عادت حوراء إلى بيتها والضيق يتسرب داخل صدرها كدخان كثيف، يخنقها كلما حاولت التنفس. كانت تقود سيارتها بصمت، الشوارع سوداء مثل الليلة التي تمر بها، وداخلها حرب… حرب بين كرامتها التي داسها، وبين أمومتها التي تناديها. حين وصلت، دخلت بيتها وأغلقت الباب بإرهاق، وكأنها تغلق على نفسها عالمًا لا طوق نجاة فيه. أطفأت أنوار البيت، ولم تُشعل غير شمعة في قلبها تحترق وتذوب... وحدها. جلست على طرف الأريكة، وضعت كفيها على وجهها وسحبت نفسًا عميقًا، لكنها لم تستطع إخراجه بسهولة. قالت بصوت مبحوح: – كيف أرجع له؟ بعد كل هالسنين؟ بعد ما تركني أتحمل وجعي لحالي؟ رفعت رأسها ببطء، عيناها حمراوان من التفكير، وواصلت همسها: – وش بيصير لو وافقت؟ وش بيسوون جاسر وجسار؟ بيقبلوني؟ بيرجعون يضمني لحضنهم؟ ولا بيطالعون فيني وبخواتهم كأننا غريبات؟ نهضت من مكانها كمن يهرب من فكرة مزعجة، ودخلت المطبخ. فتحت الثلاجة، سكبت ماءً بيد مرتجفة، شربت نصف الكوب ثم وقعت عيناها على القدر فوق الغاز. رفعت الغطاء، كانت طبخة صغيرة حضرتها للبنات قبل ساعات من اختفائهن... أغمضت عينيها بشدة. – يا الله... بردوا البنات، الجو برد، يارب رحمتك... التصق الخوف بعظامها، شعرت أن كل شيء صار أثقل من قدرتها على الاحتمال. حتى الأكسجين... ما عاد يتسرب لرئتيها بسهولة. رجعت لغرفتها كمن يحمل نفسه بالقوة، وما إن وضعت رأسها على الوسادة حتى دوّى رنين الهاتف... الساعة الثانية فجرًا. قلبها خفق بقوة، أمسكت الجوال، "ابونايف – مرزوق" ظهر الاسم، وذعر اجتاحها: – يا الله، لا يكون صار شيء للبنات! ردّت بسرعة، وبصوت مرتعش: – "ألو؟" لكنّ صوته جاء مختلفًا... خبيثًا، ناعمًا، يحمل وقاحة متخفية بثوب المزاح: – "اللي مثلك يا حرمة... ما ينعطى إلا لرجّال يعرف قيمتها... من زمان ما شفت وجه ينور الليل زي وجهك الليلة... من جد... تذكرت ليش كنت دايم أقول إنك أحلى حرمة شافها مجلسنا." تجمدت حوراء، اتسعت عيناها، واشتعل وجهها بالغضب والذهول. لكنه استمر، وبنبرة أخف، كأن ما قاله أمر عادي: – "قلت أذكّرك، إن الزواج ما بعده شي، ووش فيها لو صار بيني وبينك؟ ترا أنا أعرف أكرّم اللي لي، وإنتي تستاهلين." أغلقت الخط في وجهه فورًا، بشدة، وارتجف قلبها من شدة القهر. صرخت في الغرفة: – تفو عليك! تبا لك يا قليل الحياء! رمت الجوال على السرير ووقفت تدور في الغرفة كمن يريد أن يخلع جلده: – كيف صار كبير آل دهيم بهالحقارة؟ ما كفاك خطف، تهديد، ابتزاز؟ الحين جاي تتغزل وتساوم؟ صوتها كان يرتجف لكنها كانت تقاوم: – تحاول تقهرني؟ تحاول تخليني أضعف؟ أبدًا ما راح تفرح بشي مني... أبدًا! كانت الليلة طويلة، لا نور فيها، ولا نوم. ولكن مع كل هذا الألم... شيء ما تغيّر داخل حوراء. ربما كان بداية الانفجار. أو ربما بداية الخلاص. * * كان الصباح في ذلك البيت أبعد ما يكون عن الهدوء. الضوء يتسلل خافتًا عبر النوافذ، لكن داخلهما… كانت العاصفة قد بدأت منذ الفجر. في وسط غرفة الجلوس، كانت سجى تتحرك بعصبية، تضرب الوسائد، تدفع الطاولة بقدمها، وتصرخ، كأن كل شيء يضيق بها حتى جدران البيت. – "وينها؟! وين أمك؟! مو وقتها تهرب!" أما رسل فكانت ساكنة، ساكنة حد الوجع، تجلس على الكنبة بثقلٍ مرير، كأنها تتحلل ببطء. عيناها نصف مغمضتين، شفتاها مطبقتان، وكأنها تعيش في عالم خارج الجدران. اقتربت سجى منها، وقد بلغ بها الغضب حدّ الانفجار: – "ليش ساكتة؟! ليش قاعدة كأن شي ما يعنيك؟! انتي ما تشوفين؟ انتي عايشة؟ وينها أمك؟ ليش ما تخلّصنا منهم؟! نسيتنا؟ ولا صارت مرتاحة الحين بعد ما رمَتنا؟!" رفعت رسل نظرها ببطء، كانت عيناها دامعتين لكنها ظلت صامتة. أما سجى فكانت كمن فقد توازنه، صرخت بنبرة أكثر حدّة: – "أكيد الحين جالسة تهنأ بحياتها، قررت تبدأ من جديد بدونّا! مثل ما تخلّت عن أولادها... الحين دورنا!" وهنا، انهارت رسل. صرخت، دموعها تنسكب على وجنتيها، ونبرة صوتها خرجت مجروحة، متقطعة: – "كفى يا سجى! كفى كلام يجرح! مو كل مرة تتألمين، تجرحين اللي حولك! مو كل مرة ترمين نارك علينا!" سجى توقفت، حدّقت فيها، لكنها لم ترد. واصلت رسل، وهي تنهض واقفة، صوتها يرتفع كلما خرج ألمها المدفون: – "كأنك انتي الوحيدة اللي تتألمين؟ تبين تكسرين أمنا؟ تبينها تنهار؟ ما كفاكي لما قلتي لها تبين تروحين لأبوك؟ نسيت؟! نسيت إنه هو اللي رمانا؟ نسيت إنه السبب في كل هالمصايب؟!" شهقت وهي تواصل، وكأنها تُخرج غُصّة كانت تنمو في صدرها منذ زمن: – "تعرفين وين أمك الحين؟ تعرفين وش تسوي؟ يا إنها الحين طايحة، ما تقدر تقوم من قهرها، أو إنها تموت نفسها تحاول تلقى حل... لحل عقدة انخلقت من جريمة ما كانت تخصها!" تراجعت قليلاً، وضعت يدها على فمها وكأنها تمنع دموعًا أخرى من الانهيار: – "بس لأنك خايفة تعترفين بخطأك، حطّيتي اللوم عليها كالعادة... ما قلتي يمكن أبوك العزيز هو اللي دمّرنا كلنا؟!" سكتت فجأة، كل شيء توقف. حتى سجى لم تعد قادرة على الرد. في تلك اللحظة، صدر الباب تحرّك... جسّار دخل الصالة بهدوء، في يده كيس يحمل فطورهم، علبة شاي، وأكياس صغيرة. تجمّدت الأختان، التفتتا نحوه بذهول. كان واقفًا، عتبة الباب خلفه، ووجهه بلا تعبير، لكن عينيه كانتا تقولان الكثير. لحظة طويلة مرّت، لا صوت يُسمع إلا أنفاس متقطعة، وارتباك يعصف بالهواء. كان دخوله كاقتحام شخص غريب لدفتر يومياتهما الخاصة. سجى خفضت بصرها، ورسل تراجعت خطوة للخلف. لم يتحدث جسّار، فقط وضع الأكياس على الطاولة، نفض يديه بهدوء، ثم نظر إليهما نظرة واحدة… نظرة لم تكن قاسية، لكنها ليست متعاطفة. بل نظرة رجُل بدأ يدرك أن هناك شيئًا أعمق مما يُرى على السطح. صوته جاء أخيرًا، هادئًا جدًا، كمن يقول جملة عابرة: – "جبت لكم فطور، يمكن يهدّي شوي من هالصياح..." ثم خرج. وبقيتا هما... كل واحدة منهما تغرق في صمتها، لكن الصدى لا يزال يرتجّ في الأرجاء. * * حين فتحت حوراء عينيها صباحًا، لم يكن الضوء هو أول ما استقبلها... بل ذلك الصداع العميق، كأن شخصًا غريبًا اقتحم جمجمتها وبدأ بضرب جدرانها من الداخل. وضعت يدها على رأسها، تنهّدت، كانت عيناها مثقلتين من قلّة النوم، لكن قلبها أثقل... ذكريات الليلة الماضية لم تُمهلها كثيرًا، تدفّقت عليها كجُرح انفتح فجأة. تذكّرت صوته… صوت مرزوق، كلماته الجريئة المغلّفة بالوقاحة، وتلميحاته التي جرحت كرامتها، ثم تذكرت صمتها... ثم غضبها. نهضت فجأة. لم تكن تنهض هكذا منذ وقتٍ طويل، لكن اليوم... شعرت أن هناك شيء تغيّر. كأنها اتخذت قرارًا ما أثناء نومها دون أن تدري. غسلت وجهها بسرعة، جلست على طاولة الطعام، تناولت بضع لقمات من طبختها القديمة، لم تكن تشعر بطعمها، لكن شعور الغُصة في حلقها خفّ قليلاً. سحبت هاتفها من فوق الثلاجة، بحثت عن اسمه... ريان | محامي الشركة. ضغطت زر الاتصال. رنت فقط مرتين. – "ألو؟" جاء صوته الهادئ المعتاد، لكنها شعرت بذبذبة في نبرته، ربما لم يتوقع اتصالًا شخصيًا منها. – "السلام عليكم، أستاذ ريان." قالتها بصوت ثابت، مُتحكم، لكن في عمقه… كان هناك تعبٌ قديم. – "وعليكم السلام، أستاذة حوراء." سكتت لثانيتين ثم قالت: – "هل ممكن اليوم اجى لمكتبك ؟ ما راح أطوّل. الموضوع شخصي… وما له علاقة لا بالشغل، ولا بإنك محامي." صمت. ربما استغرب، أو فكّر، أو شعر أن هناك ما يستدعي القلق. لكنه أجاب بهدوء: – "تمام... بعد ساعة." أنهت المكالمة، ووقفت أمام المرآة. نظرت لنفسها مطولًا. الوجه الذي عاش صراع العمر، العيون التي جاهدت حتى لا تنهار، والقلب… الذي بدأ اليوم يختار. * * كانت السماء ملبدة بالغيوم حين وصلت حوراء إلى المكتب، الجو بدا وكأنه يتهيأ لعاصفة، مثل تلك التي تختمر في صدرها منذ أيام. طرقت الباب برفق. — تفضّلي، آنسة حوراء. أتاها صوته من الداخل، ناعمًا وهادئًا كعادته. دخلت بخطوات ثابتة. كان واقفًا خلف مكتبه، شابًا في أواخر العشرينات، وسيمًا، ببشرة بيضاء وشعر أسود، وعينين واسعتين لا تفوّت التفاصيل. نهض فور رؤيتها، أشار لها بالجلوس: — تفضّلي. جلست، حافظت على صلابتها، رغم خيوط القلق التي تتسلل إلى عينيها. قالت مباشرة، دون مقدمات: — أعتذر على الإزعاج، أستاذ ريان. ابتسم بودّ: — لا مشكلة أبدًا… تفضّلي. ثم مال قليلاً للأمام وسأل بلطف: — آه، صحيح… تحبّين تشربين قهوة؟ رفعت زاوية شفتيها بابتسامة خفيفة خجلة، وهزّت رأسها: — لا، شكرًا. ثم نظرت إليه مباشرة، بثبات، وقالت: — أريد رقم هاتف خالك… صالح مرزوق آل دهيم. ارتفع حاجباه بوضوح. طلبٌ لم يكن يتوقعه، من امرأة لم تظهر أي ميل سابق للعودة إلى الوراء. أمال رأسه قليلاً، وسأل بنبرة خفيفة ممزوجة بالحذر: — ولِمَ تريدينه؟ قالت بهدوء، بنبرة لا تعطي فرصة للشك أو الإلحاح: — أمر يخص البنات. — شيء يجب عليه أن يحله. صمت. لم تُفصح كثيرًا، لكن حدسه أخبره أن خلف تلك الكلمات بحرًا من التعقيد. نظر إليها قليلًا، ثم فتح دفترًا صغيرًا، كتب الرقم، ومدّه لها دون كلمة. أخذته حوراء، شكرته بنظرة مقتضبة، وغادرت. ظل ريان جالسًا مكانه، ينظر إلى الباب الذي خرجت منه، والتساؤلات بدأت تتسلل إلى رأسه كدخان كثيف: لماذا الآن؟ ولماذا صالح؟ وما الذي يحدث بين حوراء… ومرزوق؟ ثم تمتم بصوت بالكاد يُسمع: — الأمور بدأت تخرج من إطار الصدف…
Fatima Omrn