كان يومًا شتويًا عاديًا في فالدوين.
منذ الصباح، لم يتوقف الثلج عن النزول.
كانت ميرا جالسة قرب النافذة، تراقب رقاقات الثلج وهي تتجمع على حافة الزجاج، بينما كان والدها ماتياس يرتدي معطفه ويستعد للخروج إلى ورشة النجارة.
قال وهو يربط حزام أدواته:
"سأعود قبل الغروب."
رفعت ميرا رأسها.
"حقًا؟"
ابتسم.
"إذا لم تقرر قطعة خشب أن تعاندني."
ضحكت.
في الجهة الأخرى من البيت، كانت هيلينا تخيط قطعة قماش كبيرة، وقد وضعت بجانبها خيوطًا بألوان مختلفة.
كانت تعمل لدى أغنيس، إحدى نساء المدينة، ولذلك كان عليها أن تنهي بعض الملابس قبل المساء.
أما إيفا، أخت ميرا الكبرى، فكانت قد خرجت قبل قليل.
فالشتاء لم يمنع سكان فالدوين من متابعة حياتهم.
المحلات تفتح أبوابها.
الخبازون يخرجون أرغفتهم الساخنة.
النجارون يعملون.
والخياطون يجلسون قرب النوافذ.
حتى الثلج أصبح شيئًا معتادًا.
بعد الظهر، خرجت ميرا من البيت وهي تلف وشاحها حول رقبتها.
كانت لورا تنتظرها عند نهاية الشارع.
"تأخرتِ!"
"أمي كانت تريدني أن أرتدي قفازاتي."
نظرت لورا إلى يديها.
"وأين هما؟"
رفعت ميرا يديها.
لم تكن ترتديهما.
ضحكت لورا.
كانت لينا تنتظرهما أيضًا، وبعد دقائق انضمت إليهما إيفا.
لم تكن إيفا من عمرهن، فقد كانت في الخامسة عشرة، لكنها اعتادت أن ترافقهن أحيانًا عندما يخرجن إلى المدينة.
قالت لينا وهي تفرك يديها:
"أنا أشعر أن أصابعي ستسقط."
قالت إيفا:
"هذا لأنك خرجتِ دون قفازات."
"وأنتِ؟"
رفعت إيفا يديها.
كانت ترتدي قفازات صوفية.
"أنا أذكى منك."
تابعن السير بين البيوت الحجرية.
كان كل شيء أبيض.
الأسطح.
النوافذ.
الأشجار.
حتى التماثيل القديمة أمام بعض البيوت غطاها الثلج.
ثم حدث شيء.
توقفت ميرا فجأة.
"شمّيتوا هذا؟"
توقفت الفتيات.
رفعت لورا رأسها.
"شو؟"
مشت ميرا خطوتين نحو زقاق ضيق.
الرائحة أصبحت أوضح.
قرفة.
سكر.
زبدة ساخنة.
قالت إيفا:
"من وين جاية؟"
دخلن الزقاق.
وفي نهايته ظهر محل صغير لم تراه أي واحدة منهن من قبل.
كانت نافذته مضاءة بضوء ذهبي دافئ، والثلج المتراكم حول بابه جعل المكان يبدو كأنه منفصل عن بقية المدينة.
على الباب لافتة خشبية صغيرة.
الحلويات.
قالت لورا:
"مستحيل."
دفعت ميرا الباب.
رن جرس صغير.
واندفع الدفء نحوهن دفعة واحدة.
"آآآه!"
دخلن بسرعة.
كانت رائحة القرفة والسكر والزبدة أقوى من الداخل.
رفوف خشبية داكنة.
مصابيح صغيرة.
جدران حجرية.
وأرضية قديمة تصدر صوتًا خفيفًا تحت الأقدام.
كان المحل قوطياً مثل بقية فالدوين، لكنه لم يكن مخيفًا.
كان دافئًا.
ومريحًا.
وعلى الرفوف انتشرت عشرات الحلويات.
كعكات صغيرة.
فطائر.
بسكويت.
وحلويات على شكل بيوت وأبراج وأجراس.
اقتربت ميرا من الواجهة.
"انظروا!"
كان هناك صف من ثلاث عشرة قطعة.
اثنتا عشرة قطعة صغيرة، كل واحدة منها مختلفة قليلًا عن الأخرى.
أما القطعة الأخيرة فكانت أكبر بكثير.
كانت على شكل جرس.

تقدمت ميرا.
كان سطحها مغطى بطبقة بيضاء لامعة، وفي أعلاها تميمة صغيرة مربوطة بخيط أسود.
مدت يدها نحوها.
لكن صوتًا جاء من خلفها:
"لا تلمسي الثالثة عشرة."
سحبت ميرا يدها بسرعة.
كان صاحب المحل يقف خلف المنضدة.
رجل مسن، هادئ الملامح، يرتدي مئزرًا أبيض فوق ملابسه الداكنة.
قالت ميرا:
"ليش؟"
نظر إلى الجرس.
ثم قال:
"لأنها ليست للبيع."
"طيب ليش حاططها مع الباقيين؟"
لم يجب فورًا.
اكتفى بإعادة ترتيب بعض الحلويات.
قالت لورا:
"قديش سعرها؟"
رفع الرجل عينيه إليها.
"قلت لكِ. ليست للبيع."
ضحكت إيفا.
"يمكن أغلى قطعة بالمحل."
ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة.
لكن ميرا بقيت تنظر إلى الجرس.
لم تعرف لماذا جذب انتباهها.
ربما بسبب التميمة.
كانت غريبة.
دائرة صغيرة يتوسطها شكل لم تستطع فهمه، وحولها خطوط دقيقة تشبه شيئًا رأته في مكان ما.
لكنها لم تتذكر أين.
قالت لينا:
"أنا بدي هاي."
وأشارت إلى كعكة صغيرة على شكل بيت.
فضحك الرجل.
بقيت ميرا واقفة أمام الرف للحظات.
كانت القطع الثلاث عشرة مصطفة بعناية.
اثنتا عشرة حلوى صغيرة، بأشكال مختلفة؛ بيوت، نوافذ، أبراج، مفاتيح، وورود صغيرة.
أما الثالثة عشرة فكانت مختلفة.
جرس كبير من الحلوى، بلون بني داكن، وفوقه تميمة صغيرة مربوطة بخيط أسود.
قالت لورا:
"ميرا، شو عم تطلعي؟"
"هاي."
أشارت إلى الجرس.
اقتربت لينا.
"حلو."
"بس ليش أكبر من الباقيين؟"
هزت إيفا كتفيها.
"يمكن صاحب المحل بيحب الأجراس."
سمعهن صاحب المحل، فضحك.
"في فالدوين؟ مستحيل تلاقي محل ما فيه جرس."
رفعت ميرا رأسها.
"ليش؟"
توقف الرجل لحظة.
ثم قال:
"لأن الأجراس كانت أهم شيء بالمدينة."
"كانت؟"
ابتسم.
"قبل زمن طويل."
لم يشرح أكثر.
كان يضع قطعًا جديدة على صينية حين سألت ميرا:
"شو كان يصير زمان؟"
نظر إليها.
"كان لكل شيء وقته."
ثم أضاف بهدوء:
"وقت فتح الأبواب. وقت إغلاقها. وقت بدء العمل. وقت انتهاء السوق."
"والأجراس كانت تخبر الناس؟"
"نعم."
أخذ قطعة صغيرة على شكل برج ووضعها قرب النافذة.
"فالدوين كانت مدينة منظمة جدًا."
قالت إيفا:
"ما بتشبهها هلأ."
ضحك الرجل.
"المدن تتغير."
ثم أشار إلى الجدران.
"لكن بعض الأشياء تبقى."
نظرت ميرا إلى الجدار.
كانت هناك لوحة قديمة، باهتة الأطراف.
صورة لفالدوين في الشتاء.
الكاتدرائية في الأعلى، والبيوت متراصة تحتها.
لكن في أسفل اللوحة، كان هناك شيء غريب.
ثلاثة عشر شكلًا صغيرًا مرسومًا على الحجارة.
اقتربت ميرا.
"شو هاد؟"
قال الرجل:
"رموز قديمة."
"لشو؟"
"ما حدا بيعرف."
ثم ابتسم.
"أو يمكن في ناس بيعرفوا وما بيحكوا."
نظرت إليه ميرا.
هذه المرة لم يضحك.
ساد صمت قصير.
ثم قالت لورا:
"عندك شي على شكل قطة؟"
انفجر الصمت بالضحك.
"أكيد."
عاد الرجل إلى رف الحلويات، وأخرج قطعة صغيرة على شكل قطة.
بدأت الفتيات يختارن حلوياتهن، وعادت الأحاديث والضحكات إلى المحل.
لكن ميرا لم تستطع أن تنسى اللوحة.
في تلك اللحظة، فتح الباب رجل مسن.
دخل، خلع قبّعته، ونفض الثلج عن كتفيه.
نظر إلى الرف.
ثم إلى الجرس المصنوع من الحلوى.
تغير وجهه قليلًا.
قال:
"ما زلت تضعها هنا؟"
أجابه صاحب المحل:
"كل شتاء."
اقترب الرجل من الرف، لكنه لم يلمس الجرس.
قال بصوت منخفض:
"كانت أمي تصنع شيئًا يشبهه."
ابتسم صاحب المحل.
"كانت تعرف الوصفة القديمة."
هز الرجل رأسه.
"لا أذكر الوصفة."
سكت قليلًا.
ثم قال:
"ولا أذكر لماذا كانت تصنعها."
عاد وجلس قرب المدفأة.
لم يقل أحد شيئًا.
وضعت ميرا يدها على كوبها الدافئ.
كان المحل لا يزال جميلًا.
دافئًا.
ورائحة القرفة تملأ المكان.
لكن شيئًا صغيرًا تغير في شعورها تجاهه.
لم يعد مجرد محل حلويات.
كان هناك الكثير من الأشياء القديمة هنا.
أشياء لا يعرف الناس سبب وجودها.
أشياء اعتادوا رؤيتها حتى توقفوا عن السؤال عنها.
وأشياء...
يبدو أن فالدوين نفسها لم تعد تتذكر لماذا كانت مهمة.
remanwrites