لكن صوته لم يكن حزينًا.
كان يقول الجملة وكأنه حفظها منذ زمن بعيد.
رفعت ميرا رأسها.
كانت تنظر إلى النعش.
ثم إلى الناس.
ثم همست:
- ماما... ليش ما في حدا عم يبكي؟
قالت هيلينا:
- يمكن ما كانوا بيعرفوه.
- طيب ليش إجوا؟
لم تجد هيلينا جوابًا.
خرجوا من الكنيسة بعد وقت قصير.
في الساحة، بدأ الناس يتفرقون.
عاد بعضهم إلى المخبز.
بعضهم إلى المحلات.
وبعضهم إلى بيوتهم.
وكأن شيئًا لم يحدث.
قال ماتياس:
- خلصت؟
- شكلها.
نظرت هيلينا خلفها.
النعش لم يعد موجودًا.
حدقت في المكان الذي كان فيه قبل دقائق.
- وين راح؟
قال ماتياس:
- يمكن أخدوه.
- لمين؟
نظر إليها.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
- ما بعرف.
في المساء، عادت العائلة إلى البيت.
جلست هيلينا قرب المدفأة وهي ترتب بعض الأقمشة.
كانت الجنازة لا تزال في رأسها.
قالت:
- ماتياس.
كان يصلح قطعة خشب قرب الطاولة.
- نعم؟
- بتعرف مين كان بالجنازة اليوم؟
رفع رأسه.
- أي جنازة؟
نظرت إليه.
- جنازة الكنيسة.
فكر قليلًا.
- ما بعرف.
قالت إيفا:
- ما حدا بيعرف.
كانت ميرا جالسة قرب النافذة.
قالت فجأة:
- يمكن كانوا عم يدفنوا حدا اختفى.
ساد الصمت.
نظر إليها ماتياس.
- ليش قلتي هيك؟
هزت كتفيها.
- ما بعرف.
ثم عادت للنظر إلى النافذة.
في الخارج، كان الضباب قد غطى الشارع بالكامل.
هيلينا لم تقل شيئًا.
لكنها تذكرت شيئًا قالته أغنيس قبل أيام، عندما كانت تتحدث عن أشياء قديمة في المدينة.
"في أشياء منعملها لأن أهلنا كانوا يعملوها."
في ذلك الوقت، لم تفكر هيلينا بالجملة كثيرًا.
الآن، لم تعرف لماذا عادت إليها.
في صباح اليوم التالي، مرّت هيلينا بالساحة.
لم يكن هناك أثر للجنازة.
لا نعش.
لا زهور.
لا شموع.
ولا أحد يتحدث عنها.
دخلت المخبز.
قالت للخباز:
- صباح الخير.
- صباح النور.
أخذت رغيفًا وسألته:
- مين كان المتوفى مبارح؟
رفع الخباز عينيه إليها.
- متوفى؟
- بالجنازة.
فكر قليلًا.
ثم قال:
- ما بعرف.
- ما حدا بيعرف؟
ابتسم الرجل.
- ما في شي غريب.
أخذت هيلينا النقود.
لكن قبل أن تغادر، نظرت إلى الجدار خلفه.
كانت هناك صورة قديمة للكنيسة.
وبجانبها إطار خشبي أسود.
فارغ.
لا اسم.
لا صورة.
فقط إطار.
خرجت من المخبز.
كان الجو باردًا.
وفي آخر الشارع، مرّ طفل يحمل دمية خشبية.
نظر إليها.
ثم أكمل طريقه.
لم تعرف هيلينا لماذا شعرت، للمرة الأولى، أن جنازة الأمس لم تكن لشخص مات.
كانت لشخص...
لم يعد موجودًا.
remanwrites