|بداية الخيط|

|بداية الخيط|

24 0

كان سلمان يمرّ من الطريق المؤدّي إلى بيت جدّه مرزوق، ولـمّا التفت يمينه لمح رجل من العشيرة واقف عند باب بيت قديم، ويحاول يفتح حكي مع امرأة شابّة. لو إن اللي شافه جسّار، كان الحين ذاك الرجال يُصلّون عليه صلاة الميت، لكن سلمان أهدأ من جسّار، ما ينفعل بسرعة، ولا يتحرّك إلا إذا حسّ إن السالفة فعلاً تستحق. قرّب منهم بخطوات هادئة، عينه على الرجال، وصوته فيه تحذير مبطّن وهو يطلب منه يروح. التفت بعدها للبنت... ووقف لثواني وهو يطالع فيها. حوراء. نفس المرأة اللي هجمت على مرزوق، واللي قال له عنها خاله مشعل قبل أيام: "انتبه لها، وراقبها إذا شفتها... وإن لاح لك شيء مريب، لا تسكت." وش ممكن يكون أكثر ريبة من إنها واقفة قدّام بيت مشعل المغلق؟ سلّم عليها، بس كان واضح إن بالها مو معها، وجهها شاحب ونظرتها ضايعة. سألها بنبرة هادئة: "تحتاجين شيء؟" رفعت عيونها له، ما عرفته، تأملته شوي، فقال بهدوء: "أنا سلمان بن عبدالله آل دهيم." عيونها تغيّرت، النظرة اللي فيها ترددت شوي، كأنها تذكرت شيء. ايه… كلام مشعل. قال لها وقتها: "لو احتجتي شيء، دوري سلمان. هو من عيوني، ويعرف كل شيء مهم." وهي الحين محتاجة. ما تقدر تدخل البيت، ولا تقدر تتصرف لحالها. ما تقدر تعرّض نفسها لكلام الناس، ولا لشيء يمسّ شرفها. ناظرت فيه نظرة طويلة، نظرة خلت قلبه يرجف لحظة، وقالت بصوت منخفض وواضح: "ادخل البيت." طالع فيها بدهشة، كأنها قالت له شيء خارج المنطق. "أدخل؟ بيت مشعل؟ الحين؟" قالت بجدّية: "ايه. أنا تواصلت مع مشعل، وعارفة إنك تقدر تساعدني." سألها باستغراب: "طيب… أدخل وأسوي وش؟" ردّت مباشرة: "أي شي تلقاه جوا، ورقة، مفتاح، دفتر، أي شي تحسّه مهم… خذه واطلع وجيبه لي." تنهّد سلمان، ولفت عينه يمين ويسار، حسّ بثقل المسؤولية اللي طاحت فجأة على كتفه، وبصوت خافت كأنّه يكلم نفسه قال: "هذي بلاوي خالي مشعل… دايم تبدأ بكلمة (ادخل)." ثم دخل * * في الداخل... وقف سلمان عند الباب لحظة قبل ما يدخل، سحب نفس عميق وهو يطالع المكان بنظرة سريعة. الشقة كانت صغيرة، بسيطة، بس كأنها متروكة من سنين. الغبار مغطي الأرضيات والجدران وحتى النوافذ، ضوء الشمس الداخل من خلال الزجاج الوسخ كان باهت وكئيب. كانت ريحة العتق واضحة، ريحة جدران مسكرة من وقت طويل... ومع كل خطوة يخطوها، يتصاعد الغبار من تحت نعاله كأن الأرض تئن من ثقله. في الزاوية، كانت فيه علبة صدئة مقلوبة، وبالقرب منها حشرة ميّتة من النوع الكبير، وذباب يتطاير حول كيس بلاستيك ناشف عالق في مسمار بالجدار. "ما هذا الخراب؟" تمتم سلمان وهو يحاول يبعد شبكة عنكبوت علقت في كمّه. فتش المطبخ... ما فيه إلا دولاب مهترئ وبلاط مكسر. راح لغرفة النوم... لا فرشة، لا دولاب، بس أرضية وسخة وآثار حشرات تمشي قبل شوي. لفّ البيت غرفة غرفة، ما فيه شيء يلفت النظر، لا ورقة، لا صورة، لا حتى كتاب قديم. خرج من الشقة مغبون، وهو ينفض الغبار عن ثوبه بيده. لقى حوراء واقفة قُدامه، عيونها كلها ترقّب وتوتر، كأنها تنتظر أمل أو معجزة. اقتربت وسألته بنظرة تفضح استعجالها وتوترها، ما تكلمت، بس عيونها تكفي. قال لها ببرود خفيف: — "البيت فاضي، ما لقيت شيء يُذكر. حتى ما فيه موية أو كهرباء، كأنه عمره ما تُسكن." شهقت من الغضب، ثم بصوت منخفض بس حاد جدًا، كأنها تكتم صرخة: — "أكيد ما راح يحط شي مهم قدّام عيونك... أدخل! رجّع دَور مرّة ثانية، لا تطلع إلا ومعك شي. أي شي له معنى، ورقة، قصاصة، صورة، حتى لو حصاة مشبوهة! افهم، أنا ما أقدر أبقى هنا والناس تمرّ تشوفني! رح بيتي، وإذا خلصت تعال!" ثم دارت وراحت بخطوات سريعة، ما التفتت، ما عطته فرصة يرد، كأن كلامها أمر. سلمان وقف مكانه لحظة، مطنشًا غبار اللي على ثوبه، ثم قال بضيق وهو يدخل مرة ثانية: — "الله لا يورّطنا..." طلع جواله من جيبه، وبدأ يتصل: — "ألو، خالي مشعل؟" في مكانٍ آخر... كان مشعل جالسًا بمكتبه المعتاد، الواجهة الزجاجية العريضة خلفه تطلّ على البحر بلونه الرمادي المائل للزرقة. ضوء الغروب ينسكب على الأرضية الرخامية، والهدوء الثقيل في المكان لا يقطعه إلا صوت خافت للساعة وأوراق متناثرة على مكتبه. كان يراجع بعض الملفات حينما رنّ هاتفه... ألقى نظرة على الشاشة، اسم "سلمان" ظهر واضح. ردّ مباشرة، بصوتٍ هادئ لكن يقظ: — "خير؟ مالذي حدث؟" جاءه صوت سلمان محمّل بالضيق والتبرم: — "ياليت، ياليت لو تكون هذي آخر مرة تدخلني بأشياء معقدة... خصوصًا إذا كان الموضوع له علاقة بحوراء!" رفع مشعل حاجبه بدهشة، نقر بأصابعه بخفة على الطاولة، ثم مال للخلف واتكأ على الكرسي الجلدي الفاخر: — "وش دخل حوراء؟ وش اللي صار؟" بدأ سلمان يسرد له كل ما حصل: رؤيته لها أمام منزل مشعل، طلبها منه الدخول والبحث، ردّ فعله، ثم مكالمته لها. ظلّ مشعل صامتًا لثوانٍ، وجهه تبدّل، لمعة غريبة لمعت في عينيه. ثم جاء رده هذه المرة جادًا جدًا، صوته منخفض لكن فيه نبرة لا تُخالف: — "سلمان... افعل بالضبط اللي قالت لك عليه. فتّش كل شبر في المكان. وإذا لقيت شي، تعال أولًا كلّمني أنا، قبل لا تقول لها ولا حرف. واضح؟" سلمان تنهد: — "واضح، واضح... بس تراي ما راح أنام الليلة من الغبار!" أغلق مشعل الخط، وضع الهاتف على الطاولة بهدوء، ثم نهض من كرسيه وسار في أروقة الشركة بخطوات بطيئة، تفكيره مشغول بالكامل. كان ينظر إلى البحر البعيد، كأنه يبحث فيه عن إجابة. — "هل وجدت الورقة؟" قالها في سره. الورقة التي تركها لصالح منذ سنوات... لم يكن يتوقع أن تصل لحوراء أصلًا. — "وإن كانت قد وجدتها..." أكمل في ذهنه: — "فكيف؟ كيف تتقدمين بهاي السرعة يا حوراء؟" ابتسم بزاوية فمه، ابتسامة لا تُقرأ بسهولة. وش الي تدوري عليه يا حوراء؟  * * في منزل حوراء... كان البيت ساكنًا على غير العادة. سجى تستحم، ورسل تجلس على الأريكة الصغيرة في الصالة، تمدّ رجليها وتعيد قراءة بعض الدروس الجامعية القديمة وهي تشعر بالملل يزحف على عقلها كغيمة ثقيلة. الصمت يُخيم حتى... دقّة خفيفة على الباب. نهضت رسل بسرعة، لم تفكر حتى، ظنّت أن أمها قد عادت. فتحت الباب. لكنها لم ترَ والدتها. بل وقفت أمامها امرأة غريبة تمامًا. ليست شابة... لكنها جميلة بشكل لافت. عيناها سوداوان، بشرتها حنطية، وشعرها منسدل بالكامل تحت شالٍ ضيق بالكاد يغطي نصف الرأس. كانت تضع مكياجًا ثقيلًا بعض الشيء، وملابسها حديثة، ضيقة، تشي بأن ذوقها لا يشبه ما تعودت عليه رسل من نساء العائلة. قالت رسل، بخفة لكنها متحفزة: — السلام عليكم... تبين شي يا خالة؟ نظرت لها المرأة بنظرة مستعلية، ثم انحنت زاوية فمها بابتسامة أنثوية، ودفعت الباب ببطء ودخلت وكأنها في بيتها. مشت بخفة وجلست على الأريكة المقابلة، وضعت رجلًا على رجل، وسحبت نفسًا وكأنها تتملك المكان. رسل وقفت مذهولة، الباب ما زال مفتوحًا خلفها، وضعت شيئًا ليمنعه من الإغلاق، ثم استدارت نحو المرأة وقالت بحدة مغتاظة: — خير؟ رفعت المرأة يدها تبعد خصلة من شعرها خلف أذنها، وقالت بابتسامة واثقة: — اجلسي. جلست رسل لكن على طرف المقعد، حواجبها معقودة، نظرتها حذرة. قالت المرأة: — انتي تقى... ولا جنى؟ ردّت رسل، نبرة صوتها ثابتة: — أنا رسل. هزّت المرأة رأسها وكأنها تسجّل الاسم في عقلها، ثم قالت: — وينهم؟ ووش تسوين انتي هنا؟ ارتفعت حاجبا رسل بدهشة: — ما عندنا أحد اسمه تقى أو جنى... وبعدين كيف تدخلين بيت ناس وتسأليني وش أسوي فيه؟ وش تبين؟ تغيرت نبرة المرأة قليلًا، صارت أقرب للفضول الصريح: — مو هذا بيت حوراء آل دويس؟ قالت رسل بثبات: — بلى. ابتسمت المرأة، لكن ابتسامتها كانت غريبة... ثم قالت: — يعني... كانت تعرف رجال؟ أنجبتك منهم؟ لأنك تشبهينها. اندهشت رسل... جُرحت، كانت تسيء لها و لأمها . — هذا شي ما يخصك. اطلعي من بيتنا لو سمحتي. في تلك اللحظة، خرجت سجى من الحمام، شعرها مبلل ومرتدية ثياب النوم. توقفت لحظة تنظر للمشهد أمامها، ثم إلى وجه أختها المتوتر، اقتربت بتلقائية، وهي تمسح خصلات الماء عن وجهها: — وش في؟ يا خالة تبين شي؟ رفعت المرأة نظرها إليهما... رمقتها سجى للحظة، ثم نظرت لرسل. شعرت بشيء غريب في الجو. المرأة نظرت لهما مطولًا وكأنها تعرفهما، وكأنها تتأمل ملامح وذكريات قديمة من زمن آخر. نهضت بهدوء... تقدمت للباب، ثم استدارت وابتسامتها لم تختفِ، بل زادت غموضًا وقالت: — تذكروني زين... أنا رهف. ثم خرجت... والباب خلفها يُغلق ببطء. وبقيت الفتاتان تحدّقان ببعضهما... لا كلمة تُقال، لكن شعورًا واحدًا يسكن العيون: من هي رهف؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كأنك غريب

المؤلف Fatima Omrn
2025/06/14 مستمرة
قائمة الفصول (27)
الفصل 1: | طلقها .. و الا |
2025/06/14
الفصل 16: |العتبة التي لم تخبرها القلوب|
2025/06/14
الفصل 17: |كأنكما غريبان|
2025/06/14
الفصل 18: |رساله من المجهول|
2025/06/14
الفصل 19: |إياك و رقم ٢٢ ...|
2025/06/14
الفصل 20: |بداية الخيط|
2025/06/14
الفصل 21: |الصورة و القارورة|
2025/06/14
الفصل 22: |الرحيل و ما يليه|
2025/06/14
الفصل 23: |اتخذ القرار|
2025/06/14
الفصل 24: |عندنا و عادت الصدمات|
2025/06/14
الفصل 25: |طوفان مشعل|
2025/06/14
الفصل 26: |وإذا انكسر الصوت… تكلم الصمت|
2025/06/15
الفصل 15: |لم يتوقع |
2025/06/14
الفصل 14: |ذنب يتنقل|
2025/06/14
الفصل 13: |اما الخضوع اما الانهيار|
2025/06/14
الفصل 2: |حين انكسر البيت|
2025/06/14
الفصل 3: |ظلال العائلة و همسات القلب|
2025/06/14
الفصل 4: |اسماء لا تليق بنا|
2025/06/14
الفصل 5: |ملامح لا تنسى|
2025/06/14
الفصل 6: |حبال تشتد|
2025/06/14
الفصل 7: |الظل الذي عاد|
2025/06/14
الفصل 8: |حين اهتزت الأرض تحت أقدام الثبات|
2025/06/14
الفصل 9: |انقلبت الكفة|
2025/06/14
الفصل 10: |خيارات من قعر الجحيم|
2025/06/14
الفصل 11: |خطف بوضح العيون|
2025/06/14
الفصل 12: |سمعتك|
2025/06/14
الفصل 26: |في عين العاصفة|
2025/06/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة