الجرس الثاني عشر

الجرس الثاني عشر

219 0

بعد انتهاء الدرس، لم تعد ميرا إلى البيت مباشرة.

كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغرب، والهواء البارد يمر بين الأزقة الحجرية، حاملاً معه رائحة الخبز المحمّص والدخان الخارج من مداخن البيوت.

كانت آنا تنتظرها عند طرف الساحة.

ما إن رأت ميرا حتى رفعت يدها.

- ميرا!

اقتربت منها ميرا وهي تبتسم.

- وين بدنا نروح؟

قالت آنا بحماس:

- لعندي. بدي فرجيكي لعبتي.

مشَتا معًا حتى وصلتا إلى زاوية هادئة خلف صف من البيوت القديمة.

جلست آنا على الأرض وأخرجت من كيس صغير لعبة خشبية.

كانت دمية صغيرة مصنوعة يدويًا، بفستان أزرق باهت وشعر أصفر من خيوط الصوف.

رفعتها آنا بفخر.

- هاي لعبتي المفضلة.

لمست ميرا الدمية بحذر.

- حلوة.

- اسمها مارا.

- إنتِ سميتيها؟

هزت آنا رأسها.

- لأ. هي قالتلي اسمها.

ضحكت ميرا.

- الدمى ما بتحكي.

نظرت آنا إليها لحظة، ثم ابتسمت.

- بمدينتنا بتحكي أحيانًا.

لم تعرف ميرا إن كانت تمزح.

جلستا بعدها قرب جدار حجري، وأخرجت آنا دفترًا صغيرًا من حقيبتها.

كان غلافه بنيًا ومليئًا بالخدوش.

فتحته.

كانت الصفحات مليئة بالرسومات.

بيوت.

شوارع.

أطفال.

برج الكنيسة.

السوق.

حتى المدرسة رسمتها من الخارج.

قالت ميرا:

- إنتِ بترسمي كل شي؟

- تقريبًا.

- ليش؟

رفعت آنا كتفيها.

- بخاف أنسى.

توقفت ميرا عن النظر إلى الرسومات.

- تنسي شو؟

لكن آنا لم تجب.

كانت تقلب الصفحات بسرعة.

ثم قالت:

- هاي المدرسة.

أشارت إلى رسم لمجموعة من الأطفال أمام الباب.

تأملت ميرا الصورة.

كان هناك سبعة أطفال.

ثم عدّتهم مرة أخرى.

ثمانية.

رفعت رأسها.

- مين هاد؟

أشارت إلى طفل يقف في الطرف.

آنا ضيقت عينيها.

- ما بعرف.

- إنتِ اللي رسمتيه.

- بعرف.

- كيف ما بتعرفي مين هو؟

ابتسمت آنا ابتسامة غريبة.

- يمكن كان هون.

ثم أغلقت الدفتر.

قبل أن تسأل ميرا شيئًا آخر، دوّى جرس الكنيسة العادي من بعيد.

رنّة واحدة.

ثم أخرى.

نظرَت آنا إلى السماء.

- لازم نرجع.

- ليش؟

- قبل المسا.

وقفت بسرعة، وأعادت الدمية والدفتر إلى حقيبتها.

ثم أمسكت يد ميرا.

- اليوم لا تتأخري.

عندما عادت ميرا إلى البيت، كان الظلام قد بدأ يهبط على فالدوين.

دخلت من الباب الخشبي، فوجدت أمها تحضر العشاء، وأبوها يجلس قرب النافذة يصلح قطعة خشب.

كانت إيفا في الغرفة الأخرى.

كل شيء كان طبيعيًا.

تقريبًا.

جلست ميرا إلى المائدة.

قالت لأختها:

- إيفا، آنا عندها دمية كتير حلوة.

رفعت إيفا رأسها.

- مين آنا؟

ضحكت ميرا.

- آنا! رفيقتي بالمدرسة.

حدقت إيفا فيها لثوانٍ.

- آه... آنا.

لم تنتبه ميرا إلى التردد الصغير في صوتها.

ثم حدث شيء غريب.

انطفأت الشمعة.

ليس لأنها احترقت.

فقط انطفأت.

رفع الأب رأسه.

وفي اللحظة نفسها...

دونغ.

تجمّد الجميع.

لم يكن صوت جرس الكنيسة المعتاد.

كان أعمق.

أثقل.

وكأن الصوت جاء من تحت الأرض.

ثم:

دونغ.

جرس ثانٍ.

وضعت أم ميرا يدها على فمها.

- لا...

همس الأب:

- سكّروا الشبابيك.

نهض بسرعة.

لم تفهم ميرا.

- ليش؟

دونغ.

الجرس الثالث.

ثم الرابع.

ثم الخامس.

بدأت أضواء البيوت في فالدوين تنطفئ واحدًا تلو الآخر.

أغلق الناس أبوابهم.

النوافذ.

المحال.

حتى أصوات السوق اختفت.

ركض الأب وأغلق الباب بالمزلاج.

قال بصوت منخفض:

- ما حدا يطلع.

- بابا شو عم يصير؟

لم يجب.

دونغ.

السادس.

دونغ.

السابع.

كانت ميرا تسمع تنفس أمها.

الثامن.

التاسع.

العاشر.

لم تعد ترى شيئًا خلف النافذة.

فالدوين كلها أصبحت مظلمة.

ثم جاء الجرس الحادي عشر.

وبقي الجميع صامتين.

كانت ميرا تحدق في الباب.

ثم...

دونغ.

الثاني عشر.

بعدها...

سكت كل شيء.

لم يعد هناك جرس.

ولا أصوات.

ولا حركة.

فقط الظلام.

اقتربت إيفا من ميرا وهمست:

- نامي.

- بس ليش الكل خايف؟

- ما بعرف.

- شو هالأجراس؟

نظرت إيفا نحو الباب.

- لا تسألي.

في تلك الليلة، لم تستطع ميرا النوم بسهولة.

كانت تفكر بآنا.

بلعبتها.

بدفترها.

وبرسم الأطفال الثمانية.

ثم تذكرت جملة آنا:

"بخاف أنسى."

في صباح اليوم التالي، استيقظت ميرا قبل الجميع.

كان الضوء قد عاد إلى المدينة.

الشوارع مليئة بالناس.

الخباز فتح دكانه.

النجار فتح بابه.

الأطفال يركضون في الساحة.

وكأن شيئًا لم يحدث.

ارتدت ميرا ثيابها بسرعة.

ثم خرجت.

كانت تريد رؤية آنا.

وصلت إلى المدرسة.

دخلت الصف.

جلست في مكانها.

ثم نظرت إلى المقعد المجاور.

فارغ.

حدقت فيه.

- وين آنا؟

لم يجب أحد.

نظرت إلى لوكاس.

- آنا وين؟

تطلع إليها باستغراب.

- مين؟

- آنا!

ضحك بيتر.

- ما في حدا اسمه آنا معنا.

شعرت ميرا ببرودة تسري في جسدها.

- لأ. في. كانت قاعدة هون.

أشارت إلى المقعد.

لم يكن عليه شيء.

ولا حقيبة.

ولا دفتر.

ولا قلم.

ولا أثر لأي شخص.

اقتربت ميرا من المعلمة.

- آنسة... آنا وين؟

نظرت إليها المعلمة بهدوء.

- ميرا، ما عنا طالبة بهالاسم.

- عندنا!

- لا.

- كانت معي مبارح!

ساد الصمت.

قالت المعلمة:

- يمكن عم تتذكري بنت من مدرسة ثانية.

هزت ميرا رأسها بقوة.

- لا! كانت هون!

ركضت إلى السجل.

قلبت الصفحات.

أسماء الأطفال.

واحدًا تلو الآخر.

لم تجد آنا.

ولا اسمًا يشبهها.

لكن ميرا لم تستسلم.

عادت إلى المكان الذي كانت تجلس فيه آنا.

ثم رأت شيئًا تحت الطاولة.

ورقة صغيرة.

انحنت والتقطتها.

كانت رسمة.

بيت حجري.

وساحة.

وفي الزاوية طفلة تحمل دمية زرقاء.

على أسفل الورقة كان هناك اسم مكتوب.

آنا لورين.

اتسعت عينا ميرا.

- لقيتك...

أمسكت الورقة بقوة.

ثم أخذت قلمًا وكتبت على طرفها:

آنا لورين

ظلت الكلمات واضحة لثوانٍ.

ثم حدث شيء جعل الدم يتجمد في عروقها.

بدأ الحبر يتحرك.

ببطء.

الحروف الأولى بدأت تبهت.

آ...

ثم اختفت.

ثم:

ل...

اختفى الحرف.

ثم بقية الاسم.

راقبت ميرا الاسم وهو يُمحى أمام عينيها.

حاولت الكتابة مرة أخرى.

كتبت:

آنا لورين

مرة ثانية.

ظهر الاسم.

ثم بدأ يختفي.

أبطأ هذه المرة.

أخذت ميرا نفسًا مرتجفًا.

كتبت بسرعة:

آنا لورين كانت صديقتي.

اختفت كلمة آنا.

ثم لورين.

ثم:

كانت صديقتي.

بقيت الجملة وحدها.

ثوانٍ.

ثم بدأت كلمة صديقتي بالاختفاء أيضًا.

حدقت ميرا في الورقة.

لم تعد تفهم ما يحدث.

وضعت يدها فوقها لتحمي الكلمات.

لكن الحبر استمر بالاختفاء تحت أصابعها.

وبعد لحظات...

لم يبقَ على الورقة سوى بياض كامل.

رفعت ميرا رأسها.

في الجهة المقابلة من الصف، كان هناك مقعد فارغ.

وبجانب المقعد...

خزانة صغيرة.

فتحتها.

كانت بداخلها الدمية الزرقاء.

لعبتها المفضلة.

وبجانبها دفتر بني مخدوش.

لم تختفِ الأشياء.

فقط آنا اختفت.

وميرا...

كانت الوحيدة التي ما زالت تتذكرها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فالدوين

المؤلف remanwrites
2026/09/26 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: المقدمة
2026/09/26
الفصل 2: صباح لم ينم فيه أحد
2026/09/26
الفصل 3: بيت في فالدوين
2026/09/26
الفصل 4: المدرسة في فالدوين
2026/09/26
الفصل 5: أطفال فالدوين
2026/09/26
الفصل 6: الجرس الثاني عشر
2026/09/26
الفصل 7: خيط بارد
2026/09/26
الفصل 8: جنازة غامضة
2026/09/26
الفصل 9: طعم جديد
2026/09/26
الفصل 10: المنام الغريب
2026/09/26
الفصل 11: نهر فالدوين
2026/09/26
الفصل 12: أول ثلج في فالدوين
2026/09/26
الفصل 13: القطار الذي لم يكن هناك
2026/09/26
الفصل 14: عيد لم يكتمل
2026/09/26
الفصل 15: ليلة الفوانيس
2026/09/26
الفصل 16: المقبرة خلف الكنيسة
2026/09/26
الفصل 17: محل الحلويات
2026/09/26
الفصل 18: محل الورد
2026/09/26
الفصل 19: الكرسي الزائد
2026/09/26
الفصل 20: البيت الصغير
2026/09/26
الفصل 21: الرسام
2026/09/26
الفصل 22: شيء ناقص
2026/09/26
الفصل 23: الصندوق القديم
2026/09/26
الفصل 24: الباب المخفي
2026/09/26
الفصل 25: ليلة الموتى
2026/09/26
الفصل 26: عروس ضوء القمر
2026/09/26
الفصل 27: الاجراس
2026/09/26
الفصل 29: القفص
2026/10/05
الفصل 30: مذكرات فالدوين
2026/10/06
الفصل 31: سر النهر
2026/10/07
الفصل 32: المدينة الخائفة
2026/10/08
الفصل 33: القطار الغامض
2026/10/09
الفصل ٢٨: الاغنية الحزينة
2026/10/02
الفصل 34: النهاية
2026/10/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة