الفصل الحادي والعشرون "خُطبت له"

الفصل الحادي والعشرون "خُطبت له"

38 2

في حواراتنا الطويلة والمعقدة، حين تقولين: بالنسبة لي.. تنتهي عندي وجهة نظر العالم. | يامن نوباني ______________________ بعد مرور يومين كانت مريم تسير بجوار رحمة في أروقة الجامعة الخاصة بكلتيهما، كانت رحمة تراقب عبوس وجه صديقتها فلكزتها برفق قائلةً بنبرة أعربت عن اهتمامها : _مالك يا مريم انتي تعبانة؟! مدت مريم شفتيها بضيق قائلةً : _ لا الحمد لله مش تعبانة، بس أنا على أخرى من الكلية والدكتور والصحيان بدري وكله، شوية كدة و هفك متقلقيش هزت رحمة رأسها بيأس على حنقها فلولا تهديد دكتور أحد المواد بالحرمان من الامتحان لمَن سوف يتغيب لم تكن لتحضر مريم أبداً، وعلى ذكره رأت كلتاهما ذاك الدكتور يتحدث مع أحد ما فنظرت كلتاهما لبعض بخوف، ثم هرولتا قبل أن يدخل ويغلق الباب في منتصف اليوم كانت تخرج كلاً منهما بانهاك كبير فقالت رحمة لمريم بتعب : _ مريم روحي جيبي الأدوات وأنا هجيب حاجة نشربها عشان صدعت أوي هزت مريم رأسها موافقةً وعقبت على حديث صديقتها قائلةً : _ ماشي وجيبي حاجة ناكلها بالمرة كمان عشان جعانة اوي واستنيني في الكافتيريا نظرت لها رحمة بتشوش إلى حد ما فقد بغضت هذا المكان للقائها بأصدقائها القدامى الذي وضعهم القدر بكلية جانب كليتها مباشرة، لا تريد الاحتكاك بهم، لا تريد أن تُعكر صفو يومها وأعربت عن ذلك قائلةً : _بصي ناكل في أي حتة هادية، أنا مبحبهاش امسكت مريم يدها وقالت بنبرة بدت متوسلة : _ أنا ضهري مش قادرة ،عشان خاطري نقعد هناك انهاردة بس.. الكراسي حلوة هناك وهناكل ونمشي ماشي! هزت رحمة رأسها وهي مغلوبة على أمرها فقبلتها مريم بفرحة ابتسمت على إثرها الأخرى ، وتحركت كلاً منهما لوجهته لا يعرفان ما ينتظرهما هناك! عند المكان المخصص لحفظ الأدوات كانت مريم تجلب أدواتها هي ورحمة، ولم ترى تلك الفتاة التي تقترب منها بهدوء، فسمعت حمحمة من خلفها فاستدرات بهدوء وانبسطت ملامحها وهي ترى إحدى زميلاتها بالقسم فقالت مريم بابتسامة عذبة : _ ازيك يا منة عاملة ايه؟! هزت منة رأسها وكانت فتاة بشوشة ملامحها هادئة بشكل كبير وردت علي مريم بهدوء ونبرة حرجة : _الحمد لله يا حبيبتي، معلش يا مريم كنت بسأل معاكي سحاحة زيادة عشان أنا بتاعتي اتكسرت ومفيش حد في الجروب بتاعي معاه واحدة ردت عليها مريم بابتسامة هادئة : _ بصي أنا السحاحة بتاعتي فيها مشكلة من تحت عشان القفل إزاز بس بتاعت رحمة العادية تعالي معايا الكافتيريا اقولها وهي مش هتقول حاجة كدة كدة بتاعتي معايا وبعرف اتحكم فيها ما إن ذُكرت رحمة حتي تلاشت الابتسامة من علي وجه الفتاة وقالت بعبوس : _ لا خلاص شكراً هسأل حد تاني استغربت مريم كثيراً وأوقفتها بتعجب قائلةً : _استني يا بنتي فيه إيه؟! على فكرة رحمة مش هتقول حاجة والله وصدقيني مش قصدي إنك متخديش بتاعتي ربتت منة على كتف مريم بهدوء وقالت بتنهيدة مثقلة : _ والله يا مريم انتي جدعة وأنا عارفة ده بـ.. بس أنا مش حابة أتعامل مع رحمة بصراحة بعد اللي سمعته اندهشت مريم لما يُقال عن صديقتها فقالت بنبرة خرجت جامدة رغماً عنها قائلةً : _ سمعتي ايه يعني؟! ________________ في الكافتيريا احضرت رحمة بعض المأكولات لها ولمريم وجلست في أحد الأركان وأخذت ترتب أشيائها حتى تحضر مريم، ولكنها سمعت أصوات ضاحكة بصخب التفتت علي إثره رحمة فتغيرت تعابير وجهها عندما شاهدت ما كانت تخشاه، نفضت رأسها وقررت ألا تُعيرهم انتباهها، ولكنها وجدت أحد يجلس أمامها فرفعت أعينها واصطدمت بإحداهما والتي تُسمى دُنيا تجلس وعلي وجهها ابتسامة صفراء قائلةً : _ ازيك يا رحمة! رفعت رحمة إحدى حاجبيها واعتدلت ولم ترد عليها فقد تنظر لها بصمت، أرجعت دُنيا ظهرها للخلف وهي تضع قدم فوق الأخرى قائلةً بسخرية وصوت عالٍ  : _ الله! ده انتي أخلاقك باظت من كله بقا...واضح ان ركوبك عربيات الشباب أثر عليكي أوي! انتفضت رحمة من جلستها وقالت بغضب : _ انتي بتقولي ايه! ومين سمح لك أصلاً تقعدي وتتكلمي بالأسلوب ده وتتهميني أتهام زي ده! نهضت دُنيا بهدوء واستندت بكلتا يديها علي الطاولة أمامها وقالت بنبرة يشع منها الحقد والاستفزاز : _ مالك كدة يا رحومة؟! مش بقول الحقيقة! بقالك كام يوم متركبي مع واحد عربية آخر موديل ثم التفتت إلي الطاولة التي كانت تجلس عليها سابقاً قائلةً بصوت عالٍ أسمعت به جميع من بالمكان : _ و ريم وكل اللي قاعدين هناك شافوكي ثم عادت بنظرها لها وهي ترى الصدمة تتجسد على معالمها بوضوح قائلةً بحقد : _ كنتي الأول بتيجي تنصحيني وتعملي فيها البت اللي متربية ومحترمة واحنا عيال يع كُخة تيجي تقولي حرام ولا ميصحش ومينفعش احنا بنات، تيجي تشوفي نفسك بقا دلوقت عاملة ازاي!! ثم حولت نبرتها وقالت ببراءة زائفة وهي تدس سمها في طيات حديثها ونظراتها تلتمع كحرباء متلونة : _ قولت أعمل بأصلي وأجي أنصحك شوية يمكن ترجعي رحمة المحترمة تاني! هُنا قد جاءت مريم بسرعة من خلفها وقد استمعت لأغلب الحديث قائلةً بغضب وصوت عالٍ دون وعي منها جعل البعض يتجمع حولهم يشاهدوا ما يحدث بنظرات متباينة ما بين نافرة و أخرى ساخرة : _ رحمة محترمة غصب عنك وغصب عن كُل واحد هنا التفتت دُنيا علي الصوت، وما إن رأت مريم حتى ابتسمت بسخرية وقالت بصوت عالٍ وهي تحرك يديها : _يا ويلكم يا ألف ويلكم بالمحامي بتاع الست رحمة، وبعدين ما لازم تدافعي عنها ما انتي تلاقيكي عارفة عنها كل حاجة وبتعملي زيها ما الطيور على أشكالها تقع ما إن أنهت دُنيا حديثها حتى اندفع الادرينالين في أوردة مريم جعلها تتحرك تجاهها حتى تقتص منها على حديثها وأحكامها الباطلة لأجل تشويه سُمعتها وسُمعة صديقتها، ولكن وجدت رحمة تقف في المنتصف تمنعها من أن تتقدم، فصرخت مريم بها بحنق : _ ابــعدي من وشي، لازم اجيبها من شعرها انتي مش سامعة اللي بتقوله! أوقفتها رحمة بقوة وهي تقول بنبرة جامدة : _ هنرد عليها بس مش بالمنظر ده الأشكال دي مينفعش ننزل لمستواها كدة! استمعت لها دُنيا فردت بتهكم ساخر : _ ما بقاش غيرك يقول كدة! استدارت لها رحمة ونظرت لها بأعين متفحصة وقالت بازدراء : _ والله أنا قرفانة منك! وقرفانة من نفسي اني كنت أعرف واحدة زيك وزي اللي هناك دي! قالتها وهي تُشير لريم التي كانت منكمشة علي نفسها ويعلو التوتر وجهها بشكل واضح للعيان، وتابعت رحمة وهي تقول بصوت عالٍ وقلب يصرخ بالقهر : _ لكل واحد سمع كلمة في حقي وخاض في عرضي من غير ما يعرف حاجة، ليا رَب هيقتص منكم في الآخرة ياللي متعرفوش يعني إيه قذف مُحصنات! ثم نظرت لدُنيا التي يعلو وجهها السخرية والحقد وتابعت : _ أما انتي و الحلوة اللي معاكي استحملي اللي هيجرالكم ثم تركتها وهي تحمل أشيائها وتتحرك تجاه وجهة محددة بعينها، وبرغم من يراها يجد الجمود يرتسم عليها إلا أن عينيها تحمل القهر والألم لما تعرضت له نزلت دمعة حارقة وهي تسترجع ما قيل لها وسط مرأى ومسمع من الجميع، مسحتها بجمود وأسرعت في خُطاها وبعد مدة لا بأس بها وصلت وجهتها تنهدت بقوة ثم طرقت الباب وبعد سماع الأذن بالدخول، دلفت وقالت بجمود : _ لو سمحتي كنت عايزة أقابل رئيس الجامعة نظرت لها السيدة الجالسة بتعجب واستفهمت قائلةً : _ دكتور طه عنده اجتماع دلوقت ، أقدر أعرف إيه المشكلة؟! نظرت لها رحمة وقالت بثبات : _ مسألة شخصية _ طب روحي للعميد بتاع كليتك يا بنتي، ممكن متعرفيش تقابليه! تشدقت بها السيدة وهي تتفحصها بأعينها وتجد الأسى يتجسد ببراعة داخل أعين تلك الفتاة، ردت رحمة عليها بترجٍ : _ لا أرجوكي، دي مسألة حياة أو موت بالنسبة لي وهو الوحيد اللي هيحلها لازم أدخله انهاردة ومش هطول والله! نظرت لها السيدة وهي تراها تكاد تبكي فهزت رأسها تدعوها للجلوس حتي تخبره عندما يُنهي إجتماعه، فلبت رحمة طلبها وجلست بتوتر تدعو الله من كل قلبها أن تقابله حتي تقتص لشرفها وتستعيد حقها! كانت مريم تحاول أن تواكب خطوات صديقتها ولكنها لم تستطع وكأن رحمة أبدلت قدامها بعجلات حتي تسير بسرعة هكذا، ما إن وصلت مريم لذلك المبنى الضخم التي دلفته رحمة حتي اتسعت عينيها بقوة وقالت بتوتر : _  لا الموضوع مينفعش يتسكت عليه! _____________________ بعد مرور نصف ساعة كان منذر يتوقف أمام الجامعة الخاصة برحمة وعلى وجهه يرتسم الغضب جلياً، ثم تحرك للداخل بعدما أخبره أحد الطلاب بمكان المبنى المتواجد به مكتب رئيس الجامعة يلتمع بأعينه نظرات نارية تكاد تحرق كل من يقابله ولكنه يحاول تلجيمها فبعد مهاتفة مريم له وإخباره بما حدث، حتي ترك كل ما بيده متوجهاً لزوجته وأقسم لو رأى من تحدث عنها بسوء لكان أقتلع رأسه على الفور! تلاشت كل أفكاره السودوية وهو يرى مريم تقف بتوتر في أحد الأركان وما إن شاهدته حتي هرولت له بلهفة : _ منذر الحمد لله إنك متأخرتش، رحمة جوه ومش بترد عليا ومش عارفة أدخلها خالص مش راضيين ربت منذر علي يدها بهدوء وقال وهو يتحرك للداخل : _ هخش لها أنا وخليكي انتي يا مريم هنا! _ طب أجي معاك أطمن عليها! زفر منذر بضيق وهو يسحب ذراعه من بين يدها بهدوء وقال بجمود : _اطمني هكون معاها، بس مش عايز أتأخر أكتر من كدة عليها قال آخر كلماته وتحرك بسرعة تصل لحد الهرولة للداخل، تابعته مريم بنظرات قلقة فحالة منذر لا تُبشر بخير وقفت وهي تزدرد ريقها تتمني لو يمر الأمر بهدوء دون أن يحدث مكروه لأحد من أحبتها ____________ دلف منذر المكتب بوقار وهيبة طاغية يقول بجمود مُعرفاً عن حاله : _ أنا زوج رحمة اللي دخلت من شوية عايز أدخلها بعد إذنك! نظرت له السيدة بنظرات متفحصة وهزت رأسها بهدوء وهي تستشعر بوجود أمر جلل في الموضوع، ثم دلفت وبعد قليل خرجت له تدعوه للدخول  وما إن دخل حتي وقع نظره عليها تجلس بتوتر وما إن رأته حتى نهضت وترتسم إبتسامة لمرآهُ ،تقدم من المكتب ضامماً يدها بهدوء واليد الأخرى يُسلم علي ذلك الرجل الوقور بهدوء، ثم جلس بجانبها ولم يلفت يدها أبداً تنظر له بأعين مترقرقة بالدمع وكأن كل صلابتها وقواها الواهية تلاشت ما إن رأته ، تنحنح رئيس الجامعة بهدوء وقال بوقار وهدوء : _ قبل ما حضرتك تدخل كانت مدام رحمة بتحكي لي مضايقات زميلاتها في الجامعة! تحفز منذر في جلسته قائلاً بجمود : _ اعذرني هعدل لحضرتك يا دكتور طه الموضوع مش مضايقة لا دي قلة أدب وعدم تربية... لما مراتي تكون قاعدة وتلاقي واحدة تقولها انتي بتاعت شباب وبتركبي عربيات رجالة يبقا مسمهاش مضايقة أبداً ابتسم له دكتور طه وهو يرى عصبيته وانفعاله برغم محاولته تلجيمها وقال بهدوء : _ طب اهدي يا بشمهندس حقها هيجي لها متقلقش وأنا اخدت أسامي البنات و عملت لهم استدعاء هز منذر رأسه بهدوء وهو ينظر لها وقد نزلت دمعاتها، فأخرج أحد المحارم الورقية فنظرت له بألم فوجدت نظرته مواسية حانية وهو يبتسم لها بهدوء، أخذت منه المحارم وجففت وجهها بهدوء واستمعت لسؤال دكتور طه : _ هل اتعرضتي من البنتين دول لمضايقات زي دي قبل كدة؟! نظرت له رحمة وهي تتنهد تحاول أن تسترجع ثباتها الذي تلاشى بوجود منذر بجوارها قائلةً : _ هو مش زيها بس كان حاجات بسيطة ممكن اتغاضى عنها بس لما لقيتها فرجت الكافتيريا وهي بترميني بالباطل أنا وصاحبتي قولت لازم وقفة مينفعش كدة _طب فين صاحبتك مجتش معاكي ليه ؟! كادت رحمة أن ترد عليه ولكن سبقها منذر وهو يقول بثبات مشدداً مسكته لها : _  صاحبتها دي مريم سمير الشيمي، بنت عمي وواقفة بره حضرتك نظر له طه بهدوء مومئاً برأسه  وهو يقول : _ طب خليها تدخل عشان كل واحد ياخد حقه  هز منذر رأسه وهو يهاتف مريم وبعد مدة بسيطة دلفت وخلفها الفتاتان جلست مريم أمام كلاً من رحمة ومنذر، ثم حلّ الصمت علي الجلسة قطعه رئيس الجامعة وهو يقول موجهاً حديثه لرحمة ومريم : _ هما دول البنتين اللي اتعرضولكم عند الكافتيريا؟! هزت رحمة رأسها بهدوء تبعتها مريم ثم نظرت لهما بابتسامة شامتة، كادت دُنيا تتحدث مدافعةً عن ذاتها فأوقفها بيده قائلاً بجمود : _ أنا موجهتش ليكي كلام ومش مسموح هنا بالكلام بدون إذن فهمتي! امتقع وجه دُنيا ثم نظرت لمريم ورحمة بحقد ثم صمتت، تابع رئيس الجامعة حديثه وهو يقول بهدوء بعدما تنهد بقوة : _ دلوقت كل واحدة فيكم تحكي لي إيه اللي حصل بالضبط قدامهم! قصت رحمة ما حدث بالتفصيل وتبعتها مريم تقول بهدوء : _ أنا كنت بجيب الأدوات عشان عندي سكشن أنا ورحمة وفيه بنت زميلتنا جت وقالت لي إنها سمعت كلام مش حلو علي رحمة من ناس في تجارة وانها بتعمل حاجات وحشة أنا مفهمتش والبنت مرضتش توضح لي وقالت لي أنا مش هقول حاجة اسألي صاحبتك، روحت الكافتيريا لقيت الناس ملمومة علي صوت البنت دي أنا حقيقي معرفش اسمها وهي بتقول علي رحمة انها بتركب عربيات مع الشباب ولما دافعت عنها لقيتها بتقولي ما انتي زيك زيها! نظر رئيس الجامعة لكلاً من ريم ودُنيا بنظرات متفحصة، وأشار لريم موجهاً حديثه لها بنظرات ثاقبة قائلاً بجمود : _ انتي شوفتي حاجة علي زمايلك عشان تقولي الكلام ده؟! توترت ريم بشدة وقالت بتعلثم ونبرة مُنذرة بالبكاء : _ أ.. أنا مقولتش حاجة دُ.. دُنيا اللي قالت، هـ.. هو بس اليومين اللي فاتت شوفنا رحمة بتركب عربية مع حد ، بس أنا معملتش حاجة هي اللي عملت كله وقالت كل حاجة والله أنا معملت حاجة كانت تبكي بقوة وهي تتحدث، فالخوف تملك منها لم تتخيل أن يصل الأمر لتلك الدرجة لقد حاولت إيقاف صديقتها ولكنها لم تستطع ردعها وهي الآن تقف مذنبة مستقبلها مُهدد بسبب ضعفها وانصياعها خلف صديقتها! بعد أن هدأت من بكائها، تابع رئيس الجامعة حديثه بنبرة هادئة معاتبة عن سابقها قائلاً : _ طب اهدي يا بنتي! هو اي حد يركب العربية مع شخص يبقا انسان مش كويس، هل تعرفي الشخص ده مين ويقرب لها إيه عشان تقولوا كدة! رفعت ريم رأسها وعينيها تلتمع بالندم وقالت بصوت متحشرج : _ هـ.. هو الاستاذ ده هو اللي ركبت معاه وأنا ساعتها قولت لها يمكن قريبها ولا خطيبها بس هي مصدقتش ده نظر منذر لتلك الفتاة بنظرات مشتعلة وجدها تنظر له ولرحمة بنظرات تشع حقداً وبُغضاً تمنى لو يُحطم رأسها في الحائط الذي يقبع خلفها، افاق علي سؤال رئيس الجامعة لها قائلاً : _ انتي متعرفيش عقاب اللي بيتهم الناس في أعراضهم إيه ويشوه سُمعتهم؟! ده ربنا بيقول : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ _يعني انتوا لا اتأكدتوا من زميلتكم بهدوء بينكم وبين بعض لا روحتوا طلعتوا عليها هي وزميلتها كلام مش كويس وخضتوا في عرضهم، ودي مش أخلاق تليق بطالب جامعي محترم وأنا عشان كدة مش هطالب بإعتذار بس لا هعمل العقوبة التأديبية اللي بتنص على حرمانكم من الكلية لمدة لا تتجاوز الشهر! ____________________ بعد مرور بعض الوقت في الكافتيريا كانت تقف دُنيا وريم بعدما اعتذرتا من مريم ورحمة للمرة الثانية أمام الجميع بعد المرة الأولى في مكتب رئيس الجامعة وقالت دُنيا بنبرة مُرغمة وصوت عالٍ يستمع له جميع من بالمكان : _ يا جماعة أنا بعتذر لرحمة ولمريم عن اللي قولته، و أنا اللي فهمت غلط وطلع جوزها أنا آسفة ليكم! فعلت ريم المثل وأعين تترقرق بدمع أسف، كان يقف منذر بجانب رحمة ممسكاً بيدها يشاهد ما يحدث بنظرات جامدة، ما إن أنهتا إعتذارهما حتي تعالت الهمهمات من حولهم وتحولت نظرات الازدراء والاتهام تجاه كلاً من دُنيا وريم، هنا تقدمت منة الفتاة التي أخبرت مريم بسوء ظنها برحمة وقالت باستحياء موجهةً حديثها لرحمة : _ رحمة! أ.. أنا آسفة مش عارفة أقولك ايه والله، بس صدقيني أنا الأول مكنتش مصدقة! نظرت لها رحمة بأعين خاوية وقالت بتأنيب : _وبعدها صدقتي عادي مش كدة؟! انتي عمرك شوفتي مني حاجة مش كويسة! توترت نظرات منة بشكل كبير وقالت بصدق : _أبداً والله، بـ.. بس فيه بنت اسمها روفيدة  كانت قاعدة معاهم وهي صاحبتي ولما دافعت عنك قالت لي انتي مش لابسة دبلة ولا حاجة و.. _وصدقتي صح! طب يا ستي أنا الدبلة بتجيب لي حساسية ومش بعرف أشتغل بيها مع المواد بتاعت المعمل فبقلعها طول اليوم وبلبسها وأنا جاية أو مروحة وبعدين ليه مجتيش تسأليني ده ربنا بيقولك : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) ليه تفهمي كدة أنا عمري ما علمت لك حاجة وحشة ولا اي حد! انهت رحمة حديثها بنبرة متألمة بشدة تستشعر الآيه بكل ذرة في كيانها! اندفعت منة تجاهها وقالت بندم حقيقي : _والله آسفة يا رحمة! حقك عليا تنهدت رحمة بقوة ثم هزت لها رأسها مع إبتسامة باهتة فاحتضنتها بقوة وهي تشكرها ثم غادرت بهدوء بعد اعتذارها من مريم هي الأخرى، ثم بعد قليل تحرك منذر بمريم ورحمة خارج الجامعة بعد ما حدث بقوى منهكة ونفوس محملة بحُزن لما تعرضتا له! كانت دُنيا تشاهد ما يحدث وبجانبها ريم وهما تقفان في أحد الجوانب، قالت الأولى بنبرة مليئة بالكراهية : _ بقا أنا على آخر الزمن دُنيا فاروق تعتذر لدي وقدام الناس والله لـ... صرخت بها ريم وقالت بغضب ونبرة أظهرت ما بداخلها : _ بــس بقا!  كفاية قرف بقا كفاية حقد و كلام زي السِم هي عملت لك ايه لكل ده! ده حتي واحنا مطلعين عليها سُمعة زي الزفت مرضتش تخلينا ننفصل من الكلية واكتفت بإعتذار! انتي ايــه يا شيخة! قالت كلماتها وهي تدفعها بغيظ وغضب، اندهشت دُنيا لفعلتها وقالت بغضب : _ انتي مجنونة ازاي تعملي كدة؟! ثم تباينت نبرتها للبُغض قائلةً : _ ومالك بتدافعي عنها كدة ليه! ما هي السبب اننا كنا هنترفد ايه حنيتي ليها! رمقتها ريم بإزدراء بائن علي مُحياها وقالت : _ انتي إيه! ليه كُل السواد من ناحيتها عملت لك إيه لكل ده! عمرها ما ضايقتنا بكلمة ولا عملت لنا حاجة وحشة! وقصاد ده عمرنا ما بلينا ريقها بكلمة عدلة كل ده عشان إيه! هـا! ابتسمت دُنيا من زاوية فمها وقالت بسخرية : _ ايه يا ريري هطلع أنا الشيطان دلوقت!  وبعدين ما انتي كنتي بتبقي شايفة كل حاجة وساكتة هتعملي عليا البت البريئة؟! وبعدين بتسألي وعايزة تعرفي ليه!! اقتربت منها ولم يعد يفصل بينهما سوى إنشاءات بسيطة وقالا بهمسٍ ونبرة كريهة : _ عشان هي بتاخد مني اللي أنا استحقه! عندها أب وأم بيحبوها والمدرسين كلها شايفنها حاجة مفيش زيها! كل حاجة ببقا عايزاها هي بتاخدها حتي أُمي! حبيتها هي وأنا لا على طول شوفي رحمة شاطرة ومؤدبة ازاي! اعملي كدة زي رحمة خليكي كدة زي رحمة! رحمة رحمة رحمة! إيــه وأنا فين ليه هي يبقا عندها كُل ده وأنا لا هي متستحقش أنا اللي استحق أنا اللي أحلى وأنا اللي أغنى نظرت لها ريم بعدم تصديق وقالت بذهول : _ انتي مريضة! اه والله مريضة، وأنا غلطت إني سكت أنا عارفة، وبعدين هي مالها ربنا عايز لها كدة وبعدين بتحسديها علي إيه! ما أبوها مات وفلوسهم ضاعت وبعدت عننا سيبيها في حالها وسيبيني كمان في حالي أنا مش عايزة أعرفك تاني! كفاية كدة مش هضيع مستقبلي عشان خاطرك كانت دُنيا تستمع لها وهي تحرك جسدها بحركات رتيبة تنُم عن مللها، وما إن انتهت ريم من حديثها حتي سحبتها من يدها بلا اهتمام قائلةً : _ خلصتي البوقين اللي عندك تعالي نـ... سحبت ريم يدها بشدة وهي تدفع دُنيا وقالت بنبرة جامدة : _ لا، لحد هنا وخلاص قولت مش عايزة أعرفك تاني أنا تعبت منك أنا عايزة أبقى نضيفة كفاية اللي عملته معاكي في غيري أنا مش عايزة أشوفك تاني فهمتي! اتسعت حدقتي دُنيا بعدم تصديق وقالت : _ انتي بتقولي ليا كدة يا ريم! كُل ده عشانها عشان رحمـ.. أوقفتها ريم وقالت بجمود : _ اسكتي بقا وطلعيها من دماغك روحي بُصي لنفسك في المراية وشوفي غِلّك اللي بقا باين في عينيكي، روحي شوفي حياتك شوية وطلعي الناس من دماغك أنا مش هضيع نفسي عشانك لحد هنا وخلصت وعشان ألحق أي حاجة نضيفة فيا وياريت لو تلحقي نفسك كمان يمكن تلاقي حاجة كويسة فيكي ولو أني أشك ! انهت ريم حديثها وتحركت من مكانها تجاه الخارج وتركت دُنيا تتبعها بجمود وأعين يغلفها الدمع، أخرجت هاتفها بأعين مغشية من الدمع وانتظرت حتى فُتح الخط فقالت بصوت مختنق : _ بابي أنا محتاجالك عايزة أجي لك رد والدها بصوت خالي من المشاعر وقال : _ معلش يا دودي يا حبيبتي مش فاضي أصل هسافر أنا ونيرمين أخر الاسبوع الجاي عشان عيد ميلادها نزلت دموع دُنيا بقهر وأغلقت الهاتف وحادثت أمها تلك المرة فقالت دُنيا بصوت باكٍ : _ مامي أنا مخنوقة أوي ولوحدي استفهمت والدة دُنيا بنبرة فاترة : _ وفين ريم؟ وبعدين مش قولتي هتقعدي عند ابوكي ومراته من انهاردة قصت لها دُنيا ما حدث بإيجاز، فصدحت ضحكات أمها الساخرة قائلةً بتهكم : _ ما أكيد محدش هيطيقك قولت لك ملكيش غيري! وأكيد انتي اللي غلطانة ما أنا عارفاكي تعالي أنا مستنياكي لما نشوف البلاوي دي! أغلقت أمها الهاتف في وجهها، نظرت دُنيا للهاتف بجمود ثم بكل غيظ داخلها ألقته مهشمة إياه! الإنسان لا يصلح بدون أهله ... فإذا صَلُح الأهل صلحت النشأة وإذا فسد الأهل فسدت النبتة وشُوهت معالمها وهكذا حال دُنيا ! __________________ أوصل منذر مريم للبيت بعدما تحرك بهما في أوراق القاهرة وجلب لهما أشياء كثيرة حتى يخفف ما حدث اليوم، ثم تحرك برحمة لإحدى الأماكن الهادئة على النيل ما إن أوقف السيارة حتي نظرت له رحمة بهدوء وقالت بتعجب : _ جينا ليه هنا؟! ابتسم لها منذر، ثم تنهد قائلاً بحنو : _ عايز أعرفك عن أكتر مكان برتاح فيه لما أحب أفصل عن الدنيا كلها! هزت رحمة رأسها بتفهم تبادله ابتسامته دون وعي منها وكأنها عدوى انتقلت إليها دون شعور منها! ما إن نزلت من السيارة حتى تحرك بها لأحد الادراج السفلية تتجه للنيل مباشرة وهو يمسك بيدها وما إن نزلا حتي اتسعت عيني رحمة بانبهار وهي ترى عدد لا بأس به من القوارب وأشعة الشمس تتعامد علي الماء يعطي بريق لامع يبهج العين والنفس، أفاقت على صوت غليظ يقول : _ يا مرحبا بالبشهمندز وحشتنا يا منذر يا بني والله! ترك منذر يد رحمة واتجه يحتضن رجل كبير في السن يرتدي جلباب لونه رُمادي وعلي رأسه قبعة تشبه التابعة للصيادين، ما إن خرج من منذر من أحضانه حتي نظر لها الرجل ثم عاد ببصره لزوجها ، أدرك منذر ما يجول بصدره دون فاقترب منها مقرباً إياها منه وقال بحبور : _ دي رحمة مراتي يا عم خليل! هلل الرجل بفرحة قائلاً : _ يادي النور يادي النور ده احنا زارنا النبي والله، يا زين ما اخترتي يا بنتي والله البشمهندز راجل ابن أصول ومحترم وواضح إنك متتخيريش عنه يا أستاذة ! أصل ربك رب قلوب وما يجمع قلب إلا باللي شبهه ولا يوّنسه إلا بشِق روحه نظر منذر ورحمة لبعضهما بإبتسامة جميلة يشدد من ضمها له فانزلت بصرها باستحياء، فتنحنح منذر قائلاً بنبرة رخيمة : _طب ايه يا راجل يا طيب القاعدة بتاعتي جاهزة ولا ايه تحرك خليل باندفاع وهو يقول : _ جاهزة يا بني اتفضل يا بشمهندز اتفضلي يا ست هانم تحرك منذر برحمة خلفه حتي وصلا إلى مكان يشبه جلسة العرب قديماً بشكل كبير يطل علي النيل امامهم في مشهد يريح النفس المتعبة كثيراً تركهم الرجل وهو يذهب يحضر بعض المشروبات وما إن جلسا كلاً منهما حتي أحضرهما ومعه صبي صغير، وبعد قليل كانت رحمة ترتشف ما بيدها تنظر أمامها متأملة تحرك القوارب والماء الصافي بشرود وابتسامة رقيقة ترتسم علي مُحياها تجعل منها آيه من الجمال بأهدابها الطويلة وأعينها الريمية اللامعة تحت ضوء الشمس، استدارت لمنذر وهي تُهّم بالحديث فوجدته ينظر لها بنظرات أخجلتها فتوردت وجنتيها بحياء قائلةً بابتسامة : _ بتبص لي كدة ليه؟! تنهد منذر وهو يقترب منها يأخذ من يدها الكوب، ثم اقترب منها ناظراً في أعينها قائلاً بحُب أعربت عنه عيونه : _ بتأمل جمال ربنا فيكي! اقشعر بدن رحمة من جملته واخفضت بصرها بتوتر خَجِل، فرفع أعينها مرة أخرى تقابل خاصته فقال بنبرة تحمل ما يجيش صدره : بعضُ العيونِ كحدِّ النصلِ تقتُلنا أينَّ المفرُّ؟ وهذا الحُسنُ سجَّانُ _عينيكي دي لعنة! لعنة وصابتني من يوم ما عيني جات فيهم وهي حلفت ما ترجع إلا وهي صايبة قلبي وروحي في هواكي! نظرت له رحمة بأعين لامعة وقالت بصوت متحشرج : _ أ.. أنت بتجيب الكلام ده منين! تنهد منذر وهو يضمها لصدره وقال بصدق : _ تصدقي بالله انا عمري ما تخيلت اني أعرف أقول كلمتين زي اللي قولتهم من شوية دول، بس واضح إنك بتطلعي منذر جديد علي إيديكي بركاتك يا ست البنات ! قال الأخيرة بعبثٍ، جعلها تلكزه بحرج في صدره فقهقه عليها يشدد من ضمها، ظلا على هكذا لمدة قليلة رفعت رحمة رأسها له عدة مرات فقال بهدوء ومرح : _ يا بنتي هو انا بكهربك! قولي اللي عايزاه علي طول يا رحمة! اعتدلت رحمة في جلستها و فعل هو بالمثل فقالت بتوتر : _ أ.. أنا عارفة انك جبتني هنا عشان مفكرش كتير في اللي حصل بس انا عايزة اتكلم ازعن لها منذر بكل حواسه فتابعت رحمة وهي تنظر له وقالت : _ لما سمعت اتهامتها ونظرات الناس ليا وليها كنت حاسة زي اللي مضروب علي دماغه ومش عارفة أعمل ايه أرد عليها ولا أكلمك بس قلبي لأول مرة يبقا مطمن إني لو وقعت هلاقي اللي سندني لأول مرة مخافش يا منذر لأول مرة أحس اني عرفت أجيب حقي بجد وارد اعتباري، وتعرف كمان! همهم منذر لها بترقب فتابعت بصوت هادئ ونبرة مُحبة : _  أنا حاسة اني اتولدت من جديد من ساعة ما عرفتك وعرفت مريم حقيقي أنا بحمد ربنا انكم معايا ، من ساعة ما بابا مات وأنا لأول مرة أحس إن الأمان اللي راح بموته رجع لي تاني لما بقيت جنبي.. فهمتني نفسي يا منذر خلتني حلوة في عيني أنا حبيت نفسي بعيونك أنت يا منذر! احتضنها منذر بحُب وهو يتنهد ناظراً أمامه يشعر بالسعادة تغمره وقال بنبرة أعربت عن دواخله : _ وانتي مفيش أحلى منك في عيني يا رحمة! أنا على قد ما كنت متضايق وعلى أخري من اللي حصل وكان نفسي اجيب البت أم شعر دي الزقها في الحيطة وأطلع البلا الأزرق علي جتتها وكزته رحمة حتي يكف عن حديثه، فقهقه بخفة وتابع مكملاً حديثه قائلاً : _ بس كنت فخور بيكي اوي، وعايز اقولك انتي قوية اللي يكون في موضع قوة ويسامح وميحبش يأذي حد يبقا انسان قوي ونضيف وأنا مأمنش علي نفسي غير معاكي يا رحمة! خرجت رحمة من أحضانه تقول بهدوء وهي تشرد أمامها في نقطة : _ مقدرتش أأذيهم يا منذر، حسيت أني هبقا وحشة اوي لو أذيتهم في مستقبلهم، أنا بس كل اللي كنت عايزاه إن كل واحد يبقا في حاله أنا مش بحب المشاكل ولا الحوارات دي، يمكن كنت حاسة بقهرة في قلبي من اللي اتقال بس لما وصل إني أدمرهم معرفتش.. أأ أنا كدة مش غلطانة مش كدة! ابتسم منذر لها قائلاً بنبرة رخيمة : _بالعكس انتي عملتي الصح، أي نعم كنت اتمنى يتعلموا الادب ويتعاقبوا للآخر بس انتي عملتي الأحسن من ده، خليكي دايماً كدة يا رحمة قلبك نضيف مهما حصل، وتعالي بقا متخرجيش من حضني تاني! ابتسمت له رحمة براحة وهي تدفن نفسها في أحضانه أكثر تتمني لو تبقى هكذا باقي حياتها! استمر اليوم وغادر منذر ورحمة المكان بعدما ودعهم خليل بكلماته التي تنم علي سريرته الطيبة : _ خلي بالك على شِق روحك يا بني، ربنا يسعدكم واشوف خلفكم الصالح ____________________ في منزل رحمة، كانت تجلس مع أمها تقُص لها ما حدث ، عقبت فاتن بهدوء علي حديثها قائلةً: _ ولسه يا بنتي عقاب ربنا في الآخرة اللي يتكلم في شرف واحدة بالباطل ده عقابه أليم عند ربنا، بس أنا مبسوطة بيكي لما رفضتي انهم يتفصلوا من الكلية عملتي بجملة العفو عند المقدرة! خلتيني أتأكد إني ربيت صح احتضنتها رحمة بحُب وهي تتنهد براحة وقالت بسؤال لوالدتها  : _ماما هو كدة معنتش هروح للدكتور تاني؟! _دي مش انا اللي احددها هو اللي يحددها وانا حاسة انها آخر مرة هتروحي فيها بس قولي يارب تشدقت رحمة من داخل قلبها تتمنى ألا تعاود الذهاب لذلك المكان مرة أخرى! ___________________ بعد مرور عدة أسابيع، كان كريم يأخذ بهو منزله جيئةً وذهاباً وهو يهاتف شخص ما وتتابعه والدته بنظراتها، أغلق هاتفه فقالت حنان له بحنو : _يا كريم روح شغلك يا بني، ولو علي العلاج هاخده وهكلمك كل شوية متخفش عليا! فرك كريم رأسه واقترب منها يجلس علي عقبيه أمامها قائلاً بهدوء : _ازاي يعني يا ماما لازم حد معاكي وأنا المشوار اللي رايحه ده يعتبر  علي طريق سفر يعني مش هعرف أطمن عليكي كل شوية شرد يفكر في حل فمرافقة والدته اعتذرت عن المجئ وبسبب توسعات عمله جعله يبتعد عن محيط الخاص بسكنه، لا يعلم ما يفعل لا يستطيع تركها وحيدة وأيضاً لا يمكنه الاعتذار فالأمر طارئ، أضاءت عينيه بوميض ،فنهض من علي الأرض وهاتف شخص ما كان ملاذه الآمن دائماً _ آلو يا كيمو اخبارك ايه يا ريس وحشني والله! صدح هذا الصوت من الهاتف، فأجاب كريم بهدوء يعاكس دواخله : _ الحمد لله يا رياسة، بقولك ايه يا منذر! همهم منذر بإنصات، فتابع كريم حديثه بنبرة حرجة إلي حد ما : _ احمم يعني كنت عايز رقم الست اللي كانت بتيجي تساعد في البيت عندكم ضروري معلش! عقد منذر ما بين حاجبيه بتعجب ولكنه عقب قائلاً : _والله يا كريم هي معدتش بتروح بيوت حد وولادها قعدوها في البيت، بس بتسأل ليه فيه حاجة؟! زفر كريم وهو يركل الهواء أمامه بضيق وقال بنبرة أعربت عن ما يجول داخله : _ والله عندي شغل في حتة بعيدة شوية والست اللي بتيجي لأمي مش هتعرف تيجي انهاردة ومن الصبح دايخ علي حد ثقة يجي لها! صمت كريم لوهلة، ثم استغفر ربه داخله وقال بصوت خفيض جراء إحباطه : _ عامة تسلم يا منذر، أنا هقعد انهارده معاها وهعتذر للراجل! كان منذر طوال ذلك يفكر في أمر ما، وما إن استمع لصديقه حتي قال بسرعة : _ تعتذر ليه يعم، مش انت عايز حد ثقة يقعد مع والدتك شوية أنا عندي طلبك، وحظك كمان اني اجازة فهبقا متابع متقلقش بس أنا جاي لك أهو! شكره كريم بفرحة وأغلق الهاتف معه والتفت لأمه التي كانت تتابع ما يحدث، فهمت بالحديث ولكن قاطعها كريم قائلة براحة : _ خلاص يا حنون اتحلت يا جميل الحمد لله منذر هيجيب حد معرفة وهطمن عليكي وهتكل على الله! قالت حنان وهي تستشعر ثُقل حملها علي ولدها  : _ ليه كدة يا بني، كنت روح ومتدوخش نفسك معايا اقترب منها كريم يجلس علي طرف كرسيها المتحرك ضامماً إياها بين ذراعيه قائلاً حاول صبغها بالمرح : _ بقولك ايه يا حنان يا بنتي،أنا مهما تقولي فأنا معنديش أغلى منك فـ بالله عليكي بلاش الكلام اللي يزعلني ده ماشي! كادت تُهم بالحديث ولكن طرق الباب فنهض كريم يفتحه، فوجد صديقه يقف وبيده عدة حقائب بلاستيكية قائلاً بمرح : _ وسع كدة السلم قطع نفسي ادخله كريم وأخذ ينظر خلفه ولم يجد أحد تعجب بشدة، ثم دلف للداخل وجد منذر يعبث مع والدته كالمعتاد فقال باستغراب : _اومال فين يعم اللي هتجيبها؟! نظر له منذر وهو يفتح إحدى الحلوى التي جلبها معه قائلاً بتريث : _هي نصاية وجاية كدة، أصلها وراها مشوار تغضنت معالم وجه كريم فهو متأخر بالفعل على موعده والطريق طويل، كان منذر يتابع تعابير وجهه فقال بهدوء : _ قوم روح شغلك يا كريم وانا مكانك هنا متقلقش! كاد يعترض كريم ولكن منذر لم يسمح له، وبعد شد وجذب بينهما كان كريم يغادر المنزل رغماً عنه بقلب مضطرب علي والدته! في منتصف اليوم كانت مريم تقف مع حنان في المطبخ تجلسان علي طاولة المطبخ، فقالت حنان بحنق وهي تضرب مريم علي يدها : _ انتي يا بت انتي لفي الكرنب عِدل هتفتحي بيت ازاي انتي كدة! علا الحنق وجه مريم وقالت بغيظ : _ وهو لازم اعمله كرنب يعني، ما ياكل ورق عنب ولا كوسة الدنيا ضاقت علي الكرنب يعني! _ بطلي لماضة شوية ولفي عِدل نظرت مريم أمامها تُكمل ما تفعله حتي رن الجرس، فاستاذنت حنان حتي ترى من جاء لمنزلها وخرجت من المطبخ تاركة مريم تطهو بعد مدة قليلة، كانت مريم تخرج بفرحة طفلة صغيرة وهي تحمل بيدها إناء معدني قائلةً بانتصار وسعادة لا تعي لذلك الذي اتسعت حدقتيه بصدمة وهو يراها أمامه : _ حنون انا لفيت الحلة كلها شوفي حلوة ازاي ولا اجدعها شيف! رفعت عينيها من على الإناء ولكنها تجمدت محلها بصدمة وهي تشاهده يجلس مع منذر وحنان، تململت بحرج محلها لا تدري ماذا تفعل! وقف كريم يتقدم منها ومازال تحت تأثير الصدمة قائلاً بنبرة أعربت عنها : _ هو انتي اللي كنتي قاعدة مع ماما؟!! هنا وقف منذر محيطاً بكتفي مريم بغبطة قائلاً : _ اه يا عم وكمان طبخت محشي لأول مرة في حياتها، إيه رأيك بقا؟! ازدرد كريم لُعابه حتي يستعيد جأشه وقال : _ يعني أنا مش عارف اشكرها على ايه ولا ايه، ولا علي العطلة اللي عملتهالكم انهارده! هنا تحدثت مريم وقالت بسرعة وتبرير : _عطلة ايه! ولا عطلة ولا حاجة أنا اساسا من يوم ما السنة خلصت وانا قاعدة مبعملش حاجة فمفيش حاجة يعني، وبعدين طنط حنان جميلة اوي يعني ربنا يخليهالك ابتسم كريم بحُب ولجم نظراته حتى لا تفضحه أمام منذر، وتحدثت حنان بحُب : _ ويحفظك لشبابك ويرزقك بابن الحلال يا حبيبتي! هنا نظرت مريم تجاهه هو فتلاقت أعينهما جعل قلب كلاً منهما يدق بصخب وكأن هناك لعنة أصابتهما، كان أول من افاق مريم وهي تتجه للداخل مرة أخرى متحججةً بالطعام حتي لا يحترق تبعتها حنان، وجلس كلاً من كريم ومنذر حتي ينضج الطعام! علي المائدة بعدما أصرت حنان علي مريم ومنذر أن يتناولا معهما الطعام، كان كريم يجلس مقابل مريم وحنان مقابل منذر، كان كريم يسترق لها النظرات فلاحظته أمه وقالت بغضب داخلي : _ كُل يا كريم يا حبيبي طبقك اللي قدامك.. كله ومتسرحش في الشغل! فهم كريم علي والدته، فتحرج كثيراً وانكب علي طعامه قالت مريم بلهفة : _ هو الاكل مش عجبك! معلش هو أول مرة اعمله لوحدي فلو مفيش حاجة مضبوطة مـ.. قاطعها كريم بسرعة قائلاً بابتسامة أظهرت وسامته : _لا والله الأكل جميل اوي تسلم أيديكي، من أحلي المرات اللي كلت فيها محشي وعلي فكرة ليكي مستقبل حلو في المطبخ! تحدثت مريم بزهو وقالت مشيرة لذاتها بمرح : _ علي فكرة أنا بعرف أعمل كل حاجة، وبعمل صنية البطاطس ولا اجدعها ست بيت! ضحك كريم بخفة وقال بعفوية نابعة من داخله : _ خلاص نبقا نجربها المرة الجاية ارتفع صوت حنان ينذره قائلةً بجمود : _ليه هو هتيجي نشغلها ده كتر خيرها أوي! وبعدين كفاية التعب بتاع انهاردة اعترضت مريم علي حديثها بلطفٍ : _ لا متقوليش كدة يا طنط، والله أنا اتبسطت وعلى الاقل خرجت بره البيت بدل ما فيه ناس هنا بتوعد ومتوفيش! نظرت لمنذر في آخر حديثها، ففهم عليها وقال بمرح : _ لا بقولك ايه شغل التلقيح مبحبوش قولي في وشي علي طول! وبعدين تعالي هنا هو مش كل مرة أخرج فيها أنا ورحمة نقولك تعالي معانا وانتي اللي مش بترضي! رفعت مريم كتفيها بترفع قائلةً : _  لا ياعم يفتح الله! أنا مبحبش أبقا عزول وشغل الحرابيق ده مش سكتي يا مولانا! قهقه الجميع علي حديثها فقال منذر بلهفة وكأنه امسكها بالجُرم المشهود : _ أهو هي اللي وقعت بعضمة لسانها مجبتش حاجة من عندي! قالت حنان من بين ضحكاتها موجهةً حديثها لمريم : _ خلاص يا بت يا مريم ولا تزعلي نفسك إبقي تعالي ونسيني وأهو أعلمك الرز المعمر بيتعمل ازاي هزت مريم رأسها بتلهف، وأكملت طعامها بخجل تحت نظرات ذلك الذي يحدق بها بتمعن جعل معدتها تنعقد! بعد أن انتهت الجلسة بين طرائف مريم ومنذر كانا متجهين وهما يتشاجران بمرح لم يفعلاه من كثير، سمعا صوت جلبة من منزل جدهما نظرا لبعض باستغراب، ثم طرقا الباب وبعد ثوانٍ فُتح واتسعت أعينهما بصدمة وهم يروا...... ______________ انتهــى الفصل

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

آنست أيامك

المؤلف Mariam Tarek
2024/06/18 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 1: الفصل الأول "حج مبرور"
2024/06/18
الفصل 16: الفصل السادس عشر "الظُلم ظُلمات"
2024/06/18
الفصل 17: الفصل السابع عشر "مثل النجوم هي"
2024/06/18
الفصل 18: الفصل الثامن عشر "تقويم أفعالها"
2024/06/18
الفصل 19: الفصل التاسع عشر "مُصادمة لابُد منها"
2024/06/18
الفصل 20: الفصل العشرون "أدركت الحقيقة"
2024/06/18
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون "خُطبت له"
2024/06/18
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون "عرض زواج"
2024/06/18
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون "خُطبت له"
2024/06/18
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون "يخاف أن يظلمها"
2024/06/18
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون "أصبحت زوجته"
2024/06/18
الفصل 26: الفصل الأخير "تُزف له أخيراً"
2024/06/18
الفصل 15: الفصل الخامس عشر "أحلام واهية"
2024/06/18
الفصل 14: الفصل الرابع عشر "سَكَنَ إليها"
2024/06/18
الفصل 13: الفصل الثالث عشر "فرحة منتظرة"
2024/06/18
الفصل 2: الفصل الثاني "زهايمر"
2024/06/18
الفصل 3: الفصل الثالث "وجع روح"
2024/06/18
الفصل 4: الفصل الرابع "نُهام عصبي"
2024/06/18
الفصل 5: الفصل الخامس "شقائق النعمان"
2024/06/18
الفصل 6: الفصل السادس "بداية طريق"
2024/06/18
الفصل 7: الفصل السابع "فقدان حبيب"
2024/06/18
الفصل 8: الفصل الثامن "شعور بالأمان"
2024/06/18
الفصل 9: الفصل التاسع "دقة قلب"
2024/06/18
الفصل 10: الفصل العاشر "أتقبل أم ترفض ؟"
2024/06/18
الفصل 11: الفصل الحادي عشر "رد غير متوقع"
2024/06/18
الفصل 12: الفصل الثاني عشر "قراءة فاتحة"
2024/06/18
الفصل 27: فصل خـاص
2024/06/18

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة