|إياك و رقم ٢٢ ...|

|إياك و رقم ٢٢ ...|

25 0

كانت يدها لا تزال تمسك بالهاتف حين رفعت رأسها... نظرات بناتها كانت مصوبة نحوها، بريئة لكنها حادة، وكأن الحوار الذي دار قبل لحظات لم يكن خفيًا عليهن كما اعتقدت. سجى وضعت التذاكر على الطاولة أمامها وجلست ببطء، تنتظر إجابة كأنها تنتظر حكمًا. رسل اقتربت من أمها قليلًا، وجلست بمحاذاتها، تنظر في وجهها الذي تغيرت ملامحه. قالت بهدوء فيه نبرة رجفة خفيفة: "مع من كنتِ تتكلمين؟" ثم بعد تردد، وكأن السؤال يؤلمها: "ومن هو… اللي عرض عليكِ الزواج؟" سكتت حوراء. لم تعرف من أين تبدأ. ماذا تقول؟ وهل هناك بداية لا تفتح جرحًا؟ لكن حين تكرر السؤال، وارتفعت نبرة سجى بنفاذ صبر: "جاوبي! من اللي اتصل؟" شدّت حوراء ظهرها، وتكتّفت بهدوء. نظرت إليهن بعينين خالطهما التوتر، لكنها كانت تحاول أن تُمسك بزمام الأمور: "اسكتوا وخلوني أقول كل شيء بهدوء... وما أبي منكم أي كلمة أو ردة فعل. تسمعون وبس." عمّ الصمت. تنفست حوراء ببطء، ثم بدأت: "قبل ما يخطفكم جدكم مرزوق... سحب أوراقكم من الجامعة. رحت له، وهددته، وقلت له إني راح أنشر تحكمه، ونشرته فعلًا." قاطعتها سجى، وقد بدأت تفهم: "ذاك الخبر اللي انتشر عن تحكم العشائر؟" هزّت حوراء رأسها بالإيجاب، وتابعت: "بعدها جاء وهددني، وأنا ما اهتميت، لأني توقعت إنه بس غضب مؤقت... لكن لما خطفكم، فهمت إن السالفة جديّة. رحت له، وواجهته، وقال لي إن في حل واحد..." ترددت... "هو زواج من أبوكم، صالح، مرة ثانية." تجمدت رسل مكانها، عيناها ارتجفتا لكنها لم تقل شيئًا. أما سجى فانتفضت، وصرخت بانفعال: "هذا ما راح يصير! ما راح أعيش معه وكأن ما صار شيء! عشرين سنة، يمه! عشرين سنة ما حسينا بوجوده، ولا سأل، ولا حتى فكر!" قالت حوراء محاولة تهدئتها: "وهذا بالضبط اللي كنت أفكر فيه... بس..." سجى بصوتٍ أعلى، وهي تنظر لأمها بغضب مجروح: "بس؟! فيه (بس)؟!" مدّت رسل يدها بهدوء نحو سجى، أمسكتها وسحبتها نحوها، تهمس: "هدي صوتك..." أكملت حوراء، محاولة السيطرة على صوتها: "اتصلت بأبوكم وقلت له إني موافقة، لكن ما كان يدري، فغضب، وصار شجار بينه وبين مرزوق... فمرزوق رجعكم، لكن بنفس الليلة، اتصل وقال الزواج بيكون بعد أسبوع." أخفضت نظرها للحظة ثم رفعت عينيها إليهن: "أنا ما وافقت عشان أتزوجه... وافقت عشان أرجعكم، وأشوفكم، حتى لو يوم واحد... والآن، عندنا أسبوع نلاقي فيه حل." سألت رسل، بصوت منخفض لكن متوتر: "طيب... ومكالمة اليوم؟ اللي اتصل... مو أبوي؟" هزّت حوراء رأسها وقالت ببطء: "لا. كان عمكم... مشعل." سجى رفعت حاجبيها، وقالت باستهزاء: "عندنا عم اسمه مشعل؟" رسل ردّت، وقد بدا عليها نفاد الصبر من خفة أختها: "تسألين وكأنك تعرفين العائلة كلها، وباقي بس مشعل!" ضحكة قصيرة، لكنها انقطعت سريعًا حين قالت حوراء: "عرض عليّ الزواج، كحل للمشكلة. عشان أحميكم، ونتحرر من تهديد مرزوق." سخرت سجى، وقالت بعصبية: "نواياه طيبة، صح؟ طيب ليه ما يوقف بوجه أبوه وأخوه، ونحنا نتصرف بالباقي؟" أجابت حوراء، وقد بدأت ملامح الإرهاق تظهر عليها: "ما تفهمين يا بنتي... إذا وقف بوجه الكبار، راح يخسر احترامه في العشيرة. ما أحد راح يسمع له، خصوصًا إذا صار لحاله ضدهم كلهم." قالت رسل بحذر: "وإيش قررتِ؟" سكتت حوراء للحظة، ثم تنهدت وقالت: "قراري... إننا نحاول نلقى حل خلال هالأسبوع. وإذا ما قدرنا، نروح بالتذاكر اللي أرسلها لنا عمكم مشعل... على الأقل نكسب وقت، ونقرر وإحنا بأمان." سكتت البنات. تبادلتا النظرات، وفي كل واحدة منهما شعور مختلف: سجى فيها الغضب المكبوت، رسل فيها القلق من القادم، أما حوراء… ففي صدرها حرب لا يعرف عمقها إلا الله. * * في الغرفة الهادئة التي لم تعرف الاستقرار يومًا، جلس صالح على طرف السرير، يطوي قمصانًا لم يرتدِها منذ زمن، يضعها بعناية في حقيبة جلديّة قديمة، يشدّ السحّاب ويُطلقه، يعيد الكرة دون سبب واضح… مجرّد طقس اعتاده كلّما قرر الهروب. النافذة نصف مغلقة، والستائر تتحرّك برقة مع نسمات صيفية ثقيلة، وكأنها تتنفس عنه. صوت طرقٍ خفيف على الباب. توقّف صالح عن الحركة، لم يلتفت. جاسر دخل بعد إذنٍ مقتضب، ووقف بهدوء قرب الباب، لا يبدو عليه الارتباك، لكن عينيه تلاحقان والده بتوتر غير معلن. جاسر بنبرة جادّة: "قررت شي بخصوص الزواج من حوراء؟" صمت. صالح يثبت يداه على حافة الحقيبة، ظهره للباب، ثمّ يدير وجهه نصف لفة، لا ينظر في عيني ابنه، فقط بصوتٍ منخفض وجامد: "هذا... ما راح يصير." تجعدت ملامح جاسر، فاجأه الجواب، ليس لأنه كان مؤمنًا بالزواج… بل لأن النفي جاء قاطعًا، هادئًا لدرجة الاستفزاز. جاسر ببطء، وكأنه يحاول فهم العمق خلف الهدوء: "ليش؟" صالح التفت قليلًا، ونظر هذه المرة إلى الأرض بينهما، كأنها تحمل الجواب. قال بجملة ثقيلة نُحتت بهدوء: "ما راح أخرب عشرين سنة بنيتها بيدي... علشان رجعة مستحيلة." ثم أضاف بعد لحظة، دون أن يرمش: "ولا أنتم... بتقدرون تتأقلمون معهم." مرت ثانية، ثم أخرى، قبل أن يردّ جاسر، بصوت يحاول أن يبدو ساخرًا لكنه يحمل في طيّاته وجعًا دفينًا: "يهمك أمرنا؟" نظر له للحظة، لكن لم يرد. جاسر أدار ظهره وخرج بنفس الجمود، خطواته الثقيلة كأنها تجرّ خيبة لم يُعلنها… أغلق الباب بهدوء، فعمّ الصمت المكان من جديد، لكن الهواء صار أثقل، والحقائب ظلّت مفتوحة كأنها تنتظر رجفة ندم… لن تأتي. * * مرّت ثلاثة أيام ثقيلة، لم تستطع خلالها حوراء ولا بناتها إيجاد حل يُوقف مرزوق عند حدّه. الجوّ في المنزل بات متوتّرًا، كأن هناك شيئًا يقترب، مجهول ومربك. اتصلت حوراء بإدارة الجامعة وشرحت لهم ظروف البنات، مؤكدة أنّ الغياب مؤقت. لم تدخل في التفاصيل، لكنها كانت تحاول كسب وقت بأي وسيلة ممكنة. ذلك اليوم، كانت حوراء تجلي الصحون بهدوء، وسجى تمسح الأرض وهي تضع السماعات في أذنيها، تتمايل على نغمة أغنية لا تُسمع إلا لها. رسل كانت على البلكونة، تنشر الغسيل. رفعت شيلتها عن رأسها قليلاً لتشعر بنسمة الهواء، فتحت شباك البلكونة ونظرت للخارج... توقف نظرها فجأة. حدّقت أكثر... شعرت بنظرات تُراقبها. نزلت عيناها للأرض... وارتبكت. كان هناك عدد من الرجال منتشرين في محيط المبنى. لا يفعلون شيئًا واضحًا، فقط يقفون... يتحركون بنمط منتظم، وكأنهم يُؤدّون دورًا في مسرحية سرية. دخلت بسرعة إلى الداخل، وجهها شاحب، يدها لا تزال على صدرها، وقالت بخوفٍ صادق: ــ ماما... في رجال تحت... حسّيت إنهم يراقبونا! سجى نظرت لها بنصف اهتمام، وقالت بضحكة خفيفة: ــ انتي انسجمتي بزيادة مع الأحداث... بعد شوي تصيرين تكتبين رواية! ثم أضافت بتهكم: ــ وبعدين يقولون عني مجنونة. لكن حوراء، التي التفتت سريعًا للنافذة، لم تكن تمزح. نظرت من خلف الستارة. تجمّدت لحظة. هؤلاء الرجال... فيهم ملامح مألوفة. ليسوا غرباء تمامًا. انقبض قلبها. ــ مرزوق بدأ يتحرك... جلست حوراء وحدها، الورقة في يدها، تقلبها مرة، تنظر لها عشر. الجملة التي ما زالت تؤرقها منذ أيام لم تفارق ذهنها: "إياك ورقم ٢٢، فهو بداية العدل ونهاية الجور..." عادت تقرأها مرارًا: ــ ٢٢... الحق رح ينكشف منه؟ أو أول طرف للخيط؟ تنهدت، نهضت من مكانها، ومشت نحو غرفة البنات. دخلت وقالت بهدوء: ــ لو أحد قال لكم رمز ورقم... وقال "٢٢"... شو أول شي بيخطر ببالكم؟ سجى رفعت حاجبها وقالت بكسل: ــ عمري بعد سنتين. ضحكت رسل وقالت: ــ يمكن قانون ٢٢، دايمًا يذكروه في الأفلام لما يصير انقلاب! سجى بدأت تضحك وقالت: ــ قانون ٢٢؟! ما بقى إلا تقولين فقرة بنشرة الأخبار. ضحكت الثلاث، ثم قالت حوراء وهي تبتسم: ــ لا، عن جد. فكروا معاي شوي. سجى نظرت للسقف وقالت: ــ يمكن حلقة ٢٢ من مسلسل. ثم تابعت بجدية أكثر: ــ أو يمكن رقم صفحة في كتاب؟ أو الساعة يعني ٢٢... يعني عشرة بالليل. رسل قالت: ــ أو يمكن يكون رقم بيت. أو رقم قناة على التلفزيون. رفعت حوراء حاجبيها فجأة، لمعت عيناها، ثم قالت وهي تنهض: ــ لحظة... كل هالأفكار ممكنة. يمكن شي منها فعلاً هو الجواب. ثم نظرت لهن وقالت بابتسامة مرتبكة: ــ كملوا أنتم تفكير بالموضوع... بروح غرفتي شوي. دخلت حوراء غرفتها بخطى ثابتة... لكنها في الداخل كانت تغلي بالحيرة. ــ رقم صفحة ٢٢... جلست على طرف السرير، فتحت الدفتر، وقلّبت حتى وصلت لتلك الصفحة. كانت ذكرى قديمة... دافئة، عادية جدًا. لا شيء يوحي بأنها تخبئ سرًا. "جلسة عائلية في مجلس الجد والد مرزوق، عساف آل دهيم، اجتمع فيها الأحفاد: صالح، نايف، مشعل، ياسين، يمنى، وياسمين... حدث شجار بسيط بين الأولاد بسبب خلاف على ترتيب الجلوس." قرأت التفاصيل بتمعن... لا شيء مثير. كل شيء يبدو طبيعيًا... أكثر من اللازم. وضعت الورقة بجانبها وبدأت تعدّ الكلمات، محاولة إيجاد أي معنى خفي. وصلت للكلمة رقم ٢٢... كانت "منزل". رفعت حاجبها. ــ منزل؟ لم يكن هناك أي اسم، أو رمز، أو إشارة. لكنها تذكرت العبارة الغامضة: "إياك و رقم ٢٢... فهو بداية العدل ونهاية الجور..." أعادت العد من بداية الصفحة... مرة أخرى... الكلمة رقم ٢٢ كانت: منزل. نهاية الجور... جربت العد بالعكس، من نهاية الصفحة هذه المرة. كلمة... اثنتان... ثلاث... عشر... عشرون... ــ مشعل. توقفت. تجمّدت. مشعل؟ منزل؟... منزل مشعل؟ وقفت من شدّة الدهشة، كأن جسمها تلقّى صدمة كهربائية. لكنها سرعان ما جلست مجددًا، تُحاول أن تتصرف بعقل. ــ مو معقول... يمكن صدفة؟ يعني أنا أجلس أعد كلمات صفحة عادية وأستنتج عنوان؟ ــ لا... أكيد صدفة... لازم أهدأ شوي. لكن العقل رفض السكوت. طيب... لو كان رقم منزل؟ لكن في أي حي؟ أي مدينة؟ هل هو هنا أصلًا؟ أو في مدينة جدها؟ أو حي العائلة؟ ظلت تفكر دقائق... ثم: نهضت، لبست عباءتها، وخرجت من البيت. كان الوقت غروب، والشارع شبه خالٍ... توجهت نحو الحي المعروف الذي تسكن فيه أغلب عائلة آل دهيم، أو ما يُعرف بـ"مربّع العشيرة". وصلت، توقفت عند أقرب رجل يبدو من أهل المكان. كان رجلًا في الأربعينات، يلبس شماغًا مائلًا على جانب رأسه، يبدو عليه التردد. اقتربت منه بهدوء: ــ السلام عليكم، عفوًا... تعرف وين بيت مشعل آل دهيم؟ رفع حاجبه مستغربًا، ثم أشار برأسه جهة بيت قديم قليلًا على طرف الشارع. ــ هناك... عند ذاك البيت، اللي ما سكنه أحد. سارت باتجاهه، قلبها يدقّ بقوة غريبة. وقفت أمام الباب. الرقم: ٢٢. عيناها اتسعتا. شعرت وكأن أحدًا شدّ الهواء من حولها. وقفت جامدة، لا تعرف ما تفعل أو تقول. اقترب منها نفس الرجل، بعدما لاحظ وقوفها الطويل. حاول أن يفتح حديثًا معها بلطافة. ــ هذا البيت قديم يا أختي... ــ تملكه العشيرة، واللي خصصه لكبيرهم لمشعل من زمان، لكن ما سكنه أحد. ــ للحين ما هو جاهز للسكن، لا فيه كهرب ولا موية ولا شي. ابتسم ابتسامة باهتة، محاولًا أن يبدو مهذبًا. لكن حوراء بالكاد سمعته... كانت تحدّق في الرقم: ٢٢. همست لنفسها: ــ مشعل... ما دخل مشعل؟ ــ وليش هالبيت بالذات؟ ــ إيش اللي كان مخفي عنه؟ الأسئلة كانت تنهال كالمطر... لكن الإجابة ربما كانت خلف هذا الباب.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كأنك غريب

المؤلف Fatima Omrn
2025/06/14 مستمرة
قائمة الفصول (27)
الفصل 1: | طلقها .. و الا |
2025/06/14
الفصل 16: |العتبة التي لم تخبرها القلوب|
2025/06/14
الفصل 17: |كأنكما غريبان|
2025/06/14
الفصل 18: |رساله من المجهول|
2025/06/14
الفصل 19: |إياك و رقم ٢٢ ...|
2025/06/14
الفصل 20: |بداية الخيط|
2025/06/14
الفصل 21: |الصورة و القارورة|
2025/06/14
الفصل 22: |الرحيل و ما يليه|
2025/06/14
الفصل 23: |اتخذ القرار|
2025/06/14
الفصل 24: |عندنا و عادت الصدمات|
2025/06/14
الفصل 25: |طوفان مشعل|
2025/06/14
الفصل 26: |وإذا انكسر الصوت… تكلم الصمت|
2025/06/15
الفصل 15: |لم يتوقع |
2025/06/14
الفصل 14: |ذنب يتنقل|
2025/06/14
الفصل 13: |اما الخضوع اما الانهيار|
2025/06/14
الفصل 2: |حين انكسر البيت|
2025/06/14
الفصل 3: |ظلال العائلة و همسات القلب|
2025/06/14
الفصل 4: |اسماء لا تليق بنا|
2025/06/14
الفصل 5: |ملامح لا تنسى|
2025/06/14
الفصل 6: |حبال تشتد|
2025/06/14
الفصل 7: |الظل الذي عاد|
2025/06/14
الفصل 8: |حين اهتزت الأرض تحت أقدام الثبات|
2025/06/14
الفصل 9: |انقلبت الكفة|
2025/06/14
الفصل 10: |خيارات من قعر الجحيم|
2025/06/14
الفصل 11: |خطف بوضح العيون|
2025/06/14
الفصل 12: |سمعتك|
2025/06/14
الفصل 26: |في عين العاصفة|
2025/06/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة