"رِسَالَة مِن بَينِ الظِلَال"

"رِسَالَة مِن بَينِ الظِلَال"

26 0

استيقظت الأميرة ألكساندرا مع أول خيوط الصباح، وشيء ثقيل يجثم فوق صدرها كغمامةٍ لا تنقشع. كانت أشعة الشمس تتسلل بخجلٍ من بين الستائر المخملية، ترسم خطوطًا ذهبية على أرض غرفتها، بينما ظلت عيناها تحدّقان في السقف دون تركيز.

نهضت ببطء، وجلست على حافة سريرها الكبير، يداها ترتجفان بخفةٍ وهي تتذكر ما فعلته ليلة البارحة. أرسلت رسالة إلى داميان... رسالة قد تغيّر مجرى حياتها كلّها.

أدارت وجهها نحو الباب تنتظر دخول ماري لتساعدها على ارتداء ثوبها الصباحي، لكنها تذكّرت فجأة أنها أرسلتها سرًا إلى خارج القصر، حاملةً تلك الرسالة الممنوعة. تسارعت دقات قلبها للحظة، ثم ابتسمت في ضعفٍ وهمسٍ خافت:

— "أتمنى أن تصل إليه... فقط لتصل."

نهضت ببطءٍ وتوجهت نحو النافذة، فتحتها، فهبّ نسيمٌ بارد داعب شعرها، فارتجفت. شعرت للحظةٍ ببارقة أملٍ، أن "داميان" ربما يقرأ رسالتها الآن... ربما يردّ... ربما يأتيها كما في الأحلام. لكن صوت الخادمة الأخرى التي طرقت الباب أعادها للواقع.

نزلت إلى قاعة الطعام بخطواتٍ بطيئة، كأن كل خطوة تقودها إلى مصيرٍ لا تريده. هناك، كانت الملكة ميريدا تجلس بهدوءٍ تام، ترتشف قهوتها بوقارٍ ملوكي، وكأن شيئًا لم يحدث البارحة.

ترددت الأميرة قبل أن تجلس، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ متوجس:

— "صباح الخير يا أماه."

رفعت الملكة رأسها مبتسمةً بخفة، وقالت:

— "صباح الخير يا ابنتي. لقد عدتِ متأخرة البارحة."

توترت الأميرة، وشعرت بالحرج وهي تتجنب نظرات أمها:

— "كنتُ في الحديقة... أردت أن أُريح بالي قليلًا."

مسحت الملكة فمها بمنديلٍ ناعم وقالت بهدوءٍ مدهش:

— "لابأس يا ألكساندرا. المهم أن تكوني بخير."

تجمدت الأميرة في مكانها، حدّقت فيها بدهشة:

— "ألستِ غاضبة؟ لن توبيخيني؟"

ابتسمت الملكة بهدوءٍ بارد، وأجابت بصوتٍ منخفضٍ لكن فيه قوة:

— "لا. لن أوبخك، ولن أضغط عليك. حفل خطوبتك قريب، وأريدك أن تكوني مستعدة نفسيًّا. الغضب لا يفيد الآن."

ارتبكت ألكساندرا، ولم تجد ما تقوله، فاكتفت بهزّ كتفيها في لامبالاةٍ متكلفة، بينما كانت في داخلها تشعر كمن يختنق بصمتٍ مؤلم.

تابعت الملكة، تضع الكوب برفق على المائدة:

— "لقد أرسلتُ دعوةً إلى الملكة صوفيا، والدة الأمير ويليام. ستأتي اليوم أو غدًا، وسنتناقش بشأن موعد الخطوبة. أريدك أن تكوني مهذبة حين تلقينها، فقد يكون الأمير بصحبتها. لا أريد أي تصرفٍ غير لائق، ولا انفعالاتٍ كما فعلتِ البارحة، مفهوم؟"

أخفضت الأميرة عينيها وقالت بنبرةٍ خافتة:

— "سأكون كما تشائين يا أمي... فقط لا تتوقعي أن أكون سعيدة."

تنهدت الملكة وقالت بنبرةٍ جادةٍ، دون أن تفقد هدوءها:

— "لا أطلب منك السعادة، بل الحكمة. فالسعادة نادرة في حياة الملوك، أما الحكمة فهي ما يبقيهم على العرش."

ظلّ الصمت لثوانٍ يخيّم على القاعة، ثم حاولت الأميرة أن تُخفي اضطرابها وهي تتناول طعامها ببطء. لكنها حين تذكّرت "داميان"، انقبض قلبها، وغامت عيناها بحزنٍ عميق. لاحظت الملكة شرودها، فقالت ببرودٍ مهيب:

— "ما بالكِ يا ألكساندرا؟ وجهكِ شاحب، وملامحكِ ذابلة... أهناك ما يؤلمك؟"

رفعت الأميرة رأسها فجأة، وقالت بسرعة:

— "لا، لا شيء يا أماه. ربما لم أنم جيدًا فقط."

رمقتها الملكة بنظرةٍ متفحّصة، ثم قالت ببطءٍ كمن يريد أن يختبر صدقها:

— "حسنًا. لكن... أرى أن خادمتك ماري غائبة عن طاولتك. هل تعرفين أين هي؟"

تصلّبت الأميرة في مكانها، وانكمشت أصابعها تحت الطاولة، تحاول أن تُخفي ارتباكها. أجابت بارتباكٍ مصطنع:

— "ربما ذهبت لقسم المطبخ، أو خرجت دون أن تخبرني..."

رفعت الملكة حاجبها الأيمن في شكٍّ خفيف، وقالت بنبرةٍ هادئة لكن تحمل تهديدًا خفيًّا:

— "أرجو يا ألكساندرا ألا تكوني تخططين لعملٍ غبيٍّ آخر... لأن عواقب التهور، كما تعلمين، لا تُغتفر في القصور."

ثم نهضت الملكة ببطءٍ وأناقة، وسارت نحو مكتبها بخطواتٍ رصينةٍ تُعلن هيبتها دون أن ترفع صوتها.

أما الأميرة، فقد شعرت برعشةٍ تسري في جسدها، وبخطرٍ يقترب... كأن كلمات أمها لم تكن مجرّد تحذير، بل نبوءة بما سيحدث قريبًا.

----

في تلك الأثناء، كانت ماري قد تجاوزت الغابة الصغيرة التي تُحيط بصولاريا، ودخلت في عمق غابة الظلّ الأسود؛ تلك التي سُمّيت بهذا الاسم لكثافة أشجارها الهائلة التي حَجبت ضوء الشمس عن الأرض، حتى غدت كأنها ليلٌ دائم لا يزول، ظلامٌ يبتلع أنفاس النهار ويتركها عالقة بين الموت والحياة.

كانت تمتطي جوادها الرماديّ بخطواتٍ متزنة، لكنّ قلبها يركض أسرع من الحصان نفسه، يلهث في صدرها كطيرٍ مذعور. شدّت عباءتها الثقيلة التي أخفت ملامحها، فبدت كظلٍّ ينساب بين الأشجار لا يُرى، كأنها سارقة أو جاسوسة تُطارَد في ممرات الليل.

القلق كان ينهشها نهشًا؛ تخيّلت وجه الملكة ميريدا أمامها، غاضبًا، صارمًا، وعرفت أنّ خطأً واحدًا فقط سيجعل الأميرة في ورطةٍ لا نجاة منها. كانت الأفكار تضرب رأسها كالعواصف، حين اخترق أذنيها صوتُ همساتٍ خافتة، مبهمة المصدر... همساتٌ تُشبه أنين الغابة نفسها.

استدارت حولها، حدّقت في العتمة، أحسّت أن هناك من يراقبها. لم يكن شعورًا بل يقينًا... ثمة عيونٌ تترصّدها في الظل.

توقفت، تُمسك باللجام في توتر، تحاول التقاط أنفاسها. وفجأة، دوّى وقعُ أقدامٍ ثقيلةٍ بين الأشجار، يقترب ببطءٍ من خلفها. ارتجف قلبها، وتراجعت بخطوةٍ حذرة، تُصغي لذلك الصدى المخيف، حتى خرج من الظلام ما لم تكن تتوقّعه.

مجموعة من الكلاب السوداء خرجت من بين الضباب الكثيف، ضخمة، فراؤها يلمع كسواد الليل، وأعينها تتوهّج بحُمرةٍ شيطانية، كأنها شرر جحيمٍ اشتعل في الغابة. زفرت ماري رعبًا، بينما بدأت الوحوش تزحف ببطءٍ نحوها، تزمجر وتُظهر أنيابها، تُصدر أصواتًا حادةً تُشبه طحن الحديد.

اضطرب الجواد تحتها، وصهل في فزعٍ كمن رأى الموت بأمّ عينيه، فحاولت تهدئته، لكنّ جسده كان يرتجف من الهلع، يدور حول نفسه لا يستقر. مدت يدها بخوفٍ إلى الأرض، التقطت عصًا خشبية ورفعتها أمامها ترتجف، تحاول الدفاع عن نفسها أمام تلك العيون الجائعة التي لا ترحم.

غصّت بعبرتها، وانسابت دمعةٌ ساخنة على خدّها، امتزجت بالتراب، وهي تهمس بصوتٍ مختنقٍ، مرتعشٍ كصلاتها الأخيرة:

— "آسفة يا مولاتي... يبدو أنني لن أوصل الأمانة إلى صاحبها."

تراجعَت ماري خطوتين إلى الوراء، والعصا ما زالت ترتجف بين يديها، حين دوّى صوتٌ عميق خلفها، هادئ لكنه يحمل سلطةً مرعبة:

— "أوقفي الحصان، لا تتحرّكي."

تجمّدت مكانها، لم تجرؤ حتى على الالتفات، بينما بدأت الكلاب تتراجع ببطءٍ وتخفض رؤوسها كأنها تلقت أمرًا من سيدها. صوت وقع أقدامٍ يقترب منها بخطواتٍ ثابتةٍ واثقة، حتى انشقّ الظلام عن رجلٍ يرتدي معطفًا داكنًا طويلًا وغطاءً أسود يخفي وجهه. كان يسير بخفّةٍ قاتلة، وصوته حين نطق من جديد بدا مألوفًا وغريبًا في آنٍ واحد:

— "من تكونين؟ وما شأنكِ في غابة الظلّ الأسود؟ هذه الأرض لا يدخلها أحدٌ دون إذني."

تردّدت ماري لحظةً، ثم قالت بصوتٍ مبحوحٍ، متقطّعٍ بين الخوف والتصميم:

— "أنا... مرسولة، أحمل رسالة طارئة لأحدهم."

سكت الرجل برهةً، ثم قال بنبرةٍ أكثر حدّة:

— "ارفعي عنكِ عباءتكِ... أريد أن أرى وجه من يجرؤ على العبور من ممرٍّ محرّم."

ترددت ماري، قلبها يخفق كطبلٍ حربيّ، ثم رفعت الغطاء عن رأسها ببطءٍ، فبانت ملامح وجهها الشاحب وعينيها المملوءتين رعبًا.

تراجع الرجل خطوة، وكأن صاعقةً ضربته، وقال بصوتٍ متردّدٍ مذهول:

— "ماري؟!"

تجمدت ماري مكانها، تلهث وهي تحدّق في عينيه من خلف القناع، وقالت بارتباكٍ لا يخلو من الغضب:

— "مَن أنت؟ وكيف تعرف اسمي؟ إن تجرأتَ على إيذائي أو ادّعيتَ صلةً بالمملكة، سأجعلهم يسجنونك باسم صاحبة التاج!"

ابتسم الرجل بخفوتٍ، ثم رفع يده ببطء، وأزاح غطاء وجهه، كاشفًا عن ملامحٍ نُسيت ولم تُنسَ تمامًا، ملامح تحمل عبق زمنٍ مضى ووجعًا دفينًا، وقال بنبرةٍ خافتةٍ كمن يهمس بذكرى حيّة:

— "أنا... داميان."

شهقت ماري، وكادت العصا تسقط من يدها وهي تردّد بخوفٍ وذهول:

— "داميان... داميان روكستون؟!"

— "نعم،" قالها بابتسامةٍ صغيرةٍ متعبة، وعيناه تلمعان، "أنا هو، لكن قولي لي... ماذا تفعلين هنا، في هذه الغابة؟"

كانت لا تزال تحدّق به غير مصدّقة، تحاول أن تستوعب كيف أنّ الرجل الذي تحدّثت عنه سيدتها لسنواتٍ في حزنٍ مكتوم يقف الآن أمامها، يحيط به قطيع الكلاب السوداء الهادئة التي جلست خلفه كجنودٍ مطيعين ينتظرون أمرًا من ملكهم.

تطلّع داميان إلى الوحوش ثم إلى ماري وقال بابتسامةٍ مائلةٍ للسخرية:

— "لا تخافي، لن يمسّك أحدهم بسوء. هذه الكلاب تعرفني، تربّت معي منذ كنتُ في الظلال، حين نبذني القصر ونُفيتُ من أرض صولاريا."

— "لكن... ما الذي تفعلُه هنا؟" تمتمت ماري.

تنهد داميان، ونظر نحو البعيد كأنما يرى ماضيه في عيون الأشجار السوداء.

— "هنا وجدت مكاني يا ماري. بين هذه الأشجار، حين أغلق العالم أبوابه في وجهي، وجدت من يسمع أنيني. حين سُحبت رُتبي، وأُحرقت أوراقي، حين نُفي اسمي من ذاكرة المملكة، لم يبق لي سوى هذه الغابة. علّمتُ نفسي البقاء... علّمتُ الظلال أن تحرسني بدل الجنود."

ارتجفت ماري من كلماته، وأحست للحظة أنّ الغابة كلها تنصت له، حتى أنفاسها خشيت أن تخرج من صدرها.

ثم اقترب منها داميان خطوةً، نظر إليها نظرةً فاحصة، وقال:

— "والآن، دوركِ... ماذا جاء بكِ إلى هنا يا ماري؟ لا أظنّ أن خادمة القصر تخاطر بحياتها في غابة الظلّ لمجرد نزهة."

رفعت رأسها في كبرياءٍ ممزوجٍ بالخوف وقالت:

— "يالها من صدفة يا داميان... كنت أبحث عنك أنت بالذات."

تغيّرت ملامحه، وبدا عليه الاستغراب، فسألها:

— "البحث عني؟ لماذا؟"

قالت وهي تمسك بيدها على حقيبتها الصغيرة المخبّأة في ردائها:

— "المرسول الذي جئت به... مبعوث لك."

ساد الصمت، لا يُسمع سوى صفير الريح بين الأشجار.

ترددت ماري لحظةً، ثم بدأت تحكي، بصوتٍ منخفضٍ يحمل مزيجًا من القلق والحذر، تروي له كل ما حدث باختصار — عن الأميرة الكسندرا، عن قرار الخطوبة المفاجئ، عن رسالتها، وعن تلك الليلة التي غادرت فيها القصر خلسة لتوصيل هذا السرّ إلى من ظنّوه ضائعًا منذ زمن.

وهنا توقفت كلماتها، بينما ظلال الغابة ترتجف فوق وجهيهما، وعيون الكلاب الراكدة كأنها تترقب ردّ فعلٍ لم يأتِ بعد.

ابتسم داميان ابتسامة مائلة، تلك التي تحمل في طياتها شيئًا من الخبث وشيئًا من الوجع المكبوت، ورفع خصلات شعره الداكنة التي انسدلت على جبينه، مرّر أصابعه بينها بهدوء، وكأنها عادة قديمة لم تغادره رغم تبدّله كله. كانت عيونه تنعكس فيها ظلال الغابة ورهبة اللحظة، ثم قال بصوت خافتٍ، باردٍ من الخارج، لكنه يحمل حرارة مكبوتة في العمق:

— "رسالة، إذًا... من هي التي ما زالت تتذكر أنني موجود؟"

سكت للحظة، حدّق في الأرض ثم رفع نظره نحوها ببطء، وقال بنبرة شبه متعبة:

— "الأميرة... أليس كذلك؟"

ترددت ماري قليلًا ثم أومأت، لم تجرؤ على الكلام. تابع هو ببرودٍ متصنّع، وكأنه يحاول أن يخفي ارتجاف صوته:

— "غريب... لم أتوقع أن يأتي يومٌ أستلم فيه رسالة منها بعد كل ما حدث. يبدو أن الزمن يهوى السخرية منّا يا ماري."

اقترب خطوة منها، والريح تحرّك عباءته الطويلة، بدا كمن يحاول أن يظل متماسكًا رغم العاصفة التي تعصف في داخله، وقال:

— "هل ما زالت تذكرني... أم أنكِ فقط رسولٌ يكرر كلماتها دون أن يفهم ما تحمله؟"

قالت ماري بخفوت:

— "لقد كتبتها بنفسها، يا سيدي... بدمعها قبل حبرها."

أدار وجهه عنها قليلاً، كأن تلك الجملة اخترقت قلبه. مرّت لحظات صمتٍ بينهما، لا يُسمع فيها سوى أنين الريح بين أغصان الأشجار. ثم قال، بصوتٍ أكثر ليونة لكنه محمّل بالمرارة:

— "الدموع... كم من رسالة في هذا العالم وُلدت من دمعة، لكنها وصلت بعد أن جفّت قلوب أصحابها."

تقدّم نحوها بخطواتٍ بطيئة حتى صار قريبًا منها، نظر في عينيها مباشرة وقال:

— "لا يمكننا الحديث هنا، الغابة ليست آمنة... تعالي، هناك كوخ صغير لي على حافة النهر، أكثر أمانًا من هذا المكان الملعون."

ثم استدار وسار، بينما تبعته ماري متوترة، لم تعرف هل تتبعه لأنها خافت من الكلاب، أم لأن صوته حمل شيئًا جعلها تثق به رغم غموضه.

كانت خطواتهما فوق الأوراق اليابسة تثير صدى خافتًا في الغابة. نظرت ماري إليه خلسة أكثر من مرة؛ كان مختلفًا... جدًا.

شعره أصبح أطول مما تتذكر، خصلاته تتماوج على كتفيه بحرية، ووجهه أكثر حدة، قسماته صارت أقسى، كأن الحياة نقشَت عليه آثارًا من حربٍ طويلة.

ثيابه سوداء قاتمة، تحمل غبار الطريق، وأكمامه تمزقت عند الكوع، كاشفة عن ندوبٍ كثيرةٍ على ذراعيه، بعضها قديم وبعضها جديد، كأنها صفحات من قصة لم تُروَ بعد.

رفعت ماري عينيها نحوه وهمست وكأنها تحدّث نفسها:

— "لقد تغيّرتَ كثيرًا، يا داميان..."

لكنّه سمعها، التفت نحوها مبتسمًا نصف ابتسامةٍ باهتة وقال دون أن يتوقف عن السير:

— "التغيّر ليس خيارًا يا ماري... إنه ثمن."

واستمر يمشي، وخلفه ظلّها يلاحق ظله بين ظلال الغابة، نحو المجهول، ونحو رسالةٍ ربما كانت آخر خيطٍ يربطه بالأميرة.

وراءهم، في السكون الذي تركاه خلفهما، بقيت بومة رمادية واقفة على غصنٍ عالٍ، صامتةً كأنها تمثال من الظل، غير أن عينيها الخضراوين كانتا تلمعان بدهاءٍ غامض في عمق العتمة. كانت تتابع بخطٍّ بصريٍّ حاد حركة ماري وداميان، ترمش ببطء كما لو كانت تحفظ كل تفصيلٍ في المشهد لتروي لاحقًا ما شهدته.

وحين بدأ الاثنان يسيران بين الأشجار، انطلقت البومة بخفةٍ صامتةٍ فوق رؤوسهما، محلّقة بخطٍّ مستقيمٍ كأنها ظلٌّ يتنفس، قبل أن تحطّ على شجرةٍ أقرب لمكان سيرهما. عندها رفع داميان يده خلف ظهره دون أن يلتفت، وحرك أصابعه بخمس إشاراتٍ متتابعة، دقيقة وسريعة، كأنها لغةٌ لا يعرفها سوى هو والبومة.

توقفت البومة في الحال عن تتبّعه، مالت برأسها قليلاً ثم بقيت في مكانها، راقبت بصمت، كأنها تلقت أمراً لا يُخالف.

في تلك الأثناء، سُمع خشخشة بين الأعشاب خلفهم. التفتت ماري بفزعٍ لتجد أحد الكلاب السوداء يتراجع مبتعدًا عن القطيع، ذلك الذي كان في قدمه بقعة بيضاء مميزة.

قالت ماري بصوتٍ متردد:

— "لقد... لقد انفصل عنا ذلك الكلب."

أجاب داميان ببرودٍ وهو يواصل السير دون أن ينظر خلفه:

— "ربما ذهب ليقضي حاجته، لا تقلقي."

لكن ملامحه تغيّرت للحظة، كأنه التقط شيئًا لم تفهمه ماري. التفت بخفةٍ نحو الخلف، حيث كانت البومة ما تزال على غصنها العالي، تراقب الكلب الذي وقف أسفلها رافعًا رأسه نحوها.

وفي ومضةٍ غامضة، طارت البومة متجهةً إلى عمق الغابة، وانطلق الكلب خلفها بخفةٍ غريبةٍ لا تشبه حركاته العادية، كأن بينهما رابطًا خفيًا، أو مهمةً مشتركة لم يُكشف سرّها بعد...

.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حب، تاج، سيف(متوفقة)

المؤلف kawthar1ink
2025/08/22 مستمرة
قائمة الفصول (21)
الفصل 1: "قَرَارُ الَعرش"
2025/08/22
الفصل 2: "مَوكِبٌ نَحوَ المَجهُول"
2025/08/22
الفصل 3: "نَظرَةٌ وَاحِدَة كَانت كَافِية"
2025/08/22
الفصل 4: "بَينَ نَظرَةٍ وَ صُندُوق"
2025/08/22
الفصل 5: "بَينَ غَابَةٍ و سِوَار...تَتَعقَدُ القُلُوب"
2025/08/22
الفصل 6: "إِمرَأَتَان....قِصَةٌ وَاحِدَة"
2025/08/22
الفصل 7: "الزَهرَة التِّي اِختَارَت أَلِكسَاندرَا"
2025/08/22
الفصل 8: " العَودَة مِن الرِحلَة الثّقِيلَة"
2025/08/22
الفصل 9: "حِكاية فِينَاند: عشقٌ أم لعنـة؟"
2025/08/22
الفصل 10: "هديّة من الشمال، وموعد مع الحقيقة"
2025/08/22
الفصل 11: \"سِفر الأسرار المَلَكيَة\"
2025/08/24
الفصل 12: "حُضُورٌ مُفَاجِئ"
2025/08/29
الفصل 13: "عِطرٌ و سِتَةُ زُهُور"
2025/09/04
الفصل 14: "نَبَضَاتُ صَمتٍ بَينَ القُلُوب"
2025/09/17
الفصل 15: "مُفتَرَقُ طُرُق"
2025/09/17
الفصل 16: "بِدَايَةٌ جَدِيدَة"
2025/09/17
الفصل 17: "إرتِجَافُ القَلبِ الأَوَل"
2025/10/17
الفصل 19: "رِسَالَة مِن بَينِ الظِلَال"
2025/11/06
الفصل 20: "قِصَةُ حُبٍ لا مَكَانَ لَهَا"
2025/12/01
الفصل 21: "أُسبُوعٌ وَاحِد"
2025/12/22
الفصل 22: \"عَدٌ تَنَازُلِيٌّ لِلقَلب\"
2025/12/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة