"إِمرَأَتَان....قِصَةٌ وَاحِدَة"

"إِمرَأَتَان....قِصَةٌ وَاحِدَة"

32 0

كانت خطوات الأميرة ألكساندرا بطيئة متثاقلة، تتقدّم بها نحو والدَيها، وقلبها يزداد اضطرابًا مع كل نبضة. لا تعلم ما الذي سيقال، ولا ما قد يُنتظر منها.

رفعت نظرها إلى والدها... لكن عينيه، اللتين لطالما ملأتا قلبها أمانًا، لم تعكسا هذه المرة سوى خيبةٍ عميقة.

خفضت رأسها سريعًا، كأنها تعتذر دون كلمات.

فجأة، تقدّمت الملكة ميريدا، وبيدها المروحة الملكية المكسورة. نظرت إلى ابنتها كأنها لم تعد تعرفها، ثم ألقت بالمروحة على الأرض بقوة فدوّى صوتها كصفعة في قلب القاعة.

— "أيتها اللعينة الحمقاء...!

ستندمين على فعلتكِ هذه، يا ألكساندرا!"

أمسكتها من معصمها بقبضة غاضبة، وجرّتها أمام الجميع نحو جناحها. التفتت الملكة بنظرةٍ نارية وقالت بصوتٍ صارم:

— "وأنتن...

أيّ خادمة تتجرّأ على تتبعنا، سأطردها من المملكة فورًا!"

لم يجرؤ أحد على الحركة. كانت ميريدا كالعاصفة.

دخلت الملكة غرفة الأميرة، وأغلقت الباب خلفها بعنف. رمت بيد ابنتها كأنها تقذف بها عارًا.

ثم... صفعتها بكل ما تملك من غضبٍ مكبوت.

— "اللعنة عليكِ، أيتها الحقيرة...!

ما الذي تفعلينه؟!

وجدنا لكِ أميرًا شابًا، موقرًا، نبيلًا... سيكون ملكًا على إحدى أعظم ممالك التاريخ، فتتركينه واقفًا كالأحمق؟!

أهكذا تجازيننا؟!

هل نسيتِ من أنتِ؟! ومن هو؟!"

كانت حرارة الصفعة لا تزال مشتعلة على خدّها، حين همست ألكساندرا وهي تنظر إلى الأرض:

— "جلالة الملكة... أنا كذلك لديّ حياة... لديّ أحلام.

لماذا عليّ أن أتزوج من رجلٍ مغرور، أحمق؟!

تبا له... ولزفافه التافه!"

شعرت الملكة وكأن كلمات ابنتها سهام اخترقت كبرياءها، فزمجرت بها:

— "عديمة الأخلاق!

أين احترامك لنفسك، لمكانتك، لوالديك؟!

أم أنكِ... ما زلتِ تفكرين في ذلك الوغد اللعين؟ ذلك الغبي الذي يتلاعب بكِ كدمية رخيصة لا قيمة لها؟!"

توقفت، تتنفس بعنف، ثم صرخت بقسوة:

— "إن علمتُ أنكِ عدتِ إليه أو التقيتِ به مجددًا...

أقسم، ألكساندرا... سأدفنك في الزنزانة، ولن أرحم أحدًا منكما."

استدارت الملكة لتغادر الغرفة، لكن وقفتها توقّفت عند سماع كلمات ابنتها، بصوتٍ مرتجف، مشوب بالدموع:

— "أمي... لا تتحدّثي عنه بهذه الطريقة.

لن أسمح لكِ بإهانته!"

استدارت الملكة ببطء، كأن الزمن توقّف.

نظرت إليها، فراعها أن ترى ابنتها، رغم ارتباكها، واقفةً بثبات.

لكن هذا لم يحرّك شفقة في قلبها، بل زاد من جمر غضبها.

ثم قالت، بصوتٍ كالفولاذ:

— "يبدو أن الصفعة الأولى لم تكن كافية... و صفعة اخرى لن تفي بالغرض ايضا. يبدو انني يجب ان اخبر والدك لكي يتصرف معك. لقد خنته وخنتي ثقتي ومنذ تلك اللحظة المخزية، سقطتِ من نظري، كل ظنوني وتوقعاتي العاليه زالت عنك. اذا عرف والدك الملك سيلقي بك خارج صولاريا. انا ملتزمة الصمت خوفا على صحته فقط."

صمتت الملكة قليلًا، ثم تابعت بنبرة كمن ينهار داخليًا:

— "اعلمِ شيئا واحدا، كنت أقاوم ضميري حين وافقتُ على هذا الزواج...

شعرت بالشفقة على الامير الشريف المسكين الذي سيتزوج بفتاة وقحة مثلك.

لو كانت أختك الصغرى كاثرين في سنّ الزواج... لزوجتُها الأمير فورًا.

هي على الأقل تعرف معنى الأدب...

أما أنتِ... فلا تستحقّين سوى الخزي."

خرجت الملكة أخيرًا بعد أن ألقت كل سهامها في صدر ابنتها، وخلّفت خلفها بابًا مغلقًا وهمًّا مفتوحًا على وسعه.

وقفت الأميرة ألكساندرا أمام المرآة، تحدّق في وجهها الذي احمرّ من أثر الصفعة، ذلك الخد الذي اعتادت أن يُقبَّل في صغرها، لا أن يُصفع.

لم تعارض، ولم تبكِ، فقد اعتادت الأمر.

لقد بغضتها أمها منذ تلك اللحظة التي رأتها فيها...

أغمضت عينيها ببطء، واحتضنت معصمها... حيث السوار الفضي المريب، المنقوش عليه "وعد".

جلست على سريرها المزيّن بأطراف الدانتيل الملكي، استندت إلى الوسائد الثقيلة، وهمست:

— "لن أتناول الغداء... سأنتظر، حتى تهدأ كل الاوضاع..."

لم تكن قادرة على مواجهة والدها. قلبها ما زال يرجف... وعقلها يعجز عن فهم كل ما يجري.

أدارت رأسها، لمحت الصندوق البني، الذي تركته الخادمة كما أمرتها... فوق سريرها تمامًا.

تذكّرت نظرات الأمير، وصوته حين قال:

"لا أريد أن يُسلَّم إلا إلى يديكِ."

و تعالى صدى صوته المهيب في كيانها.

شعرت بوخزٍ في قلبها... تأنيب خفي.

— "لقد تركته هناك، وتركتُه خلفي... كما تركت الصندوق."

مدّت يدها، ورفعت الصندوق من جديد، وضعته على حجرها، وراحت تتحسس نقوشه.

كان منحوتًا بعناية... يليق بأبناء الملوك، وذوي الأسرار.

فتحت الغطاء... وها هي الزهرة البنفسجية ترقد كأنها قطعة ضوء حيّ.

رفعتها إلى وجهها...

— "يا لها من رائحة...

يا إلهي، أريد عطرًا بهذه الرائحة... لكن..."

توقفت، ثم عضّت شفتها السفلى، وهمست في خجل:

— "بعد ما حصل، لا يمكنني طلب شيء منه...

حتى لو أردت، سأخبر أبي، وسيتصرف."

وضعت الزهرة جانبًا برفق، ثم التقطت الكتاب.

نفخت على غلافه، فتناثر الغبار كذكرى قديمة.

مررت يدها عليه، ثم فتحته.

نصف الكتاب فقط مكتوب... أما الباقي، فصفحات بيضاء ناصعة.

قرأَت الكلمة الأولى...

"وعد."

شهقت خافتة.

— "لا...!"

نظرت فورًا إلى سوارها... إلى الكلمة ذاتها المنقوشة على معصمها.

كأنّ الكتاب كان ينظر إليها من الداخل.

شعرت بذعرٍ خفيّ، ثم حاولت تهدئة نفسها.

— "فقط صدفة... لنكمل."

بدأت تقرأ.

إنها قصة حول فتاة تُدعى ميلان وفتى يُدعى إيثن.

كان هذان الاثنان شابَّين حالِمَين وعاشقَين… شخصان بسيطان يعيشان في الريف.

كان إيثن يعمل في مزرعة جده، وميلان لا تعمل، بل تخرج أحيانًا لتساعد أباها أو جدتها أو أي شخص من عائلتها يحتاج يدها، فهي تمكث في المنزل طوال الوقت.

لكن الحياة جمعتهما وقرّبتهما… فقد كان حبًّا من أول نظرة.

رآها إيثن في الغابة تبحث عن بعض الأعشاب لدواء جدتها، ثم استمر في الحديث معها، واتفقا على أن يلتقيا هناك دائمًا.

كان هذان الاثنان يهربان ويختفيان بين أشجار الغابة صباحًا ومساءً، سرًا عن عائلتيهما.

وعدَ إيثن ميلان بالزواج وبحياة الترف والرفاهية، ثم قال إنه سيأخذها إلى المدينة.

ميلان كانت غارقة في هيام هذا الرجل، رغم صغر سنّها.

في مساء يومٍ ما، ذهبت ميلان كعادتها إلى الغابة لتلاقي حبيبها السري، لكنه لم يأتِ.

انتظرته لساعات، حتى حلّ الليل، ففقدت الأمل وعادت إلى المنزل.

عندما دخلت ميلان إلى المنزل بهدوء، ثم تسللت بخطوات خفيفة على أطراف أصابعها إلى غرفتها، كي لا يعلم والدها بغيابها…

لكن عندما وصلت إلى الغرفة، وهي قلقة، وجدت أمها وأباها وأخوها الأكبر ينتظرونها داخل غرفتها، ومعهم امرأة غريبة لا تعرفها.

تفاجأت ميلان، فالكل كانت تعلوه ملامح الغضب والسخط، وأمها حزينة تبكي، أما تلك المرأة فظلت تنظر إليها باشمئزاز.

تحدث معها والدها، وأخبرها أن هذه المرأة هي أمّ إيثن، و قد أخبرتهم بأن ابنتهم كانت تتسكّع سرًا مع ابنها، وأنهما يلتقيان في الغابة خفيةً عن الجميع.

خافت ميلان كثيرًا، حاولت الهرب، لكن المرأة الغريبة خرجت وأوصد أخوها الباب، وراح أبوها يضربها ويضربها، هو وأخوها، حتى بدأ الدم يسيل من جسدها، وهو يكرر:

— "لقد جلبتِ لنا العار!"

صرخت ميلان، لكنها لم تُسمَع، وبكت، لكن دموعها لم تُشفَع.

كانت ليلةً قاسية، انطفأت فيها شمعة الحلم الأولى.

أغلقت الأميرة الكتاب فجأة.

الدموع سالت من عينيها بلا إذن.

يدها ترتجف.

يا لها من عائلةٍ قاسية...!

يا له من فتى عديم الرحمة...!

وتلك المرأة... أما كان من المفترض أن تفرح لابنها، أن تحتضن حبّه وتسانده؟!

كانت ألكساندرا تمسك الكتاب بكلتا يديها، تشدّ عليه وكأنها تخشى أن يسقط من بين أصابعها. قلبها ينبض بسرعة، كأن شيئًا ما في هذه القصة مسّ وترًا دفينًا في داخلها.

"هل أخبر إيثن أمّه عمّا بينه وبين ميلان؟

هل باعها بثمن سمعته؟

أم أنه خاف فقط؟

أين كان؟ لماذا لم يأتِ؟"

كانت الأميرة تقلب الصفحة التالية، فوجدتها بيضاء.

ثم الصفحة التي بعدها... كذلك بيضاء.

والتي تليها... بيضاء أيضًا.

أمسكت بعدة صفحات وقلبتها دفعة واحدة، ولكنها كانت كلها بيضاء، صامتة، خالية من الحبر ومن الأجوبة.

رفعت نظرها ببطء، عيناها ممتلئتان بالدهشة والحزن، ثم قالت بصوت خافت:

"إذًا... هنا تنتهي القصة."

بقيت صامتة لحظات، ثم أغلقت الكتاب بلطفٍ على صدرها، كأنها تحاول أن تُخفي فيه نبض قلبها المرتبك. ثم تذكرت ان الامير ويليام طلب منها ان تنهي القصة حسب رغبتها.

"أنا من يجب أن تُكمل النهاية..."

وضعت يدها على السوار الفضي المنقوش عليه كلمة "وعد"... تلك الكلمة ذاتها التي بدأت بها القصة.

شعرت برعشة في يدها، وتنفّست ببطء، كأنها تحاول أن تفهم ما يجري.

هل كانت هذه القصة محض صدفة؟

أم أن الأمير اختارها لها عن قصد؟

هل يعلم شيئًا عن ماضيها؟

هل يُحاول أن يختبرها؟ أن يُربكها؟ أن يقرأ قلبها عبر قصة لا تنتهي؟!

نظرت ألكساندرا نحو النافذة... كانت الشمس قد غربت، وليل صولاريا بدأ يمدّ عباءته البنفسجية فوق القصر.

السماء هادئة، والريح خفيفة... لكن داخل قلبها، كانت العاصفة بدأت تهبّ.

أغمضت عينيها، ثم تمتمت لنفسها:

"ميلان... لم تكن سوى أنا..."

وضعت الكتاب قرب الوسادة، ثم استلقت على السرير ببطء، يدها لا تزال تحتضن السوار. كانت عيناها مفتوحتين، تنظران إلى السقف، ولكن روحها كانت غارقة في مكان آخر... في غابة الريف، وسط الأشجار، حيث فتاة يافعة تنتظر فتاها الذي لم يأتِ أبدًا.

حرّكت الأميرة يدها برفق لتُعيد الكتاب إلى الصندوق، لكن عينيها وقعتا مجددًا على الزهرة... تلك الزهرة البنفسجية الساحرة التي أخبرها الأمير أنها لا تعيش إلا في الليل.

حدّقت فيها للحظات، انتابها الفضول حول شكلها الليليّ، ثم نهضت من سريرها وهي تضمها بين راحتيها كأنها تحمل شيئًا من الضوء النادر.

غادرت غرفتها بهدوء، تمشي في ممرات القصر المكسوة بالسجاد الحريري، باحثةً عن وعاء أو أصيص مناسبٍ لزراعة هذه الزهرة الغريبة.

حين مرّت قرب المطبخ، شعرت بمعدتها تصدر أصواتًا خفيفة، أشبه بزقزقة عصافير جائعة.

كان عشاء القصر قد بدأ يُجهّز، وتحديدًا ذلك الرومي المشوي، الممتد فوق صينية فضية تحيط بها خضروات مطهوّة كأنها لوحة لذيذة تناديها بصوت ساخر:

— "تعالي... كليني!"

تنهدت ألكساندرا وهي تمسك بطنها، وقالت بصوت خافت:

— "حسنًا... سأحضر وعاءً للزهرة... ثم أتناول لقمة."

واصلت سيرها في الممر، ورائحة الأعشاب المطهوة والخبز الساخن تلاحقها، لكن عقلها لم يكن حاضرًا كليًا، كان لا يزال غارقًا في الحزن، في قصة ميلان، في الضرب والخذلان والنهاية المبتورة...

كانت تشعر بشيء يُشبه الأسى العميق، وشيئًا من الغضب الخافت.

وأخيرًا، وصلت إلى حديقة القصر.

الهواء في الخارج كان عليلًا، والسماء قد بدأت تتوشّح بوشاحٍ بنفسجي رمادي مع غروب الشمس.

سارت بين الزهور المنتشرة، إلى أن لمحها البستاني من بعيد.

أسرع نحوها بخطى واثقة، ثم انحنى احترامًا، وقال بمرح:

— "يا له من يومٍ سعيد! ويا لها من زيارة مشرّفة!

ما الذي جاء بسموّ الأميرة الموقّرة إلى بُستانيّها المتواضع؟"

ابتسمت ألكساندرا ابتسامة خفيفة، لكن قبل أن تُجيب، وقع بصره على الزهرة التي تحملها، فتجمّد في مكانه، عينيه اتسعتا بدهشة وقال:

— "يا إلهي...!

من أين لكِ بهذا الكنز النادر؟!"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حب، تاج، سيف(متوفقة)

المؤلف kawthar1ink
2025/08/22 مستمرة
قائمة الفصول (21)
الفصل 1: "قَرَارُ الَعرش"
2025/08/22
الفصل 2: "مَوكِبٌ نَحوَ المَجهُول"
2025/08/22
الفصل 3: "نَظرَةٌ وَاحِدَة كَانت كَافِية"
2025/08/22
الفصل 4: "بَينَ نَظرَةٍ وَ صُندُوق"
2025/08/22
الفصل 5: "بَينَ غَابَةٍ و سِوَار...تَتَعقَدُ القُلُوب"
2025/08/22
الفصل 6: "إِمرَأَتَان....قِصَةٌ وَاحِدَة"
2025/08/22
الفصل 7: "الزَهرَة التِّي اِختَارَت أَلِكسَاندرَا"
2025/08/22
الفصل 8: " العَودَة مِن الرِحلَة الثّقِيلَة"
2025/08/22
الفصل 9: "حِكاية فِينَاند: عشقٌ أم لعنـة؟"
2025/08/22
الفصل 10: "هديّة من الشمال، وموعد مع الحقيقة"
2025/08/22
الفصل 11: \"سِفر الأسرار المَلَكيَة\"
2025/08/24
الفصل 12: "حُضُورٌ مُفَاجِئ"
2025/08/29
الفصل 13: "عِطرٌ و سِتَةُ زُهُور"
2025/09/04
الفصل 14: "نَبَضَاتُ صَمتٍ بَينَ القُلُوب"
2025/09/17
الفصل 15: "مُفتَرَقُ طُرُق"
2025/09/17
الفصل 16: "بِدَايَةٌ جَدِيدَة"
2025/09/17
الفصل 17: "إرتِجَافُ القَلبِ الأَوَل"
2025/10/17
الفصل 19: "رِسَالَة مِن بَينِ الظِلَال"
2025/11/06
الفصل 20: "قِصَةُ حُبٍ لا مَكَانَ لَهَا"
2025/12/01
الفصل 21: "أُسبُوعٌ وَاحِد"
2025/12/22
الفصل 22: \"عَدٌ تَنَازُلِيٌّ لِلقَلب\"
2025/12/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة