"قَرَارُ الَعرش"

"قَرَارُ الَعرش"

42 0

منذ زمن بعيد، ازدهرت مملكة عظيمة تُدعى 'سكالفيا'، تحت حكم سلالة 'فالينار'، وكان أول ملوكها العظيم ريشارد الأول. عرفت هذه المملكة العتيقة الرخاء والطمأنينة على مدار سنوات طويلة، حتى لُقبت بين الشعوب بـ"المملكة الجنة"، لا لثرائها فحسب، بل لما حوته من طبيعة فاتنة، وزهور نادرة تنثر عطرها في كل درب وزاوية.

كانت نسائم البنفسج والياسمين والتوليب وحتى الجوري تستقبل الزائر قبل أن تطأ قدماه أرضها، وتُغمر حواسه بعطرٍ سماوي لا يُنسى. أما جمالها، فقد امتزج بسحر معالمها القديمة وتراثها الضارب في عمق التاريخ، مما جعلها مهوى أفئدة السائحين والباحثين عن الأسرار من مختلف أرجاء الأرض.

غير أن هذا الفردوس لم يكن أبديًّا...

فقد خانت مملكة 'رولينسيا' عهد السلام بعد خمس سنوات من الهدنة، وها هي سكالفيا اليوم تقف على حافة الهاوية. باتت الحرب وشيكة، والملك ريشارد السادس عاجزًا عن وقف الانحدار الذي يهدد بابتلاع المملكة كلها... ما لم يجد مخرجًا، قبل أن تقع الكارثة.

بعد ليالٍ من القلق والسهر، وبين حزمة قرارات باتت تنذر بنهاية حُكمه، جلس الملك ريشارد السادس إلى جانب زوجته، الملكة صوفيا، في البلاط الملكي. كانت الملكة، بوجهها الهادئ وجمالها الفاتن، لا تزال تُلقب بين الناس بـ"وردة سكالفيا البيضاء"، لكنها في تلك اللحظة لم تكن تحمل إلا نظرة واحدة: القلق.

تهادى صوت الملك عبر أرجاء البلاط وهو يأمر الخادم:

- "أحضروا الأمير ويليام فوراً."

لحظات، ودخل الأمير الشاب القاعة الواسعة بخطى ثابتة، وإن كانت تحمل شيئًا من الحذر. انحنى أمام والده بإجلال، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لوالدته قبل أن يقف منتصبًا، يحدّق في والديه بحيرة:

- "هل كل شيء على ما يرام؟ لماذا هذه الدعوة المفاجئة؟"

اعتدل الملك في جلسته، ثم قال بصوت صارم وعينين تكسوهما الظلال:

- "لن أخاطبك الآن كأب، بل كملك. وما سأقوله ليس مجرد رأي... إنه مصير مملكة."

صمت لوهلة، ثم أضاف بنبرة ثقيلة:

- "كما تعلم، سكالفيا تنهار. لقد خانت رولينسيا العهد بعد خمس سنوات من السلام. نحن على حافة حرب لن نخرج منها سالمين إن لم نتحرك فورًا. وانك الان شخص ناضج وبالغ وانت اكثر علما مني بوضع المملكه الحالي"

حدّق الأمير في والده، ملامحه متوترة، وعيناه تستنكران المصير:

- "وماذا تريد مني أن أفعل، يا أبي؟ إلى ماذا تلمّح؟"

تبادل الملك نظرة سريعة مع الملكة، ثم عاد يخاطب ابنه بنبرة أكثر هدوءًا:

- "فكرنا طويلاً، ووجدنا أنه لا بد من التحالف مع إحدى الممالك. للأسف، معظمهم رفض مساعدتنا رغم العروض. لكن هناك فرصة واحدة باقية... مملكة 'سولاريا العظيمة'."

أمال الملك جسده قليلًا للأمام، وكأنما يعرض ورقة أخيرة:

- "لديهم أميرة شابة، تبلغ الثامنة عشرة من عمرها. عرفت برقتها واخلاقها، وجمالها الذي تتحدث عنه حتى بلاطات الممالك المجاورة، نبيله في سلوكها ولباسها...عرضنا عليهم الزواج، فقد تحدثنا معهم و لم اشعر بأي اعتراض منهم، وكذا لا أرى سببًا يجعلك ترفض."

تابع وهو يثبت نظره في عيني ابنه:

- "لقد كبرت، ويليام. وأنا واثق أنك ستتخذ القرار الصائب. الأمير الحقيقي -أو بالأحرى الملك الحقيقي لانك ستحصل على هذا المنصب لاحقا-... يُضحي لأجل وطنه، لا من أجل نفسه."

هنا، تقدّمت الملكة صوفيا بخطوات ناعمة، وضعت يدها برفق على كتف ابنها، وابتسمت بحنان حزين:

- "ما رأيك، بني؟ إنها صفقة رابحة. ستنقذ المملكة، وتحصل على زوجة نبيلة تليق بك."

بقي ويليام صامتًا لحظة، يحدّق في الأرض. تنهد تنهيدة ثقيلة، كأنما سُحبت من أعماق صدره، ثم قال بصوت منخفض:

- "لا مانع لدي... إن كان هذا سيسعدكما... ويُنقذ البلاد."

ثم تراجع خطوة إلى الوراء، نظر نحو نافذة القاعة الواسعة، وأردف بمرارة:

- "لكنني أريد رؤيتها أولاً."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حب، تاج، سيف(متوفقة)

المؤلف kawthar1ink
2025/08/22 مستمرة
قائمة الفصول (21)
الفصل 1: "قَرَارُ الَعرش"
2025/08/22
الفصل 2: "مَوكِبٌ نَحوَ المَجهُول"
2025/08/22
الفصل 3: "نَظرَةٌ وَاحِدَة كَانت كَافِية"
2025/08/22
الفصل 4: "بَينَ نَظرَةٍ وَ صُندُوق"
2025/08/22
الفصل 5: "بَينَ غَابَةٍ و سِوَار...تَتَعقَدُ القُلُوب"
2025/08/22
الفصل 6: "إِمرَأَتَان....قِصَةٌ وَاحِدَة"
2025/08/22
الفصل 7: "الزَهرَة التِّي اِختَارَت أَلِكسَاندرَا"
2025/08/22
الفصل 8: " العَودَة مِن الرِحلَة الثّقِيلَة"
2025/08/22
الفصل 9: "حِكاية فِينَاند: عشقٌ أم لعنـة؟"
2025/08/22
الفصل 10: "هديّة من الشمال، وموعد مع الحقيقة"
2025/08/22
الفصل 11: \"سِفر الأسرار المَلَكيَة\"
2025/08/24
الفصل 12: "حُضُورٌ مُفَاجِئ"
2025/08/29
الفصل 13: "عِطرٌ و سِتَةُ زُهُور"
2025/09/04
الفصل 14: "نَبَضَاتُ صَمتٍ بَينَ القُلُوب"
2025/09/17
الفصل 15: "مُفتَرَقُ طُرُق"
2025/09/17
الفصل 16: "بِدَايَةٌ جَدِيدَة"
2025/09/17
الفصل 17: "إرتِجَافُ القَلبِ الأَوَل"
2025/10/17
الفصل 19: "رِسَالَة مِن بَينِ الظِلَال"
2025/11/06
الفصل 20: "قِصَةُ حُبٍ لا مَكَانَ لَهَا"
2025/12/01
الفصل 21: "أُسبُوعٌ وَاحِد"
2025/12/22
الفصل 22: \"عَدٌ تَنَازُلِيٌّ لِلقَلب\"
2025/12/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة