الفصل السابع "فقدان حبيب"

الفصل السابع "فقدان حبيب"

37 2

ولا تحسبنَّ الحزن يبقى فإنّه شهابُ حريقٍ واقدٌ ثم خامدُ ستألفُ فقدان الذي قد فقدته كإلْفكَ وجْدان الذي أنت واجدُ على أنه لا بدّ من لذْع لوعةٍ تهبُّ أحايينا كما هبَّ راقدُ. - ابن الرومي. __________________ بعد أن انتهت كلاً من مريم ورحمة وودعتا شروق خرجت رحمة بإشراقة يُعاكس خوفها أثناء دخولها لذاك المكان وقبل أن تكمل مسيرها أوقفتها مريم وهي تجذبها من ذراعها وتقول بإبتسامة : _ استني يا بنتي مستعجلة ليه استدرات لها رحمة وهي تعقد ما بين حاجبيها باستغراب وتقول بتعجب: _ مش خلصنا؟ يبقا هنروح بقا هزت مريم رأسها نافية وهي تشير إلى مكان ما وتقول: _ بصي احنا مخلصين بدري اوي عن الميعاد ايه رأيك نقعد هناك شوية، بصي الساحة دي لسه معموله ومحدش عارفها كتير وهادية رأت رحمة حماسها وشغفها بالذهاب فلم تريد أن تحزنها فهزت رأسها بإبتسامة وقالت : _  طيب يالا بينا وبمجرد أن تلفظت رحمة بموافقتها حتي سحبتها مريم إلى تلك الساحة الكبيرة نسبيًا محاطة بالخضرة من كل جانب عدا ممر طويل من الرخام الأبيض يصل إلى شلالات صناعية من الماء يُحاط بها عدة مقاعد من اللون الذهبي فكانت بمثابة قطعة فنية تُريح البصر والنفس أخذت رحمة تنظر إلى المكان بتأمل وحُب إلي أن جلست هي ومريم علي أحد المقاعد، وحلّ هدوء في المكان عدا من صوت الماء المُنساب تنهدت رحمة بقوة وهي تسحب قدر كبير من الهواء لرئتيها وبدأت كلامها بدون مقدمات وكأنها تُحادث نفسها : _ تعرفي كان نفسي اوي اجي مكان زي ده من زمان بس كنت بخاف وبهرب حياتي كلها عبارة عن خوف وهروب من المواجهة كان نفسي أواجه وارفض حاجات وأشخاص كتير دخلوا حياتي بس كنت بخاف ضحكت رحمة باستهزاء علي حالها وعلي ما كانت عليه سابقًا فتحدثت مريم متسائلة بهدوء : _ بتخافي من ايه وليه يا رحمة؟ ردت رحمة بنبرة مثقلة بالهموم: _ بخاف من اني اجرحهم وبخاف انهم يكرهوني لاني متعودتش حد يزعل مني وبخاف ابقى لوحدي لاني طول عمري لوحدي مليش غير أهلي حتي بابا مبقاش معايا مكنتش عايزة ابقى لوحدي واتكرهه فكنت بخاف اتكلم واواجه سكتت هُنيهة وأكملت وعلي ثغرها ابتسامة أمل : _ بس انهارده انا واجهت الخوف ده أول مرة مهربش منه وأطلعه من جوايا حتي ولو جزء بسيط بجد يا مريم اللي انتي بتعمليه معايا محدش عمله ولا هيعمله ربنا يخليكي ليا احتضنتها مريم وهي تربت علي ظهرها وتتابع فعلتها بقولها: _ مش محتاجة شكر عشان انتي خلاص بقيتي اختي ولا انتي شايفة غير كدة بقا؟! هزت رحمة رأسها بسرعة تنفي ذلك وقالت بلهفة : _ لا طبعًا انتي بتقولي ايه، ده انا طول عمري نفسي يبقا عندي اخت وربنا بعتك ليا نهضت مريم وانحنت كأميرة برُقي وقالت بمرح : _ تشكُورات حبيبي تشكُورات ضحكت رحمة من قلبها وهنا قالت مريم وهي تأخذ حقيبتها : _ طب عمو بتاع غزل البنات هناك اهو هجيب ليكي اللي لونها ابيض ولا بينك؟ نظرت رحمة للرجل الذي يقبع بالقرب منهم فتذكرت طفولتها وكيف كانت وكيف أصبحت فابتسمت بحنين لما كانت عليه وقررت أن تبتاع دون خوف وقالت لمريم : _ جيبي البينك يا مريم عشان بحبه هزت مريم رأسها بحماس وتحركت بسرعة قبل أن يرحل البائع َوهنا حيث رحمة كانت تنظر إلى الاطفال التي تبتاع من ذاك البائع وتذكرت كيف كانت مدللة أبيها كيف كانت بهجة المنزل وتذكرت مشاغبتها لأخيها التي لا تنتهي، كانت كالزهرة التي مُذّ أن خرجت من تربتها ذبُلت وكادت تختفي ولكن أرادت الله أقوى من أي شئ خرجت من تلك الدوامة علي صوت جهوري خشن كصوت أبيها ينادي عليها بلهفة وخوف فالتفتت بسرعة وقلبها يدق بتمني أن يكون هو سندها وظهرها الذي انحني برحيله ولكن خاب أملها وهي ترى رجل يجري بلهفة تجاه فتاة صغيرة لا تتعدى الست سنوات بجديلتها المنعقدة بأُنشوطة بيضاء وفستانها الأحمر، وجدته يحتضن الفتاة بخوف وهو يقبل كل إنش في وجهها ويقول بعتاب وحنان في آنٍ واحد : _ كدة يا رحمة كدة تبعدي عني مش قولت منتحركش من علي الكرسي فنظرت إليه الصغيرة ببراءة وهي تشير إلى بائع الحلويات فحملها علي ذراعه وهو مازال يقبلها وقال بحُب يشع من نظراته : _ عيوني يا صغنن هجيب لك واحدة بس تديني حتة ماشي؟ ضحكت الصغيرة وهي تصفق بصخب ومرح وهي تقبله في وجنته كما قبلّها من قبل وتوجه إلى حيث تشير طفلته، كل ذلك كان تحت أنظار رحمة التي برغم انها تبتسم بحنان لذاك المشهد إلا انها لم تقدر أن تكبح دموعها من الهطول تعبّر عن وجع قلبها لفقدان شخص وما هو إلا بعزيزٍ غالٍ حتي شعرت بيد توضع علي كتفها فالتفتت وهي تعلم تمام العلم أنها صديقتها فوجدتها تبتسم لها وعيناها تلتمع بالدمع فهي قد رأت الموقف وتأثرت كثيرًا فقالت بتحشرج : _ادعي له يا رحمة جلست رحمة بضعف وأخذت تدعو له ودموعها مستمرة بالهطول وما أن انتهت حتي مسحت دموعها وابتسمت وهي تروي لمريم بحنين ما كان عليه أبيها عزيز قلبها أَنيس روحها الأول في هذه الحياة _ تعرفي بابا كان حنين اوي وطيب اوي اوي عمره ما زعلني ولما بغلط يخاصمني وميكلمنيش وانا كنت بتدلع عليه لغاية ما يصالحني٠ كنت بنام جنبه على طول واحكي له كل حاجة حتي قبل ماما كان صاحبي الوحيد في الدنيا دي وكان أوفى صاحب التفتت تنظر لمريم وتقول : _ هو كان مهندس بترول وكان بيسافر كتير فكان لازم نسافر كلنا كان ساعتها عندي ٣ سنين كنت صغيرة اوي مكناش مستقرين في مكان ولا كنا بنكون صحاب أنا او مصطفى علاقتنا بالناس كانت مختصرة في بابا وماما كنت انا وبابا صحاب اوي ودايما حزب ضد ماما ومصطفى، كان غانيني عن الناس كلها لغاية ما تعب ونزلنا مصر وانا داخلة علي أولى ثانوي انبهرت بجو ان فيه مجموعة من الصحاب كبيرة دخلتها وانا نفسي ابقا زيهم لاني علي طول في حالي بس اتدمرت وبابا مات ياريتني كنت اكتفيت بيه ومدورتش بره قالت آخر كلماتها وهي تنتحب بصوت خفيض اقتربت منها مريم وقربتها إلى صدرها وقالت بهدوء : _ ده كله قدر ونصيب يا رحمة، ادعي له هو راح مكان احسن من هنا هو بقا عند ربنا من غير تعب وان شاء الله تتجمعي بيه في الجنة قولي آمين يالا أمنت رحمة علي كلامها وابتعدت عنها وهي تقول بصوت ظهر فيه الجدية ولكنه عكس ذلك : _ انتي لاحظتي في اي مكان نقعد فيه ليه علاقة بالزرع بتتقلب نكد؟! هزت مريم رأسها وهي تنظر لها وتقول بمرح : _ هو الجو فعلا يمشي نكد او شاعري تحسيه ذو مشاعر فيّاضة كدة غمزتها رحمة من جانبها وهي تنهض بحقيبتها وتقول : _ طب يالا يا فيّاضة كفاية كدة اتأخرنا وهاتي غزل البنات ده ناكله واحنا ماشين وافقتها مريم الرأي وغادراتا كلاً منهما يدها تضم الأخرى وكأنهما أضحتا سندًا لبعضهما __________________ دلفت مريم لمنزل جدها فاليوم موعد تجمع الجميع عند جدها وما أن دخلت حتي سلمت علي الجميع وجلست بجانب والدتها تحمل أخيها وظلت تبحث بعينيها عن منذر فلم تجده فقالت باستغراب وهي تتسائل : _ الله! هو فين منذر؟ رد عليها عمها سعيد بعد ان ارتشف من مشروبه الساخن : _مع صاحبه جايب له عمال ينقلوا الحاجة بتاعت الشغل هزت رأسها وقالت بتهكم : _ وهو صاحبه ده ميعرفش يعمل حاجة لوحده أبدا لازم منذر معاه ده انا داخله في أسبوع بشوفه صدف كدة ردت عليها أمها وهي تلكزها في جانبها وتقول بسخرية : _ راجل وشهم وواقف مع صاحبه ياختي كتر خيره أكمل حديث والدتها جدها رؤوف وهو يقول لها : _ وبعدين يا بنتي صاحبه كان مسافر بقاله مدة طويلة فميعرفش حاجات كتيرة هنا نهضت مريم وهي تعطي أخيها المتشبث بها لوالدتها وهي تتوجه للشرفة وتقول : _ طيب ربنا يعينه أنا هكلمه هشوفه هيجي امتا عشان عايزة اقعد معاه تابعها الجميع بنظراتهم الحانقة علي تصرفاتها وتحدثت والدتها متشدقة بكلماتها بغيظ مكتوم : _ ده انتي  اللي ربنا يعينه اللي هتكوني من نصيبه بهبلك ده ضحك الجد عليها وقال بحكمةٍ : _ بتغير علي أخوها يا هالة ربنا يصلح حالهم هما الاتنين أمنّ الجميع علي دعوته وأنظارهم تتبعها وهي تهاتف أخيها وفي أحد الأحياء الراقية كان هناك شاب قوي البُنيان أسمر اللون كسائر أقرانه يرتدي نظارة طبية تُخفي عيناه المميزتان بلونهما ذو العسل الصافِ تجذب كل من ينظر إليها كان منهمك في ترتيب مكتبه و الإجهاد واضح للعيان سمع صوت هاتف يدق بصخب فانتشله بسرعة ورد دون أن ينظر للاسم وقال بنبرة رخيمة عملية : _ ألو ... شركة K&M للدعاية والإعلان معاك يا فندم أتفضل أبعدت مريم هاتفها عن أذنها تتأكد من أنها طلبت الرقم الصحيح فاستغربت كثيرًا ما ان وجدت انه رقم منذر فأعادته لأذنها وهي تقول بتعجب : _ ألو... مش ده رقم منذر اللي معايا؟ أبعد كريم الهاتف بسرعة عن أذنه وهو ينظر اليه بذهول فكان يشبهه هاتفه ولم ينتبه إلي الاسم أفاق منذ ذهوله وهو يُبصر الاسم المكتوب علي الشاشة فحمحم بإحراج وقال بصوت متوتر : _ ايوه هو انا بجد بعتذر كنت فاكره تليفوني بجد آسف ثواني وهنده لحضرتك منذر ولم ينتظر ردها وهرول بسرعة إلى خارج مكتبه حتي رأى منذر يتحدث مع أحد العمال فناداه بصوت عالٍ نسبيًا فاستأذن منذر من العامل واقترب بخطوات مرنة وهو يتسائل : _ خير يا كريم فيه حاجة؟ مد إليه كريم يده بالهاتف وهو يقول بنبرة متلهفة : _ مريم بنت عمك علي التليفون رد بسرعة استغرب منذر كثيرًا وهو يأخذ الهاتف منه ويقول بتعجب بائن في نبرته : _ مريم ؟! وما إن سمع صوتها حتي ابتعد عن الجميع ودخل إلى المكتب وأغلق الباب تحت أنظار كريم التي تتابعه وشرد في شئ ما حتي أفاق علي صوت العامل وهو يحدثه فتسائل : _ كنت بتقول ايه معلش مكنتش مركز؟ أعاد العامل سؤاله وهو يشير إلى شئ ما : _احنا ركبنا المكاتب اهندسة هنا وخلصنا زي ما سيادتك شايف حاجة تاني هز كريم رأسه نافيًا وهو يتأكد من أنه قام بعمله علي أكمل وجه وما أن انتهي حتى حاسب العمال وأخذوا يحملون أشيائهم حتي يرحلوا وفي تلك الاثناء خرج منذر من الحجرة بعد أن انهى هاتفه ووجد الجميع يرحل فوقف بجانب صديقه إلى ان انتهى الجميع ورحلوا من الشركة التفت كريم الي منذر وهو يحك رقبته بإحراج وقال بأسف : _ والله يا منذر مكنتش قاصد ارد علي موبايلك هو كان جنبي وافتكرته بتاعي ومركزتش في الاسم انت عارف ان فيه مكالمات من الصبح عشان الناس اللي هتشتغل بجد آسـ ولم يمكل كلامه حتى قاطعه منذر وهو يقول بصوت مجهد مرح : _ خلاص يا عم افصل شوية مش كفاية دوشة العمال انا فهمت من مريم خلاص مش لازم أسف ربت كريم علي كتف صديقه بإجلال : _ ربنا يخليك ليا يا صاحبي _ ويخليك ليا يا سيدي تعالي نشوف الدنيا بقت شكلها ايه حتي تحرك كلا منهما كتفًا بكتف وهم يروا ما وصلوا إليه بعد اسبوع من التعب والجهد المبذول __________________ وعند مريم ما ان انهت حديثها مع منذر حتي دخلت غرفة الجلوس مرة أخرى وجدت جدها فقط فاستغربت وجلست بجانبه وهي تقول بنبرة مستفهمة : _ هم راحوا فين؟ رفع الجد نظره من علي التلفاز أمامه وهو يقول بنبرة هادئة : _أمك بتنيم معاذ وابوكي معاها وعمك في الحمام هزت رأسها وجلست بهدوء بجانب جدها فنظر إليها بطرف عينيه وتابع فعلته قوله المتريث : _ ها قالك ايه وخلاكي مِسهمة كدة؟! لم ترد عليه في البداية فكانت شاردة حتي شعرت بيد تهزها برفق فالتفتت إليه وجدته يسألها وهو عاقد حاجبيه بتعجب : _ ايه اللي واخد عقلك؟! هزت رأسها نافية وهو تعقد رجليها أسفل جسدها وقالت بنبرة متحيرة : _ لا أبدا يا جدو، بس صوت صاحبه ده مش غريب عليا استغرب الجد كثيرا وردد بنبرة متسائلة : _ وانتي سمعتي صوته فين؟!! فقصت له كل شئ وأكملت حديثها بنبرة فرحة : _وبعدها منذر كلمني وقالي انه بكرة ان شاء الله محضرلي مفاجأة ربت الجد عليها بهدوء وقال بنبرة متعقلة : _ ربنا يفرحكم يا حبيبتي، شوفي اهو مرضاش يزعلك برغم تعبه، لازم نقدر بعض يا مريم فهماني هزت رأسها بتفهم لقول جدها وفي تلك الأثناء خرج عمها وبعد قليل والدها وانتهي اليوم لأول مرة بدون منذر في تجمع العائلة ___________________ وفي غرفة رحمة كانت جالسة وحدها في المنزل بعد أن عادت ووجدت أمها وجدها عند الطبيب، وأخذت تتأمل الصورة التي بيدها وهي تبتسم بحنان لتلك الذكرى حيث كانت الصورة تضمها هي وأبيها وهو يحملها ويقبل وجنتها بقوة وهي تضحك بملئ شدقيها فُتح الباب بقوة فأخفت بسرعة الصورة خلفها وهي ترى مصطفي يطل عليها وهو يقول بنبرة متشككة مرحة : _ قفشتك يا بت انتى بتخبي ايه ورا ظهرك، أصل الطيبة الزيادة دي تِقلق تنهدت رحمة بقوة وهي تضع يدها علي قلبها الذي يطرق بشدة بين جنباته وقالت بحنق: _ حرام عليك يا اخي والله علي الخضة دي ثم أخرجت الصورة مرة أخرى بهدوء وهي تتأكد من انها لم يصيبها خدش فاستغرب مصطفى وهو يقترب منها يجلس على طرف السرير وعندما رأي الصورة انقشع تعجبه وحلّ محله الحنين وابتسم تلقائيًا واقترب من أخته وهو يأخذها في أحضانه وهو يفرد جسده بطول الفراش وقال بشوقٍ بالغ وهو يقبّل وجه ابيه : _ وحشتني اوي يا سحس والله، ربنا يرحمك يا حبيبي أمنت رحمة عليه بصوت متحشرج فنظر إليها مصطفى وقال وهو يشدد من احتضانه لها : _ مالك يا رحمة انتي مبطلعيش الصورة دي الا لو فيه حاجة حصل ايه؟ اخفت وجهها في كتف أخيها وهي تقول بصوت مكتوم : _ انهارده سمعت صوت شبهه بينادي علي اسمي افتكرته هو والله افتكرته جه تاني يطبطب عليا ويقولي طول ما انا معاكي متشليش هم حاجة كعادته بس مطلعش هو يا مصطفى مطلعش هو قبّل مصطفي وجنتها بحنو بالغ وقال بهدوء وتعقل لا يظهر إلا نادرًا : _ استغفري ربنا يا رحمة، هو سامعك وحاسس بيكي وجنبك، بابا راح صحيح بس ربنا موجود معانا وعمره ما يسيبنا هزت رأسها وهي تستغفر ربها علي ضعفها وهشاشة قلبها تابع مصطفي تساؤله وهو يمسح علي وجنتها وينظر لها بعمق : _ وايه تاني اللي وصلك لكدة احنا بنشوف اكتر من كدة كل شوية بس عمرك ما وصلتي لكدة تشوشت انظارها ونظرت إليه بتألم وهي تقول : _ انهارده كان أول يوم في التدريب، أول مرة أواجه خوفي يا مصطفى أول مرة اكمل خطوة صح للآخر، بس عملت كل ده عشانه هو صوته وهو بيرن في وداني وبيقولي "يمكن شايفة نفسك عادية بس انتي جميلة بعاديتك دي يا رحمة" كل مرة كان بيحضني فيها ويطبطب عليا ويخرجني من زعلي واني قد ايه انا جميلة محدش زيي، كنت بحس اني احلى واحدة في الدنيا دي فعلاً عشان هو معايا هو اللي بيديني دفعة اني اكون أقوى وأكمل تهدج صوتها وهي تنظر لأخيها وتقول بفرحٍ لما حققته : انهارده حسيت بيه معايا تاني يا مصطفي حسيته وهو بيقولي اني هقدر وقدرت وواجهت نفسي يا مصطفى احتضنها مصطفى مرة أخرى وقال بصوت أعرب عن محبته الكبيرة لأخته : _ وانتي تقدري يا رحمة، انتي جميلة ومفيش منك أبداً ومش بقول كدة عشانك أختي بس انا مشوفتش واحدة بجمال قلبك ده احتضنته رحمة بحبٍ وظلا هكذا إلى أن غفيا دون أن يشعرا بأي شئ فقط الأمان الذي غلّفهما وجعل قلب كل منهما يشعر بأنه بجوار كنفه بعد قليل دخلت فاتن والدتهما حتي تطمئن علي رحمة بعد عودتها فوجدت ذاك المشهد الذي خطف لُبها فاقتربت منهما تقبل رأسيهما إلى أن وجدت تلك الصورة بيد مصطفى، فانتشلتها بهدوء وخرجت بها إلى غرفتها، و بمجرد إبصارها وجه أنيس روحها ولبيب قلبها، نزلت دمعة لوعة واشتياق منها على وجهه فمسحتها بهدوء ثم تبعت فعلتها بقُبلة عميقة أودعت حبها لفقيد روحها وقالت بصوت خرج مختنق : _ الحمل تقيل يا حسين، بس ربك بيعين زي ما كنت بتقولي دايما ربنا يجمعني بيك في جنته يارب سكتت قليلًا واخذت تتأمل كل إنش به وقالت بصوت مشتاق : _ وحشتني ووحشني ضمتك يا حسين قربت الصورة لقلبها وهي تبكي وفجأة شعرت بشخص يضمها بحنو ولم يكن سوى أبيها ضمته بقوة وهي تتنهد بعمق ثم رفعت رأسها إليه وهي تمسح دموعها وقالت بحنو وهي تشير إلى تلك الصورة وتقول لأبيها : _ بص يا بابا ده حسين جوزي الله يرحمه، البت رحمة مستولية علي كل الصور بتاعته ما صدقت خدت واحدة من غير ما تحس حاولت اصباغ نبرتها بمرح زائف فقال إبراهيم وهو يحتضن يدها بين يديه ويتبع فعلته بقوله المتضرع لله بكل صدق : _ ربنا يرحمه، ويجمعك بشِق روحك في نعيمه يا بنتي أمنت فاتن علي دعائه بصدق وقالت بصوت متوتر وهي تنظر لأبيها بخجل : _ ممكن أنام في حضنك انهاردة يا بابا؟ خلع خُفه بهدوء واخذها بين ذراعيه واخذ يتلو آيات الله إلى أن غفا كلاً منهما يستمدا القوة من الآخر إلى أن انتهى اليوم بحزن للبعض وفرح للآخر وهذا هو حال الدنيا لا تسير علي وتيرة واحدة! __________________ في صباح يومٍ جديد مشرق نزلت رحمة الدرج بسرعة حتى لا تتأخر علي صديقتها في هذا الجو الحار بشدة، فأوقفها مصطفى وهو يهرول حتي يلحق بها وقال بهدوء : _استني يا بت مركبه عَجَل في رجلك هوصلك ردت رحمة وهي تكمل نزولها : _ معايا مريم صاحبتي يا مصطفى مينفعش أصرّ عليها وقال بهدوء وهو يقف بجوار سيارته المصطفه أمام مبناه السكني : _ وماله درجة الحرارة صعبة اوي تعالي اوصلكم سوا  واهو اكسب ثواب فيكم صعدت رحمة إلى سيارة أخيها وارشدته إلى مكان وقوف مريم حتي أبصرتها وكان وجهها متوهج بشدة كألسنة اللهب فنزلت لها وقالت : _ مريم تعالي مصطفي اخويا هيوصلنا بدل المواصلات عشان الجو ده هزت مريم رأسها بخفوت وما ان سارت بجوارها حتي كادت ان تسقط فأمسكتها رحمة بقوة وهي تنظر لها بقلق وقالت لها بنبرة أعربت عن خوفها : _ مالك يا مريم انتي تعبانة؟ لو تعبانة تعالي نرجع مش مهم نروح انهارده هزت مريم رأسها بنفي وهي تحاول ان تبقي صامدة فقد شعرت بأنفاسها تكاد تنقطع منها وقالت بصوت خفيض : _ مش هينفع عندنا كويز انهارده، وانا كويسة بس بتعب من الجو ده شوية نظرت لها رحمة بنظرة متشككة فطمأنتها مريم وهي تشدد علي قبضتها وما إن دخلتا العربة حتى التفت إليها مصطفي وقال بنبرة هادئة وهو يقدم إليها زجاجة من العصير : _ اتفضلي يا مريم مش مريم برده؟! هزت رأسها وهي تبستم له بخفوت فزاد من اتساع ابتسامته وأشار للزجاجة التي بين يديه وقال بتريث : _ طب اتفضلي اشربي دي عشان هتضبط ضغطك شوية وحاولي متقفيش في الشمس كتير هزت رأسها بخجل وهدوء وهي تلتقط الزجاجة منه وفتحتها ترتشف منها بهدوء وخجل شديد تحت انظاره الي ان انتهت فقال بصوت مرح كعادته جعل مريم تكاد تنصهر مكانها : _ صلاة النبي أحسن اهو كدة ناس زي الفل بتسمع الكلام من اول مرة، مش زي ناس تانية كدة بيغلبوني عشان ياكلوا لُقمة ضربته رحمة بخفوت علي يده وهي تقول بحنق : _طب يلا يا غلبان اطلع عشان منتأخرش اعتدل في جلسته وأدار السيارة، وظل الطريق مصحوب بمشاكسة ومرح من مصطفي وخجل من مريم ونظرات متوعدة من رحمة حتي اوصلهم مصطفي لباب الجامعة وودعهم بمرح فالتفتت مريم لرحمة وهي تسير خلفها تحاول ان تتحاشى السير في الشمس حتى تستطيع إكمال اليوم بسلام وقالت لها بنبرة هادئة : _اخوكي ما شاء الله دمه خفيف اوي ربنا يخليه ليكم يارب ردت عليها رحمة بنبرة عادية وهي تقول : _يارب يا ستي تعالي نلحق بس دلوقت قبل ما الكويز يبدأ وحاولت كلتاهما الإسراع ولكن نظرًا لتعب مريم وصلتا متأخرتين ولكن دخلتا بهدوء وما ان انتهى الاختبار حتى شعرت مريم بتقلص انفاسها مرة أخرى ولكنها قاومت ولم تهتم، وانشغلت مع رحمة في حضور محاضراتهم سويًا إلى ان انتهي اليوم وعندما وصلتا لباب الجامعة حتي التفتت رحمة لمريم بقلق وهي تسندها حتى لا تقع وقالت بنبرة متخوفة : _ مريم انا خايفة عليكي تعالي نجيب عصير عشان يهديكي وتفوقي شويـ ولم تكمل كلماتها حتى شعرت بيد مريم تتركها وجسدها يتراخى بهدوء يتبعها انغلاق أجفانها حتي سقطت منها منقطعة الأنفاس تحت أنظار رحمة المصدومة لما يحدث ________________ انتهــى الفصل

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

آنست أيامك

المؤلف Mariam Tarek
2024/06/18 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 1: الفصل الأول "حج مبرور"
2024/06/18
الفصل 16: الفصل السادس عشر "الظُلم ظُلمات"
2024/06/18
الفصل 17: الفصل السابع عشر "مثل النجوم هي"
2024/06/18
الفصل 18: الفصل الثامن عشر "تقويم أفعالها"
2024/06/18
الفصل 19: الفصل التاسع عشر "مُصادمة لابُد منها"
2024/06/18
الفصل 20: الفصل العشرون "أدركت الحقيقة"
2024/06/18
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون "خُطبت له"
2024/06/18
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون "عرض زواج"
2024/06/18
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون "خُطبت له"
2024/06/18
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون "يخاف أن يظلمها"
2024/06/18
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون "أصبحت زوجته"
2024/06/18
الفصل 26: الفصل الأخير "تُزف له أخيراً"
2024/06/18
الفصل 15: الفصل الخامس عشر "أحلام واهية"
2024/06/18
الفصل 14: الفصل الرابع عشر "سَكَنَ إليها"
2024/06/18
الفصل 13: الفصل الثالث عشر "فرحة منتظرة"
2024/06/18
الفصل 2: الفصل الثاني "زهايمر"
2024/06/18
الفصل 3: الفصل الثالث "وجع روح"
2024/06/18
الفصل 4: الفصل الرابع "نُهام عصبي"
2024/06/18
الفصل 5: الفصل الخامس "شقائق النعمان"
2024/06/18
الفصل 6: الفصل السادس "بداية طريق"
2024/06/18
الفصل 7: الفصل السابع "فقدان حبيب"
2024/06/18
الفصل 8: الفصل الثامن "شعور بالأمان"
2024/06/18
الفصل 9: الفصل التاسع "دقة قلب"
2024/06/18
الفصل 10: الفصل العاشر "أتقبل أم ترفض ؟"
2024/06/18
الفصل 11: الفصل الحادي عشر "رد غير متوقع"
2024/06/18
الفصل 12: الفصل الثاني عشر "قراءة فاتحة"
2024/06/18
الفصل 27: فصل خـاص
2024/06/18

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة