الكرسي الزائد

الكرسي الزائد

47 0

كان الثلج قد بدأ بالتساقط فوق فالدوين قبل الغروب بقليل.

في البداية، كانت حبات صغيرة تتطاير مع الريح، ثم أخذت تتكاثف شيئًا فشيئًا حتى غطت أسطح البيوت الحجرية والشوارع الضيقة بطبقة بيضاء.

كانت ميرا تجلس إلى الطاولة مع عائلتها.

وضعت هيلينا وعاء الحساء في منتصف الطاولة، ثم بدأت بتوزيع الخبز.

كان كل شيء طبيعيًا.

إلا كرسي كانت تنظر له ميرا.

كان هناك دائمًا كرسي خامس إلى جانب الطاولة.

لم يكن أحد يجلس عليه.

لم يكن أحد يتحدث عنه.

ولم يكن أحد يحاول نقله من مكانه.

كان موجودًا فقط.

مثل قطعة أثاث قديمة نسيت العائلة سبب وجودها.

نظرت ميرا إليه للحظات.

كان خشبه داكنًا، وقديمًا أكثر من بقية الكراسي.

قالت:

- أمي؟

- نعم؟

- لماذا لدينا هذا الكرسي؟

نظرت هيلينا إلى الكرسي، ثم تابعت تقطيع الخبز.

- أي كرسي؟

أشارت ميرا إليه.

- هذا.

رفعت هيلينا عينيها نحوه.

سكتت للحظة.



ثم قالت:

- لا أعرف.

قالت إيفا وهي تبتسم:

- هو موجود منذ أن أتذكر.

ضحك ماتياس.

- وربما كان موجودًا قبل أن تتذكري.

لكن ميرا لم تضحك.

كانت قد بدأت تلاحظ شيئًا غريبًا.

في كل بيت دخلته في فالدوين، كان هناك كرسي زائد.

دائمًا.

كرسي واحد لا يستخدمه أحد.

في منزل صديقتها، كان بجانب المدفأة.

وفي منزل الخباز، كان عند طرف الطاولة.

وفي منزل اغنيس، كان قديمًا جدًا لدرجة أن الخشب أصبح أسود من كثرة السنين.

ولم ترَ ميرا أحدًا يجلس عليه.

ولا مرة.

في اليوم التالي، خرجت مع والدها إلى الورشة.

كان الثلج لا يزال يتساقط.

وعندما عادا بعد الظهر، توقفت ميرا أمام أحد البيوت.

كان الباب مغلقًا.

والنوافذ مغلقة.

لكنها رأت شيئًا جعلها تتوقف.

كانت هناك آثار صغيرة من الثلج على الأرض أمام الباب.

اقتربت.

لم تكن آثار أقدام.

كانت آثار حذاء صغير، متجهة من الشارع نحو البيت.

ثم توقفت عند الباب.

دخلت ميرا مع والدها.

كان البيت دافئًا.

والأرض جافة.

لكن عندما مرت قرب طاولة الطعام، رأت شيئًا آخر.

كان الكرسي الزائد مغطى بطبقة رقيقة من الثلج.

تجمدت في مكانها.

اقتربت ببطء.

وضعت يدها فوق ظهر الكرسي.

كان باردًا.

باردًا جدًا.

قال والدها من خلفها:

- ماذا تفعلين؟

سحبت يدها بسرعة.

- لا شيء.

نظر ماتياس إلى الكرسي.

ثم إلى ميرا.

- لا تلمسيه.

سألته:

- لماذا؟

لم يجب فورًا.

ثم قال:

- لا أحد في فالدوين يلمس تلك الكراسي.

- لماذا؟

نظر إليها للحظة طويلة.

- لأننا لا نحتاج إلى معرفة السبب.

كانت تلك الإجابة أغرب من أي تفسير.

في تلك الليلة، عادت ميرا إلى منزلها.

جلست إلى الطاولة.

كان الكرسي الزائد في مكانه المعتاد.

لكن هذه المرة، كان هناك شيء على الأرض تحته.

ثلج.

قطرات صغيرة ذابت ببطء فوق الخشب.

نظرت ميرا إلى النافذة.

كانت مغلقة.

الباب كان مغلقًا أيضًا.

لم يدخل أحد.

اقتربت من الكرسي.

ثم سمعت صوتًا خفيفًا.

طَق.

تراجعت.

صدر الصوت مرة أخرى.

طَق.

كان صوت خشب يتحرك.

الكرسي تحرك قليلًا إلى الخلف.

ثم عاد إلى مكانه.

لم تقل ميرا شيئًا.

وبقيت تحدق فيه.

في الصباح، اختفى الثلج.

وعاد الكرسي جافًا تمامًا.

لكن ميرا لم تعد قادرة على النظر إليه كما كانت من قبل.

لأنها بدأت تفكر في شيء لم تفكر فيه من قبل:

إذا لم يجلس أحد على الكرسي...

فلماذا يبدو أحيانًا

وكأن أحدًا قام عنه للتو؟

في تلك الليلة، بقيت ميرا تنظر إلى الكرسي طويلًا.

كان قديمًا بصورة لا تشبه بقية أثاث المنزل.

خشبه متشقق، وأحد جانبيه أغمق من الآخر، بينما كانت إحدى قوائمه مائلة قليلًا. لم يكن جميلًا، ولم يكن مريحًا، ولم تستخدمه العائلة يومًا.

ومع ذلك، لم يسمح أحد لنفسه بالتخلص منه.

لكن ميرا لم تكن تعرف لماذا.

في صباح اليوم التالي، انتظرت حتى خرج والدها إلى الورشة وذهبت أمها إلى متجر أغنيس.

ثم أمسكت بالكرسي.

كان أثقل مما توقعت.

جرته بصعوبة عبر الغرفة حتى وصلت إلى الباب.

فتحته، وسحبته إلى الخارج.

كان الثلج قد غطى الشارع.

نظرت ميرا إلى الكرسي مرة أخيرة.

- لا أحد يحتاج إليك.

ثم دفعته بعيدًا عن المنزل.

سقط الكرسي فوق الثلج.

ترك أثرًا عميقًا خلفه.

شعرت ميرا بالراحة.

أغلقت الباب وعادت إلى الداخل.

لم يمضِ وقت طويل قبل أن بدأت تشعر بالنعاس.

وفي تلك الليلة، نامت بسرعة.

عندما استيقظت في الصباح، كان أول شيء رأته هو الكرسي.

كان في مكانه.

إلى جانب الطاولة.

كما كان دائمًا.

جلست ميرا في سريرها دون أن تتحرك.

نظرت إلى الباب.

ثم إلى الكرسي.

ثم عادت لتنظر إلى الباب.

لم يكن هناك تفسير.

اقتربت منه ببطء.

كان مغطى بطبقة رقيقة من الثلج.

توقفت أنفاسها للحظة.

مدت يدها، لكنها سحبتها قبل أن تلمسه.

ثم بدأت المصائب.

في طريقها إلى المطبخ، تعثرت وسقطت منها كوب الحليب.

وعندما خرجت من المنزل، انزلقت قدمها على الثلج وسقطت.

وفي الطريق إلى متجر أغنيس، اصطدمت بها عربة خشبية وكادت تسقط في الوحل.

وعندما وصلت، وجدت أن الخيط الذي كانت تحملُه قد انقطع وتناثر في الشارع.

ثم، أثناء عودتها، سقطت فوق رأسها كمية من الثلج من سطح أحد البيوت.

وفي المساء، انطفأت شمعة غرفتها فجأة.

وقبل أن تنام، جلست ميرا على طرف سريرها.

كانت قد بدأت تعدّ الأشياء السيئة التي حدثت لها.

أكثر من اللازم.

وفي اليوم التالي، ذهبت إلى لورا.

وجدتها قرب النهر، تجمع بعض الحطب الصغير.

قالت ميرا:

- أريد أن أخبرك بشيء.

رفعت لورا رأسها.

- ماذا حدث؟

قالت ميرا:

- حاولت أن أرمي الكرسي الزائد من بيتنا.

توقفت لورا عن الحركة.

- أي كرسي؟

- كرسي الطاولة.

نظرت إليها لورا طويلًا.

ثم قالت بصوت منخفض:

- رجع؟

تجمدت ميرا.

- كيف عرفتِ؟

لم تجب لورا مباشرة.

وضعت الحطب جانبًا وقالت:

- ميرا... لا تقتربي منه.

- لماذا؟

- ولا تجلسي عليه.

- لماذا؟

اقتربت لورا منها قليلًا.

- لأن كل الناس في فالدوين يعرفون أمره.

نظرت ميرا إليها بدهشة.

- كل الناس؟

هزت لورا رأسها.

- الكرسي القديم لا يحب أن يُعامل بشكل سيئ.

ضحكت ميرا بتوتر.

- كرسي لا يحب؟

- لا أعرف إن كان هذا هو الوصف الصحيح.

سكتت لورا لحظة.

ثم قالت:

- لكنه يجلب الحظ السيئ لمن يحاول التخلص منه.

نظرت ميرا نحو المدينة.

كانت البيوت الحجرية مغطاة بالثلج، والنوافذ مغلقة، والأبواب ثابتة في أماكنها.

ثم سألت:

- منذ متى يعرف الناس ذلك؟

أجابت لورا:

- منذ زمن طويل.

- وهل جرب أحد أن يرميه؟

نظرت لورا إلى الأرض.

- كثيرون.

- وماذا حدث؟

رفعت عينيها إليها.

- عاد دائمًا.

ساد الصمت بينهما.

وفي تلك اللحظة، دق أحد أجراس المدينة.

دونغ.

توقفت لورا عن الكلام.

أما ميرا، فنظرت باتجاه الأبراج السوداء.

كان الجرس واحدًا من الاثني عشر.

ولسبب لم تفهمه، تذكرت الكرسي الذي عاد إلى مكانه.

ثم سألت نفسها:

إذا كان الكرسي يعود دائمًا... فمن الذي يعيده؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فالدوين

المؤلف remanwrites
2026/09/26 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: المقدمة
2026/09/26
الفصل 2: صباح لم ينم فيه أحد
2026/09/26
الفصل 3: بيت في فالدوين
2026/09/26
الفصل 4: المدرسة في فالدوين
2026/09/26
الفصل 5: أطفال فالدوين
2026/09/26
الفصل 6: الجرس الثاني عشر
2026/09/26
الفصل 7: خيط بارد
2026/09/26
الفصل 8: جنازة غامضة
2026/09/26
الفصل 9: طعم جديد
2026/09/26
الفصل 10: المنام الغريب
2026/09/26
الفصل 11: نهر فالدوين
2026/09/26
الفصل 12: أول ثلج في فالدوين
2026/09/26
الفصل 13: القطار الذي لم يكن هناك
2026/09/26
الفصل 14: عيد لم يكتمل
2026/09/26
الفصل 15: ليلة الفوانيس
2026/09/26
الفصل 16: المقبرة خلف الكنيسة
2026/09/26
الفصل 17: محل الحلويات
2026/09/26
الفصل 18: محل الورد
2026/09/26
الفصل 19: الكرسي الزائد
2026/09/26
الفصل 20: البيت الصغير
2026/09/26
الفصل 21: الرسام
2026/09/26
الفصل 22: شيء ناقص
2026/09/26
الفصل 23: الصندوق القديم
2026/09/26
الفصل 24: الباب المخفي
2026/09/26
الفصل 25: ليلة الموتى
2026/09/26
الفصل 26: عروس ضوء القمر
2026/09/26
الفصل 27: الاجراس
2026/09/26
الفصل 29: القفص
2026/10/05
الفصل 30: مذكرات فالدوين
2026/10/06
الفصل 31: سر النهر
2026/10/07
الفصل 32: المدينة الخائفة
2026/10/08
الفصل 33: القطار الغامض
2026/10/09
الفصل ٢٨: الاغنية الحزينة
2026/10/02
الفصل 34: النهاية
2026/10/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة