إن أسوأ شعور قد تواجهه أمام نفسك هو "الظلم" فإما أن تكون مظلوم وعندها يتحطم داخلك من القهر، وإما أن تكون ظالم وعندها تتجبر وتعيث في الأرض الفساد، وتنسى أن الظلم ظلماتٍ يوم القيامة، فيقتص منك الله في الدنيا قبل الآخرة وهنا بعدما بدأت القصة بمتاعٌ قليل انتهت ببئس المصير! ________________________ بعد منتصف الليل بقليل، كان منذر ينام بعمق بعد يوم حافل فصدح صوت هاتفه يكدر صفوه، تململ بانزعاج والتقط هاتفه بأعين مغمضه يرد عليه وقال بصوت ناعس : _ آلو فتح عينيه بفزع وضربته مراكز الوعي ما إن وصل إلى مسامعه صوت يقول له : _ معاك مصطفي يا منذر أنا في القسم اعتدل منذر في نومته بسرعة وقال بصوت متحشرج به أثر النوم : _مصطفي! بتعمل ايه في القسم؟! أخذ مصطفي يمرر أنظاره بتألم في أرجاء المكان الهادئ نسبيًا والكئيب بشكل يقبض الأنفاس وقال : _حصلي مشكلة كبيرة اوي، انا عارف ان الوقت متأخر بس انا مش عارف اتصرف وملقتش غيرك في بالي قبل أن يرد منذر بعدما تحرك لملابسه الملقاة علي أحد المقاعد، سمع صوت غليظ يتحدث : _ اخلص يا ابو عمو مش قصة ابو زيد الهلالي هي، انجزني عشان القلق ما إن أنهى ذلك الشخص حديثه تحدث منذر بلهفة : _ قولي يا بني انت فين ومين ده اللي بيتكلم كدة!! تنهد مصطفي بثقل وقال بصوت مجهد : _ده أمين هنا ساعدني بعد ما خدوا مني كل حاجة هو اسمه صابر تعالي لي بس الله يكرمك بسرعة ثم أملاه العنوان، وما إن انتهت المحادثة كان منذر يهرول بسرعة علي الدرج وهو يغلق ازرار قميصه ويضع الهاتف علي اذنه، يدعو الله من كل قلبه أن يُجيب، وكأن أبواب السماء كانت مفتوحة كان كريم بين الحلم واليقظة فقد دلف توه للنوم، وما إن أبصر هاتفه يدق باسم صديقه حتي نهض بفزع وقال : _ آلو! أيوه يا منذر انتوا كويسين؟! رد عليه منذر بصوت ظهر به أثر المجهود : _ معلش يا كريم صحيتك، بس كنت عايز رقم خالك ضروري تعجب كريم وشعر أن الأمر جلل فلمَ يحتاج صديقه رقم خاله فتسائل وهو ينهض من علي سريره : _ خالي! خالي في اسكندرية انت عارف انه اتنقل بقاله شهر هناك ، هو فيه ايه! مسح منذر علي وجهه وهو يفتح سيارته وقص عليه بإيجاز ما حدث، فقال كريم وهو يلتقط أشيائه من علي الطاولة : _ انا جاي معاك انت فين؟! اخبره منذر وهو يرجع ظهره للخلف يحاول تهدئة حاله قائلاً : _انا في العربية تحت البيت لم يمر دقيقتان حتى كان كريم يجلس بجانب صديقه وأخرج هاتفه قائلاً : _ اطلع انت بس وانا هكلم خالي واحنا في الطريق عشان منتأخرش يالا تحرك منذر بالعربة ورأسه تعج بأسئلة حول ما حدث لشقيق زوجته وعلي ذكرها تصاعدت ضربات قلبه بقلق تُرى ما حالها! __________________ وعند رحمة كانت تجلس مع والدتها بقلق في بهو المنزل وتهاتف رقم أخيها للمرة التي لا تعلم عددها، فتحدث فاتن بإمل : _ ها.. رد يا رحمة! هزت رحمة رأسها نافية وقالت بصوت متحشرج : _ لا التليفون لسه مقفول تململت فاتن بقلق محلها وأخذت تنظر للسماء أمامها قائلةً بتضرع: _ يارب نجيه واحفظه برحمتك يا أرحم الراحمين وأخذت تردد بقلب وجل علي فلذة كبدها قائلةً : _ اللهم رب الضالة رُد الضالة فإنه من فضلك ومن عطاياك يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه رُد عليا ابني .. يارب رُد إبني سالم يارب اخذت رحمة تربت عليها بحنو برغم خوفها القابع داخلها وهواجسها التي تراودها بحدوث مكروه لأخيها ولكنها قالت باطمئنان : _ ان شاء الله خير يا ماما، وأكيد اتأخر لسبب ممكن العربية اتعطلت بيه تعالي نقوم نصلي ركعتين لله وشوية وهيجي ان شاء الله يالا تعالي سحبتها من ساعدها فنهضت فاتن وهي تقول بصوت خائف : _ يارب ما تخسرني فيه يارب ثم اتجهتا كلتاهما يقفان بين يدي المولى داعين إياه سبحانه أن يرد غيبة عزيزهم ولا يريهم فيه مكروه _________________ وصل منذر أمام القسم وبجانبه كريم وقبل أن يدلف كلاهما، أوقف كريم صديقه قائلاً بجمود : _ زي ما اتفقنا انا هخش للضابط واخلي خالي يكلمه وانت تروح للي اسمه صابر ده تراضيه زي ما تقالك وانت عارف الباقي.. ماشي يا منذر! هز منذر رأسه بثبات ودلف لذلك المكان الكريه، يتجه مع صديقه لأحد العساكر قائلاً : _ بعد إذنك المأمور فين؟ رفع ذلك الشخص وهو يزفر دخان سيجارته في وجه منذر وقال وهو يمرر أنظاره عليهما ويبتسم من زاوية فمه : _ مش موجود وجد منذر طريقته مستفزة بشكل كبير فكاد يندفع إليه دون تعقل ولكن يد كريم منعه بقوة ونظر إليه بجمود، ثم حول أنظاره تجاه الآخر وابتسم بدون روح قائلاً وهو يمد يده بمبلغ مالي ويضعه في جيبه والآخر ينظر له بترقب، تابع كريم فعلته بقوله : _ متأكد يا رياسة ما يمكن موجود وانت نسيت ابتسم الآخر له وهو يطفئ سيجارته بحذائه قائلاً : _ آخر الطرقة يمين هتلاقي مكتبه يا عمهم ابتسم كريم له وهو يضع له ورقة مالية أخري قائلاً : _ كان فيه واحد هنا اسمه صابر يلزمني يا رياسة تعرف ديته فين؟! انتفخت اوداج الآخر وقال بزهو كبير : _ محسوبك صابر يا عم الناس أؤمرني، واضح ان الموضوع كبير سحبه كريم في مكان متواري عن الانظار ومنذر يتبعهما بجمود، وما إن تأكد كريم ان لا أحد يراهم قال بثبات وهو يمسك الآخر من كتفيه : _ فيه واحد في الحجز يخصني، عايزه بكرتونته زي ما جه زي ما هيمشي.. تعرف ولا ايه يا رياسة؟! نظر صابر له وهو يحك ذقنه النامية وكاد يعترض، فلاحقه كريم بقوله بعدما نظر لمنذر نظرة ذات معني فأخرج شئ من جيبه واعطاه له : _ جرا ايه يا عمنا ده انا جايلك علي الصيت، وجاي على اساس اني هقرا فاتحة التمعت عيني الآخر بجشع والتقط ما بيد كريم بلهفة فابتسم كريم بانتصار لتحقيق هدفه قال صابر بلهفةٍ وهو يُبصر ذاك المبلغ الكبير : _ وانا تحت امرك يا غالي، ده احنا نقرا المصحف كله مش فاتحة بس زفر منذر بضيق وقال بتهكم : _ بقولك ايه يا جدع انت ملكش دعوة بكلام ربنا، وانجز هتخلص في يومك اللي مش فايت ده ولا ايه! نظر له صابر وقال بضيق : _ جرا ايه يا مريسة بالراحة علينا مش كدة ثم أعاد نظره مرة أخرى للنقود فابتلع لُعابه ووضعه في جيبه، وقال بهدوء موجهًا حديثه لكريم : _ مين اللي عليه الطلب يا باشا أخبره كريم وهو يضع يده في جيبه قائلاً بثبات : _ اسمه مصطفى حسين، وخد بالك عايزه بكرتونته فاهمني! هز صابر رأسه وتحرك من مكانه وأشار لكلاً من منذر وكريم باتباعه، فلبيا طلبه وسارا خلفه وبعد مرور بعض الوقت كان كريم ينتظر هو ومنذر حتي يطمئنان على مصطفي، فقال منذر بسخرية : _ مكنتش اعرف انك سوابق ياض انت، ايه اللي قولته ده ولا أكنك مولود معاهم ضحك كريم بخفوت، ثم تنهد وهو يحرك رأسه بألم قائلاً : _ اومال انت فاكر انا بدأت اقف علي رجلي ازاي، ده انا اتداس عليا من اللي يسوى واللي ميسواش لغاية ما فهمت الفولة وعرفت ازاي امشي أموري وكدة لامتا هتفرم يا صاحبي ومش هعرف أعيش ثم زفر بقوة يمسح وجهه حتي يزيل ضيقه وقال بهدوء : _ أهم حاجة بس مع اللي زي دول متتغاشمش كدة، انا مرضتش اخش للمأمور عشان عارفك ممكن تشد معاه ويحصل مشكلة ربت منذر علي كتفه بتقدير قائلاً : _ تسلم يا صاحبي علي وقفتك دي قبل ان يرد كريم وجد صابر يقبل عليهما بابتسامة واسعة تظهر أسنانه الصفراء، وما إن وقف أمامهما حتي قال بزهو : _ اطمن يا مَريسة كله تمام والعريس قاعد ولا اكنه في فندق خمس نجوم نظر له كريم وقال بترقب : _ واطمنت انه تمام محدش جه جنبه تحدث صابر بلهفةً قائلاً : _ صاغ سليم يا بيه، لسه بكرتونته زي ما جه محدش لمسه تنهد كريم بارتياح ثم قال بخفوت : _ طيب انا عايز اخش للمأمور دلوقت حرك صابر اصبعه وأشار لكلتا عينيه قائلاً : _ من عينيا يا غالي، بس انت عارف بقا الوقت متأخر وانه ممكـ سحب منذر يده وهو يضع بها مبلغ نقدي آخر قائلاً بضجر : _ اتفضل يا أخ صابر وياريت تنجز عشان الراجل اللي خلل تحت والناس اللي قلقانة عليه في البيت ابتسم صابر بسمة صفراء وهو يضع ما بيده داخل جيبه وقال وهو يتحرك : _من يد ما نعدمها ما ان استدار ودلف للمكتب حتي بصق عليه منذر بقوة قائلاً : _ ابو تناحة اللي جابك ضحك كريم بخفوت وهو يهدئه، ثم بعد قليل خرج صابر بوجه جامد يقول لهما بنبرة مغايرة لما كان عليه : _ اتفضلوا الباشا مستنيكم نظر منذر لكريم بذهول فناظره كريم وكأنه يقول له " أمررها"، ثم دلف كريم في المقدمة ومنذر يتبعه وأُغلق الباب ورائهما تقدم كريم يمد يده للضابط الذي يبدو عليه الشيب و الشدة من نظرات أعينه وقال بثبات : _ معاك كريم العوضي ابن اخت اللوا حسان السروجي ما إن سمع الضابط الاسم حتى حياه بجمود وتحفظ قائلاً : _ أهلاً وسهلاً بيك نورتني انت و ضيوفك اتفضلوا أشار لهم بالجلوس وما إن فعلا حتى عقد الضابط يديه أمامه قائلاً وهو يرمق كريم بترقب : _ أقدر اعرف سبب الزيارة الكريمة دي تنهد كريم وهو يرجع ظهره للخلف وفتح هاتفه قائلاً بثقة : _ بس الباشا يحب يفهمك بنفسه اتفضل التقط الضابط الهاتف منه و أخذ الحديث يدور بينهما لمدة بسيطة كان منذر يرمق صديقه بقلق بائن فطمأنه كريم، وما أن انتهي الحوار بينهما حتي أعاد الضابط الهاتف لكريم مرة أخرى قائلاً بعملية : _ اتفضل، عشر دقايق ويبقا عندكم تطمنوا عليه لغاية ما الإجراءات تخلص هز كريم رأسه بهدوء يشكره بدوره، وبعد قليل كان يدلف مصطفي عليهم وما إن أبصره كريم ومنذر حتي نهضا له بلهفة، وقال منذر وهو يتأكد من سلامته : _ مصطفي انت كويس حد عملك حاجة؟ تنحنح الضابط وهو ينهض من مكانه قائلاً : _ انا هسيبكم تطمنوا عليه لغاية ما كل حاجة تخلص عن إذنكم قال الأخيرة ثم رحل بهدوء تاركًا مكتبه لهم، أجلس منذر مصطفى الذي يظهر على وجهه الأسى والحُزن بشكل كبير فأعاد سؤاله مرة أخرى، فنظر له مصطفي نظرة خاوية قائلاً : _ لو قصدك ان حد لمسني فمتخفش تسائل تلك المرة كريم وهو يربت علي كتفه بحنو قائلاً : _ ايه اللي حصل يا مصطفى؟ انا كل اللي عرفته انها خناقة، ايه اللي وصلك ليها أصلاً؟! نظر له مصطفي وأخذ يتذكر ما حدث له وكيف وصل به الأمر إلى ذاك المكان [ قبل عدة ساعات] كان مصطفي يجمع أشيائه حتي يهم بالرحيل من عمله، فأقبل زميل له يقول بحُزن : _بقا كدة يا درش، هتسيبنا نظر له مصطفى بابتسامة وقال بمرح حتي يخفف الأجواء : _ جرا ايه يعم ايه شغل خطيبتي ده، ده امي معملتش كدة ثم تابع بهدوء يربت علي كتفه قائلاً : _ وبعدين مهما بعدت المسافات فيه ناس مينفعش يتنسوا زيك كدة يا حسين احتضنه حسين بحُب، ثم ودعه مصطفي واتجه للخارج حتى يعود للمنزل بعدما انهي عمله في ذلك المكان الذي أخذ منه اكثر ما أعطاه له كاد مصطفى يغادر المبني حتي سمع صوت جلبة من الجهة الخلفية، فاتجه حتي يرى إن كان هناك أحد يحتاج المساعدة، وما إن وصل حتي اتسعت عينيه بصدمة وهو يشاهد شاب يتهجم علي رجل من رجال الأمن من دور أبيه اتجه مصطفى إليه كي يفك الاشتباك، وأبعد الشاب عن الرجل الذي كان مستسلم بشكل ينفرك من خُذلانه وقال بنبرة هادئة : _ استهدوا بالله يا جدعان فيه ايه، ايه اللي حصل يا عم حسن تحدث حسن الرجل الكبير وقال بصوت منكسر : _والله يا دكتور مصطفى محصلش حاجة، هو الاستاذ بيقول انه ابن أخو دكتور سامح مدير الشركة وكان عايز يخش يفرج صحابه على كاميرات المراقبه قولت ممنوع بس زي ما حضرتك شوفت كدة نظر مصطفي لذاك الشاب الذي يتابعهم بنظرات مشمئزة، فابتسم مصطفي بسخرية قائلاً بنبرة تحمل في طياتها الغضب والتهكم : _وانت يا كوكو مالك واقف كدة ليه هو مش قالك ممنوع ولا محدش علمك تحترم الكبير وتقول حاضر تهجمت ملامح الشاب بشكل كبير وقام بدفع مصطفى بكلتا يديه قائلاً : _ وانت مال أمك نظر مصطفى لمكان دفع الشاب له وقال بحُزن مصطنع : _ يا خسارة القميص كان جديد اهو اتوسخ ثم رفع عينيه للفتى الذي يتابعه ببسمة ساخرة و نظرات تقليل وقال بابتسامة ميتة : _ انا هسامحك عشانك عيل وواضح انك محتاج تيجي تاخد دروس تعلمك ازاي تتعامل مع الأكبر منك وأظن إنها مش هتجيب لك نتيجة فاقعد يا ننوس عين أمك جنبها وتعلمك كيف تحشي المحشي، يالا ياض من هنا مش ناقصة قلة أدب علي المسا قال آخر كلماته وهو يدفعه بغضب جم، فأنزل الفتى يده بتهكم وقال ببرود وسخرية : _ وحياة أمي لعلمك الأدب يا حيلتها ثم رحل بعدما رماه بنظرة حارقة ، فتركه مصطفى وذهب يطمئن على رجل الأمن فقال الأخير : _ ليه يا بني تقع مع الناس دي، دول مبيرحموش نظر له مصطفى بعدما اطمئن عليه وقال بهدوء : _ هيعملوا ايه يعني يا عم حسن انا كدة كدة سايبهالهم مخضرة يشبعوا بيها، المهم انت عايز حاجة مني؟ ربت حسن علي كتفيه بحبور قائلاً : _ عايزك بخير ربنا يفرح قلبك يابني ودعه مصطفي بهدوء واحترام ثم تحرك للخارج تجاه سيارته وقبل أن يصعد إليها وجد يد تقبض عليه من الخلف كأنه لص أو ما شابه، استدار سريعًا بتشنج فوجد أحد الضباط يدفعه تجاه السيارة الخاصة بالشرطة قائلاً : _ قدامي يلا ده انت متوصي عليك بالجامد اوي حاول مصطفى التحدث وان يستفهم عما فعله ولكنه لم يجد رد فصمت وهو يستغفر الله حتي يهدأ من حاله ما إن وصل إلى مقر الشرطة حتي دفعه أحد الضباط إلى ركن نائي في أحد المكاتب وقال بهدوء : _ اترزع هنا لما نشوف الباشا ثم تركه وذهب بعدما القى عليه نظرة ساخرة مستهزأة، ما إن تأكد مصطفى انه ابتعد حتي اخرج هاتفه ولكن وجده مغلق قال بيأس : _اوف لا مش وقتك تعملها دلوقت افتح ابوس ايدك حاول فتح هاتفه ولكن انتفض بفزع ما إن سحبه أحد منه بعنف ودفعه لأحد الجدران وقال بصوت غليظ : _ انت بتعمل ايه يا *** انت فاكر نفسك مين تهجم وجه مصطفى بشدة وتقدم منه يقول بغضب : _ انت مش من حقك تشتمني، أنا دكتور محترم ومن هنا لغاية ما اعرف انا هنا ليه مسمحش بأي إهانة نظر له الشرطي من أسفل لأعلى بنظرات مستهزأه وصاح بصوت جهوري غاضب : _ صــابـــر حضر صابر في الحال وقال بصوت ثابت بشكل روتيني : _ أفندم تقدم الشرطي يجلس علي مكتبه بشكل عشوائي ونظر لمصطفي قائلاً له بمسكنة مصطنعة : _ دي غلطتي عندك حق لازم أرحب بيك برده ثم عاد ببصره لصابر قائلاً بصوت ساخر : _ عايزك ترحب بيه قدامي يا صابر أصل البيه مش عايز إهانة ضحك باستهزاء وهو يُبصره بنظرات محتقرة لشخصه جعل مصطفى يتمنى أن يقتلع وجهه، أقترب منه صابر يدفعه إلى أحد الأركان وقال بجمود : _ لف يا حيلتها وشك للحيطة نظر له مصطفي بغيظ وقال بسخرية : _ واقف برجل واحدة ومينفعش اسند مش كدة! ضحك الشرطي ضحكة جامدة ليس بها روح وقال وهو يتقدم منه : _لا وكمان دمك خفيف ثم نظر لصابر وقال ببسمة ميتة : _ وانا عشان خفة دمك مش هخليك تلف، قــرفـص ياض قال الأخيرة بصوت جهوري، ولكن مصطفي ظل ثابت محله، فضربه الشرطي في قدمه بقوة جعلته ينحني بتألم فكرر فعلته مرة أخرى حتي جلس مصطفى علي عقبيه بإذلال ووجه منحني لأسفل لا يصدر منه صوت وكأن بانحنائه أمام ذاك البغيض مالت روحه وانكسرت رفع الشرطي وجه مصطفى الذي أبى أن ينظر له في البداية ولكنه ضغط علي فكه بغلاظة وما إن تلاقت أعينهما حتي قال الشرطي بسخرية : _ شوفت لما تسمع الكلام وتقعد مؤدب مبيحصلكش حاجة ازاي! في ذلك الوقت دلف شخص ما الغرفة، لم ينظر له مصطفى فقد ظل نظره مثبته علي الأرضية إلى أن وجد أحد يقف أمامه، لم يرفع وجهه في البداية ولكن ما إن طالت الوقفة حتي رفع وجهه وما إن شاهد حتي وجده ذلك الشاب الذي تشاجر معه قبل ذهابه من عمله ابتسم الفتى بسمة مستهزأة وقال ووهو ينظر لمصطفي من عليائه : _ أظن عرفت قيمتك يا ننوس عين أمك ومال عليه يضربه بهدوء على وجهه وهو يتابع فعلته بقوله يُذكره بحديثه السابق : _ ابقا أقعد جنب الحاجة بقا تعلمك كيف تحشي المحشي انهي كلماته باستهزاء كبير وهو يجلس علي مقعد المكتب المقابل لمصطفي القابع باذلال علي الأرض ، وقال بتعالٍ وهو يضع قدمه علي قرينتها : _ بشكر حضرتك يا فندم علي تعاونك معايا اعتدل الشرطي وهو يقول بلهفةً : _ متقولش كدة يا هيثم بيه ده عينيا ليك و كمال باشا تؤمر بإيه حضرتك رمق هيثم مصطفى وهو يبتسم بازدراء تجاهه، ثم لوى فمه بحُزن مصطنع قائلاً : _ انا مش عايز حاجة انا مهما كنت ميرضنيش أأذي حد ثم تابع حديثه للشرطي وقال بخبث : _ هو قل أدبه عليا وانا واجبي لما الاقي شخص قليل الادب لازم اربيه بس كدة نادى الشرطي على صابر مرة أخرى، وبعدما دلف قال بعنجهه : _ خده يا بني علي الحجز لغاية ما يبان له صاحب وتاخد لي منه كل حاجة يالا قام صابر بالتوجه تجاه مصطفى الذي ينظر أرضًا بانكسار فرفعه من علي الأرضية وسحبه للخارج، ولكنه ما إن نهض حتي رفع رأسه بعزة نفس مهما شعر بالذُل لا ينبغي أن ينال ذاك الشاب الاخرق مراده، وما إن تلاقى بعينه وهو يرحل حتي غمز له بعينه مع ابتسامة هازئة بفعلته وكأنه يخبره مهما فعل فلن يستطيع كسره أبدًا فرك مصطفي وجهه وقال بتعب : _ وبعدها راضيت اللي اسمه صابر ده عشان يخليني اكلمك ونزلت الحجز لاقيت معظمهم نايم واللي صاحي حاولت امشي أموري معاه عشان أعدي الليلة ما إن انتهى مصطفي من سرد ما حدث ، حتي قال كريم بتهكم : _ مين الضابط ده، هو اللي كان هنا؟! هز مصطفى رأسه بهدوء قائلاً : _ لا مش هو، التاني كان صغير ثم تنهد وهو يرجع رأسه للخلف بتعب قائلاً : _ انا عايز اخرج من هنا، عايز اروح البيت ثم فتح عينيه بفزع واستقام في جلسته وهو ينظر لمنذر، فهم منذر عليه فربت علي قدمه بهدوء وقال بنبرة متحشرجة : _ متخافش مقولتش حاجة انا جيت عليك علي طول نظر له مصطفي بامتنان يخالطه الألم، لم يشعر منذر بنفسه سوى وهو يحتضنه ويربت علي ظهره قائلاً : _ ورب الكعبة لو قولت لي عايز تاخد حقك لاجيبهم لك مذلولين قدامك و ده وعد مني قدام ربنا خرج مصطفي من أحضانه وقال بابتسامة عذبة : _ ربنا يخليك ليا يا منذر، بس انا مش عايز حاجة انا كدة كدة ماشي وسايب لهم البلد كلها بكل قرفها مش عايز وجع دماغ هز منذر رأسه بتفهم،وقبل أن يرد عليه حتي دخل المأمور عليهم وانهى بعض الإجراءات القانونية حتي يستطيع الخروج ثم غادر ثلاثتهم من ذلك المكان البغيض يجتمع في قلوبهم الألم تجاه ما حدث ______________________ وقف منذر بسيارته أسفل بيت رحمة ومعه كلاً من كريم ومصطفي، نظر منذر لكريم قائلاً وهو يغلق السيارة : _ هطلع مع مصطفي يا كريم لو عايز تاخد العربية وتروح المفاتيح اهي هز كريم رأسه نافيًا قائلاً بتريث : _ هستناك هنا،اطلع انت بس عشان زمانهم قلقانين تحرك منذر وامامه مصطفي الذي يسير بجمود ويتابعه منذر بناظريه شفقةً علي حاله، ما إن وصلا حتي رن جرس الباب بهدوء كانت رحمة تجلس على أحد المقاعد بجانب أمها التي تقرأ آيات من القرآن حتي تهدأ، وما أن سمعتا صوت الباب حتي نهضتا بتلهف، فتحت رحمة الباب وما إن شاهدت مصطفي حتي اندفعت لاحضانه بقوة تتشبث به قائلةً : _ كدة يا مصطفى تخضنا عليك ابعدتها والدتها عن وليدها وأخذت تتفحصه بأعين ملتمعه بالدمع لا تصدق انه أمامها فقد كانت تشعر بقبضة تخنقها ولكن ما إن أبصرته حتي أُثلج قلبها، احتضنته بشوق وكأنه غاب عنها لاعوام لا لبضع ساعات ومصطفى يشتم رائحتها بعمق يشعر الآن انه حُر طليق ما إن احتضن أمه أمانه وحصنه تنحنح منذر يخرجهم من الحالة التي بها، فأفاقت فاتن من دوامتها على ذاك الصوت وما إن أبصرته حتي تعجبت بشدة وابتعدت عن أحضان ابنها، وقالت باستغراب : _ منذر! تقدمت رحمة منهم ما إن سمعت اسمه، ووجدته يدلف المنزل بعد أخيها اخذت تمرر عينيها بين الاثنين وتتسائل تُرى ما حدث وجعل منذر يصاحب أخيها؟!! جلس منذر وبجانبه مصطفي وامامه كلاً من رحمة ووالدتها، تسائلت رحمة بتعجب : _ هو ايه اللي حصل، وطالما انت مع منذر مكلمتناش ليه يا مصطفى؟!! نظر مصطفي بطرف عينيه لمنذر، ونهض بتعب وابتسم لها بفتور قائلاً : - غصب عني يا حبيبتي، انا حقيقي مش قادر والله احكي حاجة وحاسس ان قطر دايس عليا ، عن إذنكم تركهم وذهب إلى غرفته لا يقدر علي المواجهة دائمًا ما يرسم السعادة علي وجههما ولا يقدر علي رؤية حُزنهما الآن وبسببه هو! بعدما غادر مصطفي، كانت فاتن اناظرها معلقة بصغيرها قلبها يخبرها بأنه يتألم بشدة، أما رحمة كانت تنظر له هو تحاول أن تستشف ما به وماذا حدث؟! وهو يحاول أن يكون ثابت قدر الإمكان _ ايه اللي حصل يا بني يخلي مصطفي بالمنظر ده؟! تشدقت فاتن بذاك السؤال وتعابير وجهها تتباين ما بين الريبة والجمود، قلّب منذر انظاره بين كلتاهما وأخذ يقص عليهم ما حدث دون استفاضة محاولاً تقليل الصدمة وما إن انتهى من حديثه، حتي قالت فاتن بألم وهي تنظر للأرض بانكسار : _حسبي الله ونعم الوكيل فيهم، ربنا ينتقم منهم بعدله يارب زي ما كسروا نفس ابني حاول منذر تهدئتها وأخذ يقبل رأسها فنظرت له فاتن بنظرات ممتنة قائلةً : _ ربنا يوقف لك ولاد الحلال يا بني زي ما وقفت جنب ابني في ذلك الوقت كانت رحمة تجلس دموعها تنزل بألم علي أخيها وكادت تذهب لغرفته، ولكن منذر لاحظها و نهض بدوره يمسكها من كتفيها يحاول منعها، فقالت رحمة ببكاء وتألم : _ سيبني يا منذر هو أكيد زعلان ومتضايق عايزة اكون جنبه سيبني عشان خاطري مسح منذر دموعها وقال بحنو ولكن نبرته جامدة : _ مينفعش يا رحمة، هو عايز يرتاح ويقعد لوحده سيبي له مساحته وبكرة ان شاء الله يكون كويس انتي مش عارفة مصطفي ولا ايه؟! نظرت له من بين دموعها تسأله هل سيصبح علي ما يرام حقًا؟! فقرأ منذر ما بأعينها وطمأنها بدوره، ثم اتجه إلى فاتن يقول لها بأدب : _ صدقيني حضرتك مصطفي راجل وقوي جدًا وهيقف علي رجليه تاني كله هيعدي سيبيها على الله بس ربتت فاتن علي قدمه بامتنان وهي تبتسم له بسمة حقيقية تقديرًا لما يفعله، رن هاتفه فوجده صديقه فنهض بدوره يتجه للباب ويودعهم باحترام : _ انا مضطر امشي عشان صاحبي في العربية تحت، وكمان الوقت متأخر ومينفعش اقعد اكتر من كدة، بس لو فيه حاجة رنوا عليا علي طول في اي وقت شكرته فاتن وقالت بهدوء : _ متحرمش منك يا حبيبي، كتر خيرك علي وقفتك دي ومتقلقش كله خير ان شاء الله ابتسم لها بخفوت ونظر لرحمة يودعها بنظراته يريد أن يأخذها معه حتي يطمئن انها لم تعد حزينة ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه نزل منذر الدرج برأس تعج بالأفكار، وما إن خرج من البناية حتي صدح صوت الآذان يريح نفسه المضطربة وأخذ يتأمل الكلمة التي تُردد وكأنه يستمع لها أول مرة " الله أكــبر" يا لها من كلمة! آهٍ لو علم كل شخص انه مهما بلغت سطوته وكَبُرت مكانته فهناك من هو أكبر و أعظم من كل شئ وأي شئ.. الله! سبحانَ من لا شيءَ حقاً مثلُه ... ربُّ الخلائق الذي لا نِدَّ له ___________________ بعد أن انتهى منذر وكريم من أداء صلاة الفجر في المسجد، كان منذر يقف بالسيارة أسفل البيت وهو يقول بارهاق : _ مش عارف اودي جمايلك دي فين يا كريم فرك كريم وجهه يزيل النعاس منه وقال بصوت متذمر به أثر النوم : _كلمة كمان وهقطع علاقتي بيك ثم تثائب بقوة فوضع يده علي فمه وقال وهو يفتح باب السيارة : _ يالا بقا اطلع نام لك ساعتين قبل الشغل سلام تركه بعدما أنهى حديثه ومنذر يتابعه بامتنان لوجوده في حياته، ثم أغلق السيارة وصعد إلى المنزل فوجد أبيه يجلس على الاريكة، وما إن كاد يتحدث حتي قال منذر بارهاق : _ بابا ابوس ايدك ورجلك انا راجع مش شايف قدامي بكرة هحكي لك كل حاجة نظر له سعيد بتقييم وقال بهدوء وهو يعقد ذراعيه خلف ظهره : _ ماشي يا منذر خش نام لما نشوف أخرتها كاد منذر يتجه لغرفته ولكن أبيه منعه بسؤاله : _ صليت؟! هز منذر رأسه بهدوء ثم دخل غرفته يرمي جسده علي سريره بارهاق وسرعان ما غط في نوم عميق بعد يوم ملئ بالأحداث ______________________ في صباح اليوم التالي، كانت مريم تتحدث في الهاتف وهي تأخذ الغرفة جيئةً و ذهاباً وتقول بتوتر : _ حاولت اوصلها يا آيات و مبتردش حتي موبايلها وصله نت فأكيد في البيت _طب ما تكلمي اخوكي يا بنتي هو مش جوزها دلوقتي تشدقت آيات بتلك الكلمات بنذق كبير، شردت مريم في شئ ما ولكنها أفاقت علي صوت صديقتها وهي تقول : _ بت يا مريم روحتي فين تاني؟!! زفرت مريم بقوة وقالت بهدوء : _مروحتش انا هنزل اشوفه لأني كمان عايزاه في حاجة _طيب وابقي طمنيني و لو وصلتي لرحمة قوليلها آيات بترن عليكي عشان الجمعية عقدت مريم ما بين حاجبيها باستغراب وقالت بتعجب : _ جمعية ايه دي! _ الجمعية الخيرية يا بت اللي كانت عايزة تتطوع فيها ما انتي كنتي واقفة لما قالت لي هزت مريم رأسها بتفهم وكأنها تقف أمامها وقالت : _ اه صح ده انا نسيت ثم سكتت قليلاً وتابعت بشئ خطر في عقلها وقالت بخفوت : _ آيات انا عايزة اتطوع في الجمعية دي، عايزة اشغل نفسي و دماغي تبعد عن التفكير في الموضوع ده انا تعبت اوي والله ابتسمت آيات بحنو وظهر جليًا في قولها : _ أهم حاجة انك فوقتي وعرفتي الحقيقة قبل ما تتعلقي بيه اكتر، وزي ما قولت لك ابقي ادعي ان ربنا يشيله من دماغك وقلبك ويحفظ قلبك لحلاله... ها فاكرة الدعاء ولا نسيتيه؟!! ابتسمت مريم وقالت بهدوء : _ ازاي انساه لا طبعاً فاكراه وتابعت بتضرع نابع من قلبها قبل فاهها : اللَّهمَّ اكْفِني بحلالِكَ عَن حَرَامِكَ، وَاغْنِني بِفَضلِكَ عَمَّن سِوَاكَ ،اللَّهُمَّ أَلهِمْني رُشْدِي، وأَعِذني مِن شَرِّ نَفْسي وبعد أن انتهت قالت بامتنان : _ بجد يا آيات ربنا يبارك لي فيكي وفكلامك أنا حقيقي لولا وقفتك جنبي مكنتش عارفة هبقا ازاي ابتسمت آيات بحُب وقالت : _ عيب يا بت لما تقولي كدة ده انتي اختي الصغيرة، يالا بس روحي اطمني علي رحمة كاريزما سلام ودعتها مريم بهدوء واتجهت ترتدي إسدالها وخرجت تجاه وجهتها بعدما أخبرت والدتها __________________ كان منذر في ذلك الوقت يستعد للذهاب لعمله فقد فاته موعد استيقاظه وعندما نهض كان والده ينتظره ولم يهدأ إلى أن علم بما حدث وعندها فقط أطلق سراحه وتوجه لعمله تاركًا إياه يرتدي ملابسه حتى يلحق به وقفت مريم امام باب بيت عمها تدق الجرس فهي تعلم أنه بالداخل فسيارته في محلها، فتح منذر الباب بتعجب فلا أحد يزورهم في ذلك الوقت وما إن أبصر الطارق حتى علت الدهشة ملامحه وقال : _ مريم! ثم نظر لساعة يده فوجد الوقت مبكرًا لموعد استيقاظها فقال : _ الله! وصاحية دلوقتي هو في ايه؟! دفعته مريم بجمود ودخلت إلى بهو المنزل فزفر منذر بضيق وهو يستغفر ربه والتفت لها بعدما أغلق الباب قائلاً : _ مريم لو فيه حاجة أجليها لما ارجع أنا متأخر جدًا علي الشغل عقدت مريم ساعدها أمامها وقالت بسخرية : _ وانت متضايق كدة ليه؟ مش انت اللي خارج بعد نص الليل وراجع وش الصبح ما طبيعي تتأخر رمقها منذر بتعجب واقترب منها قائلاً : _ وانتي عرفتي منين اني خرجت ورجعت في الوقت ده! _كنت واقفة في الشباك وشوفتك وانت ماشي مع صاحبك وفضلت صاحية لغاية ما جيت نظرت له لثوانٍ فوجدت ملامح وجهه جامدة فأكملت قائلة بهدوء : _انا أصلاً مليش دعوة أكيد فيه سبب، انا بس عايزة اطمن علي رحمة من امبارح بالليل بكلمها لحد انهارده مبتردش هي كويسة مش كدة؟! لم يجب منذر في البداية فقط ينظر لها بغموض، فتابعت وهي تتقدم منه بريبة تسأله : _ خروجك امبارح كان عشانها مش كدة؟ هي كويسة يا منذر! تنهد منذر بقوة ورد عليها بنبرة رخيمة : _ أنا مش عارف هي كويسة ولا لا، بس امبارح أخوها كان في مشكله وكان مقبوض عليه وهي كانت حالتها وحشة تابع حديثه بتشوش قائلاً : _أنا مش عارف اتصرف ازاي وأكيد مش هينفع أخرجها وكمان مش هينفع اروح البيت لغاية ما الموضوع يهدا شوية كانت مريم تنصت له وقلبها يدق لا تعلم أحزن أم ألم؟ ولكنها تعلم أنه شعور غير مستساغ، ابتلعت لُعابها حتي تهدأ وقالت بثبات : _ مينفعش متروحش يا منذر انت جوزها دلوقت، لازم تكون جنبها رحمة ضعيفة جداً وانت لازم تكون جنبها كلمهم بعد الشغل وشوف الدنيا عندهم ايه وروح لها انت، وابقا خليها تكلمني من معاك او حتي ترد تعبرني عرض عليها منذر بهدوء بعدما راقت له الفكرة كثيرًا فقد كان يريد أن يذهب إليها ما إن فتح عينيه ولكنه لا يعلم هل يتقبلوا وجود زيارة ام لا، وقال بتريث : _ طب ما تيجي معايا ليه تكلميها وبالمرة عشان تخليها تخرج من الجو ده تحدثت مريم بمرح زائف تداري توترها : _ سيبنالك ياخويا انت جو الطبطبة ده، وبعدين كلها كام يوم واشوفها ان شاء الله عشان الجمعية تعجب منذر فتابعت مريم بتوضيح : _ الجميعة اللي رحمة كانت عايزة تتطوع فيها التقديم فتح وانا هروح معاها فمتقلقش يعني بوزي فبوزها دراسة وإجازة لغاية ما تزهق هز منذر رأسه بإدراك ثم دفعها أمامه قائلاً بجمود : _ طيب ياختي يالا علي بيتك بقا عشان ابويا هينفخني على التأخير ده دفعها خارج الشقة وخرج بعدها يغلق الباب وودعها بمرح وهي تبادله ولكنه عكس حزنها الداخلي بعد أن اختفى عن ناظريها رفعت رأسها عاليًا وقالت بصوت ظهر به الألم : -يارب ابعده عني وعن قلبي انا تعبت ثم صعدت لمنزلها بهدوء شديد يخالف طبيعتها المشاغبة وروح مشتعلة بالنشاط _____________________ في منتصف اليوم كان مصطفي يجلس بهدوء علي حاسوبه يرتدي نظارته الطبية ويتابع شئ باهتمام كبير ، تقدمت منه رحمة بكوب من العصير وجلست بجانبه ابتسم لها وقال بمرح معتاد : _ بسكوته شايله عصير مش خايفة تدوبي يا بت ولا ايه؟! ابتسمت رحمة بحُب له فهذا مصطفي دائمًا ما يواري حُزنه داخله ويظهر المرح علي وجهه، وقالت بهدوء وهي تنظر لما يفعله بتركيز كبير : _ انت بتعمل ايه يا مصطفى من الصبح كدة؟! رد عليها دون أن يزيح عينيه من على الجهاز أمامه قائلاً : _ فيه ايميل وصلي من الشركة بميعاد السفر ومستني باقي التعليمات ساد الحزن علي وجه رحمة وقالت بخفوت : _ متخليك معايا يا مصطفى أنا مش عايزاك تسافر وتسيبني التفت لها مصطفي وأخذها بأحضانه وقال بهدوء : _ ياريته ينفع والله ما ابعد عنك بس انتي عارفة يا رحمة ان ده حلمي من زمان ثم ابعدها من أحضانه ونظر بأعينها يقول بمرارة : _ وكمان انتي شوفتي اللي حصلي امبارح يرضيكي عشان وقفت ادافع راجل كبير وانا مليش سلطة اتهان من عيل صغير، انا عايز اقف علي رجلي بمجهودي واوصل وطول ما انا هنا صعب وسط الديابة اللي حوالينا نظرت رحمة بلهفة وهي تقول بأمل : _ طب ما منذر لسه بادئ في شغله و.. وكمان كريم صاحبه يعني انت ممكن تعمل كدة وتوصل للي عايزه وتفضل معايا ابتسم مصطفي وهو يمسح علي وجنتها بحنو فهو يعلم أنها تخاف من فقده وتخشى أن تصبح وحيدة، فرد عليها بحنان يقول لها بتوضيح يحمل في طياته المرارة : _ منذر يا رحمة ما شاء الله أهله مبسوطين وتجار ليهم اسمهم في السوق، وكريم اللي بتتكلمي عنه ده بدأ شغله لما كان مسافر مع اخوه ولما صفاه بعد موت أخوه نزل هنا ضيعها علي علاج والدته والعمولات عشان يبدأ تاني بعد ما كل حاجة ضاعت منه بس كان ليه قرش برده يسندوه عشان يبدأ ، لكن العبد لله علي الحميد المجيد خالص حتى القرشين اللي كانوا هيجوا من ورث ابوكي عمتك منها لله خدتهم وهي لاوية دراعنا وفي الاخر راحت اتقاسمت مع الراجل وطلعوا مطبخينها سوا أنزلت رحمة رأسها بحُزن وأسى من حديثه فرفع رأسها مرة أخرى يقول بهدوء : _ أنا مش بقولك كدة عشان احسسك اننا أقل منهم، لا الحمد لله احنا احسن من غيرنا كتير وربنا مبارك لنا في كل قرش بيدخل بيتنا طالما بالحلال، انا بس عايز افهمك ان كل واحد لازم يتعب عشان يوصل وبيحاول في كذا طريق عشان يقدر يقف ويكمل وده اللي عمله منذر و كريم كل واحد فيهم بيحاول يعافر في الدنيا عشان يثبت نفسه ويحقق حلمه وانا حاولت يا رحمة زيهم بس ملقتش طريقي هنا، مش من حقي اجرب حظي في حتة تانية واحقق حلمي هناك يمكن أنجح ؟! احتضنته رحمة بحُب وقالت بصوت متحشرج : _ انت احسن اخ في الدنيا كلها يا مصطفى، عشان كدة عايزاك تفضل جنبي متمشيش ثم ابتعدت عنه وهي تقول : _ بـ.. بس انا برده مش هكون مبسوطة طول ما انا شايفاك متضايق كدة، انا عايزاك تكون اشطر دكتور صيدلي في مصر وبره مصر كمان قبّل مصطفي رأسها بامتنان وحُب كبير لأخته وصغيرته ___________________ في المساء كان منذر يجلس مع مصطفى و رحمة تتحدث مع مريم في الهاتف في جو يسوده الأُلفة والمحبة تحدث مصطفي وهو يُبصر الأشياء التي جلبها زوج أخته العزيز وقال بمرح : _ والله ما كان له لزوم التعب ده يا ابو نسب رد عليه منذر بهدوء وهو مبتسم بسخرية : _ لا بجد اومال مين اللي قالي اجيب موز وانا جاي! ابتسم مصطفي وهو يغمز له بعبثٍ قائلاً : _ انا أساسًا عندي حساسية منه، بس مراتك بتموت في حاجة اسمها موز يعني جايب لجماعتك يا باشا مش ليا ابتسم لها منذر بحُب وشرد فيها فخجلت منه و ابتعدت بعينيها عنه، فتنحنح ما إن شاهد مصطفي يبتسم له بخبثٍ لنظراته وقال بتوتر : _ ياعم وانت يغلىٰ عليك حاجة قول اللي عايزه واجيبه ليك _خلاص مفيش مرة جاية انا مسافر أن شاء الله آخر الأسبوع ابقى جيب لمراتك بقا تعجب منذر وسأله باستغراب : _ سفر ايه ده؟!! اعتدل مصطفي في جلسته وهو يضم رحمة له حتى لا تحزن ولاحظه منذر وقال بهدوء : _ شغل تبع شركة في ألمانيا من شركات الأدوية هناك وربنا ييسر عايزك تاخد بالك من رحمة انا ماشي وسايبها في ايد أمينة وانا متأكد من ده نظر له منذر ثم لزوجته وقال بصدقٍ نبع من فؤاده : _ربنا يوفقك يا مصطفى، ومتقلقش رحمة في قلبي قبل عيني نظرت له رحمة بعينيها تخاطبه بحُزنها فنظر إليها باطمئنان ،لاحظ مصطفي تبادل نظراتهم فاستأذن منهم وما إن خرج حتى اقترب منذر من رحمة يمسح علي وجهها بحنو ويقول : _الجميل عيونه زعلانة ليه نزلت دمعة من عينيها وقالت بحُزن يجيش صدرها : _ مصطفي هيسافر ويمشي يا منذر، وأنا زعلانة عايزاه معايا هو عمره ما سابني هو أول صاحب ليا مكنش أخويا وبس حتي لما نتخانق بيجي يصالحني علي طول، أنا مش عايزاه يتضايق لما يقعد هنا بـ.. بس مش عايزاه يسبني يا منذر ويبعد احتضنها منذر بحُب وقال بحنو وهو يمسد علي ظهرها : _ هو عايز يشوف حياته يا رحمة، ودي سُنة الحياة في يوم هتلاقي كل واحد ملبوخ في دنيته وحياته، انتي هتكون ليكي حياتك وبيتك وأسرتك وكيانك وهو كمان من حقه ده من حقه يفرح باللي نفسه فيه من حقه يشوف مستقبله رفع وجهها له يمسح دموعها التي هبطت وقال بهدوء : _ وبعدين اكيد فيه اجازات وفيه مكالمات طول الوقت وكمان يمكن ربنا يوفقه وينزل هنا مصر يكمل شغل لما يقف علي رجله.. مش عايزك تزعلي مفهوم ابتسمت له رحمة بعدما شاكسها وداعب أنفها بمرح وقالت بصوت متحشرج : _خلاص مش زعلانة ابتسم لها منذر بحُب، والي هنا انتهى اليوم بسلام وهدوء علي الجميع ___________________ مرّ الاسبوع سريعاً، وفي المطار كان يقف مصطفي بحقائب سفره ومعه أسرته ومنذر ومريم التي تقف بجانب رحمة تهدئها اقترب مصطفي من جده وهو يقول بتأثر مرح : _ هتوحشني يا هيما اوعي تنساني ده أنا مصدقت احتضنه إبراهيم بحُب وقال بصوت متحشرج : _ انساك ازاي يا واد ده انت ابني مش حفيدي،بس متتأخرش عليا يا مصطفى ابتسم له مصطفي بحُب، ثم نظر لوالدته التي تبكي بتأثر كبير وقال وهو يمسح دموعها : _ بقا كدة يا تونة آخر حاجة اشوفها دموعك دي يرضيكي كدة يعني! مسحت فاتن دموعها وهي تحتضنه وتقبل رأسه بحنو بالغ وقالت باهتمام أمومي : _ مش هعيط خلاص، بس تاخد بالك من نفسك وتاكل كويس والصلاة اوعي تسيبها مهما كان هي صلتك بربك واللي هتنجيك ماشي يا مصطفى دي وصيتي ليك يا بني هز مصطفي رأسه بهدوء، ثم اتجه لرحمة يحتضنها بحنو وقال : _ والله هنزل في الاجازة وهكلمك علي طول مش هسيبك أبدًا نظرت له رحمة وهي في احضانه وهي تُعقب علي حديثه : _ كل يوم تكلمني متفوتش يوم هز رأسه بهدوء وهو يشير لكتا عينيه وقال بمرح : _ من عيني دي قبل دي، هكلمك صُبح وليل زي المضاد الحيوي ولا تزعلي ضربته رحمة بضجر ثم احتضنته مرة أخرى فقال موجهًا كلامه لمريم التي تتابعهم بهدوء وابتسامة عذبة علي مُحياها : _ خلي بالك منها بالله عليكي ومتسبيهاش هزت مريم رأسها عكس غصة قلبها وقالت بهدوء وهي تبتسم بسمة صغيرة : _ متقلقش عليها، توصل بالسلامة يا دكتور ان شاء الله أزاحه منذر بحنق زائف قائلاً : _ خلاص بقا ياعم انت استحلتها ولا ايه ضحك مصطفي عليه واحتضنه وهو يربت على ظهره بحُب قائلاً بمرح : _ خلاص ياعم سيبهالك خالص ثم ابتعد عنه يقول بهدوء وهو ينظر لعينيه : _ مش هوصيك علي رحمة وأمي وجدي يا منذر ربت منذر علي كتفه بهدوء وقال بثبات : _ في عيني يا مصطفي متخافش يا صاحبي ودع مصطفي الجميع وكاد يتحرك من مكانه ولكنه توقف علي يد تقبض عليه من الخلف، فالتفت بحذر وما إن استدار حتي وجد كريم بوجه متعرق وقال بنهيجٍ واضح : _ ايه يا رياسة هتمشي من غير ما تسلم عليا احتضنه مصطفي بحُب كبير وقال بمرح : _ اخويا وربي، مقدرش يا ابو مصطفى أبدًا ضحك كريم عليه وهو يقول : _ يا بني بقا أرحم شوية، توصل بالسلامة يا صاحبي ودعه مصطفي ثم نظر للجميع بحُب وتأثر كبير ووضع نظارته الشمسية حتي يحجب نظراته المتألمة لفراقهم وما إن استدار حتي نزلت دمعة حُزن من عينيه اختفت تحت نظارته ما إن أختفى عن أنظار الجميع حتي أخذت رحمة تبكي فاحتضنتها أمها بهدوء ثم تحرك الجميع من أماكنهم، وكان آخر شخص تحرك مريم كانت تنظر لموضع رحيله تتذكر حديثه ومرحه وهيئته التي تجذب الأنظار، تنهدت بعمق وكأنها تزيح ثقل كبير من علي قلبها ثم ابتسمت بسمة صغيرة تشعر بنفسها تُحرر من قيد لُف حول رقبتها حتي كاد يخنقها، وما إن استدارت وعلي وجهها ابتسامتها حتي وجدت كريم ينظر لها بتأمل فتوترت قليلاً ولكنها حافظت على بسمتها واقتربت منه تقول بهدوء : _ فيه حاجة ولا ايه؟! زاغت أنظار كريم ومد يده يُبعد ياقة قميصه عن رقبته بتوتر وقال : _ لا.. قصدي يعني حضرتك اتأخرتي فقولت فيه مشكلة هزت مريم رأسها بهدوء وهي تتقدم منه حتى تلحق بالجميع قائلةً : _ لا مفيش حاجة كتر خيرك، كنت بشبه على حد نظر كريم لمحل نظرها السابق وتسائل بتعجب : _ طب لو حد تعرفيه ممكن اجي معاكي تتأكدي نظرت مريم مرة أخرى وعادت بنظرها له مرة أخرى قائلةً بابتسامة باهتة : _ لا ملوش داعي، مطلعش هو ثم تركته ورحلت بهدوء وهو خلفها لا يعلم ما بها يشعر وكأن هناك مغزى آخر لكلماتها ولكنه نفض أفكاره وأسرع محاولاً اللحاق بها _________________ انتــهى الفصل ده أطول فصل كتبته لحد الوقت وكتبته وأنا تعبانة ، فلو عجبك متبخلش برأيك يا غالي و متنساش الڨوت
Mariam Tarek