|حين اهتزت الأرض تحت أقدام الثبات|

|حين اهتزت الأرض تحت أقدام الثبات|

23 0

كان صباحًا يشبه البدايات العادية، لكنه حمل في طيّاته نية خفية لا يعرفها أحد. خرج الجد مرزوق من المنزل قبل شروق الشمس، حذِرًا كعادته، لا يُصدر صوتًا، ولا يترك خلفه أثرًا. قاد سيارته بخطى ثابتة نحو وجهة لم يُخبر أحدًا بها... لكن نيّته كانت واضحة في ذهنه: "سأُعيد الأمور إلى نصابها... بنفسي." لم يتردد. وصل إلى الجامعة، واتجه مباشرة إلى قسم الإدارة. طلب سحب أوراق رسل وسجى، وقدّم ما يلزم من مستندات، ووقّع باسمه الكامل، ثم غادر وكأنه قام بعملٍ بطوليّ لا غبار عليه. حين عاد إلى المنزل، كان متغيرًا. جلس في مجلسه بهدوء غريب، يشرب قهوته بارتياح، وعيناه تحملان شيئًا من الرضا... الرضا الذي يسبق العاصفة. --- في الجانب الآخر من المدينة... كان صباح حوراء أكثر دفئًا. تجلس على كرسيها الخشبي قرب النافذة، تحتسي كوبًا من الشوكولاتة الساخنة، بينما تحضّر بناتها طاولة الإفطار. رسل تنسّق الأطباق بعناية، وسجى تتذمّر من رائحة البيض كعادتها: – "ما أقدر أتحمّل هالريحة كل يوم..." تمتمت بها سجى وهي تفتح النافذة. رمقتها حوراء بنظرة طويلة، ثم قالت بنبرة صارمة لكن هادئة: – "إذا ما تحبين الريحة، لا تطبخين. بس لا تذمرين كل صباح، تعبت من هالعُادة." ابتلعت سجى كلماتها، وتنهدت رسل بصوت منخفض وهي تهم بترتيب آخر الأطباق. أنهت حوراء كوبها، ثم التفتت إليهما: – "اسمعوا، بعد الجامعة تروحون لبيت جدكم أبو راشد. خالتكم بتول رجعت من السفر، وجايين أولادها معها. بنزورهم اليوم ونسلم عليهم." رسل هزّت رأسها بصمت، بينما سجى عقّبت بتأفف: – "يعني ندرس طول اليوم، وبعدين نروح نزور ناس؟ ما فينا طاقة، يمّه..." لكن حوراء تجاهلت الشكوى هذه المرة، وقررت أن تترك الجدال لاحقًا. بعد ساعة، غادرت إلى مكتبها كالمعتاد، تحمل بين يديها ملفات كثيرة، وعلى كتفيها مسؤوليات أكثر. دخلت الشركة، وبدأت عملها فورًا دون أي تسويف. في منتصف اليوم، وصلتها رسالة من شركة صولجان: "تم قبول العرض المُقدّم من شركتكم، ونسعد بالتنسيق للاجتماع الرسمي خلال الأسبوع المقبل." ابتسمت حوراء... نظرت إلى الشاشة للحظة طويلة، كما لو أنها تحاول امتصاص المعنى. ثم وضعت الهاتف جانبًا، وغاصت أكثر في تفاصيل عملها. --- لكن ما إن اقترب العصر، حتى جاءها الاتصال الذي شقّ سكينتها نصفين. – "أستاذة حوراء؟ معك من إدارة الجامعة. حبيت أبلغك إن ملفات بناتك، رسل وسجى، انسحبت اليوم رسميًا، وباقي عليكم تسديد قسط المدرسة الثانوية." شعرت حوراء بقطرة عرق باردة تسقط على رقبتها رغم التكييف. – "سحب مين؟ مين اللي سحب الأوراق؟" – "جدّهم، مرزوق أبو نايف. حضر بنفسه الصباح وسحب الملفات بعد ما قدّم الإثباتات المطلوبة." ساد الصمت على الطرف الآخر، لكنها لم تسمع سوى أنفاسها تتسارع. ارتخت يدها، وسقط القلم من بين أصابعها دون أن تنتبه. شعرت بفراغ في صدرها... ثم بدأ الغضب يصعد ببطء، مثل نارٍ تشتعل في كومة قش. رفعت رأسها، وقالت لنفسها: – "رجعت تتحكم بحياتنا؟... مرّة ثانية؟ بعد كل اللي صار؟" وقفت فجأة، سارت في الغرفة جيئة وذهابًا، ثم وقفت أمام المكتب، وأسندت يديها عليه. كان جسدها يهتزّ قليلًا من شدّة القهر. أخذت هاتفها، وكتبت رسالة قصيرة إلى رسل: > "لا تتصلون فيني، عندي شغل كثير. إذا خلصت، أجيكم." ثم وضعت الهاتف على الطاولة، وتنفست بعمق، كأنها تحاول حبس الزلزال الذي يتكوّن في صدرها. قالت في سرّها، وقد بدا في عينيها وهج غير مسبوق: – "إذا كانوا يظنون إن البنات أضعف من إنهم يواجهون، فهم ما عرفوا بنات حوراء... ولا عرفوني." * * كان العصر قد بسط سكينته فوق منزل آل "الدهيم"، وكل شيء بدا طبيعيًا. معظم رجال العائلة تجمّعوا في الصالة الكبيرة، ما بين من اكتفى بمتابعة التلفاز بصمت، ومن جلس يتحادث بهدوء على أطراف الأرائك. كان سلمان يسولف مع جاسر وجسار عن أمور الجامعة، والحديث يتنقل بينهم بخفة. أما الجد مرزوق، فقد كان في غرفته، لا يشاركهم هذا الاسترخاء المؤقت. الجو العام هادئ... حتى دوّى فجأة صوت قرعٍ عنيفٍ على باب البيت. ارتفعت الرؤوس، وساد الصمت في لمح البصر. أطفأ نايف التلفاز بنظرة متوجسة، وقال ببطء: – "مين ذا اللي يدق بهالشكل؟" نهض سلمان وتوجه نحو الباب. فتح بحذر، ليتفاجأ بامرأة تقف أمامه، ذات ملامح ناعمة، لكن عينيها العسليتين كانتا تتوهّجان غضبًا لا يخفى. تبدو في منتصف الثلاثينات، وقفت بثبات، ترتدي عباءتها السوداء بإحكام، وعيناها لا تهتزّان. لم يُخفِ سلمان اندهاشه، أن تأتي امرأة وتطرق باب كبير العشيرة بهذه الطريقة الصارخة. ابتسم بتوتر، وقال بلطف مُتحفظ: – "تفضلي يا حرمة، وش تبين؟" دخلت حتى عتبة المدخل، وقالت بنبرة صلبة لا تقبل التأخير: – "نادِ جدك مرزوق... الحين." شعر سلمان بارتباك حقيقي. أما نايف، فنهض ببطء من مكانه، عابسًا، وحدّق فيها بنظرة حذرة. في عينيه تردد، لكن قلبه كان يقول: "أنا شايف هالملامح من قبل..." قال بنبرة فيها نبرة من التهكم: – "خير؟ من انتي؟ وش تبين من كبير العشيرة؟" لكنها التفتت له بنظرة حادّة مثل السهم، وقالت بثبات: – "كلامي مو معك يا أبو أدهم." وسكنت بعدها تمامًا، لا رفّة جفن، لا حركة يد. نظرت إلى نقطة محددة في الأرض، ولم تلتفت لأحد... كأنها تنتظر شيئًا واحدًا فقط: مرزوق. أما جاسر وجسار... فكأن الصدمة صعقت قلبيهما في لحظة. لم تنطق ألسنتهما. لم تتحرك ملامحهما. لكن الأرواح اهتزّت... هي، بكل حضورها، بكل ملامحها التي لم تتغير كثيرًا، وقفت أمامهم. بعد كل تلك السنين. الهواء انحبس، والوقت توقف. أما الحاضرون ممن لم يعرفوها، فتساءلوا بعيونهم من تكون. ومن عرف... فقد لاذ بالصمت. هي... لم تقل شيئًا بعد، لكنها زلزلت المكان. وما هي إلا لحظات، وخرج الجد مرزوق من غرفته، متأبطًا وقاره المعتاد. وما إن رآها، حتى اتسعت عيناه للحظة، لكنه تماسك. كانت نظراتها كافية، حادة، دامغة، مليئة بنار تعرف كيف تُحرق دون أن تتكلم. قال بنبرة متهكمة، فيها غصة ماضٍ وحنق حاضر: – "ها يا حوراء... بغمضة عين جبتِ راسك لعندي، يا بنت الدويس." تقدّمت خطوة، وثبّتت قدميها على الأرض كمن يغرس جذوره. قالت بثباتٍ ناريّ: – "يا بو نايف، يا كبير آل الدهيم... أنت كبير كفاية إنك تعرف إن اللي يدوس على طرف بناتي... أدوس على راسه." ساد صمت ثقيل. حتى الحوائط توقفت عن التنفس. لم يتوقّع منها هذه المواجهة. هي التي كانت لا ترفع صوتها في الماضي، ولا تُرى في التجمعات. لكنها الآن... نار تمشي على قدمين. قال، بنبرة يحاول فيها إخفاء انزعاجه: – "أحمدي ربك... إنّي سمحت لك تحتوين البنات هالسنين. الظاهر ظنيتي إن سكوتي خوف، ولا شفقتي ضعف؟ وش لون لسانك طال لدرجة توصّل مرزوق آل الدهيم؟" لكنها لم تهتزّ، لم تهتم لنبرة العتب ولا نبرة التهديد، بل زاد ثباتها: – "بكرة الصبح، يا بو نايف... إذا ما اتصلوا عليّ من الجامعة وقالوا إن أوراق بناتي رجعت، راح أهُدّ عمارتك على راسك. إن كنت مرزوق آل الدهيم... فأنا حوراء." بدت الكلمة الأخيرة وكأنها صفعة في وجهه. لكنه ضحك بسخرية، وقال: – "إنتهيتِ؟ تقدرين تطلعين." استدارت لتغادر. لكن... عيناها التقطتا انعكاسًا في المرآة القريبة. انعكاسين... نصفا قلبها المأخوذ منها منذ سنوات. سكنت في مكانها. استدارت بهدوء، وكأن الزمن عاد بها للوراء. نظرت إلى جاسر وجسار... حاولت أن تبتسم، لكنها لم تستطع. عيناها امتلأتا بدمعة راجفة... لم تنزل، لكنها فضحت الشوق. جسار عبس، جلس على طرف الأريكة، فتح هاتفه، وتظاهر بالانشغال. أما جاسر، فقد نظر إليها ببرودٍ جارح... ثم استدار دون كلمة، واتجه إلى الأعلى. كل ذرة في قلبها ارتجفت... لكنها لم تنطق. لملمت بقايا كرامتها، وأدارت ظهرها. وهنا، قال نايف ببرود قاتل: – "الباب من هناك، يا أم البنات." أغمضت عينيها لحظة... ثم فتحتها بثبات، مشت بنفس الخطى التي دخلت بها، لكن الثقل في صدرها الآن لا يُحتمل. خرجت من الباب، وتركته خلفها... لكن صوت قلبها ظلّ يصرخ خلفها طوال الطريق. * * ما إن أغلقت باب بيتها خلفها، حتى أسندت ظهرها عليه لثوانٍ، وكأن كل ما بداخلها سقط دفعة واحدة. لم تذهب لبيت والدها كما كان مفترضًا لاستقبال أختها وأولادها، لم تستطع. لم تكن تملك وجهًا واحدًا تقدّم به نفسها بعد ما صار، ولا قلبًا هادئًا يسمع التهاني أو حتى العتاب. سارت بخطى متثاقلة نحو غرفتها، فتحت الباب ودخلت دون أن تنظر يمينًا أو يسارًا. ألقت حقيبتها على الكرسي، وأسقطت جسدها على السرير بلا تفكير. استلقت على جنبها، احتضنت وسادتها كما لو أنها تحتضن روحًا غائبة، ولم تمر سوى دقيقة واحدة... حتى انفجرت بالبكاء. بكت بحرقة، بكت كأنما سنوات الصمت قد وجدت فجأة طريقًا للخروج. شهقاتها كانت عالية، تقطّع صوتها معها، واهتزّ صدرها وكأن الألم يسحب من قلبها خيطًا خيطًا. "ما تخيلت... ما تخيلت شوفهم بهالشكل..." تمتمت بصوت مخنوق، عيناها مفتوحتان وهي تحدق في السقف، تحاول أن تصدّق ما رأته للتو. كانوا طوال... رجال... كان في عيونهم شيّ ما أعرفه... شيّ ما كان فيهم يوم خلّيتهم... قسوة... برود... وجوههم مو وجوه أولادي اللي ولدتهم بصدري... غطّت وجهها بكفّيها وهي تئن من شدّة الألم، وكأنها تخجل من دموعها، من ضعفها... من نفسها. "ليش قسيتوا كذا؟ ليش نظرتوا لي وكأني غريبة؟..." صوتها خرج مكسور، وكأنها تناديهم وما فيهم أحد يسمع. كان جسدها ينتفض من شدّة البكاء، قلبها موجوع بطريقة ما قدرت توصفها، تخيّلت لقائي فيهم سنين... دايم أتخيلهم يرجعوا لي يركضوا... يندهوا لي "يمه" بحنين... مو يجلسوا قدامي كأني حدا ما يعرفوه... غطّت وجهها بالوسادة، وارتفع نحيبها أكثر. كل قوتها اللي تعوّدت تلبسها قدّام الدنيا، سقطت أول ما شافتهم. ما توقعت... ما تخيلت إن سندها، عزوتها، هم نفسهم يكونوا نقطة ضعفها اللي تكسّرها كذا. انهارت حوراء... ما عاد تقدر تلم شتاتها، ما عاد فيها تمسك نفسها، ولا عاد تنفعها صلابتها اللي تعوّدت تلبسها قدّام العالم. في تلك الليلة، ما نامت. ظلت على حالها... تبكي وتهمس بأسمائهم، تسأل نفسها: هل ممكن يحنّوا؟ هل ممكن يتذكروا؟ لكن حتى الأمل... صار مؤلم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كأنك غريب

المؤلف Fatima Omrn
2025/06/14 مستمرة
قائمة الفصول (27)
الفصل 1: | طلقها .. و الا |
2025/06/14
الفصل 16: |العتبة التي لم تخبرها القلوب|
2025/06/14
الفصل 17: |كأنكما غريبان|
2025/06/14
الفصل 18: |رساله من المجهول|
2025/06/14
الفصل 19: |إياك و رقم ٢٢ ...|
2025/06/14
الفصل 20: |بداية الخيط|
2025/06/14
الفصل 21: |الصورة و القارورة|
2025/06/14
الفصل 22: |الرحيل و ما يليه|
2025/06/14
الفصل 23: |اتخذ القرار|
2025/06/14
الفصل 24: |عندنا و عادت الصدمات|
2025/06/14
الفصل 25: |طوفان مشعل|
2025/06/14
الفصل 26: |وإذا انكسر الصوت… تكلم الصمت|
2025/06/15
الفصل 15: |لم يتوقع |
2025/06/14
الفصل 14: |ذنب يتنقل|
2025/06/14
الفصل 13: |اما الخضوع اما الانهيار|
2025/06/14
الفصل 2: |حين انكسر البيت|
2025/06/14
الفصل 3: |ظلال العائلة و همسات القلب|
2025/06/14
الفصل 4: |اسماء لا تليق بنا|
2025/06/14
الفصل 5: |ملامح لا تنسى|
2025/06/14
الفصل 6: |حبال تشتد|
2025/06/14
الفصل 7: |الظل الذي عاد|
2025/06/14
الفصل 8: |حين اهتزت الأرض تحت أقدام الثبات|
2025/06/14
الفصل 9: |انقلبت الكفة|
2025/06/14
الفصل 10: |خيارات من قعر الجحيم|
2025/06/14
الفصل 11: |خطف بوضح العيون|
2025/06/14
الفصل 12: |سمعتك|
2025/06/14
الفصل 26: |في عين العاصفة|
2025/06/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة