"بَينَ غَابَةٍ و سِوَار...تَتَعقَدُ القُلُوب"

"بَينَ غَابَةٍ و سِوَار...تَتَعقَدُ القُلُوب"

35 0

كانت الشمس تتربّع في كبد السماء، وقد لفّ النور الذهبي أرجاء الحديقة الملكية، متناثرًا على قمم الأشجار العالية كأنها تيجان من لهبٍ رقيق.

والنسيم... آه من النسيم!

كان عليلًا، يداعب أوراق الأغصان كما لو كان شاعرًا يهمس لها ببيتِ غزل، تتراقص معه العصافير بنشوة، وتنثر شدوها على إيقاع الهدوء. رائحة الأرض ندية، والجوّ... نقيّ كصدر محبٍّ صادق، ناعم كحلمٍ يتهادى على وسادة السكون، إنه نهارٌ كُتب للقاء العشّاق، لنزهةٍ تختبر القلوب وتتقصّى النوايا.

خرجت الأميرة ألكساندرا تسير بجانب الأمير ويليام، خطواتهما متوازية، لكن بين كتفيهما مسافة محسوبة، كأنها ترسٌ من كبرياء. كانت تحرص الاميرة ألّا تلامس طرف فستانها أطراف ردائه، أما هو، فكان يرمقها بنظراتٍ خاطفة، يختلس من خلالها صورةً أقرب لامرأةٍ يستحيل فكّ شفرتها كان ينظر إليها بين الفينة والأخرى، عينه تهبط نحوها من علٍ، تراقبها بصمتٍ لاذع.

هل يتكلم؟ أم يظل صامتًا؟ أي كلمة قد تفتح بينهما بابًا؟ أي سكوت قد يوصد نافذةً للأبد؟

قرر الأمير أخيرًا أن يكسر حدة الصمت، وقد باتت الموسيقى الوحيدة المحيطة بهما هي حفيف الأشجار وهمس الطبيعة.

- "إذاً... سموّ الأميرة ألكساندرا،

الجوّ جميل جدًا في صولاريا... الهواء هنا منعش، وكأنه نَفَسُ سلامٍ يُغني عن ألف حوار.

هل دائمًا يكون الطقس على هذه الحال؟"

- "آه، نعم... غالبًا ما يكون كذلك، حتى في العواصف والمطر. سُرعان ما تهدأ السماء، وتُعطّر الأرض برائحتها العذبة، ويتوسّطها قوس قزح كأنّه توقيع رباني على صفحة زرقاء."

ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة، وشعر بأن كلامها يحمل صدقًا غير متوقَّع ...شعر ويليام أن حديثها ليس صدًّا، بل تجاوب متحفّظ. فاغتنم الفرصة، وفكّر: "هذه بداية جيدة لأكتشف نوع الفتاة التي ستكون شريكتي." ثم قال بنبرة مرحة:

- "سماع هذا يجعلني أتشوّق لرؤية المطر هنا...

رغم أنني لا أرجو أن يهطل الآن... ويُفسد علينا هذه اللحظة، هاهاها..."

ضحك ضحكته الساخرة، جعلت الأميرة ترتبك و تخجل ، تنحت بجسدها قليلًا عنه.

قالت في نفسها:

-"يالها من ضحكة مزعجة... رجلٌ أحمق! حسنًا، سأكتشف شخصيته بنفسي."

ثم رفعت رأسها، واستقامت في مشيتها، وقالت بنبرة واثقة فيها ظلّ من التأنيب:

- "بالمناسبة، أيها الأمير الشاب ويليام...

أنا لا أعرف عنك سوى اسمك، وبعض ما يُتداوَل في المجالس.

عرّف عن نفسك."

توقف الأمير قليلًا، نظر إليها، وفي عينيه مزيج من الدهشة والاستفزاز، ثم قال في نفسه:

-"إنها تأمرني فعلًا... يا لها من نبرة! حسنًا، سأعرّف عن نفسي بنفسي."

ثم قال بصوته الرزين، وقد اعتدل في وقفته كمن يلقي بيانًا في محفل:

- "أنا الأمير ويليام، الابن الأكبر للملك ريتشارد والملكة صوفيا من آل فالينار،

وليّ العهد وسليل ملوك سكالفيا العِظام.

أنا وريث القلعة السوداء وسيوفها السبع، درّبتني الحروب، وعلّمتني المآسي كيف أحتفظ بعقلي حين يخسر الآخرون قلوبهم.

أنا من نشأ بين لهيب الخطر، وفي برد القرارات الكبرى.

اسمي لا يُذكر في البلاط إلا مقرونًا بالقوة، ولا يُتداول في المجالس إلا بذكر الحكمة...

وها أنا، أقف أمامكِ، لستُ تاجر كلمات، بل رجل صُنع ليحكم... ويختار."

نظرت إليه الأميرة من رأسه حتى قدميه بنظرة فاحصة، ثم استدارت دون أن تنبس ببنت شفة.

رفع ويليام حاجبًا، ابتسم ابتسامة جانبية ساخرة:

- "هوه...

ألم يكن تعريفي كافيًا؟

هل تودّ سموّ الأميرة... تعريفًا مفصّلًا أكثر؟"

لم ترد، بل تابعت سيرها، وكأن صوته لا يعنيها.

قالت في نفسها:

"ليس وكأني مهتمة..."

شعر بالإهانة، فهو يتكلّم، وهي تتجاهله، ثم تتركه يسير خلفها؟!

قال لنفسه:

"ما الذي تظن نفسها؟ حسنا... لن أكون الطرف المهتم وحدي."

مشى خلفها بخطوات متّزنة، لم يسرع، ولم يتباطأ.

أما ألكساندرا، فقد شعرت للحظة بأنه يتقصّد البقاء وراءها، يراقب خطواتها... أو ربما يخطّط لشيء ما!

التفتت فجأة، فوجدته واقفًا، ينظر ناحية الغابة البعيدة قرب أسوار القصر.

- "تبدو شاردًا، أيها الأمير... فيمَ تنظر؟"

- "آه... لا شيء من ذلك.

فقط كنت أتساءل... هل تلك الغابة تنتمي للقصر؟"

- "بالفعل. يذهب إليها والدي أحيانًا للصيد.

وخلف الأشجار، توجد بحيرة صغيرة... جميلة جدًا، هادئة، غنية بالهواء النقي، وبها أسماك صغيرة لطيفة.

في الليل... ينعكس ضوء القمر والنجوم على سطحها فيُصبح المشهد... ساحرًا."

ظلت تحدّق في البعيد وعيناها تلمعان، فأدرك ويليام أن البحيرة تعني لها شيئًا خاصًا.

- "معذرةً لمقاطعة تأمّلكِ...

لكن، أراكِ تحبين ذلك المكان...

هل لي أن أعرف سبب تعلّقكِ به؟"

فوجئت بسؤاله، وشحب وجهها فجأة.

بدت عليها علامات الحزن والانكسار، وكأن سؤالًا بسيطًا قد أوقظ جرحًا قديمًا.

لكنها تماسكت، واستدارت نحوه دون أن ترفع عينيها:

- "هذا... ليس من شأنك."

تجمّدت ملامحه لحظة.

أيكون قد لمس وترًا حسّاسًا؟

قال لنفسه:

"لعبة صعبة المنال... حسنًا، سأشارككِ لعبتكِ، يا أميرة."

لكن الغضب بدأ يتسرّب إلى عينيه.

"أنا أيضًا مجبر على هذا الزواج... لكن بأيّ حقّ تُخاطبني بتلك النبرة؟"

تابعت الأميرة سيرها، وقد نسيت وجوده خلفها.

كانت تنظر إلى سوارٍ فضي في يدها اليمنى، منقوش عليه بخط دقيق: "وعد".

ضمّت يدها إلى صدرها، أغمضت جفونها، وعضّت شفتها السفلى، ثم واصلت سيرها دون أن تلتفت.

أما ويليام، فكان يحدّق في ظهرها، متأملًا:

- "يبدو أن الجمال ليس كل شيء..."

استدار وعاد في طريقه نحو القصر، بنفس الخطوات الواثقة التي جاء بها.

دخل البلاط، ثم قاعة الطعام.

انحنى أمام الملوك، فبادره الملك ريتشارد:

- "ما بالك يا بني؟ لمَ عدت وحدك؟ أين الأميرة؟"

أجاب ويليام بنبرة هادئة متماسكة، تخفي غضبًا تحت جليد الكرامة:

- "أعتذر على حضوري وحيدًا، جلالتكم.

سموّ الأميرة تابعت سيرها ونسيتني خلفها.

لم تُبدِ رغبة في الحديث، ويبدو أن وجودي سبب لها انزعاجًا... وهذا ما لا أودّ فرضه."

نهض الملك أفريد غاضبًا:

- "يا إلهي... هذه الفتاة العنيدة!

أعتذر عن سلوكها، يا بني. تفضّل، اجلس، لا تبقَ واقفًا."

اما والدتها الملكة ميريدا ، ضغطت على المروحة التي كانت بين يدها بشدة فكسرتها من الغيظ، وقالت في سرّها:

"تلك الطائشة الوقحة... تبا لها!"

جلس ويليام إلى جوار والده، يتناول طعامه بلقمةٍ صامتة، بينما نظرات الملكة صوفيا لا تفارق وجهه.

كانت حزينة... وغاضبة. كيف تتجرّأ فتاة على إحراج ابنها هكذا؟!

"ابني لن يواجه الحرب وحدها... سيواجه هذه الفتاة أولًا."

انتهى الطعام وسط توتر شديد.

الأحاديث صارت فارغة، والضحكات معدومة.

وحين قرر ضيوف سكالفيا الرحيل، دخلت الأميرة ألكساندرا، تلهث.

كانت تركض... قد نسيت الموعد، نسيت الأمير... نسيت الجميع.

وقفت عند باب القاعة، تلتقط أنفاسها، فصادفت الأمير وهو يهمّ بالخروج.

وقف أمامها، ونظر إليها من فوق، بنظرة قاتلة... مليئة بالغضب والتهديد.

لم ينبس بكلمة، لكنه قال بعينيه كل شيء.

ارتجفت، وتجمّدت مكانها.

ثم تقدّم الملكان فالينار نحو الباب، فانحنت لهما الأميرة، واعتذرت:

- "حصل أمر طارئ، جلالتكما...

الخادمة نادتني، قالت انه شيء مهم...

أعتذر عن تأخري."

لم تقل الملكة صوفيا شيئًا.

مرّت بجانبها، وصعدت إلى العربة بصمت.

أما الملك ريتشارد، فاكتفى بتنهيدة طويلة:

- "لا بأس، يا بنيّتي... لا بأس..."

غادر الجميع، والخيول تجرّ العربة الملكية، فيما كان الأمير شامخ الرأس، لا ينظر خلفه، لا ينحني لأحد.

الملك ريشارد والملكه صوفيا اظهر مساندتهما لابنهما وانهما منزعجان للانزعاجه فهم يريدون ايصال رسالة اليهم ... "نحن نحتاج دعمكم لكن ليس على حساب كرامتنا وماء وجهنا"

التفتت الكسندرا للامام ووجدت ابيها الملك أفريد، واقفًا بانتظار ابنته، ونظراته مزيج من الخيبة والغضب.

الملكة ميريدا نظرت إليها وكأنها ستفتك بها.

ثم صرخت بها:

- "أيتها اللعينة!

أهذا ما طلبناه منك؟!

ستندمين على فعلتكِ!"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حب، تاج، سيف(متوفقة)

المؤلف kawthar1ink
2025/08/22 مستمرة
قائمة الفصول (21)
الفصل 1: "قَرَارُ الَعرش"
2025/08/22
الفصل 2: "مَوكِبٌ نَحوَ المَجهُول"
2025/08/22
الفصل 3: "نَظرَةٌ وَاحِدَة كَانت كَافِية"
2025/08/22
الفصل 4: "بَينَ نَظرَةٍ وَ صُندُوق"
2025/08/22
الفصل 5: "بَينَ غَابَةٍ و سِوَار...تَتَعقَدُ القُلُوب"
2025/08/22
الفصل 6: "إِمرَأَتَان....قِصَةٌ وَاحِدَة"
2025/08/22
الفصل 7: "الزَهرَة التِّي اِختَارَت أَلِكسَاندرَا"
2025/08/22
الفصل 8: " العَودَة مِن الرِحلَة الثّقِيلَة"
2025/08/22
الفصل 9: "حِكاية فِينَاند: عشقٌ أم لعنـة؟"
2025/08/22
الفصل 10: "هديّة من الشمال، وموعد مع الحقيقة"
2025/08/22
الفصل 11: \"سِفر الأسرار المَلَكيَة\"
2025/08/24
الفصل 12: "حُضُورٌ مُفَاجِئ"
2025/08/29
الفصل 13: "عِطرٌ و سِتَةُ زُهُور"
2025/09/04
الفصل 14: "نَبَضَاتُ صَمتٍ بَينَ القُلُوب"
2025/09/17
الفصل 15: "مُفتَرَقُ طُرُق"
2025/09/17
الفصل 16: "بِدَايَةٌ جَدِيدَة"
2025/09/17
الفصل 17: "إرتِجَافُ القَلبِ الأَوَل"
2025/10/17
الفصل 19: "رِسَالَة مِن بَينِ الظِلَال"
2025/11/06
الفصل 20: "قِصَةُ حُبٍ لا مَكَانَ لَهَا"
2025/12/01
الفصل 21: "أُسبُوعٌ وَاحِد"
2025/12/22
الفصل 22: \"عَدٌ تَنَازُلِيٌّ لِلقَلب\"
2025/12/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة