فصل خـاص

فصل خـاص

39 2

"لم يقُل: "تزوّجنا" رغم أنّ بلاغة هذهِ الكلمة تكفي عند اجتماع المُحِبّ بحَبِيبه؛ لكنّه ابتكرَ تعبيرًا مُذهلًا: "ضِحكتها صارت بيتي!" يقول مُريد البرغوثي لـِ رضوى عاشور : ‏إنّي أقرأ في عَينيكِ الزمن القادم ولهذا أتحمَّل عِبء حياتي . وأُضيفُ : مُنذُ رؤيتي عيناك نسيتُ معنى أعباء الحياة :'')" ‏ _________________ كانت تقف تراقب أثاث بيتها المستقبلي بعدما انتهت من تجهيزه لاستقبالها تنهدت باضطراب ينتابها القلق والتوتر والاشتياق لمجاورته؛ مَن آنس روحها وأيامها، مَن احتواها في لحظات عدم اتزانها، كانت تتمنى دوماً أن تشعر بالاستقرار الروحي والنفسي ولم تجده إلا معه زوجها وحبيبها ذلك الـكريم، اسمه كريم وهو كريمٌ حقاً في كل شئ حنانه، احتوائه، مؤازته وحبه، كم هو رائع حقاً! شعرت بيد تحيط كتفها فرفعت بصرها لتتلاقي بنظراته المُحبة فاتسعت ابتسامتها وظهرت نغزتها بوضوح، ابتسم هو بدوره ما إن شاهد بسمتها وتأملها فيه مقرباً إياها تجاه قلبه قائلاً بخفوت وعبث ملازم له معها دائماً : _ ايه يا رياسة؟! سرحان في ايه كدة وواقفة لوحدك كل ده ليه؟! استدارت له بكامل جسدها فحاوطها بكلتا يديه فقالت بمشاغبة تهتز لها نبضات قلبه : _ فيك يا كيمو! قاعدة أفكر قد ايه انا معايا حتة بسبوسة بالقشطة ربنا كرمني بيها يا كريم ربنا يديمك ليا تحولت نبرتها للعاطفة الجياشة في آخر حديثها والتمعت عينيها ببريق لا يظهر إلا له فتنهد مُقبلاً رأسها، شعرت بقشعريرة تنتابها فابتعدت عنه بخجل وراته خلف حماسها الزائف وهي تسحبه من يده قائلةً : _ تعالى بُص الأوضة دي أهم اوضة في البيت كله ابتسم من زاوية فمه وقال بخبث ومكر دفين : _ بقولك يا رياسة أهلك وأهلي بره استني طيب معدش إلا كام يوم ونشوف كل المهم استدرات له تضربه بحرج من عبثه فقهقه يحاول الافلات منها قائلاً من بين ضحكاته : _خلاص.. خلاص والله آسف يا بت ايديكي تقيلة وقفت تلتقط انفاسها الغاضبة المغلفة بإحراجها وقالت بخجل ظهر بيناً من خلاص احمرار وجنتيها : _ احسن تستاهل عشان تبطل تقل أدبك يا عديم الأدب، ومش هوريلك حاجة وعديني كدة بقا حاولت التملص من أمامه فقد سد عليها العبور للخارج بجسده فقال وابتسامة مرحة تزين ثغره : _ خلاص يا رياسة محقوقلك يا عمهم، هتأدب وهسمع الكلام واشرب اللبن واغسل رجلي قبل ما انام.. حلو كدة ؟! والله ما اقدر على زعلك يا رياسة خلاص بقا  كادت ابتسامة ترتسم على ثغرها وأدتها مسرعةً، ولكنه لمحها فابتسم بهدوء ما إن لانت نظراتها وتغلفت بعتابها الرقيق له عاقدة ساعدها أمامها، فقال بحنو مراضياً إياها يقترب من الغرفة التي كانت تشير إليها ممسكاً بيدها كطفلة صغيرة يقودها والدها : _ تعالى نشوف بقا الاوضة اللي مخبياها عني من اول ما بدأ الشغل تقدمت أمامه سريعاً وامسكت يده قبل أن تصل للمقبض وقالت بلهفةٍ : _ استنى غمض عينيك الأول يالا قالتها وقامت بوضع يديها على عينيه بعدما وقفت على أطراف أصابعها حتى تصل لقامته المديدة وتأكدت انه لا يبصر فقالت بقلبٍ نابض بحب لذلك الواقف أمامها وصل له من همستها : _ الاوضة دي أنا اللي مصممه كل حاجة فيها ليك يا كريم من قلبي يارب تعجبك ابتسم وشعر بالادرينالين يندفع داخل شراينه مولداً حماساً لرؤية ماذا فعلته تلك الفتاة التي أودت بقلبه للهلاك، فتحت بيدها الحرة الباب وأنارت الاضواء وهي تبصره كل فينه تتأكد أنه لا يبصر، ثم سحبته للداخل مزيلة أناملها وقالت بخفوت متحمس : _ فتّح عينيك يا كيمو يالا وقولي رأيك فتح كريم عينيه مرفرفاً بأهدابه الكثيفة على عسليتيه سرعان ما اتسعت حدقتيه بتعجب وهو يبصر الإضاءة الهادئة لفت انتباهه تركيز الضوء على مسند يحمل كتاب كبير مزخرف تقدم منه وعلى شفتيه ابتسامه متعجبة فقرأ على غلافه " بسم خالق الحب نبدأ" التفت لمريم فحثته بنظراتها المتحمسة فلبى ندائها وسرعان ما خفق قلبه لما يحتويه هذا الكتاب بل هو متحف صغير لذكريات قديمة وأخرى مستحدثة لهما؛ ذكريات تضمهما سوياً منذ الصغر ، تحسس بيديه أولى الصور بوجل وابتسامة عذبة ترتسم علي ثغره كان حينها طفلاً في الثالثة عشر وهي لم تتجاوز السبع سنوات يشاكسها بسحب ضفيرة شعرها وهي تركله وبرغم ذلك هو يضحك بصخب، وأخرى وهو يستلم شهادة هو ومنذر في إحدى الألعاب الرياضية وهما يحملانها معاً والسعادة تعلو وجوههم، أخذ يتنقل بين الصور إلى أن وصل إلى يوم مغادرته للبلاد كان يضم منذر من جانب ومراد أخيه رحمه الله من جانب وهي تقف بتذمر أمامهم، إلى أن انتهى بصور عشوائية لهما منذ خطبتهما انتقالاً بعقد قرانهما إلى تلك اللحظة، سمع صوت من خلفه فاستدار وأصبح تنفسه مضطرب ما إن شاهدها تفتح غلالة بيضاء تخبئ خلفها صورة عقد قرانهما بطول الحائط بداخلها صور صغيرة تضم أوقاتهما العشوائية سوياً وفي الأسفل مكتوب بخط عربي أنيق : " مرة في بؤسنا زارنا قلبٌ جميل بلطفٌ قال لنا انا هنا لكي أُنير، عتمةٌ طالت حتي امتدت لأمد بعيد فيا قلبي لا تبتئس فقد أتى لكي ينير عتمتي وقلبي الصغير " نزلت عينيه لإطار كبير يضم قصيدة كلماتها جعلته يشعر أن قلبه تتصارع دقاته حتي تخرج تعلن عن عشقه لتلك الماثلة تراقب لمعة عينيه وذهوله بابتسامة صغيرة : "علمتني الأشواقَ منذ لقائنا فرأيتُ في عينيكِ أحلامَ العُمر وشدوتُ لحناً في الوفاءِ .. لعله ما زال يؤنسني بأيامِ السهر وغرستُ حُبكِ في الفؤادِ وكلما مضت السنينُ أراهُ دوماً .. يزدهر وأمامَ بيتكِ قد وضعتُ حقائبي يوماً ودعتُ المتاعبَ والسفر وغفرتُ للأيامِ كُلَّ خطيئةٍ وغفرتُ للدنيا .. وسامحتُ البشر علمتني الأشواقَ كيف أعيشُها وعرفتُ كيف تهزني أشواقي كم داعبت عينايَ كل دقيقةٍ أطياف عمرٍ باسمِ الإشراقِ كم شدني شوق إليكِ لعله ما زال يحرق بالأسى أعماقي أو نلتقي بعد الوفاءِ .. كأننا غرباءُ لم نحفظ عهوداً بيننا يا من وهبتُكِ كل شيء إنني ما زلتُ بالعهد المقدسِ .. مؤمنا فإذا انتهت أيامُنا فتذكري أن الذي يهواكِ في الدنيا .. أنا " التفت إليها ما إن انتهى من قراءة القصيدة وقال لها بتيهٍ وهو ينظر بأنحاء الغرفة وصوت متحشرج : _ انتي عملتي كدة ازاي و.. و جبتي الصور دي منين وو... لم يعرف ماذا يقول من فرط مشاعره المتضاربة داخله فتقدمت منه ممسكة بيده قائلةً بابتسامة هادئة : _ من ساعة ما اتكتب كتابنا وانا دورت عندي وعند منذر وفحاجاتك القديمة كمان بمساعدة مامتك وجمعتهم، جمعت كل ذكرى بتربطنا ببعض من واحنا عيال ونقيت الأغنية اللي غنيناها سوا وعدلت فيها ونقيت الشعر ده عشان قال كل اللي نفسي اقولك عليه وعملت بيهم الأوضة دي تبقا خاصة بينا احنا وبس مش حد تاني، على فكرة انا مدخلتش حد هنا خالص حتي تنضيفها انا اللي عملته لوحدي قولت محدش يحق انه يشوف كل ده الا انت وانا قامت بجذبه بخفة تقول بعبوس طفولي وهي تبصر تعب ايام وشهور : _ بس وانا بعمل كل ده جدو قالي ان حرام ان اعلق صور في البيت لان الشيطان بيتجسد فيها فأنا كنت خلصتهم وكنت هعلقهم على حبل بطول الحيطة بس عملتهم في كتاب كدة والصورة الكبيرة داريتها بستارة ولما نعوز نبص عليها نفتحها هاه ايه رأيك في الفكرة دي ؟! التفتت له وهي تنظر له بحيرة ولم تكد تتحدث متعجبة من صمته الشديد إلى الآن حتي شعرت به يسحبها من خصرها يضمها إليه بشدة تكاد تشعر بعظامها تؤلمها وقدماها لم تعد تلمس الأرض من أسفلها، قاومت خجلها من فعلته وضمته بدورها تستشعر حبه، أفاقت من غمامتها الوردية على صوته المتشرج دلالة على تأثره : _ عمري يا مريم ما اتمنيت حاجة زي ما اتمنيتك، وعمري ما صليت صلاة الا ودعيت ربنا يجعلك تحبيني وتشوفيني لو كنت الخير ليكي واستاهلك، انا مبسوط اوي دي احلي حاجة اتعملت لي في حياتي انزلها على الأرض ولكنها ظلت بين ذراعيه ثم قربها أكثر إليه مُقبلاً جبينها قُبلة لم تشعر بمثيلتها من قبل شعرت بها أخلصت كل مشاعره فيها، ثم نظر لها بعسليتيه قائلاً بهمس : _ يا بنت الشيمي انا ورب محمد بحبك ولو طلبتي عمري كله ما يكفيش يا مريم _ كريم! همست بها وهي تتململ بين ذراعيه بخجل شديد لم تستشعره في حياتها من احاسيسه المتدفقة وتخللت قلبها بدون مجهود فمن القلب للقلب رسول، ابعدها كريم برفق رأفةً بها و بخجلها وحتى لا يقدم على فعل أحمق يخيفها منه، اخذت تعدل في فستانها وهي تتحاشى النظر لوجهه الوسيم فمد يده رافعاً وجهها له وقال وهو ينظر داخل عينيها بصدقٍ : _ مريم مش عايزك تداري عيونك ولا تخافي مني ولا من كلمة بهزر معاكي بيها أنا بخاف عليكي من نفسي، واقسم لك بالله اني عمري ما اعمل حاجة تخليكي خايفة او تبعدي عني كان وجهها كالشعلة الملتهبة فقالت بخفوت شديد لا يمت لها بصلة ولكن كل جديد بها تكتشفه معه هو فقط : _ هو بس يعني انا مش خايفة، مكسوفة شوية لاني مش متعودة على كدة يا كيمو،فيعني علي الهادي والحنين كدة الله يكرمك ويبارك في صحتك عشان قلوب الناس مش لعبة في ايدك اختتمت حديثها بمشاغبة بعدما هدأت خفقاتها فضحك بصخب علي تحولها اللذيذ الذي يجعلها آيه في الجمال ومن بين ضحكاته اردف بجملته المعتادة غامزاً لها بمرح: _ وماله انت تؤمر يا رياسة! في الخارج كانت تقف رحمة مع هالة والدة مريم والسيدة حنان والدة كريم يجهرون الطعام للجميع بعد يوم حافل من ترتيب عش الزوجية الخاص بمريم  وكريم فلم يتبقى الا يومان على زفافهما، تشدقت هالة بحنو وشفقة وهي تبصر الإجهاد على وجه رحمة : _ بقولك يا رحمة روحي شوفي مريم اتأخرت ليه واستريحي شوية انتي واقفة من الصبح وتعبتي معانا اوي ومش كل شوية اقولك تقولي لي لا اهو معدش الا البطاطس هقليها والرز بيتشرب اهو وهوطي عليه روحي يالا وخدي الست حنان معاكي هي كمان عقبت حنان بهدوء وابتسامة حانية وهي تبصرهما : _ يعني عملت ايه ما انا قاعدة على طول، وقربت اخلص السلطة روحي انتي يا حبيبتي هزت رحمة رأسها بابتسامتها البريئة ولكنها خرجت ذابلة بسبب شعورها بألم في رأسها وظهرها وما إن خرجت حتى سمعت جرس الباب فذهبت حتى تفتحه وما إن أبصرت وجه زوجها وحبيبها حتي تنهدت براحة وكأن في وجهه طمأنينة العالم، رأي منذر اصفرار وجهها الشديد فاقترب بقلق يحيط خصرها بيد والأخرى تحمل حقائب قد جلبها معه وقال باضطراب ما إن شعر بوهنها وثقل جسدها بين يديه : _ مالك يا رحمة؟! ووشك اصفر كدة ليه؟! تنهدت رحمة بإعياء مستندة على صدره تقبض على قميصه مقاومة ذلك السواد الذي بدأ يلفها وبعد بضع ثوانٍ _ ظنت ذلك _ بدأت تتدارك نفسها ووصل لها همسه القلق فرفعت سرمديتها له فوجدت نفسها بين ذراعيه ويقوم بسقيها شئ لا تدرك كنيته، ما إن ضربت مدارك الوعي رأسها حتي تأوهت من ألم رأسها الشديد وظهرها الذي لم يعد يحتمل فنظرت له وقد نزلت دمعة متألمة فالوجع لم يعد يُطاق، وما إن شاهد منذر دمعتها لقربه من وجهها حتى انتفض قلبه بين أضلعه بخوف لم يشعر به من قبل وقال بنبرة أوضحت ما بداخله : _ ايه يا حبيبتي حاسة بأيه؟!  طمني قلبي يا رحمة! تقدمت منها هالة تمسح على رأسها وقالت بخوف لمنذر : _ قوم وديها المستشفى يا منذر وشها اصفر اوي من الصبح بقولها تقعد بس مبتسمعش الكلام ، قوم يا بني هي مش عارفة تتكلم وخلي بالك عليها شيلها متخليهاش تتحرك ولا تقف لأحسن تكون حامل "حــامل" ظلت الكلمة تتردد في أذنيه وقلبه تعالت نبضاته بقلق واضطراب يخالطهم الفرحة الطفيفة لكن ما إن أبصر انغلاق اجفانها مرة أخرى حتى انتفض يرفعها برفق بين ذراعيه وهو يهمس لها مقبلاً جبينها يطمئن قلبه قبلها : _ متخافيش يا حبيبتي متخافيش يا رحمة هتبقي كويسة ومفيش حاجة كان قد سبقه كريم للاسفل يجهز السيارة امام باب البناية السكنية وقد شاهد كلاً من منذر وهو يحمل زوجته وخلفها مريم يظهر عليها القلق الشديد وما إن استقر الجميع في الجلوس حتى أسرع كريم حتي يصل لأقرب مشفي فقد فقدت رحمة وعيها مرة أخرى وها هو يقف في الخارج بجانب صديقه وفي الداخل تقبع رحمة على السرير الخاص بالطوارئ تفحصها الطبيبة وأثناء فحصها نظرت لمريم لثوانٍ تسألها بنبرة عملية أثناء اكمالها عملها : _ هل كلت حاجة من بره او خدت حاجة مجهولة المصدر؟! هزت مريم رأسها بنفي تتشدق بتوتر ظهر على ارتجاف كلماتها وتُرجم في ارتعاشة يدها التي قبضت عليها حتى تتحكم به : _ لا، هـ.. هي مشربتش غير عصير فريش في البيت لأن هي بتقول بطنها وجعاها بقالها كام يوم _ متجوزة مش كدة ؟! هزت مريم رأسها موافقةً وهي تتابع تركيب المحلول الملحي بيد رفيقتها، وبعد بعض الوقت كان منذر يتحرك لكي يقتحم الغرفة غير عابئاً بأحد فليحترق الكون كله فالأهم أن يطمئن قلبه على مالكته، فأوقفه كريم بهدوء وما إن كاد يتحدث حتى خرجت الطبيبة من الغرفة بابتسامة هادئة تقول له بعمليةٍ : _ الف مبروك المدام حامل في شهرين اتسعت حدقتي منذر وتعالت خفقات قلبه بسعادة وصدمة فوجد كريم يسحبه لعناق قوي وهو يربت على ظهره مباركاً له بسعادة، ولم يكد يستوعب حتى سمع الطبيبة تكمل حديثها : _ بس ارجو انك تتابع عند دكتور متخصص لان هي واضح انها ضعيفة جداً ومش مهتمه بأكلها كويس ونبعد عنها أي مجهود خالص لان ضغطها كان واطي جداً ولقدر الله كان هيأثر علي استقرار الطفل وصحتها كمان لولا انها جت في الوقت المناسب، الف مبروك مرة تانية وحمد لله على سلامتها ربت كريم علي كتف منذر مؤازراً له وقال بهدوء : _ خش لمراتك يا منذر متخافش الدكتورة قالت انها بقت كويسة الحمد لله هي والطفل يالا زمانها مستنياك دفعه كريم تجاه الحجرة فدخل منذر بقلب تائهٍ لما سمعه أبصر مريم بوجهه وهي تبتسم بسعادة قائلةً : _ الف مبروك يا بابا منذر يتربى في عزكم يارب، رحمة فاقت والحمد لله بقت كويسة والبيبي كمان كويس والله اطمن خفق قلبه بسعادة ما إن وقع بصره على صاحبة العيون الريمية وهي تبتسم بحنان له تطمئنه فتنهد براحة لم تطأ قلبه إلا عندما شاهدها أمامه سالمة، لاحظت مريم نظراتهم فخرجت بهدوء مغلقة الغرفة عليهما وما إن خرجت حتى شاهدت كريم يتحدث في هاتفه وما إن اقتربت كان قد انهى مكالمته فقالت بتساؤل : _كنت بتكلم مين يا كريم؟ استدار لها وهو يبتسم قائلاً بهدوء : _ مامتك كانت بتطمن على رحمة ومقولكيش سمعت انها حامل من هنا وماسورة زغاريط من هنا قهقهت مريم بسعادة تتعلق بيده وهي تكاد تقفز محلها : _ انا مش مصدقة يا كريم انا هبقي عمتو كمان كام شهر حاسة اني هطير من الفرحة مال كريم عليها قليلاً وهو مبتسم قائلاً بتمنى حقيقي ظهر في عينيه اللامعة : _ اعبال ما يجلينا بنوتة مقطقطة تخطفني زي أمها كدة كان مازال منذر يقف محله وهو يبصرها بأعين تترقرق فيها الدموع أشارت اليه لكي يتقدم منها وكأنه كان ينتظر إشارتها تلك حتى يتقدم تجاهها، ما إن جلس بجانبها حتى سحب يده تضعها على موضع جنينها فاقشعر سائر بدنه ونظر محل يده بذهول ثم عاود نظره لها وعينيه تحمل سؤال قرأته بسهولة وهو يخبرها أن تقول له أن ما سمعه حقيقة؟ فهزت رأسها بقوة موافقةً وعينيها تدمع بفرح لم تشعر بمثيله من قبل وقالت بتحشرج: _أنا حامل يا منذر والنونو كمان ٨ شهور وهيبقا معانا هتبقا احلى بابا في الدنيا يا حبيبي نزلت دمعة عزيزة من عينيه وابتسامة فرحة تتسع على ثغره المنمق بلحية خفيفة رفعت رحمة يدها تمسح دمعته فامسك بيدها مقبلاً باطنها بعمق ثم اقترب منها ساحباً إياها لصدره برفق شديد وكأنها قطعة زجاج سوف تنكسر مقبلاً رأسها مردداً بوجل وشكر خالص : _ الحمد لله يارب الحمد لله يارب، ربنا يبارك لي فيكم يا رحمة الحمد لله ثم نظر لعينيها الممتلئة بدموعها فقبّل جبينها بعمق ثم مسح دموعها برفق، ثم انتقل لبطنها مقبلاً إياها فمسحت رحمة على رأسه بعدما تجددت دموعها مرة أخرى وهي ترى فرحته الشديدة وهي تسمعه يقول بهمسٍ لصغيرهمها : _ أهلاً باللي هينور دنيتنا وعمرنا كله ربنا يجعلك ذرية صالحة لينا وأقدر اكون لك أب تفتخر بيه، انا بحبك من قبل ما تيجي على فكرة وهنعمل حاجات كتير سوا بأذن الله كان نفسي اعملها، انا طول عمري لوحدي هخليك صاحبي وابني واخويا ولو انتي بنوتة هتبقي حبيبتي وطريقي للجنة يا حبيبتي _ منذر! همست رحمة بخفوت ومازالت تمسح على رأسه، فنظر لها بأعين تلتمع ببراءة لم تراها في عينيه من قبل وقال بهدوء وخوف : _ تفتكري هيحبني يا رحمة واكون له أب كويس انا عايز اعمل له حاجات كتير عايز اوديه احسن مدرسة وهوديه نادي عشان يبقا قوي ومحدش يزعله وهحفظه قرآن عشان ربنا يحفظه لينا وهعمله ركوب الخيل عشان انتي بتحبي الخيل و اه لازم اطمن عليكي وعليه الدكتورة قالت انك تعبانة انا آسف استني هروح أسأل على حد يشوفك ولا نروح لحد تاني بصي ا انا.. امسكت رحمة بيده وهي تبتسم بحنو بالغ وهي ترى توتره الشديد فنظر لها بنظرات زائغة فطمأنته وهي تقترب منه برفق تضم وجنته بيدها قائلةً : _ منذر انا بخير الحمد لله وبقيت كويسة والبيبي بخير كمان الحمد لله وهنروح نتطمن عند دكتور متخافش يا حبيبي، متفكرش في حاجة طول ما انت معاه هيبقا احسن حد في الدنيا عشان انت باباه وانا متأكدة انك هتقدم له كل الحلو اللي في الدنيا ابتسم لها منذر مقبلاً كلتا يديها متنهداً بحب وهو ينظر لها ولموضع صغيرهما بقلب هانئ بالسعادة والشكر الخالص لله لما أنعمه عليه صباح اليوم التالي في منزل الخاص بمنذر ورحمة كان الجميع يجتمع بعدما اطمئنوا علي صحة رحمة والجنين فقال سعيد والد منذر وهو يضمها تحت ذراعه : _ لو عرفت انك زعلتها ولا تعبتها قسماً بالله لعلقك في الفلكة فاهم! ابتسمت رحمة وامسكت بيد زوجها فهي تجلس في المنتصف بينهما وشاكسته بعينيها وقبل أن يرد منذر تدخلت فاتن والدة رحمة بحُب وصدق : _ مش محتاج تعمل كدة يا ابو منذر، انت مربي راجل ربنا يحفظه ويبارك فيه ويقوم له رحمة بالسلامة ويعدي حملها على خير يارب أمّن الجميع علي دعوتها فقال منذر وهو يسحب زوجته تجاه أحضانه بعدما ابعدها عن والده وقال بمرح : _ وشهد شاهد من أهلها، ايدك معلش يا والدي كدة عشان دي مبقتش ملكية خاصة وبس بقت منطقة محظورة! ابتسم الجميع على مناكفتهما المعتادة، وبعد قضاء بعض الوقت ذهب الجميع لمنازلهم وما إن كاد يدلف منذر للنوم هو ورحمة حتى صدح صوت هاتفه على أحد التطبيقات للتواصل الاجتماعي فعلم أن مصطفي المتحدث فاعتدل كليهما وما إن فتحت المكالمة حتى قال مصطفى بصياح ومرح : _ الف مبروك يا ابو مصطفى يتربى في عزك يا باشا، مبروك يا روما ربنا يجعله ذرية صالحة يا حبيبتي يارب ضم منذر رحمة المبتسمة لاحضانه بقوة ورد عليه قائلاً بمرح : _الله يبارك فيك يا باشا بس معلش بقا حظ اوفر المرة القادمة في الاسم احنا ناوين لو بنت ان شاء الله هتبقا رِيم ولو ولد هيبقا حسن غمز له مصطفي بعبث وقح وقال : _وماله يا عم ما هو انا سايب لك الملعب بتهدف براحتك  وعمّال تجيب أهداف واهو كريم داخل معاك يشاركك صولاتك وجوالات اعبالي يارب رد عليه منذر بانفعال وقال من بين أسنانه : _ تعرف حلال فيك خطوبة سنة ونص والله عشانك سافل ومشوفتش رباية بربع جنيه غور يا عم دتك نيلة في نبرك ده قهقه مصطفى بصخب فهو يحب العبث مع منذر بشدة وقال من بين ضحكاته : _ خلاص يا عم هقفل اهو واضح انكم كنتوا هتناموا مبروك مرة تانية وانا هكلم كريم بكرة ان شاء الله عشان ابارك له على الفرح وانا معرفتش انزل خالص هز منذر رأسه بتفهم واردفت رحمة وهي تقول بلهفة : _ خلي بالك من نفسك يا مصطفى ومن الجو عشان وحش لا إله إلا الله يا حبيبي _ محمد رسول الله يا بسكوتة سلام يا ابو مصطفى قهقه منذر بيأس عليه وودعه ثم اخذ زوجته في أحضانه مقبلاً رأسها يحمد الله بداخله على نعمه في اليوم التالي وهو المنتظر لكلاً من مريم وكريم كانت مريم تقف في الاستقبال بفستانها الأبيض اللامع بالنجوم الفضيه وتاجها المزين بزخارف نجمية صغيرة، تسارع نبضات قلبها وهي تستمع لصوت المفرقعات النارية بالأسفل ينبأها عن وصول محبوبها تقدم منها والدها بحُب وعيون لامعة بالدمع الخفي أبت ان تنزل فقبّل جيبنها ثم هبط لوجنتيها يُقبل كلتاهما كعادته معها منذ الصغر وقال بحنو : _ زي القمر يا حبيبة قلبي ربنا يسعدك ويبارك في بيتك وحياتك الجاية يا بنتي ابتسمت مريم وقد تجمعت العبرات في عينيها ولكن تنفست بعمق حتى لا تفسد زينة وجهها ثم تأبطت يد والدها حتي تُزف لحبيبها الذي يقف ببهو الفندق المقام به حفل الزفاف، كانت تهبط الدرج مع والدها وهو يعطيها ظهره ممسكاً بباقة الزهور الخاصة بها تنفس بعمق وهو يستمع لخطواتها ذات الكعب العالي وكأن كل خطوة وقرعة هي على قلبه وليست الأرضية اسفلها تجعله يهتز بين جنباته، سحب أنفاسه ما إن ترك سمير يد ابنته وتوقف أمامه يقول بصوت متحشرج : _ انا عندك سلمتك أغلى حاجة عندي اغلى من نفسي خد بالك منها يا كريم احتضنه كريم بدوره وقال بصدق نابع من قلبه : _ في قلبي قبل عيني يا عمي وحبيبك النبي ﷺ وصاني عليها وربنا يقدرني واحافظ على الوصية ابتسم له سمير ثم تحرك يقف بجانب الجميع وخاصةً والده وأخيه، ربتت مريم علي كتف كريم حتى يلتفت لها فتعالت ضربات قلبه كأزيز المراجل وتنهد مستديراً لها وما إن وقع بصره عليها حتي اتسعت ابتسامته وتقدم منها يُقبّل جبينها ثم نظر لعينيها وقال بحُب وتأمل بعينيها التي سرقت لُبه : _  سبحان اللي خلق الجمال وجمّلك في عيوني يا مريم، مبروك عليا انتي ربنا يقدرني واعرف احافظ عليكي واسعدك تنهدت باضطراب وفرحة شديدة وقالت متغزلة به ولكنها لم تخرج عابثة خرجت بريئة بشكل كبير : _ شكلك حلو اوي يا كيمو غمز لها وهو يعتدل جاعلاً أياها تتأبط ذراعه وقال بحُب خالص : _ وحياة جوز العيون السود اللي دوخني وراهم السبع دوخات ماحد حلو الا انتي ابتسم باتساع حتي ظهرت أسنانها البيضاء وتحركت مستندة على ذراعه تتقدم الجميع حتى تلتقط بعض الصور قبل بدء حفل الزفاف، في الخلف كانت رحمة تتحرك بجانب منذر بهدوء فقالت بتأفف طفولي : _ يا منذر مش عايزة اقعد في القاعة عايزة اروح معاها يمكن تحتاجني مش كفاية مكنتش معاها من الصبح وجيت متأخر ربت منذر على يدها بحنو وقال بمهادنة حتى يزيح انزعاجها : _ بس يا حبيبتي ربنا يهديكي، عايزة تقفي ع رجلك من الصبح عشان الاقيكي سخسختي مني آخر اليوم، هي مقدرة انك تعبانة وحامل وأظن سمعتي ان المجهود غلط عليكي والوقفة الكتير برده غلط لغاية ما الشهور الأولى تعدى ومش. كلامي ده الدكتورة اللي قالت لك، ومامتها معاها وافنان خطيبة اخوكي وكذا حد من قرايبنا واقفين يالا يا حبيبتي ربنا يهديكي وهاجي اقعد معاكي يالا سحبها منذر بهدوء تحت تأففها وتذمرها الشديد برغم تراقص قلبها لخوفه عليها، ولكن برغم ذلك تتمنى لو تقف بجانب صديقتها لا تتركها كما فعلت هي من قبل ولكن الأمر ليس بيدها وما إن كادا يدلفا قاعة الزفاف حتى نادى كريم علي منذر قائلاً بمرح : _ جرا ايه يا رياسة مش عايز تتصور معايا ولا ايه دي مريم لو مشفتكش واقف حالاً تتصور انتي والمدام معانا لاهتقيم الحرب عليا يرضيك وانا عريس غلبان كدة؟! ضحك منذر بيأس عليه ساحباً رحمة بيده حتى توقف أمام مريم التي تنظر له بعتاب فتقدم منها مقبلاً رأسها وقال بهمسٍ وهو يحتضنها : _ متبصيش كدة أنا عمري ما اقدر انساكي ولا اتخلى عنك ده انتي اول فرحتي وبنتي يا مريم، بس كنت هخلي رحمة تقعد لانها وقفت كتير ولسه هتقف جنبك جوه متزعليش شددت مريم من ضمته وهي تستشعر دفئ أحضانه قائلةً بابتسامة عذبة : _ مبزعلش منك وانت عارف كدة كويس ربنا يقومها بالسلامة وميحرمنيش منكم تقدم كريم منهما وقال بمرحٍ : _ معلش يا أخ بقا الحتة دي تخصني كفاية عليك كدة دور على حتتك ويالا الكاميرا والراجل حمضوا ابتسم منذر ووقف بجانب مريم يضمها وسحب رحمة لاحضانه وكريم يضم مريم من الجانب الآخر بدوره فامتدت يد رحمة حتي تمسك بيد رفيقتها فالتفتت لها مريم تشدد من مسكتها ونظراتهم متصلة ببعض يغلفها الحُب والامتنان لوجود كلتاهما في حياة الآخر وفي تلك اللحظة التقط المصور الصورة فظهرت بعاطفتها الواضحة لمحبة كل فرد فيها للآخر، فإذا وجدت صديقلً صادق الوعد مخلصاً فقد ضمنت نصف طريقك أنه آمن، وإذا اكتملت بوجود شريك حياتك وآنيس أيامك يكون لك عوناً وسنداً يكون لك الهوية من غُربة الدنيا والملجأ لتشتت روحك فها هي تذكرة عبورك لآخر الطريق بكل سلام ________________ هروباً من المذاكرة والامتحانات ربنا يعديها على كل الطلاب بخير ويكرم الجميع ومتستخسرش الڨوت الله يكرمك نجمة بسيطة مش هتاخد منك حاجة لو عجبك الفصل وآخر وأهم حاجة ومتنسوش اخواتنا في فلسطين وكل بلاد المسلمين من دعائكم متغفلوش عنهم لا دلوقت ولا بعدين حقيقي هم في وضع حرج

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

آنست أيامك

المؤلف Mariam Tarek
2024/06/18 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 1: الفصل الأول "حج مبرور"
2024/06/18
الفصل 16: الفصل السادس عشر "الظُلم ظُلمات"
2024/06/18
الفصل 17: الفصل السابع عشر "مثل النجوم هي"
2024/06/18
الفصل 18: الفصل الثامن عشر "تقويم أفعالها"
2024/06/18
الفصل 19: الفصل التاسع عشر "مُصادمة لابُد منها"
2024/06/18
الفصل 20: الفصل العشرون "أدركت الحقيقة"
2024/06/18
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون "خُطبت له"
2024/06/18
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون "عرض زواج"
2024/06/18
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون "خُطبت له"
2024/06/18
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون "يخاف أن يظلمها"
2024/06/18
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون "أصبحت زوجته"
2024/06/18
الفصل 26: الفصل الأخير "تُزف له أخيراً"
2024/06/18
الفصل 15: الفصل الخامس عشر "أحلام واهية"
2024/06/18
الفصل 14: الفصل الرابع عشر "سَكَنَ إليها"
2024/06/18
الفصل 13: الفصل الثالث عشر "فرحة منتظرة"
2024/06/18
الفصل 2: الفصل الثاني "زهايمر"
2024/06/18
الفصل 3: الفصل الثالث "وجع روح"
2024/06/18
الفصل 4: الفصل الرابع "نُهام عصبي"
2024/06/18
الفصل 5: الفصل الخامس "شقائق النعمان"
2024/06/18
الفصل 6: الفصل السادس "بداية طريق"
2024/06/18
الفصل 7: الفصل السابع "فقدان حبيب"
2024/06/18
الفصل 8: الفصل الثامن "شعور بالأمان"
2024/06/18
الفصل 9: الفصل التاسع "دقة قلب"
2024/06/18
الفصل 10: الفصل العاشر "أتقبل أم ترفض ؟"
2024/06/18
الفصل 11: الفصل الحادي عشر "رد غير متوقع"
2024/06/18
الفصل 12: الفصل الثاني عشر "قراءة فاتحة"
2024/06/18
الفصل 27: فصل خـاص
2024/06/18

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة