خيط بارد

خيط بارد

189 0

كان الصباح باردًا على نحو لم تعتده هيلينا.

استيقظت على صوت الريح وهي تضرب زجاج النافذة، فجلست على حافة السرير للحظات، تنظر إلى الضباب المتراكم بين البيوت الحجرية.

كان كل شيء رماديًا.

السقف الخشبي.

الجدران.

الشارع الضيق خلف النافذة.

حتى الضوء الذي تسلل إلى الغرفة بدا شاحبًا، كأنه لم يستطع الوصول إلى المدينة كاملة.

سمعت صوت ميرا من الغرفة المجاورة.

- ماما؟

- نعم؟

- وين قفازي؟

ابتسمت هيلينا رغمًا عنها.

- وين حطيتيهن مبارح؟

- ما بعرف.

ثم جاء صوت إيفا:

- تحت تختك.

- كيف عرفتي؟

- لأنك كل مرة بتحطيهن هناك.

سمعت هيلينا ضحكة ميرا.

ارتدت معطفها ونزلت إلى الطابق السفلي.

كان ماتياس جالسًا قرب الطاولة، يحاول ربط حذائه.

نظر إليها.

- صباح الخير.

- صباح الخير.

دخلت ميرا وهي تحمل أحد قفازيها.

- ماما، شوفي! لقيته.

نظرت هيلينا إليها.

- والتاني؟

رفعت ميرا كتفيها.

- لسا ضايع.

قالت إيفا من خلفها:

- تحت التخت.

نظرت ميرا إليها بضيق.

- بعرف.

ضحك ماتياس.

وضعت هيلينا بعض الخبز على الطاولة.

- كلكن لابسين منيح؟ الجو اليوم أبرد من مبارح.

قالت ميرا:

- أنا منيحة.

ثم نظرت إلى النافذة.

كان طفل يقف في الشارع المقابل.

وحيدًا.

لم يكن يتحرك.

قالت ميرا:

- ماما...

- شو؟

- ليش الولد واقف هيك؟

التفتت هيلينا نحو النافذة.

كان الطفل يحدق في واجهة أحد البيوت.

بقي واقفًا لثوانٍ طويلة، ثم تابع سيره دون أن يلتفت.

قالت هيلينا:

- يمكن ناطر حدا.

لكنها لم تكن مقتنعة.

خرجت هيلينا بعد قليل متجهة إلى السوق.

كانت تعمل منذ أسبوع في محل الخياطة، وكانت قد بدأت تحفظ الطريق إليه.

الشارع يمر بين صفوف من البيوت الحجرية القديمة، متلاصقة كأنها بُنيت دون أن يترك البناؤون بينها مساحة كافية للهواء.

النوافذ صغيرة.

الأبواب خشبية ثقيلة.

وفي بعض البيوت، كانت الستائر مسدلة حتى في وضح النهار.

مرّت بجانب ثلاثة أطفال.

كانوا يلعبون بحجر صغير في وسط الطريق.

ضحك أحدهم.

ثم توقفوا جميعًا في اللحظة نفسها.

رفعت هيلينا حاجبها.

نظر الأطفال إليها.

لم يقل أحد شيئًا.

ثم عادوا للعب.

تابعت طريقها.

لم تعرف لماذا شعرت أن شيئًا ما كان خاطئًا.

لكنها لم تستطع تحديده.

وصلت إلى المخبز.

كان الباب مفتوحًا، والخباز يقف خلف الطاولة.

دخلت هيلينا.

رائحة الخبز الساخن ملأت المكان.

- صباح الخير.

- صباح النور.

نظرت إلى الأرغفة المرتبة بعناية.

ثم لاحظت شيئًا غريبًا.

كانت هناك أرغفة كثيرة خرجت من الفرن للتو.

بخارها ما يزال يتصاعد.

لكن الخباز لم يلمس أيًا منها.

وكان هناك رجل عجوز يجلس في الزاوية، أمامه كوب فارغ.

ينظر إليه فقط.

اقتربت هيلينا من الطاولة.

- بدي صندويشة جبنة، لو سمحت.

بدأ الخباز بتحضيرها.

كانت حركاته بطيئة ومنتظمة.

وكأنه يؤدي الشيء نفسه منذ سنوات طويلة.

قال:

- هون.

وضعت هيلينا النقود.

أخذت الصندويشة وغادرت.

بعد أن ابتعدت قليلًا، التفتت خلفها.

كان الخباز لا يزال واقفًا في مكانه.

والرجل العجوز لا يزال ينظر إلى الكوب الفارغ.

لم تعرف لماذا بقي المشهد في رأسها.

أكلت نصف الصندويشة وهي تتابع طريقها.

بدأت أصابعها تبرد رغم القفازات.

كلما اقتربت من محل الخياطة، ازداد الضباب كثافة.

وصلت أخيرًا إلى الباب الخشبي.

دفعت الباب.

رن الجرس الصغير المعلق فوقه.

- تأخرتِ اليوم.

رفعت هيلينا رأسها.

كانت أغنيس جالسة خلف الطاولة.

كالعادة.

شعرها الأبيض مربوط إلى الخلف، ونظارتها الصغيرة موضوعة عند طرف أنفها.

قالت هيلينا:

- المخبز أخّرني.

ابتسمت أغنيس.

- المخبز لا يتأخر.

- شو يعني؟

- ولا شيء.

ضحكت هيلينا وجلست.

كانت أغنيس قد وضعت أمامها مجموعة من الأقمشة.

- رتبي هذه.

- حاضر.

بدأت هيلينا العمل.

بعد قليل، لاحظت أن أغنيس كانت قد بدأت الخياطة بالفعل.

كانت تتحرك بسرعة ثابتة.

إبرة.

خيط.

قماش.

إبرة.

خيط.

قماش.

مر وقت طويل.

رفعت هيلينا رأسها.

كانت كتفاها تؤلمانها قليلًا.

أما أغنيس فلم تتوقف حتى مرة واحدة.

قالت هيلينا:

- ما بتتعبي؟

رفعت أغنيس عينيها.

- من شو؟

- من الخياطة.

نظرت إلى يديها.

- تعودت.

ثم عادت إلى عملها.

سكتت هيلينا.

بعد فترة، قالت أغنيس فجأة:

- هذا القماش كان موجودًا أيام المطر الكبير.

رفعت هيلينا رأسها.

- أي مطر؟

- المطر الذي أغرق السوق القديم.

- إمتى كان هاد؟

فكرت أغنيس للحظة.

- من زمان.

ثم أضافت بهدوء:

- كنت أعمل وقتها في محل آخر.

نظرت إليها هيلينا باستغراب.

- من زمان قديش؟

ابتسمت أغنيس.

- لا تسألي عن عمري.

ضحكت هيلينا.

- ما سألت عن عمرك.

- بس فكرتِ فيه.

ابتسمت هيلينا.

لكنها بقيت تنظر إليها.

كان هناك شيء غريب في أغنيس.

ليس في وجهها فقط.

بل في الطريقة التي تتحدث بها.

في الأشياء التي تتذكرها.

وفي الطريقة التي تعمل بها لساعات دون أن يبدو عليها التعب.

بعد الظهر، حملت هيلينا صندوقًا صغيرًا من القماش.

كان ثقيلًا.

حاولت رفعه، ثم وضعته على الطاولة.

مدت أغنيس يدها.

- أعطيني.

رفعته بسهولة.

نظرت هيلينا إليها.

ثم إلى الصندوق.

ثم إليها مجددًا.

قالت أغنيس:

- شو؟

- ولا شي.

وضعت أغنيس الصندوق في مكانه، ثم جلست من جديد.

خارج النافذة، مرّ طفل صغير مسرعًا.

كان يحمل لعبة خشبية.

توقف أمام المحل.

نظر إلى الداخل.

ثم أكمل طريقه.

تابعته هيلينا بعينيها.

قالت أغنيس دون أن ترفع رأسها:

- لا تطلعي كثير من الشباك.

التفتت هيلينا إليها.

- ليش؟

رفعت أغنيس كتفيها.

- برد.

نظرت هيلينا إلى الشارع.

ثم إلى أغنيس.

لم تعرف لماذا شعرت أن الجواب لم يكن عن البرد وحده.

وعندما عادت إلى الخياطة، بقي ذلك الشعور معها.

شيء ما في فالدوين لم يكن طبيعيًا.

لكنها لم تعرف ما هو.

ولم تكن تعرف إن كانت تريد أن تعرف.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فالدوين

المؤلف remanwrites
2026/09/26 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: المقدمة
2026/09/26
الفصل 2: صباح لم ينم فيه أحد
2026/09/26
الفصل 3: بيت في فالدوين
2026/09/26
الفصل 4: المدرسة في فالدوين
2026/09/26
الفصل 5: أطفال فالدوين
2026/09/26
الفصل 6: الجرس الثاني عشر
2026/09/26
الفصل 7: خيط بارد
2026/09/26
الفصل 8: جنازة غامضة
2026/09/26
الفصل 9: طعم جديد
2026/09/26
الفصل 10: المنام الغريب
2026/09/26
الفصل 11: نهر فالدوين
2026/09/26
الفصل 12: أول ثلج في فالدوين
2026/09/26
الفصل 13: القطار الذي لم يكن هناك
2026/09/26
الفصل 14: عيد لم يكتمل
2026/09/26
الفصل 15: ليلة الفوانيس
2026/09/26
الفصل 16: المقبرة خلف الكنيسة
2026/09/26
الفصل 17: محل الحلويات
2026/09/26
الفصل 18: محل الورد
2026/09/26
الفصل 19: الكرسي الزائد
2026/09/26
الفصل 20: البيت الصغير
2026/09/26
الفصل 21: الرسام
2026/09/26
الفصل 22: شيء ناقص
2026/09/26
الفصل 23: الصندوق القديم
2026/09/26
الفصل 24: الباب المخفي
2026/09/26
الفصل 25: ليلة الموتى
2026/09/26
الفصل 26: عروس ضوء القمر
2026/09/26
الفصل 27: الاجراس
2026/09/26
الفصل 29: القفص
2026/10/05
الفصل 30: مذكرات فالدوين
2026/10/06
الفصل 31: سر النهر
2026/10/07
الفصل 32: المدينة الخائفة
2026/10/08
الفصل 33: القطار الغامض
2026/10/09
الفصل ٢٨: الاغنية الحزينة
2026/10/02
الفصل 34: النهاية
2026/10/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة