المدينة الخائفة

المدينة الخائفة

101 0

فتح باب القطار ببطء.

لم ينزل أحد في البداية.

ظل البخار الأبيض يخرج من أسفل العجلات، يزحف فوق الأرض الحجرية للمحطة، بينما بقي سكان فالدوين واقفين بعيدًا.

لم يكن في وجوههم الفضول فقط.

كان هناك خوف.

وكأنهم شعروا أن شيئًا غير طبيعي وصل إلى مدينتهم.

اقترب ماتياس من ميرا قليلًا.

"هاد هو..."

نظرت إليه.

"الساحر؟"

أومأ ببطء.

لم يكن الرجل يشبه الوحوش التي تخيلها الناس في القصص.

كان يرتدي معطفًا طويلًا داكنًا، ويحمل حقيبة صغيرة في يده.

كان وجهه متعبًا.

وشعره مبللًا من المطر.

وعندما نزل من القطار، تعثر قليلًا وسقط على الأرض.

تحرك بعض الناس نحوه.

لكنهم توقفوا قبل أن يصلوا إليه.

كانوا خائفين.

خرج رجل من بين الجمع.

كان يرتدي ملابس أغنى من بقية السكان، وحوله مجموعة من الرجال.

عرف ماتياس فورًا.

"رئيس المدينة."

نظرت ميرا إليه.

كان الرجل مختلفًا عن الصور التي تخيلتها.

لم يكن شريرًا.

كان فقط رجلًا يحمل خوف مدينة كاملة فوق كتفيه.

اقترب من الرجل الغريب.

"من أنت؟"

رفع الساحر رأسه بصعوبة.

نظر إلى المدينة خلفه.

إلى البيوت.

إلى الناس.

ثم قال:

"أستطيع مساعدتكم."

ساد الصمت.

اقترب رئيس المدينة خطوة.

"كيف؟"

وقف الرجل ببطء.

"أعرف ما يحدث هنا."

نظر حوله.

"المرض... الموت... الخوف."

تغيرت وجوه الناس.

لأنهم عرفوا أنه يقول الحقيقة.

قال رئيس المدينة:

"لا أحد يستطيع مساعدتنا."

ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة.

"أنا أستطيع."

نظر ماتياس إلى ميرا.

"هو كان يعرف."

أومأت.

"كان يعرف كل شي."

في الأيام التالية...

رأى ماتياس وميرا ما لم يعرفه أي شخص في فالدوين.

رأوا الاجتماعات السرية.

رأوا رئيس المدينة وكبار العائلات يجتمعون داخل القاعة القديمة.

كان هناك أطباء.

وحكماء.

وأشخاص فقدوا أبناءهم.

الجميع كانوا يبحثون عن حل.

وفي ليلة مظلمة...

وقف الساحر أمامهم.

قال:

"يمكنني أن أعطيكم ما تريدون."

سأله رئيس المدينة:

"وما الثمن؟"

نظر الساحر إلى الشموع أمامه.

ثم قال:

"لا يوجد شيء بلا ثمن."

صمت الجميع.

قال:

"ستعيش فالدوين."

رفع الناس رؤوسهم.

"لن يعود المرض."

"لن يموت أحد بسبب الجروح."

"لن يضعف جسدكم مع الزمن."

بكى بعضهم من الفرح.

لكن ماتياس شعر بقشعريرة.

لأنه كان يعرف النهاية.

قال الساحر:

"لكن المدينة ستبقى مغلقة."

توقف.

"لن يغادر أحد."

نظر رئيس المدينة إليه.

"لماذا؟"

أجاب:

"لأن الحياة التي لا تنتهي تحتاج إلى مكان يحفظها."

لم يفهموا.

لم يفهم أحد.

إلا بعد فوات الأوان.

مرت الأيام.

وفي البداية...

كان العقد يبدو معجزة.

اختفت الحمى.

اختفت الأمراض.

الأطفال الذين كانوا يحتضرون عادوا للعب.

الناس احتفلوا.

أشعلوا الشموع.

وزينوا الشوارع.

كانوا يظنون أن فالدوين نجت.

لكن ميرا لاحظت شيئًا.

كانت تنظر إلى الناس حولها.

إلى الابتسامات.

إلى الاحتفالات.

ثم قالت:

"بابا..."

التفت إليها ماتياس.

"شو؟"

أشارت إلى امرأة صغيرة في العمر تمشي مع طفل.

"شوف."

نظر إليها.

كانت المرأة تحمل صورة قديمة.

وفي الصورة...

كانت هي نفسها.

لكن قبل سنوات طويلة.

لم يتغير وجهها.

قال ماتياس بصوت منخفض:

"ما عم يكبروا."

أومأت ميرا.

"اللحن ورّانا الحقيقة."

ثم...

جاءت الليلة الأولى.

الليلة التي دقت فيها أجراس فالدوين الاثني عشر.

وقف ماتياس وميرا في الشارع.

لم يشعر بهما أحد.

بدأ الجرس الأول.

دونغ.

ثم الثاني.

ثم الثالث.

ومع كل جرس...

كان الصمت يزداد.

حتى وصلوا إلى الجرس الثاني عشر.

دونغ.

في تلك اللحظة...

انطفأت شمعة في أحد المنازل.

نظر الناس نحو البيت.

خرجت امرأة وهي تصرخ:

"أين زوجي؟"

لم يفهم أحد.

دخلت إلى الغرفة.

كانت ملابس الرجل موجودة.

أدواته.

كرسيه.

كل شيء.

لكن لا أحد يعرف من كان يسكن هناك.

حتى هي...

بدأت تنظر حولها بحيرة.

ثم قالت:

"لماذا أشعر أنني فقدت شيئًا؟"

وفي صباح اليوم التالي...

ظهرت وردة سوداء صغيرة أمام باب المنزل.

توقف ماتياس.

نظر إلى ميرا.

"هاي العلامة..."

أومأت.

"علامة الاختفاء."

بدأ الناس يأتون.

لكنهم لم يكونوا يأتون ليدفنوا شخصًا.

كانوا يأتون ليدفنوا ذكرى.

أحضروا شموعًا.

أحضروا ملابس الشخص الذي لم يعودوا يتذكرونه.

أحضروا أشياء بقيت في البيوت ولا يعرفون أصحابها.

ووضعوها أمام الوردة.

ثم صلوا.

وبكوا.

من دون أن يعرفوا تمامًا لماذا يبكون.

نظر ماتياس إلى المدينة الصامتة.

لأول مرة فهم.

فالدوين لم تكن تخفي الموت.

كانت تخفي الفراغ الذي يأتي بعده.

وفي تلك اللحظة...

بدأ صوت آخر يظهر من بعيد.

ليس جرسًا.

بل صوت عجلات قطار.

رفع ماتياس رأسه بسرعة.

كان القطار نفسه.

القطار الذي جاء بالساحر.

لكنه لم يكن متجهًا إلى المحطة.

كان يمر عبر الضباب...

وكأنه يبحث عن شخص جديد.

قالت ميرا بصوت خافت:

"بابا..."

نظر إليها.

"شو؟"

همست:

"يمكن الجرس الثالث عشر ما كان بس ليفتح الطريق..."

نظرت إلى القطار.

"يمكن كان حتى يوقفه."

كان صوت القطار يبتعد ببطء، بينما بقيت صورة الساحر ورئيس المدينة عالقة في ذهنيهما.

لم يكن ماتياس يحتاج إلى رؤية المزيد.

لقد فهم الآن.

العقد. الخلود. الأجراس. الاختفاء.

كل شيء بدأ من تلك اللحظة.

نظرت ميرا إلى النهر الذي ظهر خلفهما.

كان القارب لا يزال هناك.

ساكنًا بين الضباب.

قالت:

"لازم نرجع."

نظر إليها ماتياس.

"رجعنا من وين جينا؟"

أشارت إلى القارب.

"اللحن فتح الطريق... واللحن رح يرجعنا."

لم يقل شيئًا.

كان يشعر أن الوقت بدأ ينفد.

ركبا القارب بصمت.

جلس ماتياس في المقدمة، وأخرج النوتة الموسيقية مرة أخرى.

لكن هذه المرة...

كان شعوره مختلفًا.

في البداية كان يعزف لأنه يريد معرفة الحقيقة.

أما الآن...

فكان يعزف لأنه يعرف أن فالدوين تنتظر شيئًا.

أخذ نفسًا عميقًا.

وبدأ اللحن.

ما إن خرجت أول نغمة...

بدأ النهر يتحرك.

ليس بهدوء هذه المرة.

ارتفعت الأمواج حول القارب، وتحرك الضباب بسرعة، وكأن الطريق بين الماضي والحاضر يُفتح بصعوبة.

نظرت ميرا خلفها.

كانت فالدوين القديمة تختفي.

البيوت. الأبراج. المحطة.

كل شيء بدأ يذوب داخل الضباب.

ثم ظهرت صورة أخرى.

الحجارة السوداء المتآكلة.

الثلج.

الأبراج القديمة.

فالدوين التي يعرفونها.

لكنها لم تكن هادئة.

فور وصول القارب إلى الضفة...

اهتزت الأرض.

توقف ماتياس عن العزف للحظة.

نظر حوله.

"شو كان هاد؟"

لم تجبه ميرا.

لأنها شعرت به أيضًا.

شيء تحت الأرض.

شيء ضخم تحرك.

نزل الاثنان من القارب.

وبمجرد أن وضعت ميرا قدمها على الأرض...

اختفى النهر خلفهما.

كما حدث من قبل.

لكن هذه المرة لم يكن الاختفاء مخيفًا.

كان كأن المدينة أغلقت الباب بسرعة.

كأنها عرفت أنهما عادا.

سارا باتجاه الشوارع.

لكن فالدوين لم تكن كما تركاها.

الناس كانوا يخرجون من بيوتهم.

أصوات عالية في كل مكان.

رجل يصرخ على جاره.

امرأة تغلق نافذتها بعنف.

أطفال يبكون.

حتى الحيوانات كانت مضطربة.

قال ماتياس:

"شو عم يصير؟"

نظرت ميرا حولها.

كان هناك شيء غريب.

لم يكن الناس خائفين فقط.

كانوا غاضبين.

غضب بلا سبب.

كأن شيئًا داخل المدينة يدفعهم لذلك.

اقترب رجل من آخر في الشارع.

"إنت أخدت أغراضي!"

رد الآخر بعصبية:

"أنا ما لمست شي!"

"لا تكذب!"

بدأ شجار بينهما.

مع أن ماتياس رأى بوضوح أن الرجلين كانا صديقين قبل أيام.

قالت ميرا بصوت منخفض:

"مو منهم."

نظر إليها.

"شو؟"

وضعت يدها على الحجارة السوداء تحت قدمها.

"فالدوين."

توقف ماتياس.

نظرت إلى الأبنية.

إلى الشوارع.

إلى البرج الأسود.

"المدينة عرفت."

سألها:

"عرفت شو؟"

رفعت عينيها إليه.

"إن حدا عرف سرها."

في تلك اللحظة...

اهتزت الأرض مرة أخرى.

هذه المرة أقوى.

سقط بعض الثلج من أسطح البيوت.

ومن بعيد...

بدأت أجراس المدينة تتحرك.

لكنها لم تدق.

كانت فقط تهتز.

كأن شيئًا يمنعها.

قال ماتياس:

"المدينة عم تحاول تمنع شي."

أومأت ميرا.

"هي خايفة."

نظر إليها باستغراب.

"فالدوين؟ خايفة؟"

نظرت إلى البرج الأسود.

"إي."

ثم همست:

"لأنها حست إن في حدا عم يحاول ينهيها."

في أعلى البرج...

تحرك ظل داخل غرفة الجرس.

وفي مكان عميق تحت الأرض...

تشققت حجارة قديمة.

ظهر جزء من طريق لم يكن موجودًا.

طريق يقود إلى مكان لم يره أحد منذ ثلاثمئة سنة.

مكان الجرس الثالث عشر.

لكن في نفس اللحظة...

ظهرت علامة سوداء صغيرة على حجر قرب قدم ميرا.

الدائرة.

والبرج.

نفس الرمز الموجود على القبر القديم.

حدق ماتياس بها.

ثم قال:

"ميرا..."

نظرت إليه.

"هاد الرمز..."

توقّف.

لأنه فهم شيئًا.

لم يكونوا هم من وجدوا طريق فالدوين.

فالدوين هي التي فتحت الطريق لهم.

لكن الآن...

فالدوين عرفت أنهم وجدوه.

ولن تقف صامتة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فالدوين

المؤلف remanwrites
2026/09/26 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: المقدمة
2026/09/26
الفصل 2: صباح لم ينم فيه أحد
2026/09/26
الفصل 3: بيت في فالدوين
2026/09/26
الفصل 4: المدرسة في فالدوين
2026/09/26
الفصل 5: أطفال فالدوين
2026/09/26
الفصل 6: الجرس الثاني عشر
2026/09/26
الفصل 7: خيط بارد
2026/09/26
الفصل 8: جنازة غامضة
2026/09/26
الفصل 9: طعم جديد
2026/09/26
الفصل 10: المنام الغريب
2026/09/26
الفصل 11: نهر فالدوين
2026/09/26
الفصل 12: أول ثلج في فالدوين
2026/09/26
الفصل 13: القطار الذي لم يكن هناك
2026/09/26
الفصل 14: عيد لم يكتمل
2026/09/26
الفصل 15: ليلة الفوانيس
2026/09/26
الفصل 16: المقبرة خلف الكنيسة
2026/09/26
الفصل 17: محل الحلويات
2026/09/26
الفصل 18: محل الورد
2026/09/26
الفصل 19: الكرسي الزائد
2026/09/26
الفصل 20: البيت الصغير
2026/09/26
الفصل 21: الرسام
2026/09/26
الفصل 22: شيء ناقص
2026/09/26
الفصل 23: الصندوق القديم
2026/09/26
الفصل 24: الباب المخفي
2026/09/26
الفصل 25: ليلة الموتى
2026/09/26
الفصل 26: عروس ضوء القمر
2026/09/26
الفصل 27: الاجراس
2026/09/26
الفصل 29: القفص
2026/10/05
الفصل 30: مذكرات فالدوين
2026/10/06
الفصل 31: سر النهر
2026/10/07
الفصل 32: المدينة الخائفة
2026/10/08
الفصل 33: القطار الغامض
2026/10/09
الفصل ٢٨: الاغنية الحزينة
2026/10/02
الفصل 34: النهاية
2026/10/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة