الفصل الأول "حج مبرور"

الفصل الأول "حج مبرور"

54 3

أَنستُ أيامكَ إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياته بمفرده يحتاج لمَن يؤنسُه  ويشد من أزره.. بكَ يا أنيس الروح أَنسى وبكَ أُنسي ________________________ ذات يوم مشرق في حي من الأحياء الراقية نجد بيت يتكون من خمسة طوابق مُزين بأنوار الاحتفالات ونلاحظ أشخاص  تدلف إلى هذا المنزل وهم محملين بصناديق من المشروبات تلائم الأجواء السعيدة قاطع العمل صوت فتاة تتحرك بسرعة بصوت يملؤه اللهفة قائلةً : _جدو جه يا ماما يا بابا جدو وعمو" سعيد" جم يالا ما إن تشدقت بكلماتها حتى أسرع الجميع في الهرولة للخارج، فقد عاد الحاج رؤوف كبير عائلته ومنطقته فهو يحظى على مكانة خاصة في قلوب الجميع لحسن أخلاقه ومساعدته للكل. كان في الوقت ذاته نزل من العربة" الحاج رؤوف" بجلبابه الأبيض ومسبحته التي لا يستغنى عنها أبدا وبجانبه ولده الأكبر سعيد فقد أصر علي استقبال والده من المطار بعد أداء مناسك الحج وترك الجميع يعمل على قدم وساق حتي يستقبلوا الحبيب الغائب كان اول من هرول إليه واستقبله الحفيد الاكبر وابن سعيد الوحيد" منذر" والذي يحظىٰ بمكانة غالية عند جده والجميع إن صح القول، ما إن وقف أمامه حتي ارتمى بشوق بالغ في أحضانه واخذ يقبل يده ورأسه وهو يقول بصوت ملئ بالشوق والفرحة : _ حمدلله على السلامه يا جدي حج مبرور وذنب مغفور ربنا يتقبل يارب ربت رؤوف علي كتفه بمحبة خالصة وهو يبتسم بحنو وقبل ان يرد عليه وجد ابنه الصغير" سمير" يندفع إليه بشكل ينافي هيبته ووقاره المعتادين فكيف لا يتخلى عنهم ووالده الحبيب أمامه بعد أيام عجاف بدونه : _ حمد الله على سلامتك يا حاج البيت نور والدنيا كلها والله انهي كلماته وهو ينحني باحترام مُقبّلاً كف والده الذي اخذ يمسح علي رأسه بحنو فهو ابنه الأصغر لا يمتلك أغلى منه هو وأخيه سعيد وأصبح يضاهيهم في المكانة أحفاده الأعزاء _ خلاص كله حضن جدو وانا اللي قولت لكم أصلا كان ممكن اسلم واسيبه يطلع معايا ومحدش يحس تشدق بهذة الكلمات الحفيدة الصغرى" مريم" وابنة العائلة الوحيدة فهي تمثل الجنس اللطيف في هذة العائلة تقدم منها جدها وهو يضحك على حبيبته واحتضنها وهو يُقبل رأسها قائلاً : _ ده أنا مليش غيرك يا غالية حتى أسأليهم كدة ثم نظر إليهم قائلاً بمشاكسةٍ : _ ولا ايه رأيكم يا رجالة؟! ابتسم الجميع عليهم ثم تقدم منهم "سمير" آخذاً ابنته أسفل ذراعه بحماية وهو يتحرك بها يتبعه الجميع قائلاً : _ملناش بركه الا هي يابا، تعالى بس نخش جوا هالة عامله لك فتة فاتتك دي اول يوم العيد دلفوا الي المنزل وتوجهوا الي الطابق الأول حيث يقبع منزل الجد وكان في استقبالهم" هالة" زوجة سمير بابتسامة بشوشة كعادتها وهي تحمل رضيعها وما إن رأت الجميع مُقبل عليها وفي المقدمة رؤوف حتي اتسعت ابتسامتها قائلةً بفرحة وحُب : _حمد الله على السلامة يا بابا وشك منور تبارك الله بعد أن اختتمت قولها انحنت تُقبل يده بتقدير فربت على رأسها ثم حمل الصغير بين يديه يقبله هو الآخر عندما وجده يمد إليه يده يدعوه لحمله وعندما دلف من الباب قبّل رأسها تلك المرة فهي بمثابة ابنته ثم قال بحُب أبوي خالص:  _الله يسلمك يا بنتي ويسلم وقفتك دي قبل أن تُهِّم بالرد سحب الصغير لحية جده فقهقه عليه يُقبل يده قائلاً وهو يتحرك للداخل وهو يداعب الصغير : _الواد معاذ الزقرد ده عامل معاكي ايه؟! ردت عليه بابتسامة حنونة وهي تجلس مقابلةً له بجوار زوجها وابنتها قائلةً : _والله يا بابا شقي اوي بس الحمد لله ربنا يهديه ويبارك فيه.. المهم طمني رحلتك عاملة ايه و حسيت بأيه اول ما شوفت الكعبة قاطعها "سعيد" وهو مبتسم وقال بصوت مرحٍ : _انا بصراحة بقول بعد الريحة الحلوة اللي مسمعة دي في نغشيشي ناكل الأول وبعدين نسمع منه ولا ايه رأيك يابا ايده والده بقوله وهو يتحدث بابتسامة هادئةً قائلاً بوقار ونبرة اعربت عن شوق كبير: _ماشي كلامك يا ابو السعد بعد اذنك يا بنتي ناكل واحكي لك علي رواقة واحنا بنشرب الشاي لأحسن الشعور ده ميتوصفش بكلام نهضت على الفور بلهفة ودلفت الي المطبخ يعقبها ابنتها بعدما أخذت صغيرها تعطيه لأبيه حتى لا يُجهد جده وقالت بحُب : _عيوني يا حاج ليك انت وابو منذر ثواني والاكل يجهز بعد الانتهاء من اعداد الطاولة جلس الجميع واخذ يعلو صوت المرح ومشاغبة" مريم" للجميع وضحكات الجد السعيدة بهذا التجمع انهوا طعامهم و اخذ الجميع يساعد حتى انتهي العمل بعدما تعاونوا وخرجت" هالة " من المطبخ وهي تحمل اكواب الشاي الساخنة وجلست بجانب ابنتها التي تحمل اخيها قائلةً : _احكي بقى يا بابا انا متشوقة اوي اوي يارب اوعدنا حلم عمري اروح واتدفن هناك بمجرد ان انهت كلماتها حتي تحدثت" مريم " بنبرة سريعة تراجع أمها في قولها : _ متقوليش كدة يا ماما ربنا يبارك في عمرك ويديكي طولة العمر وحسن العمل يارب أمن الجميع علي دعائها ولم ترد عليها أمها بل رد جدها بنبرة رخيمة هادئة وهو يبتسم بوقار : - تعرفي يا بت يا مريم اهي دي كانت دعوتي المكان هناك حتة من الجنة تحس ان قلبك بينتفض من مكانه تتمني انك تقضي الباقي من عمرك قدامك هناك في الحرم قدامك الكعبة تتعبدي لله مش شاغلك حاجة غير ربك أمور الدنيا دي مش في بالك، سبحان الله ربك بيقول : " إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِى حَرَّمَهَا" _ يعني مكة التي عظم الله حرمتها أي: جعلها حرما آمنا لا يسفَك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر، انتي متخيلة الأمان اللي بتحسيه هناك انتي قاعدة فين متخيلة إن المكان اللي واقفة تصلي ليه ممكن يبقا هو المكان اللي صلى فيه حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم ممكن يبقا المكان اللي كان بيرتل القرآن فيه على الكفار والله يا بنتي الشعور ده تاني وادفع ما املك ربنا رزقكم زيارة بيته يارب وما يحرمني من اللمة الحلوة دي أمن الجميع علي كلامه بنبرة يشوبها التأثر واستمرت السهرة ما بين حديث عن سير العمل واخرى مرحة بين منذر ومريم مع الجد حتي انقضت علي خير وكل توجه الي مسكنه حيث يقبع "سعيد" في الطابق الثاني مع ولده "منذر" حيث يسكنان بمفردهما فقد توفت والدة منذر منذ ان كان عمره خمس سنوات في حادثة سيارة والآن هو في منتصف العشرين يعمل مع ابيه وعمه في تجارة الملابس بعدما تخرج من كلية الزراعة وفي الطابق الثالث يقبع "سمير" مع أسرته المكونة من" هالة" زوجته وابنته" مريم " البالغة من العمر الثامنة عشر فهي في الصف الثالث الثانوي فهي انهت امتحاناتها قبل يوم واحد من قدوم الجد من الإحرام وحلمها ان تدلف الي كلية العلوم فهي تعشق الكيمياء والصغير "معاذ" التي لا يتجاوز عمره الستة أشهر فقد كان مثل صاعقة عندما علمت والدته انها تحمل طفل فقد اخبرها الطبيب بصعوبة الإنجاب مرة اخري بعد ولادة ابنتها وحينما علمت حمدت ربها ولم تتوقع كرم ربها بعد طول هذه السنوات ____________________ بعد مرور شهر تقريبا وها قد حان موعد اعلان نتيجة الثانوية العامة و في هذة الليلة لم تنم مريم وأخذت تارة تتضرع لربها وتارة تحتضن أبيها بخوف حتي اتي الصباح وكان الجميع متجمع في منزل الجد بلا استثناء _ ها يا منذر فتح ولا لسه؟! كان صوت "مريم" المرتعش وهي تتحرك ذهابا وايابا امامه وعلامات القلق والتوتر تسود عليها وعلى معالم وجهها _ يا بنتي اهدي خيلتيني وبعدين خير ان شاء الله انتي عملتي اللي عليكي وده كرم ربنا ليكي اهدي كدة وافتكري جملة انا عند ظن عبدي بي.. اترزعي بقــا انهي كلماته بحنق بعدما نقلت اليه توترها فاخدها الجد تحت ذراعه وضمها إليه فبكت بضعف واردفت بصوت ظهر به خوفها : _ جدو انا خايفة مسد رؤوف على ظهرها حتى تهدأ وقال بهدوء وحنو: _  كله خير يا حبيبتي  وبعدين تعالي هنا مش زي ما قال الواد منذر انك عملتي اللي عليكي؟! فين بقا ثقتك بربك ها؟! نسيتي جملة انا عند ظن عبدي بي ان كان خيرا فله وان كان شرا فله يبقى مالك خايفة ليه ثقي في ربنا وهيكرمك بكرمه تنهدت بخفوت ومسحت دمعاتها متضرعةً لربها بقلبها وأثناء ذلك خرجت والدتها من الغرفة بعدما أطعمت صغيرها وقالت بقلق طفيف موجهةً حديثها لمنذر : _ ها يا منذر مفيش اخبار يا حبيبي؟ _ لسه يا هالة يا قمر تعالي اقعدي جنبي بدل بنتك اللي جابت لي العصبي دي _ علي فكرة الله يسامحك انا مش هرد عليك عارف ليه! ردت عليه "مريم" بتذمر بعدما مسحت بقايا دموعها وجلست بحنق طفولي _ ليه يا برنسيس مريم؟! انهي كلامه بسخرية طفيفة فهو يفعل كل هذا لكي لا تبكي وتحزن فهي شقيقته الصغرى قبل ان تكون ابنه عمه _مش هقولك انهت كلماتها وهي تخرج لسانها فهي برغم هيئتها الناضجة الا ان بداخلها طفلة صغيرة لا تكبر ابدا وتظهرها فقط مع" منذر " فهو صديق طفولتها و اخيها الكبير _خلاص ياختي الموقع فتح يالا تعالي دخلي الرقم ولا ادخله انا انهي كلامه بنبرة حنونة فهو يعرف هذا الشعور جيدا ان تشعر بالخوف والقلق ان تحطم امل من ينتظروا منك ان تُفرحهم توترت مريم وهبت من محلها تقف أمامه بتلهف وخوف قائلةً _هاه لا دخله أنت وسمي الله كدة بالله عليك براحة _وياض يا منذر متنساش تدخل برجلك اليمين تعالي يا بت كدة مالك خايفة كدة ليه قالها "سعيد" بنبرة مرحة ثم اخذها  تحت ذراعه واخذ بدغدغها كالاطفال وهي تضحك بصخب متلويةً بين يده توقفت ضحكتها علي صوت "منذر" وهو يقول بنبرة مختنقة من الفرحة : _مبروك يا ريمـو ٩٤ ٪  علت صوت الزغاريد من حولها وهي لا تصدق لم تفق الا عندما حملها والدها واخذ يدور بها وهي تبكي من الفرحة اخذت تتلقى التهاني من الجميع حتي انتهي اليوم وقد قرر جدها ان يقوم بذبح عجل ويوزعها علي الفقراء شكرا لله كما فعل مع منذر وفي ختام اليوم ضمها لجسده بقوة وقال لها بنبرة متأثرة : _قولت لك ربنا هيكرمك وهتفرحينا شوفتي كلام جدك ميخيبش ازاي؟! رفعت رأسها وقالت بنبرة فرحة اختلطت بمشاغبتها المعتادة مع جدها : _ طول عمرك يا أوفة كلامك صح __________________ مرت الايام بروتينها المعتاد وهو تجمع العائلة في المساء عند الجد وانقضاء اليوم في العمل حتي بدأ العام الدراسي الجديد وقد تم قبول" مريم" في كلية" العلوم" "كما كانت تحلم و كان ابيها وعمها ومنذر منشغلين بالعمل فهو موسم العام حتى أتي اول يوم واوصلها" منذر "الي باب الكلية واخذ يتلو عليها النصائح والوصايا العشر : _ الكلية دي دنيا تانيه يا مريم عالم كبير يتوه انتي من هنا بداية اختبارك مع الدنيا اي نعم مش الاختبار الكبير بس ده اهم اختبار من هنا هتحددي انتي مين وعايزة ايه صلاتك حافظي عليها متجمعيهاش ومش اي حد تصاحبيه صاحبي اللي شبهك وترتاحي معاه سرك معاكي لو السر طلع بره صاحبه ميبقاش سر يالا كفاية عليكي كدة بالتوفيق _ شكرا يا منذر علي كلامك ده واسفة علي تعبك معايا عطلتك عن الشغل هكذا اختتمت ردها ببسمة ونظرة امتنان تجاهه بادلها البسمة والقى عليها السلام وغادر دلفت من باب الجامعة واخذت تبحث عن كليتها حتي وجدت مجموعة من البنات سألتهم عن وجهتها وارشدوها دلفت اليها اخذت تنظر الي الجميع تبحث عن احد يدلها ماذا تفعل حتي بدأت بالسير وذهبت الي فتاة اخبرتها كيف تحصل علي جدولها ومكان المدرجات حتي لا تضيع وبالفعل وصلت الي مكان المدرج لم تحبذ الجلوس في الأول ولا الاخر فختارت منتصف القاعة بجانب فتاة هادئة محتشمة في لبسها بشكل كبير فهي ترتدي الخمار تمسك هاتفها ذهبت بجانبها وجلست بهدوء وهي تلقي السلام عليها وتابعت بقولها _  انا مريم الشيمي عايزة اقولك شكلك جميل اوي ما شاء الله اللهم بارك بالخمار ده خطفتيني رفعت الفتاة نظرها إليها و.... ___________ انتهــى الفصل

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

آنست أيامك

المؤلف Mariam Tarek
2024/06/18 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 1: الفصل الأول "حج مبرور"
2024/06/18
الفصل 16: الفصل السادس عشر "الظُلم ظُلمات"
2024/06/18
الفصل 17: الفصل السابع عشر "مثل النجوم هي"
2024/06/18
الفصل 18: الفصل الثامن عشر "تقويم أفعالها"
2024/06/18
الفصل 19: الفصل التاسع عشر "مُصادمة لابُد منها"
2024/06/18
الفصل 20: الفصل العشرون "أدركت الحقيقة"
2024/06/18
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون "خُطبت له"
2024/06/18
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون "عرض زواج"
2024/06/18
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون "خُطبت له"
2024/06/18
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون "يخاف أن يظلمها"
2024/06/18
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون "أصبحت زوجته"
2024/06/18
الفصل 26: الفصل الأخير "تُزف له أخيراً"
2024/06/18
الفصل 15: الفصل الخامس عشر "أحلام واهية"
2024/06/18
الفصل 14: الفصل الرابع عشر "سَكَنَ إليها"
2024/06/18
الفصل 13: الفصل الثالث عشر "فرحة منتظرة"
2024/06/18
الفصل 2: الفصل الثاني "زهايمر"
2024/06/18
الفصل 3: الفصل الثالث "وجع روح"
2024/06/18
الفصل 4: الفصل الرابع "نُهام عصبي"
2024/06/18
الفصل 5: الفصل الخامس "شقائق النعمان"
2024/06/18
الفصل 6: الفصل السادس "بداية طريق"
2024/06/18
الفصل 7: الفصل السابع "فقدان حبيب"
2024/06/18
الفصل 8: الفصل الثامن "شعور بالأمان"
2024/06/18
الفصل 9: الفصل التاسع "دقة قلب"
2024/06/18
الفصل 10: الفصل العاشر "أتقبل أم ترفض ؟"
2024/06/18
الفصل 11: الفصل الحادي عشر "رد غير متوقع"
2024/06/18
الفصل 12: الفصل الثاني عشر "قراءة فاتحة"
2024/06/18
الفصل 27: فصل خـاص
2024/06/18

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة