كانت الحديقة الملكية ممتدة كلوحةٍ من نظامٍ وجمالٍ مصطنع، حيث لا يُترك شيءٌ للصدفة. الممرات المرصوفة بالحجر الأبيض، الأشجار المشذّبة بعناية، والنوافير التي تهمس بالماء كما لو أنها تعرف متى تتكلم ومتى تصمت.
كل شيء بدا هادئًا… أكثر مما ينبغي.
خطت الأميرة ألكساندرا أولى خطواتها خارج الممر المؤدي إلى الحديقة، يتبعها ظلّ فستانها الأحمر الفاتح كذكرى لا تريد أن تتركها. كان الحرير ينساب بخفة، لكن قلبها لم يكن كذلك.
في صدرها، شيءٌ ثقيل، لم تعرف له اسمًا: هل هو خوف؟ أم توق؟ أم إحساسٌ غامض بأن هذا اليوم لا يشبه غيره؟
جلست الملكة ميريدا عند الطاولة المستديرة في منتصف الحديقة، تحيط بها الخادمات وأواني الشاي الفاخرة، وجهها هادئ، ابتسامتها مدروسة بعناية امرأة لا تترك شيئًا للانطباع الأول.
وعلى الجانب الآخر… جلست الملكة صوفيا، بوقارٍ بارد، ملامحها حادة، عيناها تراقبان كل تفصيلة دون أن تفوتهما حركة.
وبجانبها… كان هو.
الأمير ويليام ريشارد فالينار.
وقف حين رآها تقترب، كما يليق بأميرٍ تربّى على البروتوكول قبل المشاعر. كان طويل القامة، ملامحه متزنة، عيناه بلونٍ رماديّ كالسماء قبل العاصفة.
لم يبتسم كثيرًا… لكنه لم يكن جامدًا.
— "مولاتي الأميرة ألكساندرا."
انحنى انحناءة خفيفة، محترمة، لا مبالغ فيها ولا باردة.
— "سُررتُ بلقائك مجددا."
رفعت ألكساندرا نظرها إليه، وردّت التحية بهدوء يليق بابنة الشمس:
— "السرور لي، سمو الأمير."
جلست بعد ذلك بهدوء إلى جانب والدتها، تشعر بثقل النظرات عليها. كانت تعلم… أن هذه الجلسة ليست شايًا، بل اختبارًا.
اختبارًا لكل ما لم تقله، ولكل ما أخفته تحت وسادتها صباح اليوم.
بدأت الخادمات بسكب الشاي، وانتشرت رائحة الأعشاب والزهور في الجو. تكلمت الملكة ميريدا أولًا، بنبرةٍ دافئة مصطنعة:
— "نأمل أن تكون رحلتكم من سكالفيا مريحة."
أجابت الملكة صوفيا بابتسامة خفيفة لا تصل لعينيها:
— "كانت مناسبة. الطقس كان كريمًا معنا."
ساد صمتٌ قصير، ثم تابع الحديث كما لو كان يسير على حبلٍ مشدود.
تبادل كلماتٍ عن الطقس، عن العلاقات بين المملكتين، عن السلام… وكل كلمة كانت تحمل وزنًا أكبر مما تظهر.
ألكساندرا كانت تستمع، تهز رأسها عند اللزوم، تبتسم حين يُنتظر منها الابتسام.
لكن عقلها… كان في مكانٍ آخر.
الرسالة.
لم تقرأها بعد، لكنها تشعر بها كأنها تحترق تحت جلدها.
صوت داميان يتردّد في داخلها دون كلمات، دون صوت، فقط إحساسٌ لا يهدأ.
لاحظ ويليام صمتها الطويل. لم يعلّق فورًا، لكنه التفت إليها بعد لحظة، صوته خرج أهدأ من المتوقع:
— "هل تحبين الحدائق يا مولاتي؟"
تفاجأت بالسؤال، وكأنها أُعيدت فجأة إلى المكان.
— "نعم… أجد فيها نوعًا من الطمأنينة."
— "غريب."
قالها بابتسامة خفيفة.
— "أنا أراها جميلة… لكنها لا تقول الحقيقة دائمًا."
رفعت حاجبيها قليلًا، ونظرت إليه باهتمام غير مقصود.
— "وكيف ذلك؟"
— "كل شيء فيها مُرتّب أكثر مما ينبغي. لا يُسمح للأغصان أن تنمو كما تشاء… ولا للزهور أن تختار مكانها."
ساد صمت قصير بينهما.
الملكة ميريدا تبادلت نظرة سريعة مع الملكة صوفيا، لكنهما لم تتدخلا.
ألكساندرا شعرت بشيءٍ ينقبض في صدرها.
— "ربما…" قالت بهدوء،
— "لكن بعض الفوضى لا تُغتفر في الممالك."
نظر إليها ويليام مطولًا، ثم قال بصوتٍ منخفض، يكاد يكون اعترافًا غير مقصود:
— "صحيح… لكن ليس كل فوضى عدوة."
لم تعرف لماذا شعرت أن كلماته لا تتحدث عن الحدائق.
مرّ الوقت ببطءٍ ثقيل. كلماتٌ تُقال، وأخرى تُبتلع.
وأخيرًا، وضعت الملكة صوفيا فنجانها جانبًا، وقالت بنبرةٍ حاسمة:
— "أظن أن الوقت مناسب لمناقشة الموعد."
تشنّجت أصابع ألكساندرا حول فنجانها.
— "موعد… الخطوبة."
قالتها الملكة ميريدا بابتسامةٍ واثقة.
— "نقترح أن تكون خلال الأسبوعين القادمين."
ساد صمتٌ ثقيل بعد اقتراح الموعد، صمتٌ لم يكن فراغًا بقدر ما كان امتلاءً بما لم يُقل.
رفعت ألكساندرا فنجانها ببطء، ارتشفت رشفة صغيرة لم تشعر بطعمها، ثم وضعته بهدوء كما لو كانت تستعد لخطوة محسوبة.
— "أسبوعان…" قالت ألكساندرا بنبرة هادئة، لا اعتراض فيها ولا تردد،
— "ألا ترونهما فترة أطول مما يلزم؟"
رفعت الملكة ميريدا رأسها فورًا، نظرة سريعة، حادة، كأنها تبحث عمّا وراء الكلمات لا فيها.
أما الملكة صوفيا، فشبكت أصابعها بتأنٍ، وقالت بصوتٍ بارد متزن:
— "في مثل هذه الزيجات، التمهّل يُعدّ حكمة."
ابتسمت ألكساندرا ابتسامة خفيفة، مدروسة، واعتدلت في جلستها كمن يستعد لإلقاء بيان لا رأي شخصي:
— "أتفق معكِ، جلالتك. لكن الحكمة ليست دائمًا في التأخير."
ساد صمت قصير.
تابعت، بصوتٍ ثابت لا يحمل انفعالًا:
— "لقد تربّيت منذ طفولتي على هذه اللحظة. تعلّمت البروتوكول قبل أن أتعلّم اللعب، وحُفِظت لي قوانين التحالف والزواج السياسي كما تُحفَظ الصلوات. الأخلاق، المسؤولية، معنى أن تكون الأميرة زوجةً قبل أن تكون امرأة… كل ذلك لم يكن غائبًا عني يومًا."
تحرّك فنجان الشاي بين أصابع ميريدا ببطء.
— "أنا مستعدة،"
قالتها ألكساندرا بهدوء قاطع،
— "ولم أكن يومًا بعيدة عن هذا المصير حتى أحتاج إلى مزيدٍ من التهيئة."
رفعت الملكة صوفيا حاجبها قليلًا، علامة اهتمام لا دهشة.
— "بل أرى…" تابعت ألكساندرا،
— "أن الضرر لا يكمن في التقديم، بل في التأخير. فالتردّد قد يُفهم ضعفًا، والانتظار الطويل يفتح أبواب التأويل في البلاط… وهو ما لا نريده لأي من المملكتين."
في داخلها، كانت الكلمات مختلفة تمامًا.
أسبوع واحد فقط…
أسبوع، ثم ألتقيه.
أضع هذا الحمل عن صدري، أراه، أسمع صوته، وأفهم… قبل أن أغرق أكثر في هذا القفص الذهبي.
أسبوع، يا داميان… فقط أسبوع.
لكن وجهها لم يفضح شيئًا.
قالت الملكة ميريدا ببطء:
— "وما الذي تقترحينه إذن؟"
رفعت ألكساندرا نظرها بثبات، دون استعجال:
— "أسبوع واحد."
تحرّك الهواء في الحديقة كأنه توقّف لحظة ليسمع القرار.
— "أسبوع؟"
كرّرتها ميريدا، وهذه المرة بنبرة أقل يقينًا.
— "نعم،"
أجابت ألكساندرا،
— "قصير بما يكفي ليؤكد الجدية، وطويل بما يكفي ليحفظ الشكل. لا تراجع فيه، ولا ارتباك."
تبادلت الملكتان نظرة صامتة، طويلة هذه المرة.
كانت حجج ألكساندرا مثالية… متماسكة… رسمية إلى حدٍ يجعل الاعتراض يبدو غير مبرر. ومع ذلك، شعرت ميريدا بوخزة خفيفة في صدرها، حدس أمّ لا تخطئه الكلمات المنمّقة.
قالت الملكة صوفيا أخيرًا:
— "يبدو أن ابنتكِ لم تُربَّ عبثًا."
ثم أضافت، موجّهة كلامها للجميع:
— "حسنًا. ليكن بعد أسبوع."
انخفضت أنفاس ألكساندرا ببطء، دون أن يلاحظ أحد.
نجحت…
لكن الثمن… لم يُدفَع بعد.
في تلك اللحظة، لاحظت الملكة صوفيا شيئًا آخر.
ويليام… كان ينظر إلى ألكساندرا منذ بداية النقاش، لا بنظرة سياسي ينتظر القرار، بل بنظرة رجل يحاول فهم ما خلف الكلمات.
ابتسمت الملكة صوفيا ابتسامة خفيفة، ثم قالت وكأن الفكرة خطرت لها الآن:
— "ربما سيكون من الأفضل أن يتحدث الأمير ويليام مع الأميرة قليلًا… على انفراد."
رفعت ميريدا حاجبيها باستغراب بسيط:
— "على انفراد؟"
— "نعم."
قالت صوفيا بهدوء،
— "أمور كهذه تحتاج أحيانًا إلى نقاشٍ مباشر بين الطرفين المعنيين. أما أنا… فأرغب بالحديث معكِ قليلًا، جلالتك، في بعض التفاصيل الخاصة."
ترددت الملكة ميريدا لحظة، ثم نظرت إلى ألكساندرا.
كانت نظرة فاحصة، كأنها تحاول قراءة ما لا يُقال.
— "إنه مجرد حديث."
أضافت الملكة صوفيا،
— "وسنخبر الأميرة بكل ما نتوصل إليه لاحقًا."
ألكساندرا وقفت بهدوء، قبل أن تتدخل والدتها:
— "لا مانع لدي."
قالتها بنبرة رسمية، لكن قلبها تسارع بلا إذن.
وقف ويليام أيضًا، انحنى انحناءة خفيفة للملكتين، ثم التفت إلى ألكساندرا:
— "هل تودين المشي قليلًا؟"
أومأت برأسها، دون أن تقول كلمة.
انسحبا ببطء عبر أحد الممرات الجانبية للحديقة، حيث الأشجار أعلى، والظل أعمق، والأصوات أخفت.
خلفهما، بقيت الملكتان تجلسان وجهاً لوجه، شاي لم يُشرب، ونقاش آخر يستعد لأن يبدأ.
أما ألكساندرا…
فكانت تسير إلى جانب رجلٍ لا تعرف إن كان سيكون قدرها… أم مجرد فصلٍ آخر قبل العاصفة.
بقي ويليام وألكساندرا وحدهما.
للحظة، لم يعرف أيّهما يجب أن يبدأ.
كان ويليام هو أول من تحرّك، لا بخطوة رسمية، بل بنصف التفاتة نحو الممر الحجري، وكأنه يمنحها خيار السير أو البقاء.
كانت خطواتها أبطأ من المعتاد، أصابعها متشابكة أمامها، كتفاها مشدودين رغم نعومة الفستان.
أما هو… فكان مضطربًا على نحوٍ غريب.
منذ لحظة إعلان الأسبوع الواحد، شعر وكأن الأرض تحرّكت تحته.
اضطراب؟ نعم.
لكن تحته… راحة. سعادة خجولة. حماس لم يعهده في نفسه من قبل.
نظر إليها من طرف عينه، ابتسامته لا تفارقه، وكأنها خرجت عن طوعه.
— "لم أكن أتوقع…"
توقف، ثم أكمل بابتسامة أوسع،
— "أن تكوني أنتِ من يقترح تقصير المدة."
أجابت بصوت منخفض:
— "لم يكن اقتراحًا شخصيًا."
— "أعلم."
قالها فورًا،
— "وهذا ما جعله… مميزًا."
التفتت إليه بسرعة، ثم أعادت نظرها إلى الأمام.
— "مميز؟"
— "نعم."
تنفّس بعمق،
— "لأنه صدر عن شخص يعرف ما يريد… حتى وإن لم يُفصح عنه."
سادت لحظة صمت.
كانت ألكساندرا تشعر بأن الكلمات تثقل صدرها، كأن كل جملة أطول مما تستطيع احتماله.
قالت باقتضاب:
— "أنا فقط… قمت بواجبي."
ابتسم، لكن صوته خرج ألين:
— "واجبكِ كان شجاعًا."
توقفت قليلًا، ثم قالت:
— "أنتَ تبدو… مرتاحًا."
ضحك بخفة، هزّ رأسه:
— "مرتاح؟ لا أدري إن كانت الكلمة دقيقة."
ثم أضاف، بصراحة مفاجئة:
— "أنا متوتر. مشوش. أفكّر كثيرًا."
توقف خطوة، نظر إليها مباشرة،
— "لكنني سعيد."
رفعت حاجبيها، هذه المرة بوضوح:
— "سعيد؟"
— "نعم."
ابتسامته لم تختفِ، بل ازدادت دفئًا،
— "ربما لأنني توقعت أن أشعر بثقل… فإذا بي أشعر بشيءٍ أقرب إلى الطمأنينة."
لم تعرف لماذا، لكن شيئًا في صوته جعل اضطرابها يهدأ قليلًا.
قالت، بنبرة أقل حدّة:
— "أنتَ مختلف عمّا توقعت."
— "وأنتِ كذلك."
ردّ فورًا.
سار الاثنان بين الأشجار المشذّبة، الضوء يتسلّل بين الأغصان.
كان ويليام يتحدث، لا ليستعرض، بل ليشارك.
— "نشأت وأنا أسمع أن الزواج تحالف… حساب… توازن قوى."
نظر إليها،
— "لكنني اليوم أدرك أن التوازن الحقيقي… يكون حين لا يشعر أحد الطرفين أنه وحده."
نظرت إليه مطولًا.
ثم قالت، بنبرة خرجت منها دون تفكير:
— "يبدو أنك تدربت جيدًا على الخطابات."
توقف.
ثم… ضحك.
ليس ضحكة خفيفة.
بل قهقهة صافية، صادقة، خرجت منه دون حذر، تعالت في الحديقة حتى التفتت الطيور من حولهم.
تجمدت ألكساندرا في مكانها، عيناها اتسعتا:
— "لِمَ… لماذا تضحك؟!"
حاول أن يتماسك، لكنه لم يستطع فورًا:
— "لأنكِ…"
تنفّس،
— "لأنك قلتِ ما كنتُ أفكّر فيه منذ دقيقتين."
حدّقت فيه، ثم… ضحكت.
ضحكة صغيرة أولًا، مترددة، كأنها نسيت كيف تُطلق،
ثم تعالت أكثر، صافية، حقيقية.
— "ظننتُ أنني كنتُ وقحة."
— "على العكس."
قالها وهو يبتسم لها كما لم يبتسم لأحد منذ زمن،
— "كنتِ صادقة."
سادت لحظة دافئة، مختلفة.
قالت ألكساندرا، بنبرة أخف:
— "لم أرك تضحك هكذا من قبل."
— "ولم أضحك هكذا من قبل."
أجابها ببساطة.
ثم أضاف، بنظرة ثابتة:
— "أظن أن الأسبوع القادم… سيكون أقصر مما نتوقع."
لم تجبه.
لكن هذه المرة… لم تُخفض نظرها.
تابعا السير ببطء، والحصى الأبيض تحت أقدامهما يُصدر صوتًا خافتًا، منتظمًا، كأنه يفرض إيقاعًا لا يسمح للفوضى بالاقتراب.
كان ويليام قد استعاد هدوءه بالكامل.
اختفت الضحكة، لكن أثرها بقي في عينيه… شيءٌ أعمق، أكثر ثباتًا.
ألكساندرا كانت أول من كسر الصمت، لكن هذه المرة بنبرة مختلفة:
— "سمو الأمير…"
التفت إليها فورًا.
— "تفضّلي."
— "كم حربًا خضت؟"
لم يتفاجأ بالسؤال.
لم يبتسم.
فقط أجاب بعد لحظة قصيرة من التفكير:
— "اربعة فعليًا… والخامسة لم تُعلن."
نظرت إليه بتركيز.
— "وما الفرق؟"
— "الحرب المُعلنة تُواجه بالسيوف."
قالها بهدوء صلب،
— "أما غير المُعلنة… فتُخاض بالعقول، والانتظار، وأحيانًا بالصمت."
أحست أن إجابته ليست محفوظة، بل مجرَّبة.
— "وهل تكره الحروب؟"
سألته، هذه المرة بصوت أخف.
توقف قليلًا، نظر أمامه:
— "لا أكرهها… لكنني لا أُمجّدها."
ثم أضاف بنبرة رجل تعلّم الثمن:
— "هي ضرورة، لا فخر."
سارت خطوة أقرب دون أن تنتبه.
— "وهل تختارها بسهولة؟"
التفت إليها، نظر مباشر:
— "أختارها حين يصبح عدم اختيارها خيانة لمن أعهدهم بالحماية."
كان صوته ثابتًا، لا تهديد فيه ولا تبرير.
ابتلعت ريقها.
— "سكالفيا… مملكة صعبة."
— "نعم."
قالها دون إنكار،
— "لكنها لا ترحم الضعفاء، ولهذا لا تسمح لملوكها أن يكونوا مترددين."
سادت لحظة صمت قصيرة.
ثم سألته فجأة:
— "وفي القصر؟"
رفع حاجبه قليلًا.
— "القصر؟"
— "هل هو ساحة حرب أيضًا؟"
هذه المرة… ابتسم. ابتسامة جانبية، خفيفة، ذكية.
— "أحيانًا أخطر."
ضحكت بخفة:
— "كنت أتوقع هذه الإجابة."
— "السياسة لا تختلف كثيرًا عن المبارزة."
قال وهو يسير بثبات،
— "خطوة للأمام، اثنتان للحذر… ولا تُظهر نيتك أبدًا."
ترددت، ثم سألت:
— "وهل تثق بأحد؟"
نظر إليها مطولًا، ثم قال:
— "أثق بمن أثبت أنه يستطيع أن يقول (لا) لي… حين يجب."
تفاجأت.
— "هذا نادر."
— "ولهذا هو ثمين."
توقفت، نظرت إليه بجدية:
— "وماذا عن… فيليب؟"
تغيّر شيء في ملامحه.
ليس انزعاجًا… بل فخرا.
— "فيليب أكثر من مستشار."
قالها ببطء،
— "صوتٌ يعارضني حين أُخطئ… ويصمت حين أُصيب."
تقدّمت خطوة، سألت بصوت أهدأ:
— "وأنتَ… خارج السياسة؟ خارج الحرب؟"
نظر إليها، وكأنه لم يُسأل هذا السؤال من قبل.
— "أنا؟"
— "نعم."
تنفّس بعمق.
— "أقرأ كثيرًا."
ابتسم بخفة،
— "ليس لأنني أحب الهروب… بل لأنني أحب أن أفهم العالم قبل أن أضطر لتغييره."
نظرت إليه مطولًا، ثم قالت بصدق:
— "لم أكن أتوقع هذا."
— "ولا أنا توقعت أن تسأليني."
تلاقت نظراتهما.
قال أخيرًا، بنبرة ثابتة، رجولية، لا تحمل وعدًا ولا استعطافًا:
— "أعلم أن هذا الارتباط… لم يكن خياركِ وحدكِ."
توقف،
— "لكنني أعدكِ بشيء واحد."
رفعت نظرها.
— "ما هو؟"
— "لن أكون عبئًا عليكِ… لا كأمير، ولا كرجل."
سارا قليلًا بصمت، لكن هذه المرة لم يكن صمتًا ثقيلًا.
كان ويليام هو من قطعه، بصوت هادئ، ثابت:
— "دعيني أسألكِ شيئًا… بعيدًا عن البروتوكول."
التفتت إليه، مترددة:
— "تفضل."
— "من تكون ألكساندرا… حين لا تكون أميرة؟"
تفاجأت بالسؤال.
لم تُجب فورًا.
— "لا أطلب إجابة رسمية."
أضاف بهدوء،
— "بل صادقة."
تنفست بعمق:
— "ألكساندرا؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة،
— "تحب الصمت أكثر مما تحب الكلام، وتثق بالأفعال أكثر من الوعود."
أومأ ببطء:
— "وهل تخاف؟"
نظرت إليه.
— "نعم."
— "من ماذا؟"
— "من أن أُجبر يومًا على أن أكون نسخة لا تشبهني."
لم يُعلّق، لكن نظرته تغيّرت… صارت أكثر انتباهًا.
بعد لحظة، سأل:
— "وما الذي يمنحكِ القوة؟"
— "المعرفة."
قالتها بثبات،
— "أن أفهم ما يحدث حولي، حتى لو لم أستطع تغييره."
ابتسم ابتسامة خفيفة:
— "إجابة ذكية."
ثم تغيّرت نبرته قليلًا، صارت أكثر رسمية دون أن تكون قاسية:
— "والآن… اسمحي لي بسؤالٍ آخر."
شعرت بالتبدّل.
— "اسأل."
— "لو خُيّرتِ بين سلامٍ هشّ… أو مواجهة قصيرة تُنهي خطرًا طويل الأمد، ماذا تختارين؟"
لم تتردّد:
— "المواجهة."
رفع حاجبه.
— "حتى لو كلّفتكِ ذلك سمعتك؟"
— "السمعة تُرمَّم."
قالتها بهدوء،
— "أما الوطن… فلا."
نظر إليها مطولًا، ثم قال:
— "آخر سؤال."
— "أنا أستمع."
— "هل تستطيعين الوقوف إلى جانب رجلٍ يتّخذ قرارات لا يمكنه شرحها لكِ دائمًا؟"
صمتت لحظة، ثم قالت:
— "إذا كنت أعلم أنه لم يتخذها بدافع الخوف… نعم."
كان هذا كافيًا.
توقّف ويليام فجأة، نظر إلى جانب الممر.
كانت هناك وردة واحدة، بلونٍ أبيض مائل للحمرة، نبتت قرب شجيرة مشذّبة بعناية، لكنها وحدها خرجت قليلًا عن النظام.
اقترب منها، انحنى، وقطفها بحذر، دون أن يُتلف بتلاتها.
عاد إليها، ومدّها لها دون كلمات.
نظرت إلى الوردة، ثم إليه:
— "لماذا؟"
قال بهدوء:
— "لأنها جميلة… رغم أنها لم تُزرع لتكون هنا."
ابتسمت للمرة الأولى دون تكلّف، وأخذت الوردة.
— "هذا مخالف للبروتوكول."
— "أعلم."
قالها بابتسامة خفيفة،
— "لكن ليس كل ما يخالفه… خطأ."
تلاقت نظراتهما لحظة أطول من اللازم.
ولأول مرة…
لم تشعر ألكساندرا أن وجوده مجرد واجب.
على مسافةٍ غير بعيدة، حيث تلتقي ظلال الأشجار بأطراف الممر الحجري، وقفت ماري تراقب بصمت.
لم تكن تتجسس… بل تتابع بعين الخادمة التي تعرف مولاتها أكثر مما تعرف نفسها.
كان هناك شيء مختلف.
الأميرة لا تمشي بثقلها المعتاد، ولا تنظر إلى الأرض كما تفعل حين يثقلها التفكير.
وويليام… لم يكن الأمير الرسمي المتحفظ، بل رجلٌ يتحرك بحرية نادرة، يبتسم أكثر مما ينبغي.
— "لم يلاحظانا."
قالها صوتٌ منخفض إلى جوارها.
التفتت ماري قليلًا، لتجد ديريك واقفًا قربها، ذراعاه معقودتان، ونظره ثابت على المشهد.
— "يبدوان…"
تابع بابتسامة جانبية،
— "منغمسَين تمامًا في عالمٍ خاص."
أجابت ماري بصوتٍ خافت:
— "هذا نادر… خصوصًا لمولاتي."
— "ونادر أكثر لسموّه."
قالها ديريك بثقة،
— "عادةً يلاحظ كل شيء… اليوم لم يلاحظ حتى وجودنا."
ابتسمت ماري دون قصد، ثم تداركت نفسها:
— "ربما لأن الحديث بينهما صادق."
— "أو لأن الوردة كانت في التوقيت المناسب."
قالها وهو يغمز بخفة.
احمرّ وجه ماري قليلًا:
— "أنت تلاحظ تفاصيل غريبة."
— "جزء من عملي."
ردّ بلهجة مازحة،
— "وإلا لما بقيت حيًّا في هذا القصر."
سادت بينهما لحظة صمتٍ خفيفة، لا تحمل ثقل الإحراج بقدر ما تحمل فضولًا غير معلن.
ماري أعادت نظرها نحو الأميرة، تراقب حركة يدها وهي تأخذ الوردة، وارتباكها الخفيف قبل أن تبتسم.
ذلك المشهد… جعل قلبها يلين على غير عادته.
قالت ماري بهدوء، كأنها تفكّر بصوتٍ مسموع:
— "لم أتخيّل يومًا أن أرى مولاتي تضحك هكذا… أمام شخصٍ لم تعرفه طويلًا."
— "الأمير ويليام لا يضغط على اللحظات."
قالها ديريك ببساطة،
— "يعرف متى يتكلم، ومتى يترك الصمت يفعل ما لا تفعله الكلمات."
التفتت إليه ماري، تنظر إليه للمرة الأولى بتركيزٍ حقيقي، كأنها تراه خارج كونه مجرد خادم يقف في الخلف.
— "تتحدث وكأنك تعرفه منذ زمنٍ بعيد."
— "أعرفه حين يكون وحده… لا حين يكون أميرًا."
أجابها بنبرة هادئة، بلا تفاخر،
— "وصدقيني، هذا الجانب نادر أن يراه أحد."
خفضت ماري نظرها قليلًا، وكأن كلمات ديريك أزاحت صورة نمطية كانت قد رسمتها عنه هو الآخر:
الخادم الصامت، الملتزم، الخالي من الرأي.
عندها فقط، وبعد هذا الإدراك الصغير، قالت ماري بصوتٍ أقل حدّة، وأكثر صدقًا:
— "لم أكن أظنك… بهذه الجرأة."
نظر إليها ديريك، متصنعًا الدهشة:
— "وكيف حسبتِني؟ تمثالًا يقف خلف الأمير بلا روح؟"
— "لا!"
قالتها بسرعة، ثم خفضت صوتها،
— "لكن… حديثك مختلف."
ضحك بخفة:
— "لأنني خادم الأمير، تظنين أنه لا يحق لي الضحك؟ أو المزاح؟ أو…"
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة أخفض قليلًا،
— "مجاملة خادمة جميلة تقف إلى جواري؟"
اتسعت عينا ماري، وتراجعت خطوة:
— "سيدي!"
— "أمزح."
قالها فورًا، رافعًا كفّيه باستسلام،
— "لكن لا تنكري أن الخجل يليق بكِ."
أشاحت بوجهها، تحاول إخفاء ابتسامتها:
— "أنت وقح."
— "وقحٌ مهذّب."
أجاب بابتسامة،
— "وهذا أفضل نوع."
نظرا معًا مجددًا نحو الأميرة والأمير.
كانا قد توقفا قرب النافورة، يتحدثان بهدوء، أقرب مما كانا قبل دقائق.
قالت ماري بصوتٍ خافت، هذه المرة بقلقٍ خفيف:
— "أتمنى… أن يكون هذا جيدًا لها."
لم يعلّق ديريك فورًا، ثم قال:
— "وأنا أتمنى… ألا يُكسر هذا الهدوء قريبًا."
لأنهما، دون أن يقولاها، كانا يعلمان:
أن بعض اللحظات الجميلة… لا تعيش طويلًا في القصور.
لم يطل الوقت حتى لاحظت ماري حركة خفيفة بين الأشجار المشذّبة.
رفعت بصرها بهدوء، فرأت الأميرة ألكساندرا والأمير ويليام يعودان باتجاه القصر عبر الممر الحجري.
كانت ألكساندرا تمشي بخطوات متزنة، رأسها منخفض قليلًا…
لا توتر في انحناءة عنقها، بل خجل.
ذلك الخجل الهادئ الذي لا يُرى إلا حين تكون الابتسامة مخبّأة، كسرّ صغير لا يُراد له أن ينكشف.
ابتسامة خفيفة… بالكاد تُرى… لكنها كانت هناك.
تجمّدت ماري في مكانها.
منذ زمنٍ طويل، طويل جدًا، لم ترَ مولاتها هكذا.
ليس منذ الرسائل، ولا منذ القرارات الثقيلة، ولا منذ أن عاد اسم داميان ليطرق قلب القصر من جديد.
كان الأمر مربكًا.
أما ديريك، فلاحظ ما لم تُخفِه خطوات الأمير.
كتفا ويليام كانتا أقل تصلّبًا، ونظرته ثابتة للأمام، لكن فيها راحة نادرة… كأن عبئًا أزيح عنه دون أن يُقال شيء.
حين اقتربا أكثر، خرجت ماري وديريك من مكانهما دون تردد، بخطوات مدروسة.
— "سموّكما." قالها ديريك بانحناءة محترمة،
— "كنا بانتظاركما هنا لنرافقكما في طريق العودة."
رفعت ألكساندرا رأسها، تفاجأت لوهلة، ثم نظرت إلى ويليام. تبادلا نظرة قصيرة، متسائلة… مشوبة بريبة خفيفة.
— "أجل… بالطبع."
قال ويليام بهدوء،
— "لنعد."
استدار الأربعة معًا.
تقدّم الأمير والأميرة أولًا، فيما وقفت ماري خلف ألكساندرا بخطوات محسوبة، وديريك خلف ويليام، تاركًا مسافة كافية تحفظ البروتوكول… وتسمح بالهمس.
مال ديريك قليلًا نحو ماري، صوته منخفض:
— "يبدو أن حديث سموّهما كان… مثمرًا."
تجاهلت ماري نبرته المتعمّدة، وقالت بهمس:
— "ليس من اللائق التعليق."
— "أنا لا أعلّق."
قالها بابتسامة واضحة في صوته،
— "أنا ألاحظ فقط."
رمقته ماري بنظرة جانبية حذرة:
— "تلاحظ أكثر مما يجب، على ما يبدو."
— "جزء من عملي."
قالها بلا خجل،
— "والجزء الآخر… فضول شخصي."
توقفت ماري عن الرد، لكنها شعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجنتيها.
فجأة، التفتت ألكساندرا قليلًا، نبرتها هادئة لكنها ملتقطة: — "هل هناك ما يستحق الهمس خلفنا؟"
ارتبكت ماري فورًا:
— "لا، مولاتي! أقصد—"
لكن ديريك سبقها، بنبرة خفيفة ضاحكة:
— "كنت أُخبر الآنسة ماري أن الحديقة تصبح أجمل حين يمرّ بها أصحابها."
نظرت ألكساندرا إليه بنظرة فاحصة، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة لا تُعرف إن كانت شكًّا أم تسلية. أما ويليام، فاكتفى بهزّ رأسه، وكأن المشهد لا يستدعي أكثر من ذلك.
عاد الصمت…
لكن ماري لم تعد قادرة على تجاهل وجود ديريك.
ظلت تحدّق فيه من طرف عينها، تسترق النظر دون أن تلتفت كليًا.
لاحظت شعره الداكن، أطول مما توقعت، مربوطًا بخيط جلدي بسيط عند العنق، ينسدل بعضه بحرية حول وجهه. ملابسه أنيقة رغم بساطتها، مرتّبة بعناية لا تشبه خدم القصر الآخرين.
وعيناه…
أخضر داكن، عميق، ليس لونًا صارخًا، بل ثابتًا، كغابة تعرف أسرارها.
حين اضطرت أن ترفع رأسها قليلًا لتلتقي بنظرته، انتبهت إلى فرق الطول. كان أطول منها بوضوح…
ليس بطول الأمير، لكن حضوره جعله يبدو أقرب إليه مما ينبغي لخادم.
أدركت فجأة أن ألكساندرا أطول منها، وأنها… هي الأقصر بينهم.
شعور غريب تسلّل إلى صدرها.
ليس خجلًا فقط، ولا دهشة.
شيء يشبه إعادة النظر… في فكرة كانت تعتبرها محسومة.
«مجرد خادم»…
لم تعد العبارة كافية.
وحين التقت عيناها بعينيه للحظة أطول مما يجب، ابتسم ديريك ابتسامة جانبية خفيفة، كأنه أدرك تمامًا ما يدور في رأسها.
فأسرعت ماري بصرف نظرها،
وقلبها… لم يكن ثابتًا كما كانت تحب أن يكون.
عادوا إلى القصر تحت سماء بدأت تميل إلى لونٍ أعمق، كأن النهار نفسه كان يتراجع ليترك المساحة لما لم يُحسم بعد.
خطواتهم على الممر الحجري كانت منتظمة… لكن القلوب لم تكن كذلك.
الأميرة ألكساندرا مشت إلى جوار الأمير ويليام بصمتٍ مريح، صمتٍ لم يكن فارغًا، بل ممتلئًا بأسئلة لم تُطرح بعد. في داخلها، كانت كفتان تتأرجحان:
قلبٌ قديم ما زال ينبض باسمٍ لم يُمحَ،
وقلبٌ آخر بدأ -رغم مقاومتها- يلاحظ دفئًا جديدًا، مختلفًا، غير مطالبٍ ولا قاسٍ.
أما ويليام، فكان يمشي بثبات رجلٍ يعرف معنى المسؤولية، لكنه للمرة الأولى لم يشعر أنها عبء.
كان يشعر براحةٍ خفيفة… بحماسة صامتة.
لم يقل لنفسه إنه أحب، ولا وعد بشيء، لكنه أدرك أن هذه الأميرة ليست كما صُوّرت له، وأن الطريق معها قد لا يكون مفروضًا كما ظن.
خلفهما، سارت ماري، عقلها مشغول بما رأت… وبما لم تفهمه بعد.
مولاتها تبتسم في الخفاء،
ورسالة لم تُفتح بعد،
ونظرة خادمٍ لم تكن عادية، مهما حاولت إقناع نفسها بذلك.
وديريك…
كان يراقب دون أن يُظهر شيئًا.
ابتسامته خفيفة، خطواته واثقة، لكن في داخله شيء استيقظ.
شيء لم يكن في الحسبان، ولا في واجباته كخادمٍ وفيّ.
ربما كان مجرد فضول…
وربما بداية قصة لا يُفترض أن تبدأ.
وحين أُغلقت أبواب القصر خلفهم، كان كل واحدٍ منهم قد دخل مكانه الصحيح…
لكن قلبه ظل معلقًا في مكانٍ آخر.
بين وعدٍ لم يُقرأ،
وخطوبةٍ اقتربت أكثر مما ينبغي،
ونظراتٍ بدأت تطرح أسئلة لم يجرؤ أحد على الإجابة عنها بعد.
وهكذا أُسدِل الستار على هذا اليوم،
ليس كنهاية…
بل كنقطة صامتة، قبل أن تبدأ الجملة الأصعب.
والعودة إلى القصر… لم تكن عودة إلى الأمان، بل إلى مفترق طرق.
kawthar1ink