في مساء ذلك اليوم، جلست حوراء على طرف سريرها، تقلب كلمات كثيرة في رأسها، خجلها من قولها وجهًا لوجه لا يعني رفضًا، بل كانت تحاول أن تخفف من ثقل القرار. أمسكت قلمها، كتبت بخطها المعتاد: > "أنا موافقة على عرضك، وأشكرك. لكن لدي شرط... يجب أن تكون في صفنا، وفي كل ما يخص أولادي يجب أن تستشيرني. كما أنني لن أترك عملي." طوت الورقة بعناية، نهضت بتردد، ومشت بهدوء نحو غرفته. وضعتها على الطاولة الصغيرة قرب نافذته، ثم خرجت بخفة كأنها لا تريد أن تترك أثرًا. وهي تنسحب من الغرفة، رآها مشعل بالصدفة من طرف الرواق. تابع خطواتها بنظرة متفحّصة، حتى خرجت من المنزل كله. رفع حاجبه بتساؤل، ثم مشى بخطى هادئة إلى داخل الغرفة. نظر حوله، لا شيء يبدو غريبًا... سوى تلك الورقة البيضاء على الطاولة. اقترب، فتحها. قرأ كلماتها. ابتسم... ابتسامة خفيفة، صامتة، لكنها صادقة. تنفّس بعمق، شعر بشيء من الارتياح. هي موافقة. لكن... هناك شرط. وهو شرطها المعتاد. أن يكون شريكًا، لا سيدًا. "في صفنا..." كرر الجملة في ذهنه، وكأنها تشترط عليه أن يكون لها ظهرًا، لا عبئًا. ثم تنهد، وفورًا... مرّ طيف مريم في رأسه. تغيّرت ملامحه. تذكر وجهها حين يغيب عنها لأيام... وحين يعدها ثم يؤجل... وحين تقف أمامه تنتظر، ولا يأتي. هو لا يريد أن يجرحها، لا الآن. سيكون من الصعب عليها تقبّل الأمر. فكر: هل يحضرها إلى هنا؟ "لا... ما له داعي. بيرجعون بعد كم يوم، ما أبي أزيد التكاليف ولا أخليها تحس إنها مقطوعة عن مكانها." طيب، يتصل عليها؟ "لااا... بتفهمها غلط. تحسب إني مستخف فيها. البنت حساسة، ولازم أكون معاها، وجهًا لوجه." هز رأسه، حسم قراره: – لازم أمرّ عليها قبل لا أرجع للبيت... وأتكلم معها بهدوء. أما ثابت؟ ابتسم بسخرية خفيفة. ذاك الولد عالم لحاله. كل تفكيره محصور في المسابقات، واللياقه، والنادي اللي يبغى ينقبل فيه. ما همه أحد ولا يلتفت كثير. لكن... عليا؟ أغمض عينيه بتعب. من زمان، ما بينهم ود. حتى قبل سفره، كل ما رجع من مشوار أو غيبة، يبدأ الخلاف بينهم من أول دقيقة. ما يدري ليه، بس يحس إنها ترتاح إذا ما شافته. "أكيد ما راح يعجبها اللي يصير..." قالها لنفسه وهو ينهض من الكرسي. خرج يتمشى قليل، ليروّح عن صدره. هناك، عند سور الحوش، كانت حوراء واقفة، تنظر إلى الشارع الفارغ. الهواء يحرّك طرف عباءتها، والصمت يُثقل الموقف. وقف بجوارها. لم يقل شيئًا. نظرت له، وهمست بصوت بالكاد يُسمع: – تظن إني غلطت؟ التفت إليها، وابتسم بابتسامة وادعة: – لا تشيلين هم. حتى لو تبين تتراجعين، ما راح تخسرين شيء. نظرت إلى الأمام، وعيناها تائهتان: – البنات... مو مرتاحات أبدًا مع اللي صار. ما أعرف كيف أهونها عليهم... قال بهدوءٍ لم يتخلّ عنه: – قولي لهم يجهزون، بنطلع شوي نغيّر جو. التفتت له بدهشة خفيفة، ثم هزت رأسها ومشت لتُبلغهن. أما هو، فاتجه نحو غرفة سلمان. فتح الباب، وجد الفتى ممددًا على التخت، رأسه على الوسادة، عيونه مشغولة بمسلسل يعرض على شاشة جواله. رفع مشعل حاجبه وقال: – انهض، حضّر نفسك... بنطلع شوي. رفع سلمان نظره له، نصف مستغرب نصف ساخر: – نطلع مع ذيك المتعجرفة؟! ولا بس حنا؟ ضحك مشعل بهدوء: – نطلع كلنا، يالله لا تتدلل. تنهّد سلمان، وقام متكاسلًا: – والله إنّي شايف الليلة بتصير طويلة. ضحك مشعل مرة أخرى، وهو يغلق الباب خلفه: – إذا ما طولنا، ما نغيّر جو! ٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠ تجهّز الجميع وخرجوا معًا، لم يتحدث أحد كثيرًا في الطريق، حتى مشعل اكتفى بالصمت وهو يقود السيارة بهدوء. اختار لهم مطعمًا بعيدًا بعض الشيء عن المدينة، لكنه هادئ، بنوافذ عريضة تُطل على حديقة صغيرة، وأضواؤه دافئة تُريح العين. جلسوا جميعًا حول الطاولة، النادل قدّم لهم قوائم الطعام، وبدأت الأحاديث المتفرقة، إلا أن الجو لم يخلُ من التوتر. سجى كانت تنظر حولها بضيق واضح، كأن كل من في الطاولة متفق ضدها، نظراتها تائهة… مشحونة. أما رُسل، فكانت تُحاول إخفاء قلقها خلف ابتسامة خفيفة، تهز رأسها أحيانًا وتُشجع أمها بعينيها، لكنها لم تكن مرتاحة تمامًا. هي تثق بأمها… نعم، لكن ما يحدث يفوق قدرتها على الفهم أو التقبّل. سلمان كان أخفّهم ظلًا. يضحك، يمزح، يُلقي تعليقات مرحة على الأكل وعلى "الجو العائلي الغريب". أما حوراء، فجلست بصمت، تأملهم واحدًا واحدًا، وداخلها خليط من الخوف، الحذر، والتمسك بما قررته. قطع مشعل الصمت بنبرة هادئة، موجهًا حديثه للبنات: – اسمعوا… بصفتي عمكم، ما راح أسمح إن فيه شي يتغير عليكم من ناحيتي، لا تحاتون. ثم أكمل بواقعية: – لكن... أول ما تنتقلون لبيت العائلة، طبيعي تصير مشاحنات، نكزات، يمكن بعض التعديات اللفظية… بس كل شيء راح يتحسن مع الوقت، إذا خليتوا مشاعركم على جنب. يعني حتى لو ما اعتبرتوا اللي في البيت عائلة، اعتبروهم جيران، سكان في نفس المبنى… ما أكثر. ضحكت رسل بخفة وهي تحاول تهدئة أجواء التوتر، أما سجى فظلت واجمة. سلمان، وبينما يُدخل لقمة كبيرة في فمه، همس بمكر وهو يغمز لمشعل: – حلو… بس قولي كيف أقنعتهم يرجعون يعيشون في بيت الجد؟! ابتسم مشعل وهمس بدوره وهو يميل عليه: – ما أقنعتهم… أُجبروا. أنا وحوراء راح نتزوج. ثم بهدوء… وضع لقمة أخرى في فمه وكأنه لم يقل شيئًا. لكن سلمان تجمّد. حدق فيه لثانيتين، ثم كأن الطعام علق في حلقه، بدأ يسعل بشدة وهو يضرب صدره بكفّه. قالت سجى بانزعاج وهي تشير له: – شوفي يا أمي... حتى هذا صُدم بالخبر، مو بس إحنا! تنهدت حوراء دون أن تعلّق، واكتفت بالعودة لهدوئها، تكمل طعامها دون رغبة. مشعل نظر إلى سلمان ثم قال بنبرة عادية: – بكرا بنرجع للبلد… كان بودي نبقى أكثر بس اقرب طائرة هي بكرا ... نرجع و فورا نكتب عقد القران ونجهز الطابق. رفع سلمان حاجبيه وقال بفضول: – طيب... أنا عارف ثابت ما راح يهتم، بل يمكن يفرح لأنه بيركز على ناديه ومسابقاته، بس... مريم؟ رد مشعل بنبرة مطمئنة: – بتفاهم معاها، لا تشيل هم. ابتسم سلمان، ثم قطب: – أنا ما أشيل هم مريم… أنا خايف من جسار وجاسر. رفعت حوراء رأسها فجأة ونظرت له، عيناها ضيقتان، لكنها لم تتكلم بعد. أكمل سلمان وهو يمضغ: – جاسر، هذا بارد لدرجة إن ما أقدر أتوقع ردة فعله، بس جسار؟ لا والله… ذا بيحرق البيت واللي فيه. ومرزوق بعد، لا تنساه. شهقت حوراء بخفة من الغضب، وضربت الشوكة على الطاولة بخفة، ثم قالت بصوت منخفض لكنه حاد: – آخر مرة… تحط اسم ابني جنب اسم مرزوق. وخل نكون واضحين: جسار لا هو مريض نفسي، ولا مجنون. توقفت لحظة، تأملت نظراتهم ثم أكملت: – هو رجل بالغ، عمره ٢٧ سنة. إذا إخوته الصغار فهموا الوضع، فما له عذر إنه يثور ويتصرف بدون عقل. وحتى لو غضب… ما راح يغيّر شيء، ولا يقدّم ولا يأخّر. أعادت النظر إلى طبقها، وأكملت أكلها بصمت صارم. ساد الهدوء على الطاولة بعدها. ثم، دون نقاش إضافي، أنهوا وجبتهم، وعادوا إلى المنزل للاستعداد للرحيل في صباح الغد. ٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠ عادوا أخيرًا إلى البلد. كانت الشمس تميل للمغيب حين دخلوا حدود المدينة، لكن حوراء… رغم أنها لم تغب عنها سوى أيامٍ معدودة، شعرت بالغربة. كأنها تعود إلى ساحة معركة، لا إلى مكان اعتادت العيش فيه. ضاقت أنفاسها وهي تنظر من نافذة السيارة، ثم مدّت يدها بهدوء وفتحت هاتفها لأول مرة منذ ساعات. رسالة واحدة… من مرزوق. جملة واحدة فقط: > "والله لتندمين… إنتي وبناتك… حالما تضعين قدمك في البلد." انكمش قلبها في صدرها. شعرت بتهديده كأنه خنجر خلف ظهرها… ليس خوفًا على نفسها، بل على بناتها. رفعت نظرها بقلق إلى مشعل، وسلّمته الهاتف دون كلام. قرأ الرسالة بهدوء، ثم قال لها بصوت منخفض ونبرة ثابتة: – أنتي تعبانة من السفر؟ ولا أكلم صديقي نروح نكتب العقد على طول؟ ترددت، ثم قالت بصوت خافت: – كلّمه… لم تمضِ دقائق حتى أنهى مشعل المكالمة، ثم انطلقوا مباشرة إلى الرجل المعنيّ. تمّ عقد القران. الآن… حوراء رسميًا أصبحت "حُرمة مشعل." اسمها أصبح يُذكر ملحوقًا باسم رجل… بعد عشرين سنة. شعور غريب راودها وهي تكتب اسمها كاملًا في الورقة… هل سيكون مثل صالح؟ مستهتر؟ أناني؟ يهرب من المسؤولية؟ سؤال واحد ظلّ يصرخ بداخلها، لم تجد له جوابًا. في طريق العودة، كانت سجى ترمي بكلماتها اللاذعة، الواحدة تلو الأخرى… لكن مشعل صبر. لم يعلّق، لم يرفع صوته، فقط ظل يقود بثبات. حين وصلوا إلى بيت حوراء، وقف على العتبة، وهي عند الباب من الداخل. نظر إليها بعينيه الثابتتين، وقال بهدوء: – جهّزوا أغراضكم… بس الأساسية. بكرة أجي آخذلكم للبيت. أومأت له بصمت، ثم دخلت، وأغلق الباب. أما مشعل، فقد التفت نحو سلمان وقال بنبرة أكثر جدية، نبرة لا تقبل النقاش: – روح للبيت، خذ مريم… وجبها لي هنا. ولا تقول لها أي شي. هزّ سلمان رأسه موافقًا، ثم تحرك فورًا. مرت نصف ساعة… ثم وصلت مريم. وما إن لمحت مشعل حتى اندفعت نحوه، رمت نفسها بين ذراعيه، دموعها على وشك أن تنهمر. – ابي! وش فيك؟ ليش طلبت تشوفني هنا؟ صار لك شي؟ مريض؟ لا سمح الله! أنت بخير؟! كانت تنهال عليه بالأسئلة، صوتها يعلو وينخفض، ويدها تمسك يده بقلقٍ واضح. وهو… كان ينظر لها بابتسامة ناعمة، يمسح على شعرها كأنها طفلة ضائعة رجعت لأمانها. – يا مريم… يا عيوني… أنا بخير. ما فيني شي. توقفت لوهلة، وعيناها تترقّبان الجواب. اقترب منها أكثر، وصوته انخفض، صار أكثر حنانًا… وأكثر حزمًا: – الموضوع ما له علاقة بصحتي، الموضوع… له علاقة بـ العدالة، والنخوة، والغيرة… اللي في داخلي. مدّ يده ووضعها على كتفها بخفة، كأنّه يريد أن يُطمئنها… قبل أن يقول ما سيقوله.
Fatima Omrn