استيقظ مشعل باكرًا على غير عادته… في ذلك الصباح، تسلّل إليه نشاطٌ خفيف، غريب ومحبّب، كأن البيت الذي كان يسكنه الفراغ، بدأ يتنفّس الحياة مجددًا. شعر للحظة أنه أخيرًا… في منزله. نهض من سريره، لبس عباءته على عجل، وتوجّه إلى الغرفة التي ينام فيها سلمان. فتح الباب دون طرق، ودخل. سلمان، بتأفف وهو يغطي وجهه بالوسادة: – خالي؟ وش فيك من صباح الله خير؟! وش صاير؟ اقترب مشعل من السرير، جلس على طرفه، وقال بصوته الهادئ: – هيا قم، عندنا شغل… عطِني اللي لقيته في بيتي القديم، الآن، قبل لا تروح الذاكرة. سلمان جلس بكسل، عيناه بالكاد مفتوحتان، وتمطّى وقال: – إنت متأكد إن حوراء سمحت ببقاء الأغراض معي؟ ثم استلقى مجددًا وكأن الحديث لا يعنيه. تفاجأ مشعل، عينه اتسعت، وقال مستنكرًا: – أخذتهم؟! ما قلت لك تعطيني إياهم أول شي؟ ضربه على كتفه ضربة خفيفة ونهض، ثم خرج من الغرفة وهو يتمتم بتأفف. جلس في الصالة… كان الهواء ساكنًا لكن ستارة البلكونة تتحرك بخفة، دلالة أن الباب مفتوح. لاحظ ظلّ شخص هناك. نهض ومشى نحو الضوء. في البلكونة، كانت حوراء جالسة على الكرسي الحديدي الصغير، تنظر إلى الخارج بشرود، وعلى الطاولة الصغيرة أمامها فنجانان من القهوة وكيس ورقي. رفعت رأسها عندما لمحته وقالت بهدوء: – صباح الخير. ابتسم بخفة وأجابها: – صباح النور. قالت مباشرة: – هل نتحدث الآن عن الموضوع؟ تنهد وجلس على الكرسي المقابل لها. أخرجت من الكيس الورقي ورقة مطوية بعناية، فردّتها أمامه وبدأت تقرأ بصوتٍ منخفض، وكأنها تستحضر تعويذة قديمة: > "ليلة السابع عشر، حين تجتمع الأرض بالنار: ▫️ الطين لا يملك الحق إن لم يُحرك الماء. ▫️ القسمة ليست كاملة… بل نصفان متساويان متعاكسان، لا يدري أحدهما عن الآخر. ▫️ الوعد وُضع في الظل… وعند طلوع العين، يُكشف الخفي. ▫️ الخط الثالث يمين الحرف، واسأل النخلة عن ظلّها وقت الظهر. ▫️ إياك والرقم ٢٢… فهو بداية العدل ونهاية الجور. ▫️ ثم خذ المفتاح من العهد الأول، وارجع إلى ما قبل مرزوق…" تحتها رسم غريب… خريطة مربعات مرقّمة لا معنى ظاهر لها، وبجانبها كلمات مبعثرة: "نور / قسمة / ظل / مفتاح / صالح / نصف / سابع / عهد" وضعت الورقة أمامه، وقالت بهدوء: – "٢٢" و "عشرين" هو منزلكم، صح؟ ثم أخرجت الصورة القديمة والقارورة الصغيرة من الكيس، وناولته إيّاها. أخذ الصورة… كانت قديمة، امرأة في الأربعينات تحتضن طفلًا صغيرًا. تأمّلها طويلًا، ثم قال: – ما عرفتها… ولا الطفل. أخذت منه الصورة، قلبتها، ثم وضعتها بجوار الورقة وقالت: – شوف هنا... في خلف الصورة، فيه جملة مطموسة، بس تقدر تقرأ كلمات منها… أشارت بأصبعها: – هنا كلمة "متساويان"، وهنا "آخر"، وهنا "متعاكسان"… قالت وهي تلتفت له: – الجملة هذه تطابق الجملة الثانية في الورقة: "القسمة ليست كاملة… بل نصفان متساويان متعاكسان، لا يدري أحدهما عن الآخر". نظر لها نظرة طويلة، ثم همس: – طيب... من المقصود؟ من النصف الآخر؟ هزّت رأسها ببطء وقالت: – ما أعرف… المفروض إنت تعرف. ثم أخرجت القارورة الصغيرة وقالت: – حاولت أفتحها… ما انفتحت. أخذها منها، حاول، وبعد معاناة انفتح الغطاء. أحضرت صحنًا من الداخل وسكبوا محتوى القارورة عليه: رمل ناعم… وصدف بحري صغير. بدأوا يتأملون الأصداف بصمت. كانت هناك صدفة مربوطة بخيط قديم. أخذها مشعل، فحصها، لم يجد شيئًا واضحًا. ناولها لحوراء، جلست تفكّ الخيط بخفة وصبر. بعدما فكّت الخيط، دققت النظر، ثم صرخت فجأة بخفوت: – هنا… شوف! أشارت بإصبعها إلى رقم صغير منحوت على حافة الصدفة: "١٧". أراها له، رفع حاجبه، قال: – رقم السابع عشر… يعني الليلة المكتوبة في أول الورقة. لكن لم يظهر له معنى واضح بعد. جلسا بصمت… دقائق مرت وحوراء تحدّق في الخارج. قطع السكون صوت مشعل الهامس، وكأنه لا يريد كسر الجو بالكامل: – فكّرتي في عرضي؟ تغير جلستها، لكن لم تنظر إليه: – لا… ما فكرت بعد. قال بهدوء صادق: – أتفهمك… بس لازم تسرعين. الوضع ما عاد يحتمل التأجيل. قالت بصوت خافت، فيه شرود حقيقي: – أنا ضايعة. مو قادرة أركّز. ولا أقرر. ترددت ثم قالت وهي لا تزال تنظر من البلكونة: – إذا قبلت… وجيت معك البيت… تتوقع جاسر و جسار يتقبلوني؟ تتفهم إنهم عرفوا إن صالح خطبني… هل بيقدّرون موقفي؟ بيعرفون إن هذا الحل الوحيد اللي باقي لي؟ تكتم مشعل للحظة، ثم اتّكأ على الكرسي وتكتّف: – ما أقدر أجاوبك، بس أعرف شي واحد… – وهم صغار، بعد الطلاق، كل يوم يسألون عنك. – إذا قدمنا الغدا، يسألون: "هذا من أكل ماما؟" – ما ينامون إلا إذا عاقبهم أبوي من كثر ما يسألون عنك. – حتى الاستحمام، ما يدخلونه إلا لو قلنا إنك بتزورينا… – أمي كانت تخدعهم… تقول لهم: "تغسلون شعوركم عشان أمكم تحضنكم لما تجي" – أبوي… كان يقسى عليهم كثير… يعاملهم كرجال وهم لسه أطفال. – هذا… خلا جسار يصير عصبي، ويفور بسرعة – وجاسر… صار بارد، ما يهتم بالمشاعر أبد. كان سيكمل… لكن قطع صوته شهقة مكتومة. نظر إليها… كانت حوراء تبكي. دموعها تنزل بصمت… لم تقاطعه، ولم تعلق، فقط جمعت الورقة والصورة والقارورة، وقامت بهدوء… ثم غادرت إلى غرفتها. تركته خلفها… حائرًا، مثقلًا بالذكريات. ٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠ حوراء جلست على حافة السرير في غرفتها، يديها ترتجفان، ودموعها لم تجف بعد. كانت تفكر في الخيار الذي اتخذته بعقلٍ متزن، لكنها كانت تعرف في قرارة نفسها أن هذه خطوة لن تكون سهلة. جاسر و جسار، تلك المشاعر التي تحبسها منذ سنوات، كانت تتجدد بسرعة كلما فكرت فيهما. وعيناهما، اللتان تحملان قسوة الأيام، توجّهان نظرات لا تخفى، كأنهما تسألانها عن كل قرار تتخذه، عن كل لحظة تبتعد فيها عنهما. لو أنها رفضت عرض مشعل، لم تكن لتراهم مجددًا. لكن إن قبلت... سيصير الأمر مختلفًا. ستراهم، ستهتم بهم، ستشعر أن هناك مساحة للأمل في حياتهم، وفي حياتها. مسحت دموعها، وقررت أخيرًا أن تخرج إلى غرفة البنات. تحمّلت القرار في قلبها، لكنها كانت واثقة أنه الحل الوحيد. عندما دخلت، كانت سجى و رسل جالستين على السرير، وكأنهما كانتا في انتظارها، لكنها، في تلك اللحظة، شعرت بوزن العالم يثقل على صدرها. حوراء: – أنا... قبلت عرض مشعل بالزواج. سجى انتفضت من مكانها كأنها لسعها شيء ما ورسل ما تحرّكت، بس نظراتها كانت مصدومة. سجى بصوت عالي: – وش تقولين؟! مو إنتِ اللي قلتي جايين هنا بس نكسب وقت؟! حوراء ردّت بهدوء، لكن بنبرة ما فيها مجال للنقاش: – إيه قلت، بس الوضع تغيّر. هالخطوة هي الأفضل لنا. لو رفضنا، بيتحكم فينا مرزوق، وأنا والله ما راح أسمح له. سجى فتحت فمها بتعليق، بس حوراء سبقتها بالكلام: – تبين تتركون الجامعة؟ تبين تقعدون في البيت ما تطلعون إلا على كيفه؟ تبين تتزوجون ناس غصب عنكم؟! أنا أمكم، وما راح أفرّط بحريتكم. لو وافقت، مشعل بيوقف معنا، وبيصير لنا سند. له كلمة مسموعة، وبيصير محرم، محد يقدر يجي صوبنا بعدها. سكتوا البنات، مو لأنهم اقتنعوا، بس لأنهم انصدموا. حوراء طالعتهم للحظة، وبعدين مشت بهدوء وطلعت من الغرفة، تاركة وراها صمت ثقيل. سجى وقفت مكانها، قلبها منقبض، والدمعة تحرق عينها، بس ما نزلت. فكرة "زوج الأم" كانت شي ثقيل... يعني بعد عشرين سنة، يجي رجال غريب ياخذ أمهم؟ ويصير له سلطة عليهم؟ ما قدرت تستوعب. سجى تمتمت، بصوت خافت: – يا رب... وش اللي قاعد يصير؟ رسل بصوت مكبوت: – ما أدري... بس شكله خلاص، ما فيه رجعة. ٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠.٠ منذ الساعات الأولى من الصباح، كان جاسر يعمل بهدوء صارم خلف مكتبه الكبير في الطابق الإداري من الشركة. تتراكم الأوراق أمامه، عقله مشتت، لكن يديه لا تتوقفان عن الحركة. كمال، صديقه القديم ومساعده المخلص، أنهى ما عليه من مهام بسرعة، ووقف أمام مكتبه ينظر إليه بإشفاق. كمال: – أستاذ جاسر... جاسر دون أن يرفع رأسه: – أمم؟ كمال بابتسامة خفيفة: – تعال نطلع ناخذ استراحة بسيطة، نغيّر جو، بعدين نكمل شغل. تنهّد جاسر وألقى نظرة على ساعته، ثم أغلق الملف أمامه وقال بفتور: – طيب. نزلا سويًا إلى مقهى الشركة الأنيق في الدور الأرضي. طلبا قهوة وكعكًا بالشوكولاتة، وجلسا على طاولة قريبة من النافذة. مرت لحظة صمت. كمال، بعد أن رشف من قهوته، قال وهو يطالع صاحبه: – جاسر... ما تلاحظ إنك صاير تشتغل فوق طاقتك هالأيام؟ جاسر بهدوء مائل للجفاف: – الشغل لازم يتقدم. نحتاج نرفع مستوى الأداء في الشركة، هذا الوقت الحرج. كمال بتنهيدة خفيفة: – فعلاً، بس برضو... فيه شي ثاني مو؟ مشاكل البيت؟ العائلة؟ ما تحس إنك مهملها شوي؟ جاسر شدّ على فنجانه، رد ببرود دون أن يلتفت: – الأولوية للشغل. كمال ترك الفنجان ونظر له مباشرة: – لا يا جاسر... الأولوية دايم للعائلة. إذا ما صلحت اللي بينك وبينهم، حتى شغلك بيطيح، غصب عنك. جاسر التفت له بحدة، حاجبه ارتفع: – وش تقصد؟ وضّح يا كمال، لا تلف وتدور. كمال بصوت هادئ وجاد: – بقولك... بس لا تسوي تصرف متهور، أنا مو بس صديقك، أنا شريك نجاحك، ولازم أحميك حتى من قراراتك. صمت جاسر، لكن نظراته كانت متوجسة. كمال بعد لحظة تردد، قال: – الشركة اللي تعاونا معاها مؤخرًا، واللي دعمتنا بقوة... مديرة قسم المبيعات فيها هي... حوراء آل دويس. رفع جاسر نظره بحدة. كمال أكمل، بوضوح متعمد: – إي نعم... أمك. تجمّد جاسر للحظة، كأن جسده توقف عن التنفس، رمش بسرعة مرتين، ثم وقف فجأة، الكرسي أصدر صوتًا حادًا وهو يتحرك للخلف. نهض كمال معه وأمسك بذراعه بلطف: – اسمعني زين... لا تدخل مشاكلك العائلية وسط شغلك. أنا ما أقولك سامحها أو ارجع، بس افهم الصورة كاملة. أنا أبيك تظل ناجح، أبيك متماسك. جاسر لم ينطق بكلمة. عادا إلى المكتب بصمت ثقيل، لم يتبادل جاسر وكمال أي حديث. جلس على مكتبه، يحدّق في الشاشة، لكن عقله تائه تمامًا. اسم حوراء يلاحقه... في المنزل، لا يكاد يمر يوم دون أن يسمعها من أحد. في المجالس، يتهامسون عن عشيرتها، كأنها جزء من قدره المكتوب. والآن؟ حتى الشركة، حتى عمله، لم تعد بعيدة عنها. شعر بأن الحياة تدور عليه، تحاصره بصوت تلك المرأة التي ظن أنه نسيها. لكنه الآن يكتشف أن النسيان... كان كذبة.
Fatima Omrn