\"سِفر الأسرار المَلَكيَة\"

\"سِفر الأسرار المَلَكيَة\"

27 0

      دخلت الخادمة بخطوات وئيدة إلى غرفة الأمير بعد أن أُذن لها، تحمل صينية فضية يعلوها كوبان من الشاي الساخن، تفوح منه رائحة الأعشاب العطرة. وضعت كل كأسٍ أمام صاحبه على الطاولة المصقولة، ثم انحنت في خشوع وتراجعت بخفة، قبل أن تغلق الباب وراءها بهدوء مطبق.

      رفع الأمير ويليام الكوب بين يديه، تأمل البخار المتصاعد منه لحظة، ثم ارتشف رشفة صغيرة وأردف بصوت خفيض يحمل وقاراً:

— "هل بلغك ما يجري في سكالفيا هذه الأيام؟"

تجمدت ملامح فيليب دهشة، ثم ردّ سريعاً وهو يحدق فيه:

— "لا علم لي يا ويليام، إلا بما تُطلعني عليه الآن."

تنهد ويليام ببطء، كأنه يثقل على كلماته:

— "مملكة رولينسيا نقضت معاهدة السلام التي لم يمضِ عليها سوى خمس سنوات، وجحدت كل الشراكات التي عقدناها. لقد ضمّت إلى صفوفها ممالك آل فاشر، ودول الجنوب الكبرى، بل وحتى إقليم غاليمور الحيادي… رولينسيا اليوم صارت قوةً لا يُستهان بها، وحصلت على الدعم الكافي لتفكر في سحقنا."

ظل فيليب يحدق في صديقه بدهشة، حتى فرغ الأخير من كلامه، ثم قال بنبرة مشوبة بالغضب:

— "عجباً! ما الذي دفعهم لهذا الانقلاب المفاجئ؟! وكيف لغاليمور أن تنخرط في هذا؟ إنهم بالكاد يرسلون ممثلاً واحداً إلى الولائم الملكية، ودائماً ما تشبثوا بالحياد!"

خفض ويليام بصره قليلاً، ثم أجابه:

— "أعلم… لكن إقليم غاليمور يسيطر على الغابات السحرية العظمى، حيث تعجّ آلاف المخلوقات والوحوش والجن. أخشى أن يلجأوا إلى إطلاقها علينا كسلاح."

ضرب فيليب الطاولة بقبضته، وصاح محتداً:

— "ولماذا لم تُطلعني على هذا من قبل؟! لقد خيّبت أملي!"

تجلّى شيء من الألم في عيني ويليام، ثم أجابه بهدوء ممزوج بالصرامة:

— "صدقني… لم يمضِ يومٌ إلا وكنت مشغولاً بهذه الكارثة. زد على ذلك أن والدي رأى في الأمر سرّاً لا ينبغي أن يُذاع لئلا يعمّ الذعر في المملكة. سكالفيا ثاني أقوى مملكة في هذا العالم، ولذا يجري الإعداد لجيش عظيم ينهض إلى المواجهة."

أطرق فيليب لحظة، ثم رفع رأسه بصلابة وقال بصوتٍ يقطر إخلاصاً:

— "ويليام… لا أعلم بعد ما هي الحلول، لكني أقسم أني سأقاتل إلى جوارك. هؤلاء الخونة لن ينالوا من إخوتي ما حييت! إن كانت مملكتك الثانية قوةً، فمملكتي الرابعة، ولن أسمح أن تُهان أمامهم!"

تبددت قسوة ملامح ويليام، وأومأ إليه بامتنان، ثم قال بصوت أخفض:

— "شكراً لك يا فيليب… غير أن هناك ما هو أبعد من هذا، فدعني أتم."

أشار فيليب بيده إشارة إجازة، وقال بنبرة حازمة:

— "تفضل."

وضع ويليام الكوب جانباً وقد برد الشاي، ثم شبك أصابعه متفكراً قبل أن يتحدث:

— "لقد وضع والداي خطة لكسب دعم مملكة صولاريا… وذلك بتزويجي من ابنتهم، الأميرة ألكساندرا."

ارتجفت أنفاس فيليب للحظة، وسبق لسانه دون قصد:

— "هل أنت جاد؟!"

تسمرت نظرات ويليام عليه ببرودٍ نافذ، ثم قال بصرامة:

— "نعم. ولماذا؟ هل تعرفها؟"

ارتبك فيليب، وردّ متلعثماً:

— "لا… لا شيء من ذلك."

لم يغب ارتباكه عن عينَي ويليام الذي ظل يراقب ملامحه بإمعان، قبل أن يترك الأمر قائلاً:

— "حسناً إذاً…"

نهض بعدها، نفض سترته بعناية، وقال آمراً:

— "تعال معي."

     مرّر فيليب أصابعه بين خصلات شعره الأبيض اللامع تحت ضوء الشمس المتسرب من النافذة، ثم خلع معطفه وألقاه فوق الأريكة، ونهض ليلحق بصديقه. وقف الاثنان أمام المكتب العريض، حيث امتدت خريطة ضخمة فوق سطحه. استند ويليام بيده إلى طرف الطاولة، ثم مد سبابته المثقلة بخاتم أحمر قانٍ، وأشار بثبات إلى مواضع بعينها، قائلاً بنبرة جادة وحازمة:

— "الآن… سأحدد لك الممالك التي تقف ضدنا، وتلك التي لا تزال معنا.

لنبدأ حسب تصنيفات القوى..."

قال ويليام بصوت متزن وهو يمرر يده فوق أطراف الخريطة، ثم أشار إلى الدائرة الذهبية التي تتوسطها:

— "أولًا: مملكة صولاريا، التي لا يجرؤ أحد أن ينكر سيادتها. إنها المملكة العظمى، ولقبها الذي يليق بها هو قلب النور. هي مصدر المعادن النادرة والذهب الخام الذي يغذي عروش بقية الممالك. يُقال إن الشمس نفسها لا تشرق إلا بفضل قلبها المتوهج؛ تلك الكريستالة الذهبية العملاقة المدفونة في قصرها الملكي، والتي يسميها الجميع: قلب صولاريا."

تنفس فيليب ببطء، بينما يتابع ويليام:

— "جيشها يعرف بـ فرسان الفجر، دروعهم اللامعة تُعمِي خصومهم قبل أن تضربهم السيوف. أما معابدها، فهي أعمدة شامخة، حيث يتعلم الشعب فيها و الاطباء فنون الشفاء والنقاء. أسلحتهم مصنوعة من الفولاذ الشمسي، ذلك المعدن الذي يذيب كل ما يواجهه. حتى دماء ملوكها... يقال إنها تلمع بلون ذهبي عند سقوطها، كأنها قطرات من نور."

سكت لحظة، وكأنما ليزيد من وقع كلماته، ثم أضاف بنبرة أعمق:

— "لكن ما يجعل صولاريا حقًا فوق الجميع هو ما تحمله من أسرار. ففي لحظات الحرب الكبرى، يمكن لملوكها أن يستدعوا الملاك الحارسة إيليانثوس... امرأة من نور بأجنحة ذهبية عملاقة، تبسط جناحيها لتشكّل درعًا سماويًا يغطي المملكة كلها. قيل إن صدى صوتها في ساحة القتال يكفي لتحطيم أسلحة الأعداء قبل أن تمسّ جنودها."

تجمدت يد ويليام فوق الخريطة وهو يختم بصرامة:

— "ولم نصل بعد إلى أسطورتها الأشدّ مهابة: سولاريس ريكس، الأسد المقدّس. وحش مهيب، جلده من لهب ذهبي وعيناه كشمسين، يُقال إن زئيره يوقظ البراكين، وإنه يتغذى على النور ذاته. لا يظهر إلا حين تهتز عروش صولاريا، لكنه إذا اندفع، تحوّل ساحة القتال إلى محيط من نار وضوء، لا يترك خلفه سوى أرض مصهورة."

ثم أردف ، وصوته يختلط بثقل التردد:

— "إضافةً إلى قرار الزواج من ابنة صولاريا، ذاك القرار الذي ما يزال قائمًا، إلا أن قلبي لا يرضاه ولا أُحبّذه."

صمت قليلا، تنهد و استرجع انفاسه ثم قال:

— "ثانيًا… سكالفيا، مملكتي. تلك الأرض التي لم تُبنَ على الدم وحده، بل على الحكمة المغروسة في عروقها كالأشجار العتيقة. إننا أقوياء، كما تعلم، فقد جمع أعداؤنا الجيوش والعتاد من كل مكان على الأرض، وحتى آل فاشر الذين كانوا يومًا حلفاءنا، خانوا عهدهم واتحدوا مع رولنسيا ضدنا. لكن سكالفيا ليست كسائر الممالك؛ قوتها عريقة بالعلم، لا ينفد سحرها من مكتباتها وحدائقها. في قلبها زهرة كايلا، حامية الروح التي تتحول إلى درع حيّ لمن يجرؤ على لمسها، وفي مكتبتها العظمى ينام "سِفر نيلوس"، الكتاب المحرّم الذي يضم أسرار الخلق والتعاويذ المحرمة القوية التي كانت يعتمد عليها سون شيراك. جيشها يُدعى حماة الغابة، محاربون يتعايشون مع النباتات السحرية ويختفون بين الأشجار كأنهم ظلال لا تُدركها العين، تحفّهم فراشات أورا التي تمتص السموم من دمائهم وتحوّلها إلى طاقة شافية. وحتى أشجارها ليست جمادًا، بل أرواح يقظة، شجر الحماة، التي تنهض كجبابرة خشب وصخر حين يُهدَّد كيان المملكة.

     وليس هذا فحسب… فهناك ما لا يراه إلا الملوك. أيل الروح "سيرافين"، مخلوق ورديّ الجسد، قرمزيّ القرون، لا يظهر إلا عند الشدائد. هو الحارس الأزليّ لمسالك الأرواح، بوابات خفيّة بين الغابات، لا يفتحها إلا للملوك الذين يستحقون العبور. تلك المسالك تحرس "جذر إيلونا"، الشجرة الأزلية التي تعود إلى بداية الخليقة. جذورها تربط أراضي المملكة كلّها، وإن قُطعت يومًا، ذبلت سكالفيا واختفت من الوجود.

     ونحن… نحن نحمي جذر إيلونا في تلك المسالك المخفية، حيث تسكن سلالة الأيل، بقيادة سيرافين نفسه، كحراس أبديين للسرّ الذي لا ينبغي أن يُمسّ. تلك هي سكالفيا… قلب الغابة وعصب العالم؛ إن سقطت جذورنا، مات الكون من بعدنا."

ارتشف ويليام من كأس النبيذ الموضوع إلى جوار الوعاء، ثم أكمل بنبرة هادئة مشوبة بالجدية:

— "ثالثًا… سيلاويند، تلك المملكة التي تُعَدّ ثالثة من حيث القوة في جميع المجالات، وهي بالفعل حليفة لنا بحكم زواج عمتي إيزولدا كارستين مونتروز من ملكها، سيغفريد فالينور مونتروز الرابع. لكن، كما تعلم، عمتي امرأة قاسية حديدية الإرادة، رفضت أن تُورّط زوجها في شأنٍ لا يخصهم، وادّعت أنها تحمي سلام بلادها. لا حيلة لوالدي أمام عنادها. لقد أنجبت خمسة أمراء وثلاث بنات، وعائلتها لن ينقصها الدعم يومًا… إنها أنانية إلى حدٍ يفوق الوصف."

قهقه فيليب فجأة مقاطعًا جديّة صديقه:

— "هاها! لا زلتُ أذكر جيّدًا كيف كانت تشدك من أذنك وتعاقبك لمجرد أنك ترفض قضاء الوقت مع ابنَيها جوزيف وغابريال، بينما تهرب إليّ لتتمرن على الفروسية!"

رفع ويليام يده إلى جبينه متنهدًا:

— "جوزيف وغابريال هادئان جدًا، لا مرح عندهما ولا روح… كنتُ أشعر أنني أسجن نفسي إن جلستُ معهما.بفضلهما أكملت مئة كتاب في أسبوع واحد!"

انفجر فيليب ضاحكًا حتى شدّ على بطنه وقال:

— "وتستحق ذلك عقابًا عادلًا!"

ابتسم ويليام للحظة، ثم استقام في جلسته حمحم قليلًا، فعاد فيليب ليبتلع ضحكاته ويُصغي باهتمام. تابع ويليام كلامه بجدية أكبر:

— "رغم تحفظ عمتي، لا يمكن إنكار أن سيلاويند تحمل لقبًا تهتز له الممالك: زئير العاصفة. لديهم قوة السيطرة على الرياح والرماد، يحوّلونها إلى أسلحة مميتة في ساحات القتال. فرسانهم، المعروفون بفرسان العاصفة، لديهم أسلحة عجيبة تسمى بنادق الإعصار، تُطلق رصاصات هوائية تمزّق الحديد ذاته. وتحت جبالهم، يخفون مخازن سرية من البارود الأسود والرماد السحري."

ارتسمت على ملامحه لمحة إعجاب وهو يخفض صوته:

— "أما مخلوقاتهم، فحديث آخر… غيلان الغبار التي تظهر وسط المعارك فتربك العدو، تخدره قليلا... وتختفي كالأشباح، والعناكب الريحية التي تنسج خيوطًا غير مرئية تحمي أبراجهم من السقوط. لكن الأسطورة الأعظم تقول إن من يملك بندقية الاعصار، يستطيع أن يُسقط السماء ذاتها على الأرض."

سكت لحظة، قبل أن يرفع كأسه ببطء ويتمتم:

— "ثم تأتي الجوهرة الأندر في ملكهم… خيل أسترافال. تلك الأحصنة السماوية وُلدت من زبد الغيوم ومن أولى عواصف الرعد. أجسادها رمادية عليها بريق، عيونها كالبرق الأزرق، وأجنحتها شفافة كأنها ريش الرياح. لا يجرؤ على امتطائها إلا من اختير بالدم الملكي، أو من أثبت ولاءه المطلق للمملكة."

أمال رأسه إلى الخلف وتابع وكأنه يصف مشهدًا شاهده بعينيه:

— "حين تنطلق أسترافال، يلتف الهواء حولها وتترك خلفها خطوطًا من برق فضي يشق السماء. سرعتها تضاهي الصواعق، ويُقال إنها قادرة على عبور الممالك الخمس في ليلة واحدة. وفي أوقات الحرب، يُطلق سرب فرسان السماء من أعالي أبراج سيلاويند، فيغمرون الأعداء بوابل من السهام الممزوجة بالريح، ثم يختفون بين الغيوم كأنهم لم يكونوا قط."

نظر فيليب إلى صديقه وقد ارتسمت على وجهه مزيج من الدهشة والقلق، ثم قال بصوت خافت:

— "حقًا… ليست سيلاويند مملكة يمكن الاستهانة بها."

وهنا وصل الحديث إلى مملكة فيليب… رابعا، كلاوديا.

— "أنتم بالفعل أقوياء جدًا،"

قال ويليام وهو يركز نظره في صديقه:

"وسلطتكم بامتلاك ذئاب مورفاليس في الشمال أمر جلل، فهي الحامية لكم ومصدر استمرارية السلام في مملكتكم. ومعها باقي الكائنات؛ الدببة المتوحشة التي تحرس الحدود بوحشية لا تعرف الرحمة، وطيور ألكافيا التي لا تغفل ولا تنام عن المراقبة."

رفع فيليب يده مقاطعًا، وصوته يملأ القاعة بثقةٍ مشوبة بالرهبة:

— "ضف على ذلك سحرة جبل مايا… لا يعرفون معنى الضعف أو التردد. إنهم أخطر مما تظن، يتقنون السحر الأبيض والأسود معًا، ويغزلون الثلج كما يغزل النجار خشبه. ثم ورقتانا الرابحتان؛ هجين الغرافينتور… وتنين داركوريس."

سكت لحظة، وكأنما ترك لهيبة الاسم أن تتردد في أرجاء الجدران، قبل أن يواصل:

— "الغرافينتور، ذلك الهجين السماوي… نصف نمرٍ جبليٍ ضخم، ونصف عقابٍ سماوي، أجنحته الفضية المترامية، ومخالبه الحادة تمزق الحديد والفولاذ. رأسه يجمع بين القوة والفراسة؛ عينان زمرديتان تلمعان تحت القمر، ومنقار حاد كالخنجر. هو أسرع من الريح حين يطير، وأشرس من عشرة دببة عند القتال. نحن نمتلك خمسة منه فقط، إذ يتكاثر بصعوبة بالغة، لكنه يبقى فخر كلاوديا."

ثم مال للأمام، وعيناه تضيقان وكأنه يوشك أن يطلق سرًّا لم يُقَل من قبل:

— "أما داركوريس… روح كلاوديا ذاتها. تنين ظل القمر. مخلوق بحجم الجبل الأكبر، ينام في شقوق جبل مايا، متغطّيًا بالثلوج والظلال. يتنفس نيرانًا داكنة ليست مجرد لهب… بل مزيج من الرماد والشرر والدخان، يحرق ويخنق ويطغى معًا. جناحاه وحدهما، أوسع من أي قصر ملكي، ورفرفته تكفي لإسقاط عشرات الفرسان من صهوات خيولهم. يُقال إنه لم يُولد من رحم الطبيعة، بل وُلد حين اصطدمت الثلوج السماوية بنيران الجحيم… ومن جوف ذلك الصراع، خرج من قلب الجبل، مغلفًا بحراشف سوداء كالليل تعكس ضوءًا أبيض… كأنه مزيج الظل والنور، وحقًا: روح كلاوديا."

ظل ويليام محدقًا بفيليب، وقد سرت رعشة في عروقه، وقال بصوت خافت متنهّد:

— "شكرًا للرب أن صديقي معي لا ضدي..."

ثم تساءل بعينين متسعتين:

— "كيف امتلكتم هذين المخلوقين السماويين؟"

ابتسم فيليب ابتسامةً عريضة، وعاد ليستند على كرسيه كأنه يسترجع مجد أجداده:

— "بالنسبة للغرافينتور… كان أول ملوك كلاوديا، أحد أجدادي، قد روّض واحدًا بدمائه مقابل وفائه له. جدي أحضر له أنثى ليضمن التكاثر. لكن الحمل يستغرق سنتين، وصغيرها لا ينمو سوى شبر كل ثلاث سنوات… لذا فإن تكاثرها شبه مستحيل. مات أول غرافينتور حين حاول السحرة تسريع نسله بالتجارب، فثار جدي وأعدمهم جميعًا في المقصلة. منذ ذلك اليوم ونحن نعتني بهم كأعظم ما نملك. أما داركوريس… فلم يأتِ من الطبيعة. إنه وُلد من تصادم السماء والجحيم. حين انشقت قمة جبل كلاوديا بالنار والثلج، خرج منها، أسطورة حيّة، باقٍ ما بقيت المملكة."

جلس فيليب مستقيمًا، وعيناه تشعّان فخرًا. رفع يده قليلًا وهو يضيف:

— "نحن، مملكة كلاوديا… لقبنا الظل الأبيض. أعظم مزيج بين السحر والكائنات المفترسة. لا يقهرنا أحد."

جلس ويليام كذلك باستقامة، يركز على كل كلمة خرجت من فم صديقه، ثم أشار له بيده:

— "حسنًا إذًا... سأكمل."

خامسًا، وأخيرًا… تلك المملكة اللعينة، رولينسيا المخادعة الخائنة."

زمجر ويليام بعينيه كأن الشر قد انعكس فيهما، وتنهد طويلًا قبل أن يتابع:

— "وجودهم في ذيل القائمة يجعلهم غاضبين، يودّون سحقنا كي يرفعوا مرتبتهم. لم يدركوا بعد أن سكالفيا لم تُكتب ثانيًا عبثًا. لذلك جمعوا حولهم أقوى البلدان والممالك من القائمة الثانية، حشودًا من الطامعين، ولهذا أراد والدي التحالف مع صولاريا… احتياطًا فقط. إن إعلان اتحادنا مع الإمبراطورية الأولى سيبثّ الرعب في عرين رولينسيا، ويكسر شوكتهم قبل أن يتجرؤوا على الاقتراب."

ثم خفَض صوته قليلًا، كأن ذكرها يثقل صدره:

— "رولينسيا… تُلقّب بـ تاج السم. لا يقاتلون بحدّ السيوف بل بجمالهم الخادع وسحرهم الأخضر. هم بارعون في تحضير السموم والمستخلصات القاتلة، ويعرفون أسرار الزواحف والنباتات السامة كما نعرف نحن جذور غاباتنا. جيشهم يُدعى الزواحف الحديدية، رجال يسيرون مع أفاعٍ عملاقة خضراء غامقة اللون او بنية ترافقهم في الحرب تدعى بالأفاعي المارقة تقودها تاروليث، تنفث السم على خصومهم حتى يذوب لحمهم. قلعتهم مظلمة، تحيط بها برك خضراء قاتمة، من يشرب منها يُصاب بجنون الظلال، لا يعود يفرق بين عدو وحليف ويصاب بالجنون."

شدّ قبضته على مقبض كرسيه وأردف:

— "سبب خيانتهم ليس غامضًا يا فيليب… لقد اكتشفوا زهرة الأبديّة في أراضينا، في قلب سكالفيا. زهرة تمنح الخلود لمن يتغذى من رحيقها، وجعلتهم يطمعون أن يكونوا مهيمنين وخالدين، أن يسلبوا سرّ البقاء من أرضنا. إنهم مرتبطون بالليل أكثر من النهار. طائرهم المقدّس بومة الغسق بعينيها الخضراء النارية تكشف الخداع وترى في الظلام. ملوكهم لا يعرفون النوم، يتغذّون على طاقة القمر، يتنفسون المكر والخداع أكثر من المواجهة المباشرة."

رفع رأسه أخيرًا، عينيه تتقدان بحدة:

— "تذكّر هذا يا فيليب… رولينسيا لا تحارب بجيشها فقط، بل بسمّها، بظلامها، وبأوهامها. ولهذا، فهي أخطر من أن نستخفّ بها."

     ساد صمت ثقيل بعد كلمات ويليام المزمجرة، حتى بدت أشعة الشمس من النافذة كانها تلتهم الصمت وحده. نظر فيليب إلى صديقه بوجه متوتر، عيناه تحملان مزيجًا من الدهشة والخوف واليقين. رفع يده إلى صدغه كمن يحاول لملمة فكرة لم تكتمل بعد، ثم قال بصوت خافت:

— "إذن… نحن على مشارف حرب لا تُشبه أية حرب عرفناها من قبل."

توقف لحظة، ابتلع ريقه، وحدّق في عيني ويليام بنظرة عميقة امتزج فيها الولاء بالقلق:

— "لكن أخبرني يا صديقي… هل والدك مستعد حقًا لدفع ابنه في فم هذا القدر المظلم؟ وهل نحن… قادرون على مواجهة كل هذا بمفردنا؟"

     لم يجب ويليام على الفور، بل اكتفى بزمّ شفتيه والنظر إلى النافذة حيث سطعت الشمس وسط السماء، كأن جوابه مؤجل للفصل القادم.

تابعوني على الانستا لمزيد من التحديثات و المعلومات:

@storiesbynoha

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حب، تاج، سيف(متوفقة)

المؤلف kawthar1ink
2025/08/22 مستمرة
قائمة الفصول (21)
الفصل 1: "قَرَارُ الَعرش"
2025/08/22
الفصل 2: "مَوكِبٌ نَحوَ المَجهُول"
2025/08/22
الفصل 3: "نَظرَةٌ وَاحِدَة كَانت كَافِية"
2025/08/22
الفصل 4: "بَينَ نَظرَةٍ وَ صُندُوق"
2025/08/22
الفصل 5: "بَينَ غَابَةٍ و سِوَار...تَتَعقَدُ القُلُوب"
2025/08/22
الفصل 6: "إِمرَأَتَان....قِصَةٌ وَاحِدَة"
2025/08/22
الفصل 7: "الزَهرَة التِّي اِختَارَت أَلِكسَاندرَا"
2025/08/22
الفصل 8: " العَودَة مِن الرِحلَة الثّقِيلَة"
2025/08/22
الفصل 9: "حِكاية فِينَاند: عشقٌ أم لعنـة؟"
2025/08/22
الفصل 10: "هديّة من الشمال، وموعد مع الحقيقة"
2025/08/22
الفصل 11: \"سِفر الأسرار المَلَكيَة\"
2025/08/24
الفصل 12: "حُضُورٌ مُفَاجِئ"
2025/08/29
الفصل 13: "عِطرٌ و سِتَةُ زُهُور"
2025/09/04
الفصل 14: "نَبَضَاتُ صَمتٍ بَينَ القُلُوب"
2025/09/17
الفصل 15: "مُفتَرَقُ طُرُق"
2025/09/17
الفصل 16: "بِدَايَةٌ جَدِيدَة"
2025/09/17
الفصل 17: "إرتِجَافُ القَلبِ الأَوَل"
2025/10/17
الفصل 19: "رِسَالَة مِن بَينِ الظِلَال"
2025/11/06
الفصل 20: "قِصَةُ حُبٍ لا مَكَانَ لَهَا"
2025/12/01
الفصل 21: "أُسبُوعٌ وَاحِد"
2025/12/22
الفصل 22: \"عَدٌ تَنَازُلِيٌّ لِلقَلب\"
2025/12/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة