بيت مرزوق – صالة الدور الأرضي، الظهيرة عاد جسّار إلى البيت بعد يوم مرهق في العمل، وعيناه متعبتان من السهر والضغط المتواصل. ألقى بحقيبته جانبًا، وتمدّد على الأريكة في صالة الدور الأرضي دون أن يصعد إلى طابقه، فقط أراد أن يلتقط أنفاسه، ولو لعدّة دقائق. في تلك الأثناء، كانت مريم تمرُّ قرب الصالة حاملةً كتبها إلى غرفتها، فيما كان أخوها ثابت يركض خلفها محاولًا ممازحتها، بل مضايقتها كما هي عادته معها حين تهمّ بالمذاكرة. كانت ردودها عليه مغتاظة وهمساتها لاذعة: ـ "ثابت خلّني، ما وراي إلا هالكتب، تكفى روح العب مع أحد غيري!" ضحك وركض مبتعدًا، بينما هي تنفّست بعمق، ودفعت الباب بنية الدخول للصالة، لولا أن أوقفها صوت نوف القادمة من الدرج، بصوت مرتفع متعمّد، وكأنها تتقصد أن يسمعها أحد: ـ "مريم، أجمل وحدة بالعائلة... واللي تذاكر وتذاكر، بس للأسف، قلبها ضيّعها، حبّت شاب ما يشوفها أصلاً... وجودها وعدمه واحد عنده." ارتخت خطوات مريم لكنها لم تتوقف تمامًا. جسّار من مكانه، لم يكن يرى وجوههم، لكنه التقط الكلام بوضوح. تغيرت ملامحه، الغيرة غلّفت تعابيره، لم يتكلم لكنه صمَتَ وهو ينصت... يريد أن يعرف من المقصود. نظرت مريم إلى نوف من رأسها حتى قدميها، بنظرة هادئة... مستفزّة، ثم قالت: ـ "شكلي ومشاعري صايرين همّك أكثر من مستقبلك. لو عندك شي يشغلك، ما كان عندك وقت تتدخلين بشي ما يخصّك." ابتسمت نوف بسخرية، ثم قالت: ـ "كل مرة تحاولين تتقربين من جسّار، وكأنك تظنين إنك بتغريه بجمالك! بس ما تشوفين الحقيقة؟ هو حتى ما يطيق يناظر لك." توقّف الزمن للحظة. جسّار أغمض عينيه، وكأنه يحاول تمالك أعصابه، فيما رفعت مريم حاجبيها ببطء، قبل أن تردّ بكلمات باردة، وابتسامة عريضة تملؤها الثقة: ـ "كونه ما يطيق النظر لي، أهون من وحدة مثلك، كل ما نظرت لها الناس، ما شافوا فيها شي يُذكر." ثم مالت برأسها قليلًا وقالت بهدوء: ـ "جسّار أكبر من أن يُغرى، وأنتِ أصغر من أن تفهمي الفرق بين الاحترام والانبهار." لم تنتظر ردّ نوف، بل مشت نحو غرفتها وهي تمسك بكتبها بإحكام، كأنها تمضي فوق غيمة من الكِبرياء. جسّار، من مكانه، ابتسم بخفة دون أن يُظهر شيئًا. اكتفى بنظرة جانبية نحو الدرج… لم يكن يعرف ما إن كان ما سمعه راحة… أم بداية لمشكلة أكبر. * * الثامنة والربع مساءً كانت كل الأنوار قد انطفأت، وهدأ كل صوت. بيت حوراء بات كما لو كان يودّعها بصمت. خرجت بهدوء، خطواتها ثقيلة رغم إصرارها، وقفت أمام الباب الخشبي لثوانٍ، ثم استدارت، أغلقت الباب وراءها… ومشت نحو السيارة. ركبتها، وأغلقت الباب بقوة خفيفة، وكأنها تُحكم الغلق على شيء داخلها. يدها ثبتت المفتاح، وأدارته، اشتغل المحرّك بصوت خافت، وسحبت نفسها إلى الخلف، ثم إلى الطريق. الشارع شبه خالٍ، والمصابيح الصفراء ترمي بظلالها المتقطّعة على الواجهة الأمامية للسيارة. عيناها كانتا تائهتين في الظلام، لكن عقلها… كان في مكان ثاني تمامًا. "وش ناوي عليه مرزوق؟" كل احتمالات العالم طافت في ذهنها، لكنها ما وصلت لشيء. الوحيد اللي كانت شبه متأكدة منه، إنّه بيستخدم ورقة جاسر وجسّار، ويضغط فيها بقوة. لو فتحت فمها… لو بلغت الشرطة… ممكن يرميهم بالسجن بدون ما يرمش له جفن. شدّت يدها على المقود، تنفست بعمق: "لازم أكون مستعدة لأي شي… حتى لو قال كلام يقلب حياتي فوق تحت، ما أضعف، ما أنكسر." هدأت السرعة، والتفتّت للمراية، كأنها تودّع شيء خلفها. في صوتها الداخلي، نبرة خفيفة مرّة، كأنها تواسي نفسها: "يا حوراء… دخّلتِ رجليك ببحر ما له قرار… بس الغرق مو خيار." --- ضوء خافت من مصباح مكتبي صغير، دخان خفيف في الجو، وهدوء لا يُسمع فيه إلا صوت عقرب الساعة. شخصٌ ما، يلبس سترة داكنة، يقف أمام النافذة، ينظر بعيدًا. خلفه يجلس آخر، يرتدي سماعة صغيرة، وعلى الطاولة أمامه جهاز تسجيل صغير. قال بصوت خافت: ...: "سمعته… قال إنه بيقابلها في مزرعته القديمة." الشخص الواقف ما تحرك، فقط قال ببرود: ؟؟؟: "في أي ساعة اللقاء؟" ...: "الساعة تسع، وطلب يكونون وحدهم، تمامًا." لحظة صمت، ثم جاء الردّ بحدة باردة: ؟؟؟: "رح… اسمع وسجّل كل شي. النفس اللي تطلع منهم… أبيه ينحسب." ... (ينحني بخفة): "حاضر." سحب السماعة، وخرج بهدوء… كأن المشهد كله فخّ محكم، وأبطاله ما يدرون إنهم ماشيين بخيوط مرسومة بدقة. الصوت الأخير الذي سُمع، كان صوت الباب يُغلق… ثم عادت الغرفة لسكونها… إلا من ضوء صغير… ينتظر أن يُسجّل أسرار الليل القادم. * * دخلت حوراء الصالة بخطوات موزونة. جلست على طرف الأريكة الكبيرة، ظهرها مشدود، ووجهها خالٍ من التردّد. عيناها كانت ثابتة، لا تبحث ولا تنتظر… فقط تستعد. الضوء الخافت في الصالة جعل وجهها يبدو أكثر حدة، كما لو أنه لوحة من صخر. كانت تعرف أن اللحظة القادمة ستغيّر ملامح الكثير من الأشياء. أما مرزوق، فكان يراقبها من خلف أحد الأعمدة. لحظة فقط… لحظة خُدع فيها قلبه ببعض وهج جمالها، بصلابتها، وحتى بملامح التحدّي في نظرتها. الشيطان تسلل إليه… وسوس له أن يُبدّل لعبته. أن يضيف خيارًا ثانيًا، أكثر التواءً… وأشد دنَسًا. تقدّم ببطء، جلس أمامها بدون مقدّمات ولا ترحيب، وسكت. نظر إليها طويلاً… طويلاً بما يكفي لتشعر بنظراته تحاول اختراق حدود كرامتها. ثم قال بهدوء مريب: "اشتقتِ لبناتك؟" لم تجبه. فقط رفعت رأسها ونظرت إليه نظرة كانت كالسيف. نظرة قالت كل شيء دون كلمة. ابتسم بخفة… لكنه لم يكن يضحك، كان يستفز. "أنا يا حوراء ما أحب المساومة… واللي أبيه، آخذه غصب. لكن… انظري كم أنتِ عزيزة… زوجة ولدي… تكرّمت عليك وخيّرتك." مال إلى الخلف قليلًا، راح يراقب ملامحها، ثم قال بنبرة استخفاف: "الخيار الأول: ترجعي لذمّة صالح، وتعيشي معه ومع بناتك بطابقكم الخاص. محد راح يقربكم، ومحد راح يكلّمكم… بس بتكونين هناك، تحت ظله." سكت. كانت نظرتها لا تزال حادة… لكنها بدأت تضيق، وكأنها تنتظر الطعنة التالية. قال وهو يميل للأمام: "والخيار الثاني… إنك تصيرين زوجتي. سِر. ما أحد يدري. أنا آمر عليك كل مدة، نص ساعة، ساعة بالكثير. نتونس ونتفاهم، وأمشي. راح أصرف عليك، وأضمن لك حق بناتك في الإرث… مثلهم مثل نايف ومشعل." حوراء شهقت بهدوء، شهقة قصيرة، ما كانت خوف… كانت ذهول ممزوج بالقرف. فتحت فمها لكنها ما نطقت… كانت الكلمة تخنقها، لكنها ما أرادت ترد عليه بلغة يتقنها هو. ابتسم مرزوق، وكأن الصمت عنده علامة قبول. وأكمل: "ولو قلتي لأحد عن هالكلام، أو حاولتي تبلغين، أنا أعرف كيف أخلّي جاسر وجسّار يقتلون إخوتهم… بأيديهم. وصدقيني… السجن ما راح يلمسهم، أنا كفيل بحمايتهم." رفعت حوراء رأسها فجأة، عيناها اشتعلتا بحدّة تشبه لهيب النار إذا اشتعلت فجأة من رماد. لكن مرزوق أكمل، بصوت كأنه يشرح شيئًا عاديًا جدًا: "ولأنك يمكن تقولين حرام، ولا يصير، فبقولك: الزواج يحلّ… لأن صالح ابن أخوي، وأنا اللي مربّيه. يعني من الناحية الشرعية، يصير لي الزواج بك." ابتلع غصته، وقلبه المريض اعتقد أنه أقنعها. لكنها وقفت. نعم، وقفت فجأة. كأن الأرض لفظتها من غضبها. نظرت إليه من أعلى، ثم قالت بصوت ثابت… لكن يحمل في داخله ألف صاعقة: "تظن إنك تملك الكل… تنسى إن الله فوق، وإن البنات اللي تقول بتورّطهم، هم أعظم منك بكثير." التفتت، مشت نحو الباب بخطوات ثابتة. كل شي فيها كان يصرخ: "لا." لكنها لم تصرخ… لأنها تعرف أن القوي ما يحتاج يرفع صوته. أما مرزوق… فجلس مكانه، يضحك بسخرية، ويقول في نفسه: "يا غبية… ما تعرفين وش تنتظرين." لكن الحقيقة؟ هو اللي ما كان يعرف وش ينتظره.
Fatima Omrn