وأنتِ كما أرى يَتَألَّقُ النُّورُ على جُدرانِ المَكانِ الذي تَحُلِّينَ به، فيَظهَرُ المكانُ وكأنَّهُ يَضحَكُ لكِ. - الرَّافعيّ _________________ بعد ان عاد منذر ومريم من منزل كريم في جو كان يسود بالمرح والأُلفة معاً كانت مريم تفتقدها كثيراً، ما إن دلفا للبناية الخاصة بهما حتى سمعا صوت جلبة وضحكات من بيت جدهما نظرا إلي بعض باستغراب وطرقا الباب كانت مريم تقف في المقدمة وخلفها منذر وما إن فُتح حتى علت الصدمة وجهيهما لا يصدقان من أمامهم خرجا من صدمتهم علي صوت ذلك الشخص وهو يقول بمرحٍ : _ فيه إيه يا جدعان؟! أنا عارف انها مفاجأة وهتتصدموا بس مش لدرجة تتخرسوا يعني! نحت مريم صدمتها جانباً وترقرق الدمع بعينيها ثم اندفعت تتعلق بأحضان ذلك الشاب بقوة ولهفة فضمها أكثر له، قالت بصوت ظهر به الشوق بنبرة متحشرجة : _ وحشتني أوي يا أمير وحشتني أوي _ وانتي أوي والله يا زقردة انتي ضربته بحنق طفولي ولكن ظلت متعلقة به وبرقبته، فرفع أمير وجهه لمنذر المبتسم لهما وقال بمرح : _نفسي اسلم عليك والله يا جدع بس البت قفشاني قفشة ولا حرامي الغسيل ضحك منذر بخفوت وضربته مريم مرة أخرى وابتعدت عنه قائلةً : _ اهو ياخويا بعدت سلم براحتك، نوجة وأحمد معاك ولا نزلت لوحدك؟! كان أمير يحتضن منذر بحُب مربتاً علي ظهره بشوق، ثم استدار لمريم واخذها تحت ذراعه قائلاً بنبرة رخيمة يعقبهم منذر دالفين لبهو المنزل : _ الحبايب كلها متجمعة جوا دلفت مريم لغرفة الجلوس بحماس لرؤيتهم يتبعها منذر الذي التمتعت عينيه ببريق الأُنس والحنين وكيف لا وهم أهله من رائحة والدته الحبيبة، كان يتمنى لو يشاركوه فرحته بعقد قرانه ويتعرفوا علي حبيبته فخالته تعتبر كأُم ثانية له! ما إن وقع بصره علي نجلاء خالته حتي دمعت عيناه بحنين كبير وهو يراها تفتح يدها تدعوه لاحتضانها فلبىٰ الطلب فوراً ضامماً إياها بشوق كبير وهو يقبل رأسها ويدها عدة قُبلات، أحاطت نجلاء وجهه براحتيّ يدها تمسح دموعه العالقة بأهدابه قائلةً بحُب : _ عامل ايه يا نور عيوني وحشتني اوي يا واد انت قبّل منذر يدها مرة أخرى وقال بصوت متحشرج : _ وانتي اوي يا نوجة والله! ثم نظر لها بتفحص قائلاً بإعجاب : _ ايه الحلاوة دي انتي بتصغري ولا ايه؟! ضحكت نجلاء وهي تلكزه بحياء فطري لتغزله بها امام الجميع ، وهنا اندفعت مريم تبعده بمرح بعدما سلمت على أحمد قائلةً : _ كتفك كدة ياسطا معلش، خشي انتي بقا في حضني يا طِعم انت قهقهت نجلاء والجميع عليها وضمتها بحُب فهي ابنتها ومدللتها الصغيرة وقبّلت رأسها بحنان كبير بعد التحيات جلس الجميع في بهو المنزل، كان منذر يضم خالته بحُب يشعر كل مرة حين يراها أنه يضم والدته لا أختها، ومريم تجلس بين أمير وأحمد ، كان أحمد وهو شاب طويل ببنية رياضية وشعر بني فاتح وأعين لوزية يضم مريم بحنو وهو يرمق منذر قائلاً بحقد مصطنع : _ وشك منور يا عم هو الجواز بيعمل كدة! رفع منذر إحدى حاجبيه وهو يبتسم بسخرية من زاوية فمه قائلاً : _ وده اسمه ايه ده! انت كانوا بيعلموك في مدارس بره القرّ ولا ايه؟! هز أحمد رأسه بنفي سريع قائلا ً باستنكار مرح : _ تؤتؤ، عيب عليك يا منذر والله ده مسموش قرّ ده حسد والعياذ بالله ضحك منذر والجميع بيأس علي مشاكستهم الدائمة، فمنذر وأحمد قد أرضعتهما نجلاء مع بعضهما، و مريم وأمير كذلك وكل اثنين وكأنهما في حرب دائمةً ولكن ما هي إلا محبة! تحدثت نجلاء وصوتها به أثر الضحكات قائلةً لمنذر بحنو : _ الله أكبر يا منذر يعني الكام مرة اللي كلمتها فيهم باين عليها هادية ومؤدبة اوي ابتسم منذر بحُب وفخر بها وقال بنبرة رخيمة : _ بكرة هجيب رحمة وعيلتها ونقضي اليوم سوا إن شاء الله وتشوفيها علي الحقيقة ، كان نفسي تكوني موجودة معايا يوم كتب الكتاب! ربتت نجلاء على قدمه وقالت بحنان : _ تتعوض في الفرحة الكبيرة والله لو فين لاجيلك هو فيه معزتك عندي يا واد انت ده نور عيوني! تنهد أمير بهيام مصطنع قائلاً وهو يضع يده علي خده بمسكنة : _ هاه وايه كمان! ثم حول نبرته للحنق وهو يقول مشيراً لسعيد : _جرا ايه يا عم سعيد ما تلم ابنك بيتعدى علي حقوقي وصلاحياتي انا و اخويا وواخد حنان امي كله! ثم حول نظره مرة أخرى لأمه قائلاً بنزق : _ مبنشوفش الحنية دي ليه يعني، ولا هو مفيش إلا منذر عندك! قهقه الجميع علي حنقه واشتعال نظراته وهو يرى منذر يضم نجلاء أكثر وهو يتلاعب بحاجبيه بعبثٍ، صدح صوت سعيد وهو يقول بجمود زائف : _ بس يا واد يا منذر احترم نفسك! ثم نظر لأمير وهو يقول بتساؤل : _ حرماك الست دي من الحنان يا واد ؟! هز أمير رأسه بمسكنة مصطنعة وكأنه مغلوب على أمره، فسحبه سعيد لأحضانه وهو يقول بنبرة ضاحكة : _ تعالي يا قلب أمك اديك حنان أنا ولا الحوجة ليهم! ضم أمير سعيد وهو يخرج لسانه بغيظ كالأطفال وسط ضحكات الجميع على ما يحدث، فقال أحمد وهو موجههاً حديثه لمريم : _ ملناش دعوة بجو العشق الممحون ده يا موهيي! ضحكت مريم وهي تضم أحمد بحُب فهو الأقرب لها بعد منذر فهو أكثر من يُدللها وأكثر من يفهمها وأيضاً اكثر من يغير عليها ! وهكذا انقضت الجلسة وسط ضحكات صادحة من القلب في جو ملئ بالأُلفة فالعائلة هي الأمان وفيها تتلخص معاني كثيرة أهمها الدفء وهذا مهما حاولت لن تستطيع أخذه من الخارج ولو نبت لك رأس فوق رأسك! _________________ في صباح اليوم الموالي، كان منذر يقف امام باب منزل رحمة يطرقُه بهدوء، فتحت رحمة الباب وعلي وجهها ابتسامة مشرقة ما إن وقع بصره عليها حتى بادلها مثيلتها وقال بتغزل : _ صباح الضحكة الحلوة والعيون اللي جابت اجلي ديا! ضحكت رحمة بصوت رقيق، ثم أفسحت له الطريق حتى يدلف فدخل منذر وهو يحمحم بهدوء ما إن رأى فاتن مقبلة عليه بوجه بشوش يعقبها إبراهيم فقالت فاتن مرحبةً به تدعوه للجلوس : _ ازيك يا منذر عامل ايه؟! اتفضل ادخل! حياها منذر بنُبل ثم رحب بإبراهيم جد رحمة قائلاً : _ ازيك يا عم إبراهيم؟! وازي صحتك!! نظر له إبراهيم بجهل وهو يعقد ما بين حاجبيه بتعجب لذاك الغريب _ من وجهة نظره_ فلاحقه منذر فقد تعود على ذلك في كل مرة يراه بها قائلاً : _ أنا منذر زوج رحمة حفيدتك نظر إبراهيم لرحمة فهزت رأسها مؤكدة، فاقترب إبراهيم منه مرحباً به بهدوء : _ ازيك يا بني معلش بقا مش واخد بالي! _ولا يهمك يا عم ابراهيم ربنا يديك الصحة! ثم دلف الجميع يجلس في بهو المنزل بهدوء وجلست رحمة بجانب وأمامها فاتن وإبراهيم، فقال منذر بنبرة رخيمة وابتسامة تُزين وجهه : _ بصوا بقا أنا جاي لكم عشان اقولكم انتوا معزومين عندنا انهارده.. خالتي هي وولادها جت من السفر وعايزة تتعرف عليكم! كانت رحمة ترى الفرحة في عينيه وهو يتحدث عن خالته، تعلم بحُبه الشديد لها دائماً ما كان يُخبرها عنها وعن اشتياقه لوجودها جواره، حولت رحمة نظرها لأمها حتى لا ترفض وتُحزنه، وكأن أمها قرأت ما يجول بداخلها فقالت فاتن بهدوء : _ أكيد طبعاً يا حبيبي ده يشرفنا والله، وحمدلله على سلامتهم ابتسم منذر بفرحة لها وما إن كاد يتحدث حتي رنّ جرس الباب، نهضت فاتن حتى تفتح الباب تاركة رحمة تجلس مع زوجها، كان منذر يتحدث مع رحمة بهدوء في ذلك الوقت ولكن رفع عيناه وتجمدت نظراته على من يقف على الباب، استدارت رحمة صوب ما يوجه بصره فوجدت نورا إبنه عمتها ومعها شاب غريب نظراته غير مريحة بالمرة، نهضت رحمة ما إن دلفوا وخلفهم والدتها الواجمة لرؤيتهم، مدت نورا ترحب برحمة برقة مصطنعة : _ ازيك يا رحومة! ازيك يا أستاذ منذر هز منذر رأسه بجمود متابعاً بنظره ذلك الذي يقف خلفها يتفحص المكان بتمعن غير مراعياً حُرمات البيت، أما رحمة فتنهدت بثقل فقد اعتادت منها هذا التصنع واجابتها بهدوء : _ الحمد لله اتفضلي قالتها وهي تُفسح لها الطريق حتى تجلس فمد الشاب لها يده بعد مرور نورا قائلاً بابتسامة سمجة : _ ازيك يا قمر أنا محسن خطيب نورا توترت رحمة وقبل أن تُهم بأي فعل كان منذر يقف بظهرها يقبض بقوة علي يد ذلك اللزج وهو يقول باصفرار : _معلش أصل الـمـدام مبتسلمش علي رجالة! شدد في قوله علي كنيتها وأنها تخصه، بعدما ترك يد حتي قام محسن بمسح يده بملابسه قائلاً باستفزاز: _ لا مؤاخذة مكنتش أعرف! شعرت فاتن بتوتر الأجواء ونظرات منذر التي تكاد تحرق ذلك المستفز فتقدمت منهم قائلةً بترحاب : _ اتفضل يا بني أقعد، ده منذر جوز رحمة اتفضل! رمق محسن منذر بسخرية وهو يراه ضامماً كتفها لصدره بتملك ثم جلس بجانب خطيبته التي كانت تشتعل لاستحواذ رحمة علي اهتمام خطيبها فمازال مثبتاً نظراته عليها ، مال منذر على أذن رحمة وقال بجمود : _ خشي جوه يا رحمة من فضلك ومتطلعيش لغاية ما الملزق ده يمشي من هنا! كانت رحمة متوترة من نظرات ذلك السمج وبسبب جمود منذر فهزت رأسها تستأذنهم وما إن كادت تهم بالدخول حتي منعها صوت نورا قائلةً ببرود ظاهري : _ايه يا رحمة استني شوية وادخلي ده أنا حتى جاية أعزمك علي فرحي! نظرت رحمة لمنذر بنظرات متسائلة ماذا تفعل!! زفر منذر بضيق وسحبها من يدها بجانبه ولم يترك يدها بل أمسكها معلناً ملكيته لها وهو ينظر لذلك البارد الذي يبادله نظرات ساخرة، بعد جلوسها قالت نورا بسخافة: _فرحي كمان شهر وقولت أول ما احجز القاعة لازم أعزمكم أول الناس مع إن كنت متوقعة تتجوزي قبلي يا رحمة بس يالا! تحدثت فاتن بهدوء يصل لحد البرود : _ ربنا يتمم لك على خير يا بنتي! ابتسمت لها نورا بمجاملة ثم نظرت لرحمة بحقد قائلةً باستفزاز : _ مقولتيش يعني يا رحمة مش ناوية تحددي الفرح بقا، ده انتي داخله على تلت سنين اهو مكتوب كتابك! نظرت رحمة لها ببرود وقالت وهي تشد مسكتها لمنذر قائلةً بهدوء : _ والله دي حاجة بيني وبين جوزي احنا حُريين ومش مستعجلين! تشدق محسن باعتراض وهو يقول باستنكار مستفز محيطاً بكتف نورا بذراعه : _ يـاه تلت سنين ومش مستعجلين ده انا و نونو حبيبي مكملناش شهرين واهو حجزنا القاعة وهنتجوز ثم نظر لمنذر باستهزاء قائلاً : _ واضح انكم مش بتحبوا بعض! قبل أن يهم منذر بالرد وجد إبراهيم يدفع محسن بغضب في كتفه قائلاً : _ نزل ايدك يا نطع انت! انت مش قاعد مع أرايل؟! واتكلم عِدل مع ولادي استدار محسن وعلى وجهه الغضب قائلاً بتبجح : _ الله الله! وليه الغلط يا عم الناس دي خطيبتي يعني براحتي! واتكلم ازاي يعني ما أنا بتكلم ببوقي! لكزه إبراهيم بقوة في كتفه قائلاً بجمود : _ براحتك دي يبقا في بيتك ولا في أي خرابة لكن طول ما انت قاعد هنا تقعد باحترامك وبأصول البيت اللي انت مرزوع فيه فهمت يا نطع! نهض محسن بغضب ونهض الجميع بدورهم فقالت نورا وهي تمسك بعضد خطيبها : _ خلاص يا محسن أصل عمو تعبان عنده زهايمر و بينسى معلش ! تراخت أعصاب محسن قليلاً ولكن مازال الغضب يحتل معالمه، فقال منذر ببرود واستفزاز وهو يرمقهما بشماته : _ والله الحاج إبراهيم بينسى فعلاً بس مبينساش الأصول والأدب! وهو بيقولك اقعد باحترامك فيها إيه دي؟! هو الاحترام بيزعل اوي كدة! رمقه محسن بنظرات نارية فابتسم له منذر باستفزاز يبادله نظراته ببرود، شددت نورا مسكتها لخطيبها فنظر لها قائلاً بغضب : _ ورايا على تحت! ثم نظر للجميع وقال بنفس وتيرته الغاضبة : _ومن غير سلام! غادر بسرعة تتبعه نورا بعدما رمقتهم بازدراء غير مراعية أحد، وما إن رحلوا حتي قال إبراهيم وهو ينهض بوجه منكمش بقرفٍ : _ في داهية ده انتوا حتى ريحتكوا هباب ايه القرف ده! نظر لفاتن وقال لها مشيراً لمحل جلوسهم السابق : _ كبي جاز ولا أي نيلة بدل ريحة جِلة البهايم دي هابه علينا كدة! ثم غادر لداخل غرفته تاركاً إياهم غارقين في الضحك لما يقول، نظر منذر لرحمة قائلاً من بين ضحكاته : _ جدك ده برنس أقسم بالله! هزت رحمة رأسها بيأس عليه، ثم بعد مرور بعض الوقت كان منذر يتحرك بهم بعدما استعدوا لمقابلة عائلته ! ________________ في منزل عائلة الشيمي، كان الجميع يجلس في بهو المنزل في جو دافئ بعد قدوم رحمة وأسرتها، كانت نجلاء تجلس و بجانبها رحمة تتأملها بحُب قائلةً : _ بسم الله ما شاء الله عليكي، زي القمر أحلى من الصور مليون مرة! ثم نظرت لمنذر الذي يجلس بجانب رحمة وقالت بحبور : _عرفت تنقي يا واد! ربنا يسعدكم ويتمم فرحتكم علي خير! أمن الجميع على دعائها، دلفت في ذلك الوقت مريم وبيدها صنية بها حلوى بيتيه فنهض أحمد يعاونها بما أنه الأقرب للباب وأخذ يقدم للجميع مع مريم ، لاحظ منذر أن رحمة لا تأكل ففهم عليها ثم أخذ ما بيدها وأخذ يزيل الطبقة الخارجية وهي عبارة عن حبات من العنب المجفف ووضعها في صحنه فهو يعلم أنها لا تحبها، لاحظ أمير فعلته فقال بعبثٍ : _ ايه يا منذر انت بتحب الزبيب أوي كدة أجيب لك تاني لو عايز! كان منذر انتهى مما يفعل ثم أعطى الطبق لرحمة بابتسامة يحثها بنظراته علي تناوله ، ثم نظر لأمير قائلاً بابتسامة مستفزة : _ انا عايزك تحط مناخيرك في وشك وملكش دعوة بيا! لوى أمير وجهه بحنق وتذمر زائف، فلاحقته رحمة ما إن رأت تهجم وجه الآخر قائلةً بلهفة بريئة : _ متزعلش يا أستاذ أمير هو منذر بيهزر معاك مش قصده! ابتسم الجميع عليها فقبلتها نجلاء علي برائتها قائلةً بمرح وغبطة موجهة حديثها لسعيد و رؤوف : _ البت كتكوتة ما شاء الله، يا بختكوا بيها متسلفهالي يا سعيد ! نظر لها سعيد وقال بحُب : _ دي متروحش فحتة دي ...دي البسكويتة بتاعت البيت ربنا يخليهالي ! صحح له منذر قائلاً بمرح : _ لنا.. يخليهالنا يا حاج مش هنخش علي ملكية بعض، ولا إيه رأيك يا جدي! كان رؤوف يضم مريم فأشار لرحمة حتي تأتي لأحضانه هي الأخرى وما إن جلست حتي قبّل رأس كلاً منهما علي حدى بمرح وهو يغمز لمنذر بمشاكسه ، حرك منذر رأسه بيأس وهو يضحك بغُلب ثم تحدث رؤوف وهو يقول بغبطة لهذا الجمع : _ربنا ما يحرمنا من لمتنا دي أبداً ويديمها علينا نعمة يارب! أمن الجميع علي دعائه وانقضى اليوم بهدوء وفرحة علي قلوب الجميع! ____________________ بعد مرور عدة أيام كانت رحمة تجلس في عيادة الطبيب الخاص بها بجانب منذر منتظرة دورها ، فمالت عليه تقول بخفوت : _ مكنش ليه لازمة نيجي انهاردة يا منذر، طالما خالتك هتيجي تشوف المحل! نظر لها منذر بأعين ضيقة وقال بهدوء : _ رحمة أنا مش اتكلمت في الموضوع ده قبل كدة! انتي من قبل ما هي تيجي حاجزة عند الدكتور ليه نلغيه! تنهدت رحمة بضيق وقالت بثقل : _ يعني هي لو سألتك كنا فين الصبح هتقولها ايه! أنا مش عايزة احرجك يا منذر ولا أحطك في موقف اخليك تتكسف منه! امسك منذر يدها بقوة ونظر بداخل عينيها بحنو قائلاً بثبات لعل كلماته تصل لعقلها : _ أولاً مفيش حاجة تخليني اتحرج ولا اتكسف انتي تشرفي وتكبّري أي حد، تاني حاجة إن دي خصوصيات محدش ليه الحق يسأل روحنا فين ولا جينا منين غير أمك وأبويا وبس لأننا لسه في بيتهم وتحت عينيهم، وغير كدة نوجة مش فضولية أصلاً فاطمني وأنا جنبك ماشي! اراحها حديثه كثيراً، فابتسمت له رحمة بعذوبة بادلها إياها بمثيلتها، ثم بعد قليل دلفت رحمة للطبيب فرحب بها كالمعتاد وجلست أمامه تقُص عليه ما حدث كالعادة ، كان الطبيب يستمع إليها بوجه خالي من التعابير وما إن انتهت حتي تنهد بعمق مبتسماً بهدوء وهو يقول : _ لحد هنا أقدر اقولك حمد لله على السلامة يا رحمة! نظرت له رحمة باندهاش وقالت بعدم تصديق : _ يعني ايه يا دكتور؟! يعني انا بقيت كويسة! ابتسم الطبيب وهو يرجع ظهره للخلف ثم أزال نظارته الطبية قائلاً بتريث : _ انتي طول عمرك كويسة ، مشكلتك انك مكنتيش عارفة قيمة نفسك و بتشوفي قيمتك من عيون اللي حواليكي ولما جيتي شوفتيها شوفتي نظرة غير الحقيقة خلتك هشة ومش واثقة فنفسك ، انتي لازم كنتي تفهمي إن قيمتك بتبقا نابعة منك انتي لو قدّرتي نفسك من الأول وشوفتي نفسك بعينك انتي مكنتيش هتسمحي لحد يقلل منك ويأذيكي، وده اللي انتي فيه دلوقت هو انتي نفس رحمة بصفاتها القديمة بس زاد عليها أنها فهمت مين هي رحمة بجد! فهمت انها تستاهل تتحب! فهمت إن مش كل الناس حلوة وبيحبوا الخير فهمت انها لازم تواجه وتاخد حقها من غير ما تشوه نفسها وجمالها! تنهد بقوة، ثم تابع مكملاً حديثه بنبرة حانية : _ أنا لو كان ربنا أكرمني ببنت كنت اتمنى تاخد جمال قلبك والبراءة اللي مهما مرّ من صعوبات عليكي لسه محافظة عليها! خليكي كدة دايماً متسمحيش للدنيا تاخد منك الحلو اللي فيكي متسمحيش للناس تغيرك لأنك حلوة وانتي زي ما انتي! مش زي ما الناس عايزين! وآخر حاجة أقدر أقولها لك ربنا يوفقك في حياتك وأنا واثق انك هتكوني حاجة كبيرة قدام ربنا يسعدك! كانت رحمة في عالم آخر فقط الصدمة هي المسيطرة عليها، تتسائل هل حقاً تعافت؟! هل أصبحت شخص طبيعي مثل الباقين؟! كان الطبيب يراقب انفعالاتها ودموعها المحبوسة فرحاً داخل عينيها، تلاقت عينيه بعينيها فتحدثت بنبرة مهتزة وعدم تصديق لما يُقال : _ بجد يا دكتور! يعني أقدر أعيش عادي زي الناس؟! أقدر اتجوز واكون واحدة مسئولة عن بيت و أسرة؟! خلاص معنتش هاجي هنا تاني! ابتسم لها الطبيب وهو يعقد ذراعيه أمامه مستنداً بجذعه علي المكتب قائلاً : _ أيوه يا رحمة تقدري، انتي خلاص واجهتي مخاوفك وقفتي قدامها واتصرفتي صح جبتي حقك من اللي أذاكي مسمحتيش لنفسك انها تعاني... معقول كل ده ومتقدريش تفتحي بيت ولا تكملي حياتك طبيعي؟! ثم تنهد بعمق مكملاً حديثه بهدوء حاني : _ بس عايز أقولك كلمتين هيبقوا آخر كلمتين وده مش من دكتور للمريضة بتاعته لا ده من أب لبنته ، إنتي قدام شوية الدنيا هتوريكي حاجات أكتر بكتير لسه متعرفيش حاجة عنها، والزواج وما بعده دُنيا تانية يا بنتي زي ما هتلاقي فيه والحُب والونس والسكينة هتلاقي فيه المشاكل والضغوطات... هتحسي إن الحياة حلوة أوي وساعات مفيش أسوأ من كدة وهي دي حال الدُنيا واجهي زي ما تعلمتي واتعودتي، اوعي تدي ضهرك للمشاكل وتقولي هسيبها تعدي وتتنازلي عن حق من حقوقك ولا مبدأ من مبادئك والاسم ايه؟! عايزة المراكب السايرة تمشي ونمشي الدنيا...لا ، عشان تعيشي صح وتأسسي بيت صح أدي لنفسك قيمتك مش كل ما تبقا فيه مشكلة تعديها عشان المركب تمشي، الانسان ليه طاقة وهيجي وقت وهتلاقي مشاعرك كلها بتستهلك في إنك بتزقي المركب عشان تمشي في حين إنك في نفس الوقت لازم تكوني واقفة فوقها عشان تكملي الطريق عليها! كانت تستمع له بوجدانها لا بأذنيها مترقبة حديثه الذي دوماً ما يُذكرها بوالدها، تابع الطبيب وهو يرى نظراتها الملتمعة بشغف لباقي الحديث : _ أنا بقولك ليه كدة، عشان انتي لحد الوقت عندك حاجة أقدر أصنفها ميزة وعيب وهي انك مبتعرفيش تزعلي اللي قدامك بتخافي عليه يتجرح ويتأذي وتكوني سبب لده زي ما حصل وكان في إيدك تخلي البنات اللي أذوكي ياخدوا عقابهم ويتفصلوا من الكلية بس انتي خوفتي تبقي زيهم وتأذيهم وتحبي الاذى ده نظرت له بأعين مصدومة لتحليله لدواخلها بتلك الدقة، فأكمل وهو ينظر بأعينها حتي تصل الكلمات لمراكز الوعي قائلاً بثبات : _ حلو انك تسامحي وانك متحبيش الاذية لغيرك بس لازم تفهمي إن ليكي حق عندهم والتنازل عشان خوف إنك تكوني شبههم وتكوني سبب تدميرهم مش صح في كل الأوقات، سامحي أه مش بقولك لا ، بس أفهمي إن فأوقات إن التسامح والعفو الكتير ده الناس بتفتكره ضعف منك مش طيبة لازم تعملي حد لده عشان ميكونش زي السلاح اللي بحدين بدل ما تدافعي بيه عن نفسك تلاقيه هو اللي بيهاجمك، قدري اللي قدامك بس متنسيش نفسك يا رحمة وفكريها دايماً إنها تستاهل تتقدر! بعد حديث الطبيب ونصائحه الابوية التي دوماً ما يلقيها علي مسامعها، تحركت رحمة للخارج لا تصدق أنها تعافت وأصبحت محررة من قيود كانت ملتفة حول عنقها حتي كادت تخنقها والآن هي ببساطة حُرة! وقع بصرها عليه هو زوجها آمانها وأمنها لم تكن لتصل هنا لولاه هو، افاقت من تأملها فيه على صوته المهتم وهو يقول : _ ها قالك ايه يا رحمة! فيه حاجة ضايقتك؟! ابتسمت رحمة وقد دمعت عيناها قائلةً وهو تحرك رأسها بنفي : _ قالي إنها آخر مرة وإني بقيت كويسة يا منذر معنتش هاجي تاني! بقيت زي الناس كلها مش هخاف وأقدر أعيش طبيعي! نظر منذر بعدم تصديق وفرحة التمعت بها عيناه لا يصدق هل بعد طريق سارا به لمدة شارفت علي السنتين انتهـى! لم يعِ لنفسه دون عابئاً بالمكان ولا بالناس من حولهم متقدماً منها وهو يُقبل رأسها قُبلة أودع فيها معانٍ كثيرة من حُب وتقدير وفرحة رافقها دمعة عزيزة نزلت من عينيه! أفاق لنفسه وهو يرى مساعدة الطبيب تقول بغبطة وسعادة لأجلهما : _ ربنا يبارك في فرحتكم ويسعدكم هتوحشينا يا مدام رحمة والله! توردت وجنتي رحمة باستحياء للموقف وقلبها يطرق بشدة ولم يكن منذر بأقل منها فقد نسي نفسه والمكان المتواجدين به وقد سيطرت سعادته عليه، نظر حوله بإحراج وتنهد براحة نسبية وهو يرى العيادة شبه فارغة إلا من شخصين تقريباً وتلك السيدة ابتسم لها بهدوء وحرج وشكرها بدوره ساحباً رحمة بيدها بعد تودعيها هي الأخرى، وما إن خرجا من المكان حتى نظرت له رحمة بحياء ثم لكزته ووجهها مازال مشتعل قائلةً : _ عجبك كدة يقولوا علينا إيه دلوقت ودي آخر مرة هنشوفها! شاكسها منذر وهو يضرب كتفه بخاصتها وقال بمرح ونبرة مُحبة : _ هيقولوا بيحبها والدنيا مش سايعاه من فرحته بيها! ابتسمت رحمة ومازال الخجل يعصف بها ومنذر ينظر لها بحُب منتظراً المصعد، وأثناء ذلك هاتفته خالته، فأجابها وقد علم أنها شارفت علي الوصول تتأكد منه من العنوان، وما إن انتهت المكالمة حتي وصل المصعد استقله كلاً منهما متوجهين صوب محل الورود الخاص بمنذر! ________________ بعد مرور بعض الوقت، كانت رحمة تجلس مع نجلاء بعدما صاحبها منذر ورأت مقر العمل كله وقد سعدت به وبما وصل إليه متمنية له السعادة والتوفيق في حياته، هنا تقدمت الفتاة التي تعمل في المكان تقدم لهما بعض المشروبات قائلةً بهدوء : _ البشمهندش بعت لكم الحاجة دي وبيقول شوية يخلص اللي في إيده وهيجي لكم! _ تسلم إيدك يا رؤى، تعبناكي معانا! كان صوت رحمة الممتن للفتاة فابتسمت له وشكرتها لتقديرها وغادرت تاركةً نجلاء وهي تُبصر رحمة بأعين ملتمعة ،قدمت لها رحمة المشروب بهدوء وابتسامة جميلة قائلةً : _ اتفضلي اشربي يا طنط! ابتسمت لها نجلاء وهي تبتسم لها بحُب قائلةً : _تعرفي يا رحمة انتي بتفكريني بنـعمة نظرت لها رحمة بتمعن وابتسمت باستغراب تحثها بنظراتها علي تكملة الحديث، فتابعت نجلاء بعدما ارتشفت من الكوب الذي بيدها قائلةً بحنين : _ نعمـة دي أختي! والدة منذر أنا مش عارفة حكالك عنها ولا لا! بس هو يا حبيبي ملحقش يقعد معاها، اتوفت وهو عنده خمس سنين مكنش لسه وعي للدنيا وانا قعدت معاه كام شهر وسافرت بيتي وجوزي وولادي حياتنا كلها هناك! كنت عايزة اخده معايا بس سعيد رفض، ومن ساعتها وأنا بنزل كل فترة عشانه هو بحس بعينيه بتقولي خليكي جنبي بس غصب عني والله لو عليا مسبوش لحظة وهو كدة، المرة دي كانت أول مرة أنزل فيها مصر وأحس أنه مرتاح أنه مش محتاجني عشان يحس بحنان الأم لا هو عايزني عشانك انتي عشان يوريني انه لقا راحته خلاص! كانت رحمة تستمع لها بأعين ملتمعة هي تعلم جيداً شعور أن تفقد عزيز كان يمثل لك الحياة الفارق أنها عاشت مع والدها غُمرت في حنانه اما هو كان قضاء الله قد شاء قبل أن يعِ لوالدته! الحرمان شعور عصيب تدري به جيداً، نظرت لنجلاء فوجدتها شاردة فقالت بصوت متحشرج : _ منذر كان بيحكي لي عنها بس مش كتير، هو كان بيحكي لي عن حضرتك أكتر هو بيحبك أوي علي فكرة! ابتسمت نجلاء بحنو أمومي وهي تنظر لمكان وقوفه مع أحد منهمك بالحديث بشكل كبير وقالت وهي تُعيد بصرها لرحمة : _ وانا بحبه ده هو نور عيوني! ثم ابتسمت بُحزن وقالت بصوت يظهر به أثر الحنين : _الكلمة دي كانت نـعمة بتقولها له علي طول كان نفسها تشوفه عريس وتجيب عيال كتير بس اجل ربنا نفذ قبل كل ده ثم نظرت لرحمة وهي تمسك بيدها مكملة حديثها : _انتي بتفكريني بيها نفس طيبتها وحنيتها حتي برائتها وهي بتصدق كل حاجة تتقالها وبتخاف علي الكل كانت أُم لكل اللي حواليها، أما منذر بقا طول عمره هادي وشفاف اوي وواضح و مش بيتعصب بسهولة وهتلاقيه بيحاول يحفظ غضبه ولو زعل بيبان عليه، أنا بقولك كل ده و بوصيكي عليه يا بنتي خليكي أُم ليه قبل ما تكوني زوجة، وأنا بقولك كدة وعارفة انك هتعملي كدة لأن زي ما سبحان الله ربنا بيقول : " سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ" تنهدت رحمة وهي تشدد مسكتها علي يد نجلاء وقالت بحُب : _ منذر اشيله جوه قلبي وفوق راسي طول العمر انا لو لفيت الدنيا كلها مش هلاقي زيه اطمني حضرتك من غير ما تقولي منذر في عيوني! ابتسمت نجلاء بتقدير لها، وهنا جاء منذر وقال بمرح : _ اوعي تكوني بتقولي لها فضايحي يا نوجة استري عليا يستر عليكي ربنا! ضحكت كلتاهما بخفوت، وقالت نجلاء وهي تلكزه بخفة : _ عيب عليك يا واد انت ده انا حتي كنت بوصيها عليك! نظر منذر لرحمة بحُب وقال بنبرة أعربت عن تقديره لها : _ مش محتاجة توصيها عليا يا نوجة هي مفيش زيها عاملة زي الجوهرة اللي مفروض تتشال جوه القلب وفوق الراس ابتسمت رحمة بحياء وقد التمعت نظراتها بحُبه تنظر له بشغف تتمني لو تعانقه علي كلماته تلك وعلي تقديره لها، كانت نجلاء تشاهد تبادلهما النظرات بقلب أُم سعيد داعية أن يديم محبتهم تلك وأن يصرف عنهم الحاقدين ! ______________ في نفس الوقت، كانت مريم تقف أمام المنزل وأحمد أمامها راكباً دراجة نارية أداره ثم قال بهدوء : _ يالا اركبي! نظرت مريم له بقلق وقالت وهي تبتلع لُعابها بتوتر : _ ما بلاش يا أحمد نركب العربية أنا عمري ما ركبت البتاع ده وخايفة! تنهد أحمد وهو يتابع بنفس وتيرة نبرته الهادئة : _ يا ستي متخافيش أنا جنبك ومعاكي، وبعدين مش انتي اللي نفسك تركبي موتوسكيل؟! يالا بقا قبل ما الدنيا تليل وارجعه للراجل ! استنشقت مريم الهواء بعمق تبث ذاتها القوة والشجاعة، ثم ركبت خلفه واستندت علي ظهره بكامل ثقلها مما جعل توازنه يختل ولكنه تدارك ذاته سريعاً والتفت لها نصف استداره قائلاً بسخرية : _ جرا ايه يا وردة مكانها في البستان! براحة ياما مش راكبة جمل انتي ضحكت مريم وما إن اعتدل حتي ضمته من خصره بقوة فتأوه ففكت يدها قليلاً وهي تنظر له بترقب لرد فعله، زفر أحمد وهو يمسح علي وجهه كاتماً غيظه قائلاً ببرود مصطنع يخالطه التذمر : _ انتي عندك حق احنا نركب العربية أنا مش مستغني عن نفسي أنا عايز أخش دنيا مش أخرج منها! وهمّ بالنزول فمنعته مريم وهي تضحك علي تذمره قائلةً : _ لا لا خلاص والله هقعد حلو، يالا بقا عشان خاطري كاد أن يعترض فقبلته بسرعة علي وجنته فنظر لها بأعين ضيقه وقال : _بترشيني انتي كدة! نظرت له مريم بأعين ملتمعة ببراءة زائفة تهز رأسها بنفي، حرك رأسه بيأس وهو يبتسم بغُلب ثم اعتدل في جلسته ثم قال : _ جـاهزة! _ جاهزة بدأ أحمد بالتحرك وهو يقول بخوف غير حقيقي يخالطه المرح : _ قولوا لأمي اني بحبها والله.. راجع لك يا طاهرة! قهقهت مريم عليه وما إن زاد السرعة ووصل لمكان هادئ حتي نهضت تمسك برقبته تستنشق بعمق الهواء الطليق تشعر بنفسها حرة، واستمر الوقت ما بين مرح وضحك حتي عادا بعد عدة ساعات قليلة كانت الشمس غابت عن الأنظار وحلّ الليل بعتمته يغطي الكون بسواده الحالك ، نزلت مريم بحماس يعقبها أحمد بعدما أغلق موتور الدراجة ثم قال بابتسامة عذبة : _ يارب تكوني اتبسطي النهارده امسكت مريم بيده وقالت بحماس وحُب : _ من احلى أيام حياتي والله شكراً أوي علي اللي بتعمله عشاني نهرها أحمد بلطف وهو يقول : _ بس يا بت انتي اختي! ويالا بقا اطلعي ضبطي القاعدة وأنا هرجع الموتوسيكل للراجل واحصلك! هزت مريم رأسها بحماس وهي تصعد لأعلى وأحمد يتعقبها بنظراته وما إن تأكد من دخولها حتي صعد مرة أخرى متحركاً لوجهته غافلاً عن ذاك الذي يشتعل وهو يراها تتسامر وتتقرب من شاب غريب يشعر بقلبه يتآكل بداخله وقد عزم علي شئ وقرر ألا يتواني فيه! ____________________ في صباح اليوم الموالي، كان كريم يدلف الوكالة التابعة لعائلة الشيمي فقد هاتف صديقه وعلم أنه موجود هنا اليوم! اخذ كريم يبحث عنه بعيونه فوجد أحد العمال فأوقفه قائلاً بهدوء : _ بقولك ايه يا معلم، منذر الشيمي موجود؟! توقف الرجل وهو يترك الصندوق وهو يقول : _ الريس منذر بيجب حاجة من المخزن اللي ورا، نقوله مين يا باشا؟! ما كاد يتحدث كريم حتي وجد صوت منذر يصدح من خلفه قائلاً بهدوء : _ روح انت يا حمامة هات كوبايتين شاي ومتتأخرش! هز الشاب المسمى بحمامة وغادر بسرعة وكأنه يسابق الريح، ثم استدار منذر لكريم قائلاً بترحاب وحبور : _ منور الدنيا كلها يا كيمو تعالي خش جوه في المكتب بدل الدوشة دي! ابتسم له كريم وهو يتحرك بقلب يدق بصخب لما هو مُقبل عليه، وبعد أن جلسا أتى حمامة بالمشروبات الدافئة قائلاً : _ اتفضل يا ريس تؤمرني حاجة تاني ؟! هز منذر رأسه وهو يناول كريم الشاي قائلاً بجمود : _ لا، روح كمل انت شغلك ومش عايز مشاكل! _ اوامرك يا ريس قالها ثم غادر بهدوء وسرعة مثلما جاء، تنحنح كريم قائلاً بحرج طفيف : _ أنا معطلك عن شغلك؟! لو وراك حاجة خلصها وأنا هستناك نهره منذر قائلاً بنبرة رخيمة : _ بس يا عم مفيش عطلة ولا حاجة ما أبويا موجود هو عمي اقعد كدة اشرب الشاي وألقُط نفسك من المشوار تنهد كريم بهدوء وأخذا كلاً منهما يتحدثان في شتى الأمور فقال كريم بلامبالاة مصطنعة : _ امبارح كدة شوفت حد داخل البيت مع مريم بنت عمك بمتوسيكل افتكرته أنت وكنت هسلم عليك بس لقيته حد غريب! فكر منذر لوهلة عن ماهية الشخص الذي يتحدث عنه صديقه وقال بإدراك : _ اه صحيح ده أحمد ابن خالتي واخويا واخو مريم نزل هو واخوه من اسبوع كدة ولا حاجة، نبقا نتجمع سوا في يوم واعرفك عليهم أن شاء الله زفر كريم براحة ثم ازدرد ريقه وقال بثبات وهو يقبض على يده بقوة لتلجيم توتره الداخلي : _ ان شاء الله، احمم منذر أنت عارف اني من فترة بدأت شغلي والحمد لله وقفت علي رجلي والشغل بيكبر والشركة بتتعرف و... قاطعه منذر بمرح وهو يُبصر توتره ذاك : _ الله يزيدك يا سيدي، مالك متوتر ولا اللي رايح يخطب كدة! _ ما أنا جاي اخطب فعلاً أنا طالب إيد مريم بنت عمك يا منذر قالها كريم دُفعة واحدة بثبات لا يعلم كيف فعلها ولكن حسناً فقد خرجت وانتهى الأمر، أبصر كريم وجه صديقه فوجد الصدمة مرتسمة على وجهه، اخذ ينظر له بترقب ينتظر رده على طلبه بقلب يقرع بخوف، ساد الصمت لدقائق خرج منذر من صدمته وقال بجمود : _ مجتش تقولي من الاول ليه؟! و تعرفني إنك ناوي تتقدم وتفهمني الدنيا بدل ما أنا زي الأطرش في الزفة كدة! شعر كريم بنبرة الآخر أنه يظن به السوء فقال بسرعة نافياً ذلك : _ ما أنا جيت أهو أقولك واعرفك حتى قبل أبوها اللي هو ولي أمرها أو حتي جدها اللي هو الكبير بتاعها، أنا عمري ما اتعديت حدودي معاها ولا اتكلمت معاها غير مرتين تلاتة كان منهم مرة وانت معانا أصلاً، وأول ما حسيت نفسي إني وقفت علي رجلي واقدر افتح بيت جيت لك... انت عارفني يا منذر وعارف اني مش الشخص تكلمه بالنبرة دي بس لو طلبي هيخليك تفكر كدة فأنا مش عايز يا صـاحبي! كان منذر يسمعه بعدة مشاعر الغيرة علي أخته والتعجب والغضب أيضاً ولكن كل ذلك تلاشى وهو يرى صديقه يغادر برأس منحنية وعيون ظهر بها الانكسار والخذلان بوضوح، وقبل أن يخرج كريم من الغرفة حتى نهض منذر يلاحقه قائلاً بلهفة ومرح طفيف : _ استنى يا عم هنا هو دخول الحمام زي خروجه وبعدين بطل الأوڨر ده كدة مش هتعمّر مع البت مريم هيجيلكوا الضغط قبل الأربعين! نظر له كريم بعدم تصديق وقال بلهفة وعفوية : _ يعني انت وافقت! قول والله العظيم وافقت يا منذر؟! رأى منذر فرحته ونظراته الملتمعة وأدرك حينها أنه يُحب أخته فبعد أن انطفأ وهج عينيه ظهر بريقه مرة أخرى وكأن حياته كلها متعلقة بموافقته، هز منذر رأسه بهدوء وهو يبتسم له فكريم رجل وهذا يكفي لوصفه! احتضنه كريم بفرحة ورفعه من علي الأرض برغم طول منذر الذي يضاهيه فصرخ منذر به قائلاً بنزق زائف : _ نزلني يلا! نزلني وإلا هحلف ما فيه خطوبة قبل ما هي تكمل ٢٥ سنة! تركه كريم فوراً جعل اتزان منذر يهتز وكاد يسقط ولكن كريم امسكه فنظر له منذر بنزق وهو يضربه بساعده قائلاً : _ ابو أم غشوميتك حاسب كدة! _ انت لسه موافق مش كدة؟! نظر له منذر بغيظ وهو يرى لهفته تلك فضرب كف بالأخري وقال : _ لا اله الا الله، هو لعب عيال يا حبيبي أه يا سيدي لسه موافق مع إني بفكر أعيد نظر يعني! قال الأخيرة بأعين ضيقة، تنهد علي إثرها كريم وقال بهدوء : _ لا ما تعيدش الله يكرمك، طالما وافقت عايز أقولك حاجة لازم تعرفها قبل ما اتقدم رسمي نظر منذر له بأعين مترقبة فقد تحولت نبرته للجدية والجمود طغى علي وجهه وأخذ يتساءل فيم سيتحدث ويخبره؟! فقد شعر بخطب ما في الأمر! ____________________ مساءً كان منذر يجلس بسيارته بعد أن عاد من عمله والصمت يسود في المكان وبجانبه مريم فقالت بتذمر وحنق : _مهو انت جايبني هنا تخللني يعني ولا أشاهد جمالك ايه الصمت المريب ده! زفر منذر بقوة ونظر لها قائلاً بنزق : _ مُريب ؟! الكلمة دي ملغية من الحرب العالمية ايه مريب دي قلبت مريم أعينها بملل، وقالت ببرود : _ طب ايه يعني منزلني علي ملا وشي عشان نتناقش في أصل الكلمة فيه ايه يا منذر؟! هو فيه حاجة رحمة كويسة يعني؟! هز منذر رأسه وقال بهدوء وهو ينظر لها بقوة : _ الحمد لله كويسة، بس أنا نزلتك عشان عايز أكلمك بعيد عن البيت لأن الموضوع يخصك ومحدش يعرفه إلا أنا وانتي... حالياً يعني! نظرت مريم له بتعجب واستغراب لا تفهم عما يتحدث ، فأكمل حديثه موضحاً إياه جعل الصدمة تحتل معالمها قائلاً : _ كريم طلب إيدك مني انهاردة، ايه رأيك ؟! صُدمت بل صُعقت هل استمعت للاسم جيداً أم لا هل حقاً كريم أتى لخطبتها هل هو منجذب لها أيضاً؟! أفاقت من دوامتها تلك علي صوت منذر وهو يكرر حديثه مرة أخرى، توترت مريم تلك المرة وتوردت وجنتيها بحمرة قانية وهي تبتسم بخجل قائلةً : _ هـ.. هو يعني محترم و مؤدب وو... نظر منذر لتخبطها ذلك وابتسم بحنو وهو يرى صغيرته موافقة لم تلفظها ولكنه يعلم ما بها جيداً فكيف لا وهي من تربت على يده، أدار منذر رأسها بهدوء وقال وهو يبتسم لها بحُب : _ موافقة مش كدة؟! هزت رأسها باستحياء كبير فهي طوال حياتها لم تتحدث مع منذر في تلك الأمور هي لا تخجل بسهولة ولكن الأمر يُربك أي فتاة، زفر منذر بعمق ثم قبّل رأسها بحُب أخوي خالص، ثم قال بهدوء ونبرة رخيمة حتى تكتمل الصورة أمامها فالأمر ليس بسهل : _ بُصي أنا هقولك اللي كريم وصاني إني هقولهولك بما إنك وافقتي علي كريم كشخص فلازم تفهمي حياة كريم واللي هتبقا حياتكم لو وافقتي بإذن الله قدام، انتي عارفة انه عايش مع والدته وهي ست قعيدة هو اللي مسئول عن خدمتها ومش هينفع يبعد عنها نظرت له مريم بأعين مترقبة لباقي الحديث، فتابع منذر بتريث : _ هو بيجب لها ست تساعدها في احتياجاتها لغاية ما هو يجي من الشغل وده هيستمر حتى بعد الجواز إن شاء الله، والدته اللي فضلاله وهو مش هيقدر يبعد عنها بس فنفس الوقت مش قصده يجيبك تخدميها هو متكفل بكل حاجة وقال يفهمك الحياة إيه قبل ما يكلم والدك ولو حسيتي إنك مرتاحة هيجي وتعملوا الرؤية الشرعية وتتفقوا علي كل حاجة! بعد أن أنهى منذر حديثه وجدها شاردة في ملكوتها، أمسك بيدها حتى تنتبه له وقال بحكمة : _ أنا كدة بلغتك باللي قاله بالكلمة، عايزك تفكري كويس يا مريم، كريم راجل وأنا واثق أنه قد اللي بيقوله بس شوفي نفسك واستخيري ربنا هل هتقدري على العيشة دي؟! هل هتوافقي تعيشي مع مامته وهي ست قعيدة؟! ولو عليها إنتي شوفتيها واتعاملتي معاها أنهى حديثه وهي تنظر له بأعين خاوية لا تعلم ماذا ستفعل؟! وهل ستوافق أم لا؟! بداخلها حرب صاخبة لا تستطيع تحديد وجهتها الآن فهي مشتتة، عليها التأني فالأمر ليس بالسهل كما كانت تظن! ______________ انتهـــى الفصل رأيكم ايه في البارت؟!
Mariam Tarek