دخل المسؤول ألدريك المكتبة الملكية، فانحنى قائلًا:
— "مساء الخير، سمو الأمير. لقد طلبتم حضوري."
رفع ويليام بصره عن الأوراق أمامه، عيناه تقدحان ببرود، وقال بنبرة حادة:
— "أخبرني، ألدريك… منذ متى وعمّي، الديرون غرينفيل، يشتغل بستانيًا في قصر صولاريا؟"
ارتبك المسؤول للحظة، محني الرأس، ثم قال بتردد:
— "سمو الأمير… لم أكن أتوقع أن تصل أخبار كهذه إليكم بهذه السرعة."
ابتسم ويليام ابتسامة جانبية، وفي عينيه بريق ساخر:
— "ظننتم أنني أجهل مكانه؟ أن عمي يمكن أن يختفي بين أزهار صولاريا وكأن دمه ليس دم الملوك؟"
ازدرد ألدريك ريقه، ثم أجاب بصوتٍ مرتجف:
— "لقد اختار بنفسه، يا مولاي، أن يتخلى عن لقبه ويمسح نسبه. قال يومًا إن التربة والورود أوفى له من البلاط والحديد."
ضرب ويليام براحته على سطح المكتب، فاهتزت الأقلام فوقه:
— "تخلّى… عن اسمه، عن دمائه، عن واجبه! رجل كهذا لا يستحق سوى الازدراء."
أطرق ألدريك برأسه أكثر، لكن صوته جاء حذرًا:
— "وربما، سمو الأمير… ما زال في قلبه ما يمكن أن يُستعاد. فالجراح التي يتركها العرش لا تندمل بسهولة."
تصلّبت ملامح ويليام، حدّق فيه طويلًا قبل أن يقول بنبرة منخفضة كالسيف:
— "سيأتي يوم ألقاه فيه وجهًا لوجه… وسأعرف عندها إن كان ما يزال رجلًا من دمائنا، أم مجرد خادمٍ بين الأشجار."
---
غادرت الملكة صوفيا قاعة الطعام بخطوات متسارعة، قلبها يسبقها خوفًا على ولدها. كانت لا تزال ملامحه الشاحبة عالقة في ذهنها، ذلك الاضطراب المفاجئ الذي اجتاحه وسط المائدة لم يغب عن بالها.
دفعت باب جناحه برفق، فوجدت فيليب جالسًا على حافة السرير، رأسه بين كفّيه، والعرق يتصبب من جبينه. اقتربت منه ببطء، وجلست إلى جانبه، ووضعت يدها برفق على كتفه:
— "فيليب… يا صغيري، ما بك؟ لم تبدُ على ما يرام."
جلس فيليب في جناحه، يحدّق في الصندوق الذي عاد به من رحلته، أصابعه تعبث بغطائه دون أن يفتحه، كأنّه يحمل بداخله ثِقلاً أكبر من مجرد هدايا. تنهد بمرارة، وأطرق رأسه وهو يتمتم:
— "إنها ليست لعنةً ولا مرضًا يا أماه… إنه أمر آخر… أمر يُشعل صدري حيرةً وألمًا."
وضعت الملكة صوفيا يدها فوق يده، تحدّق فيه بعينيها الدافئتين، تنتظر أن يبوح. وبعد صمتٍ طويل، قال بصوتٍ متهدج:
— "كاثرين… ابنة الملك ألفريد والملكة… وأخت الأميرة ألكساندرا."
رفعت صوفيا حاجبيها بدهشةٍ خافتة، ثم سكنت ملامحها لتشجعه على المتابعة.
أطبق فيليب جفنيه لحظة، ثم همس:
— "أول مرة رأيتها لم أنسَها قط. لم تكن جلسةً رسمية ولا مجلسًا ملكيًا. كانت في الحديقة، تلعب مع جرو ذئب صغير… جروٍ متوحش يخشاه الحرس، لكنها ضحكت له، فاستسلم. عندها شعرت أنّها مختلفة، أن قلبها لا يشبه قلوب الآخرين. ومنذ تلك اللحظة… أسرَتني."
ابتسمت صوفيا بحنان:
— "ومنذ تلك اللحظة، حملتها معك في كل سفرٍ وكل عودة."
أومأ فيليب برأسه، وعيناه تلمعان:
— "كنت أظنّ أنّني سأتجاوز، لكنّ مشاعري كبرت مع الوقت. كل رسالة منها كانت كنسمةٍ تُشعل جمرةً لا تنطفئ. حتى قررت أن أبوح… أن أضع قلبي بين يديها. لكنّها رحلت قبل أن أسمع جوابها. رحلت! كيف أفسر ذلك؟ أهو هروب؟ رفض؟ رغم انني اعلم روحها المُحبة للسفر و الاكتشاف، الا انه...."
شدّت صوفيا على يده وقالت بنبرةٍ هادئة:
— "فيليب… بما انك تقول انك تعرفها، و تعلم انها تحب السفر، تحب الهواء الجديد، مغامرات الطرق والرحلات. ما إن أُتيحت لها الفرصة حتى أمسكت بها. هذا طبعها، لا علاقة له بك ولا باعترافك. لا تجعل قلبك يسرع إلى الحكم. هي لم تقل كلمة واحدة بعد، فلا تفترض أنّها رفضتك."
ظلّ فيليب ساكنًا، يحدّق في يدها الممسكة بيده، ثم تمتم:
— "لكنّ الصمت أقسى من الرفض… أن تبوح بكل ما في قلبك ولا تسمع جوابًا… أشبه أن ترمي بنفسك في بحرٍ مجهول، لا تعلم إن كنت ستنجو أم تغرق."
ابتسمت الملكة نصف ابتسامة، وقالت:
— "وهل الأمير الجسور يخاف البحر؟ لقد عبرت بحورًا حقيقية يا فيليب، فما بالك ببحرٍ من المشاعر؟ ثم… إن كنت ستغرق، أظن أنّ ابنة الملك ألفريد ستسارع لإنقاذك، فأنت لا تُترك لتغرق بهذه السهولة."
ارتفع حاجباه قليلًا، وكأن كلماتها كانت مزحة أكثر منها حكمة. رمقها نظرةً فيها عتاب ممزوج بارتياح.
— "أماه… حتى وأنتِ تواسينني، ما زلتِ تجدين وقتًا للسخرية؟"
ضحكت صوفيا ضحكةً قصيرة، وقالت:
— "وهل تظنّ أنّي سأدعك تغرق في الحزن دون أن ألقي لك خشبة نجاة؟ أحيانًا، يا ولدي، الدعابة تداوي ما لا تداويه الكلمات الجادة."
ابتسم فيليب ابتسامة باهتة، ثم سرعان ما اختفت.
— "لكن… سبع سنوات تفصلني عنها. هي ما تزال صغيرة، وأنا…"
قاطعته بسرعة، بعينيها تلمعان بالجدية:
— "وهل العمر يُقاس بالأرقام وحدها؟ لقد نشأتَما في عالمٍ واحد، تعرفان بروتوكولاته، مسؤولياته. هي تكبر يومًا بعد يوم، وستبلغ السنّ التي تجعلكما متكافئين في نظر الجميع. ثمّ… أليس الحبّ نفسه انتظارًا؟"
أطرق رأسه وقال بصوتٍ خافت:
— "انتظرتُها طويلًا، وما زلت أنتظر. لكن قلبي لا يطيق الغموض."
مسحت الملكة على يده بحنوّ الأم التي ربّت طفلًا حتى صار رجلاً، وقالت:
— "إذن لا تجعل الغموض عدوك، بل اجعله رفيقًا في هذه الرحلة. تخيّله ستارًا مؤقتًا، سيُرفع في الوقت المناسب. وحتى ذلك الحين، عِش على الأمل، لا على الشك."
ثم أمالت رأسها قليلًا وقالت بنبرةٍ مرحة:
— "وإلا… سأضطر أنا شخصيًا أن أكتب لها رسالة أقول فيها: (يا ابنتي، هل تعلمين أن أميرًا شجاعًا يكاد يلتهم قصره قلقًا من أجلك؟ أجيبيه قبل أن يُحرق الأثاث غضبًا)."
تفاجأ فيليب بالضحكة التي خرجت منه رغم كآبته، وأخفى وجهه بيده وهو يقول:
— "آه… جلالتكِ، حتى أثاث القصر لم يسلم من لسانك!"
فابتسمت بعطفٍ عميق، وهي تهمس:
— "هذا ما أريده… أن أرى ابتسامتك، ولو للحظة. فالابتسامة، يا ولدي، دليل أنّ قلبك لم ينكسر بعد."
بقي فيليب ينظر إليها، وعيناه تترقرقان بامتنانٍ صامت، كأنّ كلماته عجزت عن التعبير.
---
خطوات الأميرة ألكساندرا كانت مثقلة وكأنها تمشي في دهاليز من الرصاص. دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بصمت، ثم استندت للحظة إلى الخشب المصقول، وكأنها تستند على آخر ما تبقّى لها من قوة. رفعت يدها إلى التاج الذي وضعته أمها فوق رأسها قبل قليل؛ لم يكن ثقيلاً كالذي يُنصب به الملوك، بل بسيطًا، رقيقًا، لكنه على رأسها بدا كقيدٍ من حديد. نزعتْه ببطء، ورمته فوق الطاولة، فصدر صوته كأنّه سقوط حجرٍ في بئرٍ عميقة.
جلست على حافة سريرها، كتفيها منحنين، شعرها انزلق متعبًا فوق كتفيها، ووجهها كان أشبه بوردة فقدت ماءها، ذابلة، تعبت من الريح. حاولت أن تتنفس بعمق، لكن صدرها كان يعلو ويهبط كمن يصارع ثِقلاً داخليًا لا يُرى.
في وسط كل ذلك، عادت ذاكرتها إلى هديّة الأمير. نظرت إلى المنضدة التي وُضع فوقها الصندوق، الصندوق ذاته الذي بدا كأنه ينتظرها بصبرٍ غريب، كأنه يعرف أنّها ستعود إليه. ترددت لحظة، ثم قامت بخطوات مترددة، وحملته بيديها وعادت إلى السرير.
وضعت الصندوق في حضنها، فتحت الغطاء ببطء. استقبلتها رائحة خفيفة، مزيج بين العطر الذي تركه الأمير وبين عبق الزهرات الستّ المصفوفة كأنها حُرّاس أسرار. لمست سيقانها ببطء، قرأت الأسماء على البطاقات الصغيرة التي علّقها الأمير على كل زهرة. أسماء لم تشرح شيئًا، لكنها كانت كافية لتثير فضولها، كأن وراءها قصة لم تُحكَ بعد.
ثم التفتت إلى البطاقة الأكبر، تلك التي قال لها الأمير: "لا تفتحيها وأنا موجود… اقرأِيها حين أبعد." حملتها بين أصابعها، نظرت إليها طويلًا. قلبها يتصارع بين الطاعة والفضول، لكن في النهاية… الغلبة كانت للفضول.
فتحت البطاقة.
لم تجد كلمات عادية، ولا رسالة حب تقليدية، بل وجدت حروفًا منقوشة بخط دقيق، تتلألأ كلما لامستها عيناها، كأنها كُتبت بحبرٍ من ضوء القمر. الكلمات لم تكن مباشرة، بل رمزية:
"إلى من بين يديها تختبئ أسرار الزهور…
كل زهرة من هذه الستّ تحمل أكثر من اسم، أكثر من معنى. اقرأِيها بعيون القلب، لا العقل.
من يكتشف سرّها، يكتشف نفسه."
في أسفل البطاقة، وُجدت عبارة غامضة:
"حين تجتمع الأسماء، يولد لحنٌ لا يسمعه سوى من يستحق."
تسمرت الأميرة مكانها. ارتجفت أناملها وهي تعيد قراءة السطور. لم يكن الأمر مجرد هدية، بل لغز، سرٌّ سحري، كأن الأمير زرع بين يديها خريطة خفيّة، تنتظر من يجرؤ على حلّها.
وضعت البطاقة على صدرها، للحظة شعرت بدفءٍ يسري في عروقها، كأن الحبر تحوّل إلى نبض. رفعت رأسها ببطء، عيناها تلمعان بدهشة وشيء من الانبهار.
— "ما الذي تُخفيه عني يا ويليام…؟" همست لنفسها.
لكنّ الفضول ما عاد يحتمل الانتظار. لم يكن يكفيها أن تعرف أسماء الزهور مكتوبة على بطاقات صغيرة؛ أرادت أن تعرف قصصها، أسرارها، إن كانت تحمل معاني كزهرة كايلا الحامية التي أعطاها لها في وقتٍ سابق.
وقفت فجأة، دفعت الصندوق برفق فوق السرير، وأخذت نفسًا طويلًا، كمن قرر أن يتبع أثرًا جديدًا. لم تأخذ الصندوق معها، لم تحتج سوى ذاكرتها والأسماءعلى البطاقات الصغيرة التي علّقها الأمير على كل زهرة.
خرجت من جناحها، تجر قدميها بخطوات سريعة، حتى وصلت إلى الحدائق حيث يعمل البستاني، الرجل الذي يعرف كل زهرة في القصر كما يعرف خطوط كفّه.
كان الديرون غرينفيل واقفًا قرب شجرة وارفة، يقصّ بعنايةٍ بعض الأغصان المتدلية، حين لمح الأميرة تقترب بخطواتٍ هادئة. توقّف عن عمله، استقام بظهره الفارع، وبدا عليه مزيج من الهيبة والخبرة، إذ لم يزل يحمل في وقفته أثر الفارس الذي كانه يومًا. ظهرت على وجهه بعض التجاعيد التي لم تنتقص من صلابته، بل زادته وقارًا.
حين التقت عيناه بعينيها، لاحظ شحوبها وثقل التعب على ملامحها، غير أنّ بريق الفضول المتقد في نظرتها أربكه للحظة. ما إن نطقت بعبارتها القصيرة حتى أحسّ وكأن الزمن قد توقف:
— "أريد أن أسألك عن شيء… عن الزهور."
ارتجف قلبه للحظة، وانعقد حاجباه باندهاشٍ عميق، حتى بدا وكأنها لم تذكر كلمة عابرة، بل استدعت سرًا عتيقًا. الصمت الذي تلا كلماتها كان مشبعًا بالثقل، لم يفهم لما قد ترغب بالبحث في مجال النباتات و الزهور. قبل أن يجيبها بصوتٍ منخفض، تلوّن بالتحفظ والريبة:
— "الزهور، يا مولاتي؟…"
نظر إليها طويلاً، ثم زفر بهدوء، وقد خفّت حدّة تحفظه بعد ان تذكر ان الاميرة الكساندرا مرتبطة بأمير سكالفيا... مملكة الزهور و الورود، ثم فكر انه من البديهي ان تسأل عن امر كهذا، قبل أن يقول ببطءٍ كمن يزن كلماته:
— "اتبعيني من فضلك… قد أستطيع أن أساعدك."
وأشار بيده نحو الممر الحجري المؤدي إلى أعمق أركان البستان، حيث الظلال أثقل والهواء أندى، وكأن هناك سرًا ينتظر أن يُكشف.
سارت الأميرة خلفه، خطواتها خفيفة فوق الحصى المبلل بندى المساء، والهواء من حولهما مشبع برائحة الياسمين والنعناع البري. كانت العصافير قد خفّت أصواتها، وكأن الحديقة كلها تنصت للحوار المرتقب.
توقّف الديرون عند قوسٍ من أغصان ملتفّة، يظلّل ممرًا ضيقًا تزينه زهور لم ترها الأميرة من قبل. التفت إليها، عيناه حادتان كسيفٍ قديم لم يفقد بريقه بعد:
— "أخبريني، مولاتي… ما الذي تبحثين عنه حقًا؟"
ارتبكت ألكساندرا للحظة، وخفضت بصرها إلى الأرض، ثم قالت ببطء:
— "لا أعلم… سوى أنني شعرت أن هذه الزهور تخفي شيئًا… شيئًا أكبر من مجرد جمالها."
ابتسم الديرون ابتسامة عابرة، لا هي سخرية ولا هي إعجاب، بل مزيج من الاثنين، ثم مد يده نحو زهرة صغيرة تتفتح على طرف الممر. لمس بتلاتها بخفة وقال:
— "لكل زهرة قصة، لكن ليست كل القصص مسموحًا أن تُروى."
— "ولماذا؟" سألت بسرعة، نبرتها تحمل مزيجًا من الإصرار والرجاء.
أجاب وهو يشيح بوجهه نحو الأغصان، كأنّه يهرب من عينَيها:
— "لأن بعض القصص وُلدت لتحمي ممالك، وأخرى لتهدمها. الزهور يا مولاتي، ليست دائمًا كما تراها العيون. قد تكون دواءً… وقد تكون لعنة."
ارتجف قلبها من كلماته، ومع ذلك خطت خطوة أقرب، وهمست:
— "أريد أن أعرف… حتى لو كانت لعنة."
ساد الصمت، سوى من حفيف الأوراق المتراقصة مع الريح. ظلّ الديرون يحدّق فيها طويلًا، وكأنّه يختبر صدقها أو يزن ثقل كلماتها. وأخيرًا قال بنبرةٍ غامضة، تلمع بين حروفها نبرة حذر:
— "ستعرفين… لكن ليس الآن. أحيانًا الفضول يقودنا أسرع مما يجب، وقد نجد أنفسنا أمام باب لم نُخلق بعد لفتحه."
ثم استدار فجأة، متابعًا السير نحو أعماق الحديقة، تاركًا الأميرة خلفه بين خوفٍ ورغبةٍ متّقدة لمعرفة المزيد.
قادها الديرون في صمتٍ عبر ممرات ملتفّة، حتى توقف أمام جدار كثيف من نبات اللبلاب. بلمسةٍ خفية من يده القوية، انزاحت الأغصان لتكشف عن بابٍ خشبي صغير لم تره الأميرة من قبل. تسارعت أنفاسها وهي تراقب كيف فتحه بهدوء، مشيراً لها بالدخول.
دخلت ألكساندرا، فإذا بها أمام غرفة ضيّقة، جدرانها مصنوعة من حجرٍ قديم، وأرضها تغطيها طبقة خفيفة من الغبار. لم يكن المكان مجرد غرفة عادية، بل مكتبة سرية: رفوفٌ عالية تملؤها كتبٌ قديمة، أوراقها مصفرّة من قِدَم الزمان، كأنّها تحوي ذاكرة ممالك بأسرها.
وقف الديرون قرب أحد الرفوف، يمرر أصابعه على الكتب ببطء، وكأنه يقرأها بعينيه من الخارج. ثم التفت إليها وسأل بصوتٍ منخفض لكنّه يخفي حدّة:
— "مولاتي… ما الذي يربطك بالزهور حقًا؟ أهو الفضول فقط؟ أم الأمير ويليام له يد في الأمر؟"
ارتجفت قليلاً من وقع السؤال، لكنّها تماسكت وأجابت ببرودٍ مصطنع:
— "لا شأن للأمير… الأمر يخصني أنا وحدي."
ابتسم الديرون ابتسامة غامضة، كأنّه لا يصدقها تمامًا، ثم حرّك أصابعه على كتابٍ آخر قبل أن يتجاوزه. قال وهو يواصل بحثه:
— "الامير الشاب ويليام... رجل يعرف قيمة الأسرار. لكنّ بعض الأسرار قد تكون أثقل مما يقدر على حمله."
اقترب خطوة منها، ونبرته ازدادت حدة:
— "هل تظنينه سيحميكِ إن عرف بما تبحثين عنه؟ أم أنّك تخشين أن يراك بعينٍ مختلفة؟"
ألكساندرا صمتت، قلبها يخفق بعنف، وبدت كلمات الديرون كأنها سهام تسعى لاختراق صمتها. لكنه لم يُمهلها وقتًا أطول؛ إذ توقّف عند كتابٍ في الزاوية، مغلف بجلد وردي تتخلله خطوط بيضاء حية، لونه زاهٍ غريب وسط عتمة الكتب الأخرى. مدّ يده وسحبه ببطء، فبانت أطرافه متآكلة كأنها التهمها الزمن.
سلّمها الكتاب قائلاً بنبرة جادّة، مختلفة عن مراوغته السابقة:
— "هذا ليس كتابًا عادياً… لم يُخلق لعيون الناس جميعًا. بل لعيونٍ واحدة فقط."
أخذت الأميرة الكتاب، شعرت بثقل حجمه الكبير، ثم نفخت على غلافه، فتطاير غبارٌ كثيف كأنّه حجابٌ أزلي قد انزاح.
رفع الديرون يده محذراً:
— "إياكِ أن تظهريه لأيٍّ كان… لا وصيفتك، ولا والدتك الملكة… ولا حتى الأمير ويليام."
توسعت عيناها دهشة:
— "ولماذا الامير بالذات؟"
تأمّلها طويلًا، ثم أجاب بصوتٍ منخفض كأنّه سرّ يبوح به رغماً عنه:
— "لأن بعض الحقائق يا مولاتي… حين تُقال، تغيّر كل شيء."
غمرها صمتٌ ثقيل، والكتاب بين يديها بدا كأنه قلبٌ نابض لا يخصّها وحدها، بل يخصّ مستقبلها بأكمله.
ظلت الأميرة تحدّق في الكتاب بين يديها، تتأمل نقوشه الزاهية التي خفت بريقها مع الزمن، كأنها تحمل حكاياتٍ أكبر من أن تُروى. رفعت رأسها نحو الديرون، وقد تجمعت في صدرها عشرات الأسئلة، لكن عينيه كانتا كالجدار، لا تسمحان لأي كلمة بالمرور.
— "لماذا أنا؟" سألت بصوتٍ خافت، يكاد يكون همسًا.
— "لأنكِ الوحيدة التي تملك الجرأة لتسأل"، أجابها بنبرة ثابتة، ثم أدار ظهره نحو الرفوف، كأنّ الحوار انتهى عند هذا الحد.
ترددت لحظة، ثم ضغطت على الغلاف بإحكام، تشعر أنّ قلبها يدقّ أسرع كلما لامست أصابعها ذلك الجلد المتآكل. أرادت أن تلحّ عليه بأسئلة أخرى، لكنها قرأت في ملامحه تحذيرًا صامتًا: أي كلمة زائدة قد تُغلق الباب تمامًا.
خطت ببطء نحو الممر الذي جاءا منه، نظرتها لا تزال معلّقة بالكتاب. عند العتبة توقفت، التفتت إليه مرة أخيرة:
— "هل سأجد في هذا الكتاب ما أبحث عنه؟"
ابتسم ابتسامة قصيرة، غامضة لا تكشف شيئًا:
— "ستجدين ما قد يغيركِ… وما قد يغيّر كل شيء حولك."
تركته خلفها، وعادت بخطواتٍ مسرعة، كأنّ الحديقة كلها صارت أضيق من أن تحتوي سرّها الجديد. كانت يدها تعانق الكتاب كأنه كنز، وعقلها يتوق للعودة إلى غرفتها، حيث لن يكون معها أحد سوى صفحاتٍ قد تكشف لها ما لم يجرؤ أحد على قوله.
وحين دخلت أروقة القصر، غابت ابتسامتها، ولم يبقَ سوى شعور واحد يثقل قلبها: أنّها على وشك أن تقترب أكثر من أسرارٍ قد تضيء دربها… أو تحرقه.
كانت خطواتها صامتة، خفيفة كظلٍّ يتسلل في ليلةٍ مقمرة. تحركت الأميرة ألكساندرا على أطراف أصابعها في ممرات القصر، ذراعاها تطوقان صدرها بخفّة، تخبئان الكتاب بين طيات فستانها الحريري الطويل، تغطيه بأكمامها وكأنها تخفي جمرًا مشتعلاً لا يُسمح لأحد أن يراه. كلما مرّت خادمة أو حارس، كانت تتوقف فجأة، تتظاهر أنها ترتب خصلات شعرها أو تعدل تاجها الذي لم تعد ترتديه. قلبها يدقّ بسرعة، عينها تلمح يمينًا ويسارًا خشية أن يكتشفها أحد، فيبدو المشهد وكأنها سارقة تتجول في قصرٍ لا يخصّها.
وأخيرًا، صعدت السلالم بهدوء، دفعت باب غرفتها وأغلقته بسرعة، كأنها تهرب من عيون غير مرئية. مدت يدها لتسدل الستائر الثقيلة، فأظلمت الغرفة إلا من نور شمعةٍ مرتجفة. أغلقت النوافذ بعناية، كأنها تحصّن نفسها من العالم. ثم جلست على سريرها، طوت ساقيها، وضعت الكتاب بين ركبتيها، يديها ترتعشان وهي تفكّ الغلاف.
ما إن فتحته حتى انبعثت رائحة غريبة، ليست كرائحة الورق القديم، بل عبير نديّ، جديد، كأن الكتاب وُلد للتوّ. اتسعت عيناها دهشة، شمت الرائحة بعمق، وشعرت أنها لم تدخل أنفها فقط، بل تسللت إلى صدرها وأشعلت فيه ارتجافًا مبهمًا.
بدأت تقلب الصفحات ببطء؛ بعضها مكتوب بحروف غريبة لم تفهمها، تارةً منقوشة بخطوط ملتوية، وتارةً بحروف مفهومة لكنها قديمة، بين السطور صور ملونة بدقة مدهشة: نباتات بأشكال لم ترها عين من قبل، فطر متوهج، أعشاب ملتفة كالأفاعي، وغابات تتلألأ كأنها مسحورة.
تسارعت أنفاسها، حتى وصلت إلى فهرس الزهور. قلبت بسرعة، وأخذت تبحث عن الأسماء، تنقل عينيها بين البطاقات الصغيرة المعلقة على الزهور التي أهداها الأمير وبين صور الكتاب.
أول ما وقعت عليه كان اسم لورينيا. فتحت الصفحة، فإذا بالرسمة تتفتح أمامها: بتلاتها من الأزرق الفاتح إلى البنفسجي العميق، وفي قلبها حبوب ذهبية صغيرة كنجوم تنام في الظلام. وضعت يدها على الصورة وكأنها تشعر بملمسها. قرأت أنها لا تتفتح إلا عند سماع أنغام موسيقية هادئة. همست بدهشة:
— "زهرة ترقص على اللحن…"
شعرت برعشة سحرية، وتخيّلت أن ترى الزهرة أمامها تتمايل كراقصة نورانية.
قلبت صفحات أخرى، ووجدت نفسها أمام سيلفارا. رسمها جاء كالنجوم الصغيرة، تلمع فضيًا في عناقيد. قرأت أنها تهدي الضوء للتائهين في الظلام. ابتسمت، واعتصر قلبها مزيج من الحزن والأمل
واصلت التقليب، حتى وصلت بعد صفحات طويلة إلى ميراليس. أدهشها منظر البتلات الشفافة التي تعكس قوس قزح عند سقوط الندى. قرأت الخاصية، فتوقف قلبها لحظة: "من يشمّها تعود إليه ذكريات منسية."
شهقت بخفة، وضغطت على صدرها:
— "ذكريات… أي ذكريات قد تعود؟"
حسّت بالخوف والفضول معًا، وراودها خاطر أن الأمير حين اختار هذه الزهور لم يخترها عبثًا.
صفحات أخرى قلبتها، حتى وجدت نفسها أمام صورة ضخمة لزهرة أزرافيل، المتوهجة الحمراء كأنها مشتعلة، بعروق ذهبية تمتد مثل لهيب. ارتبكت حين قرأت أنّها تضيء إذا اقترب منها شخص ذو قلب صادق. تسمرت، وتساءلت في سرّها:
— "هل كان الأمير يعني… نفسه؟ أم… أنا؟"
خفق قلبها أسرع، وحرارة غريبة سرت في وجنتيها.
لم تستطع التوقف، قلبت أكثر وأكثر، حتى وقعت على زهرة نيفيانا البيضاء ذات القلب الأزرق البلوري. نظرت إليها بذهول، بدت كزهرة ثلج متجمدة في الصفحة، ومع ذلك تشع بالبرودة والجمال. قرأت أنها لا تعيش إلا في الأماكن الباردة جدًا، وتقال أساطير أنها تحفظ الأسرار داخل قلبها. عندها وضعت الأميرة يدها على قلبها، وهمست كأنها تخاطب نفسها:
— "أيمكن أن تخبئ أسراري أنا أيضًا؟"
وفي النهاية، وجدت زهرة إيلوريا ذات البتلات الزمردية والحواف الذهبية. شعرت بالسكينة حين قرأت أنها تمتص الطاقة السلبية وتملأ الجو صفاءً. تنفست بعمق، وكأنها بالفعل امتصت بعضًا من همومها.
كلما قلبت صفحة، تغيرت ملامحها: مرة دهشة، مرة خوف، مرة ارتباك، مرة إعجاب. لم يكن الكتاب مجرد أوراق وصور، بل مرآة تكشف شيئًا عنها في كل زهرة.
وضعت يدها على الصندوق الذي بجانبها، نظرت إلى الزهور الحقيقية التي أهداها الأمير، ثم إلى الكتاب المفتوح. عندها أدركت أن ما تحمله بين يديها ليس مجرد هدية… بل لغز أكبر مما تخيلت.
ظلّت الأميرة ألكساندرا تقلّب الصفحات، يزداد فضولها كلّما اكتشفت زهرة جديدة لم ترَ مثلها من قبل. مرّت على صور لنخيل شاهق، أوراقه مرسومة بتفاصيل دقيقة كأنها أوردة حقيقية، وأشجار ذات ثمار غريبة أشبه بجواهر تتدلّى من أغصانها، وفطر يتلألأ بضوء أزرق كأنّه مصباح الليل. انحنى قلبها رغبةً في أن تعرف المزيد، أن تتوغّل أعمق في هذا العالم الذي فُتح أمامها صدفة.
مرّت أصابعها ببطء على إحدى الرسوم، ثم أطبقت يدها فجأة على صدرها وهمست لنفسها:
— "ليتني عرفت أي زهرة هي تلك التي صنع بها العطر الذي اهداني إيّاه الأمير… كم كنت سأود أن أقرأ عنها هنا، أن أعرف سرّ عطرها العجيب."
أغمضت عينيها لحظة، مستسلمةً لتخيّلها، ثم أعادت أنفاسها بهدوء وهي تتابع قلب الصفحات حتى أدركها التعب. عندها أغلقت الكتاب برفق، وضغطت عليه بكفّيها وكأنه كنز يخشى أن يتسرب منه سرّ ما.
لكن فجأة، دوّى طرق خفيف على الباب. ارتجفت، وأسرعت تخبئ الكتاب والصندوق أسفل سريرها بحذر شديد، كأنّها تخبئ سرّ المملكة بأكملها. وقفت للحظة تلتقط أنفاسها، ثم تظاهرت بالهدوء وفتحت الباب.
كانت ماري، وصيفتها المقرّبة، تدخل بخطوات حثيثة تحمل في يدها قطعة قماشية كانت تنوي إصلاحها للأميرة. ابتسمت ابتسامة بريئة وقالت:
— "مولاتي، أردت فقط أن أُريكم أنّ الخيّاطة أنهت إصلاح الفستان الأزرق. لقد صار أجمل ممّا كان."
بادلتها ألكساندرا بابتسامة دافئة لتخفي ارتباكها، ثم اقتربت منها بنبرة هادئة لكنها تحمل أمرًا خفيًا:
— "ماري… أريد منك أن تحضري لي إصيصًا كبيرًا. أودّ أن أزرع فيه الزهور التي أهداني إيّاها الأمير. ستعتنين بها بنفسك، تسقينها كلّ يوم، وتضعينها بجانب زهرة كايلا في الشرفة."
أومأت ماري بخضوعٍ وفضول، دون أن تسأل عن السبب، فيما بقيت الأميرة لحظة تنظر إلى النافذة المسدلة بستائرها الثقيلة، وداخلها شعور أنّ ما تخفيه تحت سريرها ليس مجرد كتاب، بل بداية حكاية أكبر مما تستطيع تخيّله.
لبّت ماري الطلب على الفور، انحنت بخفة وغادرت الغرفة مسرعة، تاركة وراءها هدوءًا غريبًا. ظلّت الأميرة ألكساندرا تراقب خطاها حتى تلاشت، ثم أسرعت نحو سريرها. جثت برشاقة، وأخرجت الكتاب والصندوق. رفعت الكتاب بكل حذر وكأنها ترفع قلبها نفسه، واتجهت نحو خزينة صغيرة مرصّعة بزخارف ذهبية دقيقة، مخبّأة خلف لوحة زيتية كبيرة. أدخلت المفتاح الملكي الخاص بها وأخفت الكتاب بين مجوهراتها وأسرارها الثمينة، حيث لا يجرؤ أحد على لمسه. أما الصندوق، فقد وضعته فوق منضدة زاهية الملمس بجانب الشرفة، ليكون جاهزًا حين تعود ماري.
ثم جلست إلى مكتبها المتوسط الحجم، المنحوت بخشب داكن تتخلّله حواف ذهبية. لم ترد الذهاب إلى مكتبها الملكي الفخم في الطابق السفلي؛ كانت غرفتها أكثر أمانًا الآن. سحبت بعض الرسائل والأوراق الرسمية التي تركها والدها الملك بانتظار مراجعتها، ارتدت نظارات ملكية مذهّبة بأطراف دقيقة مرصّعة باللآلئ الصغيرة، وبدأت تقلّب في السطور بحذر.
بينما كانت تكتب ملاحظاتها بقلم حبر ممهور بختم العائلة، نظرت إلى درج جانبي مغلق. وضعت يدها فوقه لحظة، وتذكرت كتاب القصة الصغيرة التي أهداها إياها الأمير ويليام مع زهرة كايلا. أغمضت عينيها للحظة، تنهدت بعمق، وتردّد في ذهنها صدى قصته الحزينة… ثم أبعدت يدها وأجبرت نفسها على العودة إلى العمل.
لم يطل الوقت حتى عاد صوت طرق خفيف على الباب. دخلت ماري تحمل إصيصًا كبيرًا من الفخار الفاخر، مزيّن بخطوط ذهبية متشابكة تُشبه أغصان كرمة ملكية. تبعتها وصيفتان تحملان أدوات صغيرة للزراعة. انحنين جميعًا باحترام قبل أن يتقدمن نحو الطاولة.
وضعت ماري الصندوق على المنضدة، وفتحت الغطاء بحذر. أخذت الوصيفتان كل وردة من الورود التي أهداها الأمير، واحدة تلو الأخرى، ويداهن ترتجفان كأنهما يحملان جوهرة ثمينة. وضعن كل زهرة في تربة غنية رطبة، كانت تفوح منها رائحة الأرض الطازجة. راحت الأيادي تغطي الجذور بالتراب الناعم، ثم سكبن الماء من إبريق بلوري ببطء، حتى تسرّبت القطرات في عمق التربة، وانعكست أشعة الضوء على الندى المتكوّن.
راقبت الأميرة المشهد بصمت مهيب، وابتسامة رقيقة ترتسم على شفتيها. كان المشهد بسيطًا، لكنه بالنسبة لها أشبه بمراسم مقدسة؛ ورود الأمير تُمنح حياة جديدة بين يديها، لتصبح جزءًا من عالمها.
دوّى طرقٌ هادئ على باب الغرفة، فأذنت الأميرة بالدخول. تقدّم ماتيو كارفال، مستشارها الأمين، يحمل بين يديه مجموعة من السجلات والرسائل مختومة بالشمع الأحمر. كان مهيب الطلّة رغم بساطة ملبسه الداكن، في عينيه ثقة هادئة توحي بالجدّية والانضباط.
— "مولاتي، احضرت سجلات اموال الخزينة الملكية، ايضا... لقد وصلتني رسالة عاجلة من بلدة دالفيورا التابعة لصولاريا. الحاكم المحلي يطلب توجيهاتكم بشأن خلافٍ حول تقسيم موارد المياه بين المزارعين."
رفعت الأميرة بصرها عن الأوراق أمامها، وأشارت له بالاقتراب.
— "دعني أرى الرسالة."
مدّ ماتيو يده بالخطاب، وتابع بصوت هادئ:
— "يبدو أنّ النزاع مرشح للتفاقم، إن لم يُحسم سريعًا. الحاكم يقترح استدعاء وسطاء من العاصمة."
تأملت الأميرة كلمات الخطاب لحظة، ثم وضعت القلم على الورقة وأجابت بثقة:
— "لا داعي لإرسال وسطاء. سأصدر أمرًا بتقسيم الحصص بالتساوي، مع مراقبةٍ شهرية للتأكد من عدالة التنفيذ. أخبر الحاكم أنّ العاصمة تثق بقدرته على ضبط المزارعين… ولكنّ أعينه ستكون تحت أعيننا."
ابتسم ماتيو ابتسامة صغيرة وهو ينحني ثانية:
— "حكمة مولاتي تبعث الطمأنينة، سأهتم بإرسال الرد فورًا."
---
بعدما أنهت الملكة ميريدا طعامها على مهل، نهضت بخطواتٍ واثقة وتوجّهت إلى مكتبها الخاص. جلست أمام الطاولة العريضة، وأمسكت بريشتها الذهبية المغموسة في الحبر الأسود، ثم سحبت ورقة من الرقّ الملكي. لحظة صمتٍ قصيرة سبقت الكلمات، ثم بدأت تخطّ بخطها المهيب:
"إلى جلالة الملكة صوفيا، سيدة سكالفيا"
سلامٌ يليق بمقامك العالي.
أكتب إليك اليوم لأشاركك أمرًا جللًا، وهو الخطوة التي تجمع بين مملكتينا في رباطٍ أوثق، وتفتح أمام شعوبنا عهدًا جديدًا من الاستقرار. إنّ خطوبة ابنتي الأميرة ألكساندرا إلى صاحب السمو الأمير ويليام، نجل سكالفيا البارّ، قد صارت أمرًا لا مفرّ منه ولا تأجيل له.
أقترح أن نحدّد موعدًا قريبًا للاحتفال بالخطوبة، على أن يسبقه أو يتبعه حفلٌ راقص كبير في صالات القصر، يُكرَّم فيه العروسان أمام أعين الشعب والنبلاء، ويُعرَّف الجميع بهذا الرباط الذي سيظلّ شاهدًا على اتحادنا.
أرى أن الحفل يجب أن يحمل طابعًا ملكيًا رسميًا، يليق بالمكانة التي يجمعها هذا الزواج بين صولاريا وسكالفيا، وأن يكون مناسبةً يلتقي فيها الحلفاء والأصدقاء من كل الممالك المجاورة، ليشهدوا على ما بيننا من ميثاق شرفٍ وسلام.
أنتظر ردّك الكريم، ولَكِ أن تحدّدي ما ترينه مناسبًا من وقتٍ لكي ألتقي بسموك و نتناقش الامور سويا، وسنكون على استعدادٍ تامّ لتجهيز كل ما يلزم.
تقبّلي وافر مودّتي،
"الملكة ستراس"
وضعت الريشة جانبًا، نفخت قليلًا على الحبر حتى يجفّ، ثم طوت الرسالة وختمتها بالشمع الأحمر الممهور بخاتم العرش.
رفعت بصرها نحو الخادمة الواقفة قُرب الباب وقالت بنبرة آمرَة:
— "نادوا المرسول، وليتهيأ للسفر إلى سكالفيا حالًا."
أسرعت الخادمة وانحنت ثم خرجت مسرعة. دقائق قليلة حتى عاد المرسول، يلبس حُلّة السفر الثقيلة ويحمل حقيبته الجلدية. تقدّم بخطوات ثابتة وانحنى أمام الملكة.
ناولته الملكة الرسالة وهي تقول بصرامة:
— "إيّاك أن تُهمل هذه الأمانة. هذه الرسالة لا تُسلَّم إلا لجلالة الملكة صوفيا بيدها. هل فهمت؟"
— "أجل يا مولاتي، أفهم تمامًا."
أومأَت برأسها، فأخذ المرسول الرسالة وانطلق في مهمته، بينما ظلت الملكة تنظر خلفه لحظةً بعينيها المليئتين بعزمٍ ملكي.
kawthar1ink