بعد لحظاتٍ، بلغ الأمير ويليام العربة فانتظم إلى جوار فيليب، الذي بدا على محيّاه مزيجٌ غريب من البشر والوجوم، إذ تلمع في عينيه بهجة خافتة تعلوها غيومُ الأسى والارتياب. لم يُبادر ويليام بسؤاله، وآثر أن يمهله حتى يفضي بما يختلج صدره.
وما إن همّا بالرحيل، حتى أطلت الملكة ميريدا يتبعها بعض الخدم، فهتفت بدهشةٍ ملؤها العاطفة:
— "يا إلهي! أيعزم سموّ الأميرين على المغادرة بهذه العَجَلة؟! لقد أمرتُ بإعداد مأدبة وراحة تليق بمقامكما!"
ابتسم لها ويليام بوقارٍ وأجاب:
— "اعذرينا، مولاتي، فقد أنجزتُ الغاية التي جئتُ من أجلها، ولا حاجة لإرهاقك بمزيد من العناء. أما أمير كلاوديا فقد رافقني، وبما أني راحل، سيرحل معي."
أومأ فيليب موافقًا. فارتسم على مُحيّا الملكة أسفٌ أنيق، ووضعت راحتها على خدّها متنهّدة:
— "واحسرتاه... كنتُ أرجو أن أنعم بوقتٍ أطول مع ضيفَيَّ المبجّلين. لكن لا بأس، عسى أن يتكرّر اللقاء، فصولاريا تفتح أبوابها لكما على الدوام."
فأجابها ويليام بثباتٍ ونبرة رصينة:
— "وكذا الأمر في سكالفيا وكلاوديا، جلالتك."
ثم انحنى كلاهما واضعين أيديهما على صدريهما إجلالًا، قبل أن يرقبا الملكة وخدمها يشيّعونهما بأبصارهم حتى استقرا في العربة التي انطلقت بهم بعيدًا.
دخلت الملكة بعدها القصر وهي لا تكفّ عن الضحك والتهليل، متهلّلةً بأن الأمير لم يغادر كما في المرّة السابقة مغتاظًا متبرّمًا، بل بدا راضيًا باسماً. فتمتمت لنفسها:
— "ينبغي أن نسارع في إعداد حفل الخطوبة! سأبعث رسولًا إلى الملكة صوفيا لنعقد ميعادًا نتباحث فيه."
وإذ كانت متوجهة إلى الحديقة الخلفية حيث اعتادت أن تجد ابنتها، لمحتها عائدةً مع ماري، فهتفت بفرح:
— "ها قد عُدتِ يا ابنتي! كنتُ سآتي إليكِ تواً. أخبريني كيف مضى الأمر؟"
كانت عيناها قد وقعتا على الصندوق الأبيض المُرصّع الذي تحمله الخادمة. حينها مسحت ألكسندرا سريعًا ملامح الأسى التي غشيتها إثر ذكرى قديمة، واصطنعت البِشر لتُرضي والدتها، ثم قالت:
— "لقد مرّ كل شيءٍ بهدوء يا أماه. لقد كان بسيطًا... أهداني الأمير قارورة عطرٍ نادرٍ مستخلصٍ من زهرةٍ فريدة، وجاءني كذلك بباقة من أزهاره النفيسة، ناهيك عن سيلٍ من الهبات الأخرى."
فتحت الصندوق أمام أمها، فارتعشت أوصال الملكة دهشةً من بهاء الورود التي ملأت العلبة، بأريجها الفوّاح ورونقها الأخّاذ. لم تملك إلا أن تمد يدها، تتحسس بتأثر تلك الزهرات واحدةً تلو الأخرى، قبل أن تقول منبهرة:
— "ما أروع هذه الأزهار! إن الأمير حقًا رجلٌ مُرهَف، يُحسن الاختيار لما يليق بزوجته."
ثم تداركت نفسها وابتسمت بخجلٍ:
— "أعني... زوجته المستقبليّة. احفظي هذه الهدية يا بنيتي بعناية، أما بقية الهبات فقد أمرتُ الخدم بنقلها إلى جناحك."
تنهدت ألكسندرا بمرارة حين سمعت مجددًا بذكر الزواج، وقد كادت تنساه لحظةً. لكنها ابتسمت حين رأت الإعجاب الصادق يشرق في عيني والدتها. فانحنت لها، ثم توجّهت نحو جناحها، ترافقها ماري وهي تحمل الصندوق.
في تلك الاثناء كانت عربة الامير قد انطلقت و مضت في طريقها نحو سكالفيا، بدا ويليام مرتاح البال و راضيا عن لقاءه هذا، بينما ظل فيليب يتنهد و يتمتم كل ما مرت بضع دقائق.
ظل ولي العهد يراقب قدم صديقه التي تهتز من القلق والتوتر.
في البداية لم يتضايق ويليام كثيرا لكنه هذه المرة فقد صبره وصرف عن خاطره فكرة ان يظل رهينة انتظار فيليب ان يخبره بما حدث، وآثر على نفسه مباشرة فقال:
— "يا الهي! هل ستفضي بما في صدرك وتخبرني ما حصل ام ستظل قدمك تحدث الارض بدل لسانك؟!"
صرّ فيليب اسنانه و انتفض. رفع يده ببطء ووضع أصابعه على الغَبلة، بين حاجبيه، وكأنه يحاول أن يطرد صداعًا أرهقه.
ثم قال بتعب:
— "اه... كيف ابدأ.."
ثم صمت قليلا و اكمل عندما رأى ملامح ويليام نافذة الصبر، ثم اخبره عن ما حصل بينه و بين الاميرة الكساندرا و ما اخبرته به عن اختها كاثرين انها غير موجودة و قد رحلت مع عمها في رحلة، رغم ذلك هي قرأت اعترافه و لم تستطع الرد.
ثم قال:
— "لم تخبرني متى ستعود كاثرين لذا لا تسألني.."
وضع ويليام يده على كتف فيليب ثم ضغط عليها، ادار برأسه للنافذة ثم قال:
— "حسنا اذا... ربما ليس باليد حيلة سوى الانتظار قليلا بعد. لقد انتظرت من قبل، لا ضير في الصبر بضع ايام اخرى."
تنهد فيليب الصعداء، انه يعلم ان صديقه يريد مواساته و ان ما بيده حيلة حتى لو كان زوج الاميرة المحتمل. فامر اختها يخصه هو و لا حق له في ارغام ويليام او الكسندرا عليه.
ظل فيليب يحدق في الهديتين الصغيرتين التي جلبهما للفتاة الصغيرة، حتى صندوق الهدية بدا حزينا و خائبا لانه عاد مع فيليب دون ان تأخذه صاحبته.
مسح فيليب مشاعر و ملامح الحزن من محياه و قرر يا اما ان ينتظر ويشغل نفسه بأمور ما لكي يتناسى، لكن الشوق بات يتسلل لقلبه من اللحظة التي ترك فيها الكسندرا في الحديقة، شعر بالحنين و الاشتياق لكاثرين و الفضول عن موعد عودتها.
بدأ يتساءل: هل تغيرت؟ هل نستني في الرحلة؟ هل سترفض حبي لها؟
ظل يفكر و يفكر حتى شعر بالارهاق الشديد، اعاد رأسه للاوراء بتعب و تنهد بصعوبة، كان الهواء خرج من باطن صدره.
بينما كان ويليام بجانبه يحاول بصعوبة اخفاء ملامحه الغاضبة المنزعجة من امر الرجل الذي ذكرته الاميرة على انه بستانيّ المملكة.
تردد اسمه 'الديرون غرينفيل' عدة مرات في عقل ويليام،
ما إن لامس اسمه مسامع الأمير، حتى ارتجف داخله كوترٍ مشدود أيقظه لحنٌ قديم. لم يكن مجرد اسمٍ عابر، بل مفتاحًا صدئًا فتح أبواب الذاكرة دفعةً واحدة، فانسكبت الصور كأنها سيول تتدفق من جبلٍ عالٍ.
لم يرد هو الآخر اخبار صديقه او ادخاله في قضية لا تخصه، فالتزم الصمت.
استمرت المركبة السدسيّة بالسير، لقد خرجت مسبقا من البوابة الكبرى لصولاريا، لم ينتبه ويليام لانه كان مشغول البال، رغم انه معجب بتصميمها و شكلها. شقت العربة طريقها بين غابات الألق، حيث الأشجار تتلألأ تحت أشعة الشمس وكأنها تحمل في أوراقها سرًّا خفيًا لا يبوح إلا للملوك.
اقتربت الكسندرا من غرفتها و بجانبها ماري، ما ان فتحت الباب، حتى رأت الهدايا مختلفة الاشكال و الانواع ملأت الغرفة حتى بدت غرفتها الكبيرة الواسعة اصغر بمراحل و ضيقة المساحة. نقلت الاميرة نظرها بين تلك الهبات و المنح التي وصلتها من طرف الامير الشاب.
غمرها احساس بالدفء ولكن بالارتباك ايضا، آخر مرة لم تُنقل اي هدية لغرفتها، لماذا هذه هنا؟
استدارت الكسندرا لماري و قالت:
— "ماري.. ضعي الصندوق فوق منضدتي بجانب الكتاب، و ساعديني بنقل هذه الهدايا."
اوقفتها ماري معارضة:
— "لا يا سموك! لا تشغلي بالك سآتي بالوصيفات و نرتبها في مكانها الصحيح."
ابتسمت لها الكسندرا و ضحكت ضحكة خفيفة ثم قالت:
— "كلا، انا اريد رؤية ما جلبه الامير بنفسي. ليس لدي ما افعله على اي حال لقد استيقظت باكرا جدا، و طلبت مني الملكة ان لا اقوم بشيء و ارتاح بدلا من ذلك.. لذا هيا."
تنهدت ماري اذا كان هذا ما ترغب به سيدتها فيجب الاستجابة.
وضعت الصندوق جانبا، استدارت فوجدت الاميرة تجلس على الارض حافية، هرعت اليها الخادمة اللطيفة و قالت بقلق:
— "سيدتي! لماذا تجلسين على الارض باردة هذا غير صحي! و لماذا خلعتي حذاءك؟! ساجلب لك مقعدا صغيرا!"
تعالت قهقهة الكسندرا ثم اجابتها:
— "يا الهي يا ماري! ما بك لماذا انت قلقة لهذا الحد! لقد خلعت حذائي لكي استطيع الجلوس على الارض براحة كذلك انا احب ان اقعد على الارض! هيا تعالي لنبدأ بفتحها."
قالت ماري بهدوء:
— "يالك من متواضعة يا سيدتي..."
جلست كلتا الشابتين على الارض و شرعتا في فتح ما احضره ويليام.
كانت الهدايا كبيرة الحجم عبارة عن فساتين وأقمشة ذات جودة عالية جدًّا، مختلفة الألوان والأشكال. لمحت من بينها فستانًا ورديًّا طويلًا، تنسدل تنورته الواسعة بطبقاتٍ من التول الرقيق المزيّن بالدانتيل، فيمنحه فخامة رقيقة كأنها مستعارة من قصص البلاط الملكي. جاء صدره مشدودًا على الخصر، من قماش عاجيّ مطرّز بتفاصيل أنيقة، وأكمامه الواسعة تنتهي بأطراف دانتيل تتماوج مع الحركة. أما الياقة المربعة فقد أظهرت لمسة من الجرأة الممزوجة بالنعومة، يكمّلها عقد لآلئ يتدلّى بخفة.
حين رفعت الأميرة الغطاء عن الفستان، اتسعت عيناها بدهشة، وكأنها ترى مشهدًا من عصرٍ قديم عاد إلى الحياة في هيئة ثوب. مرّرت أصابعها على التول والدانتيل الناعم، وأسرها انسجام الأبيض مع الورديّ في لوحة من الرقة والترف، فبدت كأنها تلمس حلمًا منسوجًا بخيوط النقاء، وهمست بدهشة وإعجاب:
— "يا له من هدية ساحرة.."
في تلك الاثناء، كانت ماري قد اخرجت من بين الهدايا الكثيرة علبة خشبية طويلة الشكل ذات لون ذهبي مزخرفة بلون احمر قان. ثم قالت:
— "مولاتي! انظري لهذه العلبة، تبدو مميزة الشكل."
وجهت الكسندرا نظرها للعلبة التي بين يدي ماري، وضعت الفستان الملكي الجميل جانبا و اخذت الهدية العجيبة و وضعتها فوق حجرها.
عندما فتحت الأميرة الهدية، بدا الحزام الملكي مستقرًا على المخدة المخملية الحمراء، يلمع الذهب وسط الضوء، وتتلألأ الأحجار الكريمة كنجوم صغيرة، بينما تتوسطه بكلة مزخرفة بشعار العائلة، كرمز للهيبة والسلطة ينتظر من يرتديه.
اتسعت مقلتاها، و لم تستطع كبح نفسها من الاعجاب و الانبهار بهذا الحزام الجميل، فقالت عن غير قصد:
— "ما اجمل هذا الحزام! و ما انقى هذا الذهب! يا الهي..!!!"
بدت ماري اكثر انبهارا، لم ترى قط حزاما ملكيا بهذا الجمال في جميع سنوات خدمتها للاميرة. بقين على هذا الحال يفتحن الهدايا العديدة، وقعت الاميرة في حب كل ما جلبه لها الامير ويليام و لم تتذمر او تشكو من اي شيء.
تعبت كلتا الشابتين من الجلوس مطولا و التقليب بالهدايا، حان وقت الغذاء بالفعل. نهضت الكسندرا من الارضية و ساعدتها ماري بتعديل ثيابها ثم نادت على الخادمات لاخذ الاغراض التي لا حاجة لها و تنظيف الغرفة.
قالت الاميرة للخادمات:
— "ضعن هذا الفستان مع فساتيني المفضلة، اما علبة الحزام ضعوها في درج الخزانة."
قالت احدى الخادمات:
— "هل انت متاكده سموك؟ لقد كنت تنتقين فساتينك المفضله بعناية... وجميعها اهداك اياها والدك الملك."
اومأت الكسندرا بانكار و قالت:
— "اجل، انا اعلم هذا، سيصبح هذا من بين فساتيني المفضلة. انه تحفة فنية!"
انحنت الخادمات و هموا بالعمل و ترتيب الغرفة و الخزانة. بينما خرجت الكسندرا و تبعتها احدى الوصيفات بدل ماري، لانها ظلت لتراقب عمل الباقيات في غرفة الاميرة.
خرجت الكسندرا من جناحها بخطواتٍ بطيئة، كأنها تحمل فوق كتفيها وزناً ثقيلاً. الممرات المذهّبة الممتدة أمامها بدت وكأنها تضيق أكثر مع كل خطوة، والجدران المزينة بالرسوم القديمة انعكست عليها وكأنها تراقبها بصمت.
تقدمت الأميرة نحو قاعة الطعام، إذ فوجئت برؤية والدتها الملكة جالسة هناك مُسبقًا. ولمّا لمحت الأخيرة ابنتها تقترب من بعيد، لوحت لها بالإشارة لتقترب. وما إن اقتربت ألكسندرا حتى قالت الملكة بصوت هادئ ومُحتشم:
— "اجلسي يا بنيتي، لنتمتع بتناول الطعام معًا اليوم، فنحن وحدنا دون والدك، إذ خرج الآن لإنجاز بعض الشؤون في مجلس الوزراء."
استغربت ألكسندرا خروج والدها دون إعلامها، إلا أنها تذكرت أنها كانت في ذلك الوقت برفقة الأمير ويليام في الحديقة، فتنهدت ببطء وجلست إلى جانب والدتها بينما شرع الخدم في ترتيب المائدة ووضع الأطباق بعناية فائقة.
قالت الملكة بصوت متردد:
— "إذن..."
رفعت ألكسندرا رأسها عن طبقها ونظرت في وجه والدتها. عمّ صمتٌ ثقيل القاعة، إذ بدا أن الملكة فقدت كلماتها، فقد مضت فترة طويلة لم يتبادلن خلالها الحديث معًا بشكل طبيعي، وكلما جلسن على المائدة، كان الحديث مع والدها الملك الذي يتقن دوماً الحوار الرصين. أدركت ميريدا أن الوقت قد طال منذ آخر حديثٍ صريح مع ابنتها، فحيرتها الكلمات وجعلتها تتردد في معرفة ما تقوله، رغم أنها قد سألتها عن أمر الأمير مسبقًا.
ظلّت الملكة تتحسس طبقها، تبحث عن موضوعٍ يفتح باب النقاش. لاحظت ألكسندرا تلك المحاولة الصامتة، فبادرت هي بالكلام بابتسامة خفيفة:
— "لقد أعجبتك سابقًا الزهور التي أهداني إياها الأمير ويليام... هل ترغبين أن أقدم لكِ واحدة يا أمي؟"
توقفت ميريدا عن تحريك شوكتها، متفاجئة، فقالت:
— "يا ويلي! لا يا ألكسندرا، هذه الهدية من الأمير لكِ."
ابتسمت الأميرة بهدوء، وقالت:
— "لا بأس يا أمي، فهي هدية مني لكِ."
أغمضت عينيها للحظة، ثم رفعت وجهها نحو والدتها مبتسمة، لترى الملكة تلك الابتسامة الدافئة التي كادت أن تجعلها تنسى جمال ورقة ابنتها حين تبتسم.
استمرتا في تناول الطعام بصمت، وكان الصمت على وشك أن يطغى على أجواء القاعة لولا وقع المعالق على الأطباق وخطوات الخدم الرتيبة.
عندما أنهت ألكسندرا آخر لقمة، أخذت منديلها ومسحت شفتيها بهدوء، ثم قالت:
— "أمي، لدي سؤال لكِ."
أخذت الملكة رشفة ماء قبل أن تجيب:
— "تفضلي، ما هو سؤالك؟"
أدارت الكسندرا جسدها لتواجه والدتها مباشرة، ورفعت رأسها، واضعة يديها فوق ركبتيها المضمومتين، ثم قالت بحزن يحاول أن يخفيه وراء بهجة مصطنعة:
— "أمي... هل سيرضيكِ ويسعدكِ زواجي من أمير سكالفيا، ويليام؟"
خرجت هذه الجملة وكأنها تنتظر أن تسمع "لا"، إلا أن هذا كان آخر ما ستسمعه من والدتها.
حدّقت بها الملكة بدهشة، ثم التقطت منديلها هي الأخرى ومسحت شفتيها وأطراف أصابعها، قبل أن تتحدث بنبرة جادة وهي ترفع رأسها بفخر:
— "نعم... إنه يرضيني جدًا، وليس أنا وحدي، بل والدك أيضًا يوافق على هذا الزواج."
أنزلت ألكسندرا رأسها بخيبة وحزن، ثم سمعت والدتها تواصل بنبرة أقل جدية، أكثر عطوفة:
— "الأمير ويليام رجل شهم، قوي البنية، ثري، وذو سمعة حسنة. معروف بحكمته وفطنته ودهائه، وهو سيد السيف في مملكته، وقد خاض بالفعل معارك عديدة إلى جانب والده والعديد من الممالك الأخرى، وساهم في حل أزمات ومشكلات جسيمة، مما يعني أنه سيحمي شرفك وسلامتك ويمنحك كل ما تحتاجينه من دهاء وأمان، ولن ينقصك شيء من السعادة أو الرخاء. هو بالفعل يغدق عليكِ الهدايا الثمينة ويظهر إعجابه بك وقبولك لك."
مدّت الملكة يدها لتضعها برفق على ذقن ابنتها، ورفعت رأسها بينما تواصل:
— "وأنتِ أيضًا كفؤة وجديرة بنفس القدر، هل تعتقدين أنه غير مناسب لكِ؟ هل هناك سبب يجعلك ترفضينه يا فاليريا؟"
التقت عينا الفتاة بعيني والدتها الحمراوين، الغارقتين في بحرٍ من المشاعر المتناقضة؛ بريق خيبة الأمل، ولوعة الغضب، ولمحة من الانفصال النفسي، كلها تختلط مع رغبة دفينة لإقناعها بقبول الزواج من رجل لا تحبه. وبينما كانت تراقب كل تفصيلة في نظرة والدتها، شعرت ألكسندرا بالحب والحنان الذي لم ينطفئ، وبالرغبة الصامتة لأمها في إعادة السعادة إليها، مستخدمة اسمها المفضل لاستمالتها وإذابة قلبها بالمشاعر المعقدة التي تحملها مقلتاها الحمراوان، كأنهما تحملان عبء الماضي وحلم المستقبل في آن واحد.
أمسكت الأميرة يد والدتها وقبّلت ظهرها خاشعةً، ثم رفعت رأسها وقالت بهدوء وألم:
— "إذا كان هذا ما ترغبين به، أنتِ وأبي، فأنا موافقة على الزواج."
ابتسمت الملكة رضا، ومسحت على رأس ابنتها قائلة بنبرة سعيدة:
— "لقد فكرت بالفعل في ترتيب لقاء مع الملكة صوفيا، والدة الأمير ويليام، لمناقشة موعد الخطوبة والزفاف والاستعدادات اللازمة. وعندما يحين الوقت، سأأخذ برأيك أيضًا، فأنتِ العروس. أما الآن، اذهبي لترتاحي، فستحتاجين للتسوق والاستعداد لاحقًا، ولن تجدي وقتًا للراحة."
وقفت الأميرة، وانحنت لوالدتها احتراما، ثم ودعتها وتوجهت إلى غرفتها.
بعد رحيل ألكسندرا، خفضت الملكة رأسها بأسى، وضمت يدها إلى صدرها وتنهدت مطولًا. فهي لا ترغب في إرغام ابنتها على شيء لا تحبه، ولا تريد فرض هذا الزواج، لكنها لطالما حلمت بزواج مثالي لابنتها، وما باليد حيلة؛ هذا هو السبيل الوحيد لضمان مستقبلها وإنقاذها من محن محتملة.
مرّت لحظات حتى وصلت عربة الأميرين إلى قصر سكالفيا، حيث خرج الحراس والخدم لاستقبالهم، مصطفين في صفوف منظمة ومرتبة بدقة. تقدّم بعضهم لأخذ العربة بعد نزول ويليام وفيليب، فيما تكفل الآخرون بنقل الخيول إلى أماكنها المخصصة. وقف ديريك خلف سيده، بينما مدّ فيليب لشومان الصندوق المخصص لكاثرين، طالبًا منه وضعه في جناحه الخاص.
دخل الشابان القصر، حيث كانت الملكة صوفيا متجهة نحوهما. وما إن لمحتهما حتى ابتسمت ببهجة:
— "هل عدتما بهذه السرعة؟ ألم تتناولا الغذاء بعد؟"
أجابها ويليام:
— "لا يا أمي، لم نتناوله بعد."
قالت الملكة بحيوية:
— "جيد! لم أتناول غذائي بعد أيضًا، فقد كنت مشغولة في المكتبة أطالع بعض الكتب، ووالدك قد رحل، فلم أتناول شيئًا بعد. انتما تعلمان أنني لا أحب تناول الطعام وحيدة."
التفتت الملكة نحو فيليب، فوجدته عابسًا وصامتًا على غير عادته، فقد اعتادت ملامحه أن تعلوها ابتسامة دافئة دائمًا تجاهها. مدت يدها إليه، وأخذت بيده برفق، قائلة:
— "ما بال السيد الصغير عابسًا؟ لقد طلبت منهم إعداد أحد أطباقك المفضلة، سيسعدك تناوله يا ولدي."
ابتسم فيليب ابتسامة مصطنعة، ثم أزاح وجهه بعيدًا وقال ببرود خفيف:
— "لا بأس يا جلالتك، اطلبي من الخدم إحضار حصتي إلى جناحي، أريد أن أفكر قليلًا بمفردي."
مسحت الملكة بخفة أطراف أصابعها الرقيقة على خده، ثم ربّت على كتفه برفق، وقالت بشفقة:
— "لا أعلم ما بك يا ولدي، ولكني دومًا هنا من أجلك إن رغبت بالتحدث عن أي شيء."
انحنى فيليب لها احترامًا، ثم توجّه إلى جناحه، وخلفه شومان الذي أثقله حمله المطول للصندوق. تبعه ويليام بعينين رقيقتين، بينما وجهت الملكة نظراتها إلى الامير، ومسحت على وجهه بحنان، قائلة:
— "هل أنهكك السفر يا ولدي؟ ألن ترغب في تناول الطعام معي أيضًا؟"
وضع ويليام يده على يد والدته قائلاً بابتسامة دافئة:
— "كلا يا أمي، ما إن رأيتك حتى زال كل التعب والعياء. هيا، لنأكل."
ابتسمت له الملكة بحنان، وأمرت إحدى وصيفاتها بترتيب المائدة وتجهيز الطعام. حاولت أن تبدو والدته مرحبة ومسرورة بعودتهما، لكنها لم تستطع إخفاء القلق على فيليب، فقررت أن تسأله لاحقًا.
جلس ويليام بهدوء بجانب والدته، بينما قدّم الخدم الصحون والأطباق. رفع ويليام غطاء الصينية الذهبية، فرأى سمكة خفش تتوسط الصينية، محاطة بالخضر وحبات الليمون. ابتسم ثم مسح ابتسامته سريعًا، متظاهرًا بالانزعاج وقال:
— "أمي، دللتم فيليب كثيرًا! ماذا عن أكلي المفضل؟ يبدو أنه يحظى بكل الحب والاهتمام."
قهقهت الملكة، وأجابته مازحة:
— "وافرحاه! عشت لأراك تغار من فيليب، فقد حسبت أنني لن أشهد هذا اليوم أبدًا!."
ابتسم لها ويليام وقال:
— "ولماذا أغار من أخي يا أمي؟ صحيح أنه صديق، لكنه أقرب إليّ كأخ. حبك له يعني حبك لي أيضًا."
استمعت الملكة مبتسمة، وقد غمرها رضا وفخر صامت، كأنها ترى في عينيه ثمرة ما زرعته فيه من أخلاق رفيعة وسلوك نبيل.
وضع الأمير منديلًا قماشيًا عريضًا على حجره، وصبّ له الساقي بعض العصير، ارتشف ويليام قليلًا ثم باشر بتناول طعامه. فعلت الملكة مثلًا، بدأت بتناول غذائها، لكن اللحظة الدافئة مع ويليام سرعان ما تلاشت، وعاد القلق يتملّكها على حال فيليب. فقالت بنبرة فضولية تمزج الحزن والاهتمام:
— "عزيزي، ماذا حصل؟"
نظر ويليام إلى والدته بعد ابتلاع لقمة، وقال:
— "لم يحدث شيء كبير يا أمي، التقيت بالأميرة وسلمتها هداياها ثم عدنا بعد ذلك."
فسألت الملكة بقلق:
— "إذن لماذا يبدو فيليب عابسًا ومهمومًا؟"
توقف ويليام قليلاً قبل أن يجيب:
— "في الحقيقة، يا أمي، أرى أنه من الأفضل أن تسأليه شخصيًا، لا أعتقد أن لي الحق في الإفصاح عن خصوصيته. مع أنكِ كأمه وأقرب شخص إليه... وبما انك امرأة، ربما ستفهمين وتستطيعين حل الأمر..."
استغربت الملكة من لفظ "امرأة"، فسألت بدهشة:
— "امرأة؟"
أجاب ويليام بهدوء:
— "نعم."
— "ماذا تقصد يا ويليام؟"
مسح ويليام ثغره بمنديل، ثم قال:
— "إنه... معقد بعض الشيء."
استقامت الملكة في جلستها وابتسمت ابتسامة جانبية، معتقدة أنها فهمت الأمر؛ ربما يتعلق بفتاة ما.
ثم سألت بفضول:
— "إذن لا شيء خطير؟"
ضحك الأمير بخفة وأجاب:
— "على الإطلاق يا أمي!"
ارتاحت الملكة لسماع هذه الكلمات، معتقدة أن المخاوف السابقة بشأن ملوك صولاريا أو أي أحداث قريبة من الحرب، كانت مبالغًا فيها، فهذه أمور الحب شأنها عادي، يمر بها كل رجل في حياته.
بعد أن أنهيا الطعام، نهضت الملكة صوفيا بهدوء، وضعت يدها على كتف ابنها وقالت:
— "اسمح لي يا عزيزي، سأذهب لأرى فيليب، لا يطمئن قلبي إلا بعد أن أتحدث معه."
أومأ ويليام برأسه مطمئنًا إياها، ثم ودّعها بابتسامة صغيرة، واتجه بخطوات ثابتة نحو مكتبه الخاص. ما إن دخل، حتى جلس خلف مكتبه العريض، أخرج من درجٍ سِجِلًّا قديمًا ثم قال بنبرة آمره:
— "أدخلوا المسؤول ألدريك حالًا."
kawthar1ink