|ظلال العائلة و همسات القلب|

|ظلال العائلة و همسات القلب|

22 0

كانت أشعة الصباح تتسلّل بخجل من بين الستائر الرمادية، فتغمر أرضية الغرفة الواسعة بلونٍ ذهبيٍّ خافت. وعلى طرف الطاولة، ارتفعت رائحة القهوة السوداء التي أعدّتها حوراء بيديها، كعادتها كلّ صباح، بهدوء امرأة تعرف تمامًا ما تريد. انفتح باب الغرفة المجاورة فجأة، وظهرت سجى، عيناها متورّمتان قليلاً من قلّة النوم، وشعرها البنيّ مبعثر، تحمل في يدها هاتفها، وفي الأخرى كوب شاي بلا سكّر. قالت سجى بانفعال وهي تلوّح بالهاتف: ــ "أمي، انظري. من هذه الفتاة التي كتبت تعليقًا تحت لوحتي؟ 'مبالغٌ فيها وغير منطقيّة'! والله سأردّ عليها ردًّا يجعلها تندم!" رفعت حوراء حاجبها، وواصلت تصفّح الأوراق أمامها بهدوء: ــ "لا تردّي، يا ابنتي. من يرسم، يفتح باب النقد. والردّ لا يكون بالصراخ." قاطعتهما رُسُل وهي تخرج من الحمّام، منشفة تلفّ بها شعرها، تمشي بخفّة واتزان: ــ "إن كنتِ ستغضبين من كلّ تعليق سلبي، فاستعدّي لحياةٍ قاسية يا سجى. هذه بدايتك فقط." ردّت سجى، وهي تضع الكوب على الطاولة بقليل من الحِدّة: ــ "هناك فرق بين النقد والوقاحة. وأنتِ دائمًا تتصرّفين وكأنّك تفهمين أكثر من الجميع!" ابتسمت رُسُل ابتسامة جانبية، وجلست على الكرسي المقابل لها: ــ "لستُ أفهم أكثر، لكنّي أُفضّل التذكير بأنّ ضبط الأعصاب فضيلة." قالت حوراء دون أن ترفع عينيها عن الأوراق، بنبرة جادّة لا تقبل النقاش: ــ "أمامكنّ ربع ساعة لتكوننّ مستعدّات. لديّ اجتماع الساعة الثامنة، ولا أرغب في التأخّر، هل هذا واضح؟" تمتمت سجى وهي تنسحب نحو غرفتها: ــ "اجتماعات، تصاميم، ضغط... لو أنّ حياتنا طبيعية فحسب!" أجابت رُسُل بنبرة هادئة وهي تُلقي نظرة طويلة على والدتها: ــ "حياتنا طبيعية... لكنها تحتوي على أمّ غير عاديّة." رفعت حوراء عينيها إليها للمرّة الأولى منذ بداية الصباح، وابتسمت بلطافة خافتة: ــ "انهضي وارتدي ملابسك بدلاً من هذا الكلام، فذلك أنفع لك." في الخارج، كانت الأصوات تتعالى... هدير السيارات وأبواقها، وضجيج الحياة التي تمضي سريعًا. أمّا في الداخل، فكانت تلك العائلة الصغيرة واقفة على أقدامها بثبات... دون سند. * * مجلس آل دهيم كان المجلس الكبير غارقًا في صمتٍ مهيب، لا يقطعه سوى احتراق العود في مجمرته الفاخرة، ينساب دخانه في الهواء كأنه يمهّد لشيءٍ جلل. في صدر المجلس جلس الجدّ مرزوق، شيخ العشيرة، تحيط به ملامح الزمن، وتستقرّ في عينيه نظرة لا تخطئها الهيبة. إلى جانبه جلس أبناؤه: نايف الصامت المتحفّظ، مشعل الذي وصل للتوّ من المطار، وياسين الأصغر، الذي بدا أقل اهتمامًا من سواه، متكئًا على الأريكة الجانبية، يتبادل النظرات والنكات المكتومة مع بعض الأحفاد. جلس الأحفاد في الصف الأول، تتماوج ملامحهم بين التوتّر والملل. جاسر، بوجهه الحاد وعينيه الثابتتين، بدا كأنّه يحفظ المجلس عن ظهر قلب. جسّار، أكثر توترًا، عُقدت ذراعاه على صدره، وعيناه تتحركان دون أن يتكلم. إلى جوارهم جلس سلمان ومراد، وقد بدت على وجهيهما ملامح الاستخفاف المعتادة، وكأنهما حضرا رفعًا للعتب. أما أدهم، ابن عمهم الأكبر، فكان صامتًا، يتابع ما يدور دون أن يُظهر رأيًا. قال الجدّ مرزوق فجأة، بصوتٍ متهدّج لكنه قوي: ــ "آل دويس اقتربوا من حدودنا. ما عاد الأمر سوء فهم، بل استباحة." أجاب نايف بنبرة متزنة: ــ "وهم ينتظرون ردًّا. إن سكتنا، تكرّرت الاستباحة." همس جسار، بنبرة منخفضة لكنها ثقيلة: ــ "السكوت جُبن. الشرف لا يحتمل الانتظار." سكت الجميع، لكن توتر الهواء اشتدّ. تقدّم مشعل قليلاً في جلسته، وقال بنبرة رزينة: ــ "لا أحد يختلف أن الأرض هي الكرامة، لكن الغضب وحده لا يُعيد الحقوق. إن أردنا أن نظهر قوّتنا، فلنبدأها بالعقل." رفع بعض الجالسين رؤوسهم نحوه، فأكمل: ــ "من الحكمة أن نرسل رجلًا ذا مكانة ليُواجه آل دويس وجهاً لوجه. نحن لا نُهدّد، بل نُطالب بما لنا. والأولى أن يكون شيخ آل فهد هو المبعوث باسمنا." تردد صدى كلماته في أرجاء المجلس، كمن صبّ الماء على نارٍ تحت الرماد. قال جاسر بنظرة متفحّصة: ــ "وإن لم يأت الرد كما نُريد؟" ردّ مشعل بهدوء: ــ "عندها، يكون لكل حادث حديث. نكون قد أبلغنا، ورفعنا الحرج، وأثبتنا أننا نتحرك بعقل لا بردّة فعل." صمت الجميع، ثم نطق مرزوق وقد شبك أصابعه فوق عصاه: ــ "نعم. شيخ آل فهد يذهب إليهم. لن نُذلّ، لكننا نعرف متى نُبقي اليد على الزناد، ومتى نمدّها بالحكمة." مال سلمان نحو مراد، وهمس: ــ "يا رجل، أول مرة جسار ما يفجّر المجلس... مشعل عوّدنا على الهدوء، بس هالمرّة هدوءه أقنعهم." ضحك مراد بصوت مكتوم، بينما بقي جسار على حاله، ساكنًا... لكنّ عينيه كانتا تقولان شيئًا آخر. المجلس انفرط بعد ذلك ببطء، لكن شرارة الخصومة لم تنطفئ... كانت قد بدأت للتو. * * منزل الجد مرزوق رغم سكون العصر في منزل الجد مرزوق، إلا أنّ داخله كان ينبض بحياةٍ متراكبة، طبقات فوق طبقات، كأنما البيت جسدٌ واحد بروحٍ متعددة، لكلّ طابق منه طبع وسيرة. دخل جاسر وجسّار إلى المنزل الكبير بعد نهارٍ طويل في العمل. فتح جاسر الباب بصمته المعتاد، تبادل نظرات سريعة مع الخادمة في الرواق، ثم صعد الدرجات بهدوء ثقيل حتى بلغ طابقهم الثالث، ودخل إلى غرفته دون أن ينبس بكلمة. أما جسّار، فقد بقي في الصالة، جلس على أحد الأرائك بزيّه العسكري، جفونه نصف مغمضة، وكتفاه مسترخيتان من شدة الإرهاق. نظراته معلّقة بالسقف، كأنما يحمل فوق صدره وطأة أيامٍ متراكمة. كان المنزل هادئًا إلى حدٍّ غير معتاد. لا ضجيج الأطفال، ولا صوت التلفاز، ولا حتى وقع خطواتٍ على الدرج. وفي هذا الهدوء... خطت مريم. نزلت من الطابق الثاني بخطى خفيفة، مترددة، وقد التزمت بزيّها المحتشم، كما تفعل دائمًا حين توقن بوجود جسّار في الصالة. في يدها كتاب صغير، تحمله فقط ليبدو مرورها طبيعيًّا، لكنها لم تقرأ منه حرفًا. عيناها التقطت وجوده من اللحظة الأولى، ولم يكن التعب في وجهه ليمنع قلبها من الخفقان. ذلك التعب تحديدًا، ما زادها رأفة به. جلست في الطرف الآخر من الصالة بهدوء، لم تكن تنوي التحدث، لكنها لم تستطع كتمان رغبتها في خدمته، ولو بكلمة. قالت بصوتٍ منخفض أقرب للهمس: ــ "هل... هل ترغب في أن أحضر لك شيئًا تأكله؟" رفع جسّار نظره إليها، بدا متفاجئًا قليلًا، ثم هزّ رأسه نفيًا وهو يردّ بنبرةٍ خشنة تعبٍ: ــ "لا، شكرًا. سأنام قليلًا." ونهض. وقبل أن يبتعد تمامًا، نهضت هي الأخرى بتلقائيّة وسألته دون تردد: ــ "وماذا تحبّ أن تتعشّى الليلة؟ إن أردت شيئًا معيّنًا... أحضّره لك." توقف للحظة، فكّر، كأن الإجابة أثقل من السؤال، ثم قال: ــ "أرز... ومرق دجاج." ابتسمت، وكانت تلك الابتسامة كافية لتملأها بيقين صغير لا تعرف له اسمًا... لكنه يمنحها أملًا. توجه جسّار إلى غرفته، أما هي، فاستدارت بخفة نحو المطبخ، تمسك بعباءتها من طرفها كأنها تسبق نبض قلبها. دخلت المطبخ، غسلت يديها، واستعادت ما قاله. ــ "أرز... ومرق دجاج." كرّرتها في داخلها كأنها وصية، أو جائزة. بدأت بتحضير المكونات بهدوء، لا تطيق فكرة أن تُشارِكها خادمة أو يد أخرى. كانت تتحرك برفقٍ شديد، كأنّها تطبخ حلما، لا طعامًا. كل تفصيل كان يعنيها: كمية البهار، حرارة المرق، وحتى شكل الطبق الذي ستضع فيه الطعام لاحقًا. لطالما نظرت إليه من بعيد، مذ كانت فتاة صغيرة وهو في أوج صخب مراهقته، لم يكن يومًا لها، ولم يكن قلبه يومًا معرّضًا لها. لكنه، رغم ذلك، لم يكن غريبًا. ابن عمّها... لكنه أكثر من ذلك في قلبها. هي تدرك تمامًا أنه لا يرى فيها إلا مريم، ابنة عمّه، المقيمة في الطابق الأسفل. لكنها، في تلك اللحظة، وبين عطر المرق وبخار القدر، كانت فقط... فتاةً تُحب. > "ثمة حبّ لا يُعلَن، لا يُطالب، لا يُفسَّر... يُختبأ في خدمة، يُقال في صمت، ويُعاش في طرف عينٍ خافتة."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كأنك غريب

المؤلف Fatima Omrn
2025/06/14 مستمرة
قائمة الفصول (27)
الفصل 1: | طلقها .. و الا |
2025/06/14
الفصل 16: |العتبة التي لم تخبرها القلوب|
2025/06/14
الفصل 17: |كأنكما غريبان|
2025/06/14
الفصل 18: |رساله من المجهول|
2025/06/14
الفصل 19: |إياك و رقم ٢٢ ...|
2025/06/14
الفصل 20: |بداية الخيط|
2025/06/14
الفصل 21: |الصورة و القارورة|
2025/06/14
الفصل 22: |الرحيل و ما يليه|
2025/06/14
الفصل 23: |اتخذ القرار|
2025/06/14
الفصل 24: |عندنا و عادت الصدمات|
2025/06/14
الفصل 25: |طوفان مشعل|
2025/06/14
الفصل 26: |وإذا انكسر الصوت… تكلم الصمت|
2025/06/15
الفصل 15: |لم يتوقع |
2025/06/14
الفصل 14: |ذنب يتنقل|
2025/06/14
الفصل 13: |اما الخضوع اما الانهيار|
2025/06/14
الفصل 2: |حين انكسر البيت|
2025/06/14
الفصل 3: |ظلال العائلة و همسات القلب|
2025/06/14
الفصل 4: |اسماء لا تليق بنا|
2025/06/14
الفصل 5: |ملامح لا تنسى|
2025/06/14
الفصل 6: |حبال تشتد|
2025/06/14
الفصل 7: |الظل الذي عاد|
2025/06/14
الفصل 8: |حين اهتزت الأرض تحت أقدام الثبات|
2025/06/14
الفصل 9: |انقلبت الكفة|
2025/06/14
الفصل 10: |خيارات من قعر الجحيم|
2025/06/14
الفصل 11: |خطف بوضح العيون|
2025/06/14
الفصل 12: |سمعتك|
2025/06/14
الفصل 26: |في عين العاصفة|
2025/06/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة