|حين انكسر البيت|

|حين انكسر البيت|

27 0

مرت أيامٌ ثقيلة، خالية من وجه والدهم، وصوت أمهم، ودفء حضنها. كان جاسر وجسار، التوأمان ذو السبعة أعوام، لا يكفّان عن السؤال عنها، "أين أمّي؟ لماذا لا تأتي؟ لماذا لا نتحدث إليها؟ هل نسيتنا؟" لكن لا جواب. وإن جاءهم ردّ، فكان قاسيًا كصوت الرعد في ليلة بردٍ بلا غطاء: "انسوها... المرأة لا تربي رجالًا." مرّت الأيام، وبدأت ملامح الطفولة تختبئ شيئًا فشيئًا خلف وجوهٍ متجهمة، تحاول أن تفهم الحياة كما فُرضت عليهم، لا كما يتمنون. --- بعد غروب الشمس، كانا يلعبان في الحديقة الترابية القريبة من مجلس الجد، مع عمهما الصغير ياسين، ذي السنوات العشر. ياسين، رغم صغر سنّه، شعر بالحزن عليهما. كان يدرك أن هناك أمرًا خاطئًا، أن الطفل لا يُنتزع من أمه بهذه الطريقة، حتى لو لم يفهم التفاصيل. قال لهما بحماسة وهو يركض بالطابة: «هيا نلعب... سنركلها من طرف لطرف، ومن يسجل هدفًا أكثر يفوز!» ضحك جسار للحظة، تبع الكرة وهو يركض، أما جاسر، فركلها بقوة، كأنه يُفرغ في الكرة كلّ ما لا يستطيع قوله. لكن فجأة... صوتٌ حازم، جهوري، يقطّع الهواء: «ياسين! جاسر! جسار! تعالوا لهنا!» تجمّدوا. التفتوا إليه، كان الجد مرزوق واقفًا عند باب المجلس، بملامح لا تبتسم، وعينين لا تُجادَل. ركضوا إليه، رؤوسهم منخفضة، كما عوّدهم. جلس هو على كرسيّه المصنوع من الخشب القديم والمزخرف بالنقوش البدوية، وأشار إلى الأرض أمامه: «اجلسوا.» جلسوا على الأرض، كما أمر، بأيدٍ متشابكة في حجرهم، لا يجرؤون على النظر إلى عينيه. سعل الجد سعلته العادية، ثم بصوته الخشن قال: «اليوم بدي احكي لكم عن رجال من لحمنا ودمنا... رجالٍ ما يعرفون الخوف، ولا الدمع، ولا التراجع.» سكت قليلًا، ثم نظر إليهم نظرة فاحصة: «تعرفون سالفة "عواد بن زامل"؟» هزّوا رؤوسهم نفيًا. تنحنح، ثم قال بصوت أقرب للرواية، وكأن الحدث أمامه: «عواد، جدّكم الرابع، كان عمره خمسطعش سنة يوم صارت الهجّة الكبيرة بيننا وبين عشيرة "الدويس". قتلوا خاله، وسرقوا خيمتهم، وطعنوا ولد عمه، ورفعوا الراية يتحدونا. وش تتوقعون؟ راح عواد، لحاله... حمل سيفه، وركب فرس ما تكمل سباق من التعب، ودخل مجلسهم وهو يقول: "يا الدويس، أنا ولد راشد بن زامل، وعمي بين أيديكم مذبوح، ولا نرضى الدم يروح هدر!"» نظر إليهم الجد، ثم أكمل: «تتخيلون؟ لحاله، ما خاف، ما تراجع، ما طلب وساطة. بس كلمته هزّت المجلس، وطلعوا بعدها برجالهم، وسووا هدنة، لكن الدم انحسب، والعِرض انصان. ولو إنه جبُن؟ كانت راحت الهيبة، واندعسنا برجولهم سنين.» أخذ نفسًا عميقًا: «أنتم يا جسار... يا جاسر... مو أطفال. أنتم رجال العشيرة الجايين. الرجال ما يبكون، ما يسألون عن أمهم، وما يتعلّقون بحضن. الرجال يصبرون، ويتحملون، ويتعلمون كيف يحمون اسمهم، ودمهم، وأرضهم.» رفع إصبعه أمامهم: «لا أريدكم تكرهون أحد، لكن لا تنسوا: اللي ينسى عشيرته، تنساه الدنيا. واللي يلين، ينداس.» سكت. نظر إلى وجهيهما. كان جسار يشدّ على فخذيه بيديه الصغيرتين، وكأن كلام الجد سكن فيه فجأة. أما جاسر، فقد عضّ على شفته، وفي عينيه دمعة يتيمة لم يسمح لها أن تسقط. قال الجد بنبرة أخف: «قوموا... واغسلوا وجيهكم. ما أبي ألاقي بعيونكم حزن مرة ثانية.» --- ركضوا إلى الداخل، لكن القصة لم تنتهِ في ذلك اليوم. كانت البداية فقط... لبناء رجلين، نزعت الطفولة من أعينهما في حديقة، عند مغيب الشمس، باسم العشيرة. * * لم يكن الأمر سهلًا، لكنها فعلته. بعد أن لملمت شتات دموعها، ووقفت كعادتها شامخة رغم الانكسار، توجهت إلى والدها أبو راشد، والد الفتاة التي لم تُكسَر قط... إلا حين سُلب منها فلذتا كبدها. دخلت عليه، ملامحها متماسكة، لكنها حين نظرت إليه... قالت بصوتٍ مبحوح: «أبوي... أولادي. جاسر وجسار... خذوهم مني! ما عاد أقدر... الله يرضى عليك، سوّ لي شي، اطلبهم، لا تخلّيني أعيش وأموت وأنا ما أشوفهم!» سكت. قرأ في عينيها كل الصبر الذي انكسر، وكل الكبرياء الذي سُحق. هزّ رأسه وقال: «بس عيونك يا بُنيتي... اللي تقدرين عليه سوّيناه، والي ما تقدرين عليه بذنبي أنا. أنا أطلبهم.» * * في مجلس واسع مُضاء بأضواء خافتة، اجتمع شيوخ عشيرتي الدويس وآل فهد في محاولة لردّ الأمور إلى نصابها. جلس والد حوراء، الشيخ أبو راشد، بثيابه البيضاء الناصعة، واضعًا يديه على ركبتيه، ونظراته الحزينة تخفي ألمًا ثقيلًا. تكلم أحد شيوخ آل فهد أولًا، بنبرة هادئة وموزونة: – "جئناكم اليوم لا شُفعاء فحسب، بل حريصين على صون الودّ بين الدماء والبيوت. المرأة طُلّقت ظلمًا، والأبناء انتُزعوا من أحضان أمّهم وهي لم تقترف جرمًا ولا خيانة." نظر شيوخ آل دهيم إلى بعضهم صامتين، حتى تقدم الشيخ مرزوق، والد صالح، بخطوات ثابتة، ثم جلس وسحب طرف مشلحه إلى جانبه وقال ببرود ظاهر: – "الطلاق حقٌ للرجل، وأمرٌ ماضٍ لا يُراجع، أما الصغار... فهم وديعة في بيت أبيهم، ولا يُردّون إلى دارٍ تفتقد الاستقامة." تغيّرت ملامح وجه أبو راشد، لكنه تماسك وقال بأدب العشائر: – "ابنتي عفيفة طاهرة، وما جئناكم نطلب سوى حقها في ضمّ ولديها، فهي لم تُقصّر، ولم تخرج عن أمرٍ، بل صبرت على ما لا يُطاق." قاطعهم مرزوق، صوته مبحوح لكنه صارم: – "ليس كل ما يُطلب يُعطى، والولد إن نشأ في غير دار أبيه، انكسر. نحن لا نُربّي الذكور على حضن النساء، بل على مواقف الرجال." سادت لحظة صمت ثقيل، وتبادل الشيوخ النظرات. ثم تكلم أحد رجال آل فهد، محاولًا التهدئة: – "يا شيخ مرزوق، ما نطلبه ليس مخالفةً للعُرف، بل إرضاءً للرحم، وصونًا لأواصر القربى، فدعوا الطفلين يزورا أمّهما ولو يومًا كل شهر، لا أكثر." لوّح مرزوق بيده، رافضًا بوضوح: – "الولد إن اعتاد الضعف، التصق به. ولن نرضى أن يُربّى رجال آل دهيم في ظل بكاء النساء." جفّ الحلق في أفواه الحاضرين، بينما انكفأ أبو راشد على صمته، يخفي بين عينيه دمعًا ثقيلًا، وقهرًا لا يُقال. هكذا انتهى المجلس، دون صلح، ودون وعد، سوى جرح آخر في قلب حوراء... لا يزال ينزف. * * منذ ذلك اليوم، حين أُغلِقَ باب المجلس خلف الشيخ أبو راشد، بدأت الأيام تسحب نورها من عيني حوراء شيئًا فشيئًا. كانت واقفةً عند النافذة، تُسند جبينها على زجاج باردٍ، وذراعاها تُحيطان بصغيرتين لا تعلمان من العالم شيئًا سوى صوت أمٍّ تتنفس الحزن بأناة الأمومة، وتُخفي وجعًا يصرخ في دواخلها. لم يكن الليل يهبط على قلبها كما يهبط على المدينة. بل كان يستقر فوق صدرها كثقلٍ لا يُزاح، وألمٍ لا يُنسى. لم تسأل أحدًا عن شيء، لم تُعاتب، ولم ترفع صوتها، لكنها كانت كلّ مساء تُرتّل بصمتٍ بيتًا من الشعر لم تنطقه شفاهها: > "أخبروه أن قلبي لا يزال على بابهم... لم يغلقه الرحيل، بل خذلان القريب." ما زالت تتذكرهم... جاسر وجسار، بضحكتهما المتقطعة، بعثرتهما في الممرات، بأسئلتهما الصغيرة عن "لماذا القمر لا ينزل معنا؟" ولماذا "السماء لا تحضن الأرض؟"... واليوم، لا تسأل عنهما إلا دموعها. ذات فجر، دخل أبو راشد إلى منزلها، فرأى ابنته جالسةً على الأرض، متوشحةً السواد، تحتضن توأمتيها النائمتين. نظر إلى عينيها فرأى فيهما شيئًا لم يكن يعرفه فيها من قبل... شيء يشبه الانكسار. انحنى وجلس بجوارها، فوضع يده على كتفها وهمس: – "يا حوراء... لا حيلةَ لنا، لا كلمة تُسمع، ولا قلبٌ يلين." رفعت نظرها إليه، وقالت بهدوء تملؤه المرارة: – "أتظنّ يا أبي أنني بكيتُ لأني امرأة؟ لا والله، إنما بكيت لأنني أمٌّ، وانتُزِع مني أبنائي كأنهم لا يحملون دمي." كان أبو راشد يوقن أنها لم تُهزم، لكنها كانت تُعيد ترتيب صلابتها من تحت الركام. تناهى إلى مسامعها لاحقًا أن صالح لم يُدافع، ولم يُظهر حتى نية الاعتراض، بل أنه لم يرَ أبناءه منذ ذلك اليوم. وكأن الطلاق لم يكن قرارًا فُرض عليه، بل اختيارًا اختاره... فتضاعف الألم، لا لأنه تخلّى، بل لأنه لم يلتفت. في ذلك الأسبوع، قررت حوراء أن تُغلق على نفسها أبواب العتاب، وأن تفتح أبواب الاجتهاد. غسلت جرحها بصمت، وأقسمت على نفسها ألا تترك جنى وتُقى يومًا تحتاجان فيه أحدًا. لم تَعُد تتحدث عن صالح، ولا عن ولديها. بل كانت كلما ذُكرت الأسماء، سكتت، ثم قالت: > "في القلب منفى... بعضُ الراحلين لا نُلاحقهم، بل نتركهم حيث انتهى المدى." وهكذا، دخلت حوراء في عزلةٍ اختارتها، لكنّها ما كانت هروبًا، بل بداية بناء... فمن لم يذق مرارة الأمومة المنفية، لن يفهم يومًا كيف تُزرَع القسوة في قلبٍ طيّب. وبهذا، أُسدِل الستار على فصلٍ من حياةٍ لم تُكتب بعد، لكنّها في طريقها لأن تُخلَق من رماد الحنين.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كأنك غريب

المؤلف Fatima Omrn
2025/06/14 مستمرة
قائمة الفصول (27)
الفصل 1: | طلقها .. و الا |
2025/06/14
الفصل 16: |العتبة التي لم تخبرها القلوب|
2025/06/14
الفصل 17: |كأنكما غريبان|
2025/06/14
الفصل 18: |رساله من المجهول|
2025/06/14
الفصل 19: |إياك و رقم ٢٢ ...|
2025/06/14
الفصل 20: |بداية الخيط|
2025/06/14
الفصل 21: |الصورة و القارورة|
2025/06/14
الفصل 22: |الرحيل و ما يليه|
2025/06/14
الفصل 23: |اتخذ القرار|
2025/06/14
الفصل 24: |عندنا و عادت الصدمات|
2025/06/14
الفصل 25: |طوفان مشعل|
2025/06/14
الفصل 26: |وإذا انكسر الصوت… تكلم الصمت|
2025/06/15
الفصل 15: |لم يتوقع |
2025/06/14
الفصل 14: |ذنب يتنقل|
2025/06/14
الفصل 13: |اما الخضوع اما الانهيار|
2025/06/14
الفصل 2: |حين انكسر البيت|
2025/06/14
الفصل 3: |ظلال العائلة و همسات القلب|
2025/06/14
الفصل 4: |اسماء لا تليق بنا|
2025/06/14
الفصل 5: |ملامح لا تنسى|
2025/06/14
الفصل 6: |حبال تشتد|
2025/06/14
الفصل 7: |الظل الذي عاد|
2025/06/14
الفصل 8: |حين اهتزت الأرض تحت أقدام الثبات|
2025/06/14
الفصل 9: |انقلبت الكفة|
2025/06/14
الفصل 10: |خيارات من قعر الجحيم|
2025/06/14
الفصل 11: |خطف بوضح العيون|
2025/06/14
الفصل 12: |سمعتك|
2025/06/14
الفصل 26: |في عين العاصفة|
2025/06/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة