لم تستطع النوم، ظلّت عيناها مُعلّقتين بسقف الغرفة، تنظر ولا ترى… تتنفس ولا تهدأ. كل ما حاولت أن تُسكِت عقلها، عاد الصوت ذاته، الصوت الذي يحمل وجه مرزوق، وصمته البارد لحظة وقع الظلم من جديد. همست وهي تجلس على طرف السرير: "أنا ما وثقت بصالح، بس كنت أبي أصدّق إنّي نسيت… بس الظلم يوم يرجع، يرجع أقسى." وضعت رأسها بين كفّيها، شعرت بالعجز، بالخذلان الثاني، الذي جاء من ذات اليد التي سلبتها أول مرّة. بحثت عن حل؟ لا شيء. فكّرت؟ كل الطرق مسدودة. رفعت نظرها، الغرفة هادئة… لم يكن بها شيء يتحرّك سوى حنينها. تمتمت من بين شفتيها: "ليت الزمن يرجع… ليت همّي يرجع ملابس العيد و دفتر الذكريات اللي كنت أكتبه وأنا صغيرة." سكتت قليلًا… ثم اتّسعت عيناها فجأة. "دفتر الذكريات!" نهضت بسرعة من على السرير، بدأت تبحث بين الكتب، بين الأدراج، بين الصناديق الصغيرة. كل شيء تفتحه، تُقلّبه، ولا أثر له. تراجعت قليلًا، ثم سارت إلى إحدى الحقائب القديمة التي لم تفتحها منذ انتقلت إلى هذا البيت. وها هو… دفترٌ جلديّ، عليه آثار الزمن. كان هو… كان دفتر جدّ صالح. والد مرزوق. أخذته، وابتسمت ابتسامة باهتة، كأنها تمسك بقطعة من نفسها القديمة. لكن شيئًا آخر سقط بجانبه. التقطته… صورة قديمة. كان جاسر وجسار، صغيرين، يركضان بثياب قصيرة مبتلة، يضحكان، أحدهما يُمسك بسطل صغير، والآخر يرشّه بالماء. حدّقت فيها طويلًا، شعرت بشيء يشتد داخل صدرها. ضمت الصورة بلطف، وضعتها في جيب عباءتها. جلست على الأرض، وفتحت الدفتر. صفحة تلو الأخرى، وجدت ذكريات، تعليقات، أبيات شعر بدوية… بعضها لم تفهمه، وبعضه كان يشبه الجدّ في حنانه وكبريائه. وفي منتصف الدفتر، تقريبًا… صفحة مختلفة. ليست مثل البقية. كانت الكتابة بخطّ واضح لكنّها غير مفهومة، مرموزة، ومربكة. عينها مرّت عليها مرتين، ثلاث، ثم توقّفت. قرأت بصوت منخفض: "ليلة السابع عشر، حين تجتمع الأرض بالنار: ▫️ الطين لا يملك الحق إن لم يُحرك الماء. ▫️ القسمة ليست كاملة… بل نصفان متساويان متعاكسان، لا يدري أحدهما عن الآخر. ▫️ الوعد وُضع في الظل… وعند طلوع العين، يُكشف الخفي. ▫️ الخط الثالث يمين الحرف، واسأل النخلة عن ظلّها وقت الظهر. ▫️ إياك والرقم ٢٢… فهو بداية العدل ونهاية الجور. ▫️ ثم خذ المفتاح من العهد الأول، وارجع إلى ما قبل مرزوق…"* (ثم رسم غريب… أشبه بخريطة مربعات، مرقّمة، لا يبدو لها معنى، بجوارها كلمات مبعثرة: "نور / قسمة / ظل / مفتاح / صالح / نصف / سابع / عهد"). أغلقت الدفتر ببطء، لكن عيناها بقيتا عالقتين على الصفحة. همست لنفسها: "وش ذا؟… وش يعني؟ ليه أحس إنّي قدّام شي مو عادي؟" وضعت الدفتر في حضنها، وعيناها تراقبان الجدار المقابل. لم تكن تفهم، لكنها شعرت بأنّ تلك الورقة كتبت لتُكتشف. وشعرت – لأوّل مرة – أنّها ليست وحدها في هذا الطريق. وكأن هناك من نادى بها من الماضي، من ذات العائلة التي خدعتها، ليقول لها: "لا تسكتي… ما انتهى كل شيء." * * كان جسار ممدّدًا على سريره، يتأمل السقف بعينين نصف مغمضتين. الغرفة صامتة إلا من صوت تنفسه المنتظم، وصوت الهواء الخارج من فتحة التكييف. بدا كمن يحاول أن ينسى كل شيء… أو يتجاهله. فُتح الباب فجأة، ودخلت مريم وهي تحمل بعض الملابس المرتبة. لم تلتفت إليه، وكأن وجوده لا يعنيها، لكنها تعلم جيدًا أنها تراقبه من طرف عينها. رفع حاجبه باستخفاف دون أن يتحرك: "ما تعرفين تدقين الباب؟" وضعت الملابس بعنف على الطاولة وقالت ببرود: "ما تعودت أستأذن من أحد وأنا أشتغل." ردّ بسخرية ثقيلة وهو يستقيم جالسًا: "إذا صرتي خدامة، هذا شرف لك. أحسن ما تضيعين وقتك تناظرين فيني من بعيد." تجمّدت يدها للحظة، وكأن كلماته قطعت شيئًا في داخلها. قلبها انقبض، لكنها لم تسمح لدمعتها أن تسقط. قالت بصوت منخفض حاولت أن تُثبته، لكنها لم تفلح بإخفاء مرارة الجرح: "ما كنت أناظر فيك… كنت أحاول أذكّر نفسي ليه ما عدت أشوفك زي أول." قهقه ضاحكًا، ببرود يكسر العظم: "وش كنتِ تشوفين؟ فارس أحلامك؟" نظرت إليه بحدة، لكن نبرتها لم ترتفع، بل خفتت كأنها تهمس لنفسها: "كنت أشوف فيك شيء مختلف … بس خاب ظني." التفت إليها، عينيه خالية من التأثر. أما هي، فقد أخذت نفسًا عميقًا وقالت: "بس وش أقول؟ اللي يتربى في بيت ما فيه حريم… مستحيل يعرف يقرأ مشاعر." ثم استدارت، رفعت الملابس بيدها، وخرجت من الغرفة. بقي جسار وحده، نظرته مثبّتة على الباب المغلق… ولم ينبس بكلمة. لكنه، ولأول مرة منذ زمن، شعر بشيء يشبه الخنقة في صدره، رغم كل شيء حاول أن يقنع نفسه بأنه لا يعنيه. * * كانت حوراء جالسة في الصالة، تتوسط بناتها، بينما نظراتها شاردة في تلك الورقة. لم يخطر ببالها شيء، لا معنى واضحًا لتلك الكلمات… "إياك والرقم ٢٢… عند طلوع العين… مفتاح العهد الأول… مرزوق… صالح…" وضعت الورقة على الطاولة وأخذت تضرب بهاتفها برفق على راحة يدها، تفكّر بصوت داخلها: كيف لي أن أفهم كل هذا في أقل من أسبوع؟ هل فعلًا هذه الورقة مفيدة؟ أم أنها مجرّد خرف؟ لكنها تراجعت عن الفكرة فورًا. تاريخ الورقة قريب من تواريخ أوراق أخرى. والجد، من خلال ما قرأته من كتاباته، لم يكن أبدًا ذلك العجوز الضعيف. بل شخصية حادة، راكزة، يعرف ما يكتب. تنهدت، وغمغمت بصوت خافت: "بس… إياك والرقم ٢٢؟ طلوع العين؟ وش يعني هذا كله؟" قاطعتها سجى التي اقتربت منها، وعيناها تبحثان في وجهها: "يمّه… أنتي بخير؟" نظرت حوراء إليها، هزّت رأسها بنعم، لكن شرودها لم يخفَ على ابنتها. قالت سجى، مشيرة إلى ظرف موضوع على الطاولة: "وأنتي سارحة… دق الباب، بس يوم فتحنا ما لقينا أحد، لقينا الظرف هذا، شكله لك." نظرت حوراء إلى الظرف باستغراب، قلبته بين يديها، ورأت اسمها مكتوبًا بخط أنيق على الغلاف. قالت رسل وهي تمد يدها: "أجيب لك المقص؟ ولا تبين سكين؟" ردت حوراء سريعًا: "هاتوا السكين." فتحت الظرف بحذر، بينما كانت عيون البنات مركزة عليها. أخرجت ما بداخله… ثلاث تذاكر سفر! قرّبتها منها، قلبتها بدهشة… "حوراء الدويس – رسل آل دهيم – سجى آل دهيم." أخذت سجى التذاكر بانفعال: "وش ذا؟! ألمانيـا؟ وش عندنا هناك؟" انشغلت هي ورسل بقراءة التفاصيل، بينما بقيت حوراء تقرأ الورقة المرفقة. > السلام عليكم، أنا أعلم كل شيء. إن قبلتِ مساعدتي، اتصلي على هذا الرقم… وقبل أن تنهال عليها الأسئلة، أمسكَت هاتفها بسرعة، وأدخَلت الرقم. رنّت المكالمة مرة… مرتين… ثلاث. ثم جاء الصوت، رجولي، هادئ: "السلام عليكم." ردّت، وصوتها يحمل قلقًا حاولت إخفاءه: "وعليكم السلام… ممكن أعرف من معي؟" قال بهدوء عجيب: "خلينا نتكلم بالبداية، وبعدين أقول لك من أنا." عبست، لكنها تماسكت: "طيب… تفضل." قال بنفس الهدوء، لكن حروفه كانت كالصدمات: "أنا أعرف كل شيء… خطف البنات… خيارين أبو نايف… ردة فعلك… وحتى هدفك من زرع الفتنة بين صالح ومرزوق." تجمّدت. لم ترد، لكنه أكمل: "بعرض عليك عرض… ونتيجته راح تكون كالتالي: أولًا: تخلصين من طلب مرزوق للزواج، للأبد. ثانيًا: بناتك — جنى وتقى، أقصد رسل وسجى — راح يكونون بحمايتي. وإنتي بعد. ثالثًا: أساعدك تسترجعين أولادك… أو أقلّها، تشوفينهم كل يوم." حوراء ما عادت قادرة تتنفس. كل مشكلة تؤرقها، قالها… وحلّها! قالت بصوت ممزوج بحدّة وذهول: "من أنت؟ وليه تسوي كذا؟" رد بهدوء ثقيل: "يمكن تكفير عن سكوتي عشرين سنة." قالت بحزم، وقد بدأ الغضب يتسلل إلى صوتها: "من أنت؟!" سكت قليلًا، ثم قال: "الأفضل تسألين عن الحل… مو عني." ارتبكت، ترددت… ثم تنهدت واستسلمت: "طيب… وش الحل؟" سكت لثوانٍ بدت كأنها ساعات، ثم قالها بهدوء مريب: "تتزوجيني." شهقت، تجمّدت من جديد، لكن هذه المرة، الغضب امتزج بصدمة حقيقية: "تمزح؟! هذا هو الحل؟ تتزوجني؟! شوف، إذا ما قلت من أنت وفهمتني كل شيء… راح أقفل الخط، لأني فعلًا ما عاد فيني أتحمّل." قال بصوت منخفض، لكن واضح الحزم: "اصبري… بقول لك." صمت، ثم قال بكل ثقة: "أنا مشعل آل دهيم."
Fatima Omrn