انتهي اليوم علي الجميع بسلام وحلّ نهار يحمل بجبعته الكثير تحت شجرة كبيرة كانت تقف مريم بتذمر تنتظر رحمة اخرجت هاتفها وقبل ان تهم بمهاتفتها وجدتها تهرول اليها من بعيد وقفت امامها وقالت بعد برهة لالتقاط أنفاسها _ انا آسفه والله بس صدقيني انا منمتش يعتبر من امبارح واتأخرت غصب عني والله ردت مريم علي حديثها بسخرية _ ألا وانتي قاعدة تقولي حاچ كامل متتأخرش يا حاچ كامل ٦ونص بالدقيقة الاقيك قصادي يا ابو الكوامل انهت كلماتها وهي تضربها بحقيبتها ورحمة تقهقه عليها فقد احمر وجهها بحنق _ طب خلاص يالا نتحرك طيب كفاية تأخير وهحكي لك والله في الطريق كله بسبب جدو بعد ان استقلتا احدي وسائل المواصلات العامة جلست رحمة تقص عليها جدها وماذا فعل ومرضه الذي يجعلهم يشعرون انهم في عرض مسرحي هزلي واستمر الحديث الا ان وصلا وقد حمدتا ربهم انهم وصلا علي الموعد المناسب بعد الظهر كان المحاضر يحمل اشيائه ويخرج من المدرج قالت رحمة بنبرة ظهر فيها النعاس و الإجهاد _ مريم تعالي ننزل نصلي الظهر المحاضرة الجاية بعد ربع ساعة ودي مادة بره المجموع وبصراحة هفكس لها انا مش قادرة حركت مريم رأسها تؤيد كلامها _ عندك حق انا مش قادرة من كمية الشرح اللي دخلت مخي دي... ننزل نصلي بس وبعدين ناكل تحركتا خارج المدرج واتجهتا للمسجد بعد ان سألا علي مكانه وبعد ان انتهوا من الصلاة قالت رحمة بنبرة متحمسة _ انا عاملة سندويتشات لينا احنا الاتنين تعالي الكافتيريا نجيب حاجة نشربها وناكل هناك ابتسمت مريم وقالت بنبرة يشوبها الامتنان _ بجد شكرا يا رحمة ربنا يخليكي بجد نهرتها رحمة بمرح واتجهتا للكافتيريا الخاصة بالجامعة _____________________ _ اوف ايه الزحمة دي! كان صوت رحمة المصدوم لهذة التجمعات خرجت من ذهولها علي سحب مريم لها _ تعالي يا ستي فيه ناس قاموا اهم تعالي نلحق جلست كلتاهما ثم نهضت مريم _ بصي طلعي الاكل لما اجيب عصير ولا حاجة استوقفتها رحمة بصوت خرج عالي الي حد ما _ مريم استني خدي الفلوس زجرتها مريم بنظرتها واكملت سيرها أخرجت رحمة طعامها ووضعته امامها علي المنضدة بعد عدة دقائق وصلت مريم بالعصير _ ما تاكلي يا رحمة اومال لو مكنتيش انتي اللي جايبة الاكل زاغت نظرات رحمة قليلا وقد شعرت بالخوف ان تتعوض للاحراج بسبب كمية التي تتناولها كسابق عهدها مع من عرفتهم وقالت بنبرة متوترة _ هاه! اصل انا عاملة دايت اندهشت مريم بشكل كبير فرحمة ذات جسد ممشوق يميل الي النحافة _ دايت! دايت ايه يا بنتي ده انتي جسمك احلي مني قال دايت قال كلي كلي وصلي على النبي كدة نظرت لها رحمة بنظرة يكسوها الامتنان فهي منذ اول يوم لم تتوانى مريم في دعمها بكلماتها ثم اردفت بنبرة تحمل الاضطراب _ عليه الصلاة والسلام.. يعني بجد شكلي حلو وجسمي مناسب؟! استغربت مريم لنبرتها كثيرا واحست بوجود خطب ولكن لم ترد ان تتطفل عليها فقالت _ اه يا بنتي ما شاء الله اللهم بارك بجد ده انتي ممكن تشتغلي موديل انتي مش شايفة الدلدول اللي عندي وخدودي اللي خرمت الأوزون ولا ايه؟! قالتها وهي تشير إلى بطنها السفلية ووجنتيها بضجر فهي كانت دوما مشكلتها الازلية ضحكت رحمة بصخب وحاولت ان تضبط ضحكاتها قدر الإمكان حتي لا تلفت الانتباه توقفت عن ضحكها ومازالت محافظة علي ابتسامتها وهي تستمع لمريم تقول _ شوفتي ضحكتي ازاي؟! كلي يا ستي علي رأي امي الانسان بيعيش مرة واحدة واشربي العصير يالا هزت رأسها بموافقة ولكن اعترضت بنبرة لطيفة _ خلاص هاكل بس خدي فلوس العصير انتي عارفة الكافتيريا بتغلي عن بره خدي قالتها وهي تشير بالمال القابع بيدها قلبت مريم عينيها بملل _ بصي عشان انا عنيدة ومخي جذمة انا مش هاخد فلوس وقبل ما تعترضي يا ستي هنعمل ديل حركت رحمة رأسها باستفهام تابعت مريم بنبرة متريثة _ هنعمل ديل يا ستي ان يوم حد يجيب الاكل والتاني يجيب الشرب ونبدل كدة انا عليا شوية بطاطس محمرة ايه لوز اللوز ابتسمت رحمة ابتسامه هادئة ولكنها تلاشت بمجرد سماع صوت كان سبب دمارها _ ايه ده رحمة؟! انا قاعدة بشبه عليكي من بدري تصدقي! معرفتكيش خالص اصلك خسيتي وتحسي ان وشك بان من الدهون اللي كانت عليه تجمدت رحمة ما ان استدارت لها وظلت علي جمودها الغريب وفي رأسها واجهت تلك الكلمات البغيضة مواجهة نفس الوحش الشرس الذى لطالما حاربته فى معارك مستمرة للتخلص من ذلك الشبح اللعين الذى يسمى كره الذات وتذكرت كل مرة كانت تشعر فيها بعدم القبول كان هذا الشعور يتسلل داخلها كتسلل كوب ماء بارد فى ايام أغسطس شديدة الحرارة " أَمن جديد معركة مستنفذة لكل مابقى من طاقتى؟! و أَمن جديد محاولة لاحول تقبل ذاتى؟! " لم تدرك حينها حديث مريم مع تلك الفتاة إلا وهو ينتهى ب "انتى قليلة الذوق" التى قالتها مريم لتلك الفتاة الوقحة ووجدتها تلفت اليها بغضب وهي تقول _مين دي يا رحمة انتي تعرفيها؟ هزت رحمة رأسها بصورة آليه وحافظت علي صمتها ردت الفتاة بصوت عالي جعل الانظار تتوجه اليهم _ حوش حوش.. ما بقاش غير رحمة وصحابها هم اللي يعلقوا علي الأدب والأخلاق ويطلع ليهم صوت كمان الا وانتي يا رحمة معرفاها اسمك الحركي ولا ايه؟ انهت كلماتها بغمزة وقحة تلائم شخصيتها البغيضة ثم نظرت لمريم وهي تشير لرحمة باحتقار _دي يا حبيبتي اللي بتدافعي عنها كانت اسمها رحمة الدرفيل بطيخة السنتر انهت تلك الفتاة وقاحتها بنظرات ساخرة لكلا من رحمة ومريم التي كانت تنتظر رد رحمة عليها ولكنها صُدمت عندما وجدت الدموع تتجمد في اعينها فالتفتت الي تلك الفتاة وقد عصف بها كل شعور سئ و ردت بصوت ثابت يحمل في طياته غضب الدنيا اجمع _ تعرفي انتي مريضة وانا مش هضيع وقتي عليكي بس هقولك كلمتين يمكن ربنا يشفيكي لما تسمعيهم قبل ما تعيبي علي خلقة حد ولاشكله افتكري انه مش بأيديه وان الدنيا مش دايمة يعني شكلك اللي فرحانة بيه ممكن ربنا دلوقتي وانتي واقفة يبتليكي بمرض يغير شكلك اللي فرحانة بيه ولا يوقع شعرك اللي مسبسباه ده انتي بتعيبي علي مين بجد؟ بتعيبي عليها وهي مش في ايديها حاجة ولا علي اللي خلقها وخلاها كدة هاه! انهت كلامها الذي جعل وجه تلك الفتاة يمتلئ بغضب ولا تعرف كيف ترد عليها وما ان كادت تقترب حتي اوقفها صوت صديقتها التي كانت تقف خلفها وتشاهد هذا العرض الساخر ببرود شديد ظلت مريم واقفة بجمود وصلابة بضع ثوان وما ان وجدتها ترحل مع صديقتها حتي جمعت اشيائها واخذت بيد رحمة التي واقفة بجمود وكأنها انفصلت عن الواقع من حولها وغادرت الي مكان هادئ نسبيا ظلت تنظر الي رحمة وهي علي نفس الوتيرة الهادئة مما جعلها تخاف عليها كثيرا هزتها بيدها وقالت بنبرة منخفضة قلقة _ رحمة! رحمة انتي ساكتة كدة ليه متخوفنيش عليكي دي متستاهلش خرج صوت رحمة كأنه جاء من بئر عميق وقالت بنبرة مثقلة _ معلش يا مريم انا همشي عايزة اروح اخذت مريم تربت عليها وقالت بنبرة مازالت تحمل القلق _ حاضر احنا خلصنا معدش حاجة.. بس بالله عليكي متضايقيش نفسك دي بصورم حد يضايق من ام صورم حاولت رحمة الابتسام ولكنها برغم ذلك خرجت باهتة اخذت مريم تمسح على ظهرها _ خلاص يالا بينا شكلك تعبان كانت رحلة العودة عكس الذهاب فقد ساد الصمت والجمود من جهة رحمة والقلق من جهة مريم التي فشلت في اجتذابها للحديث بأي شكل نزلت كلتاهما من العربة وودعت رحمة مريم تحت نظرات مريم الخائفة على صديقتها الرقيقة اتجهت مريم الي منزلها ورأسها يحمل سؤال واحد " ما السوء الذي تعرضت له فتاة بنقاء رحمة وجعلها تبقي علي هذا الجمود ولا ترد؟" ________________ ما ان دخلت رحمة الي منزلها حتي انقشع قناع الجمود وحل محله الألم تحركت بثقل الي المرآه الي ان وقفت امامها اخذت تتأمل جسدها وفي رأسها الكثير من الأصوات المتداخلة "ايه ده انتي تخنتي اوي " "متهزريش دي مامتك! ده انتي اللي امها باللُغد ده" " براحة يا بنتي بتجري ليه الأرض هتتكسر تحتيكي" "درافيلو وصلت يا عيال!" " يا تخينة يا تخينة يا تخينة" لم تتحمل رحمة اكثر من ذلك وضعت يدها علي اذنها واخذت تحرك رأسها بسرعة كأنها تنفض الكلمات من رأسها الي ان صرخت _ بــس! رفعت رأسها ببطئ وعينيها حمراء كألسنة اللهب اخذت تتأمل نفسها بنظرة غريبة ثم تحركت للداخل بسرعة وهي تقول _ انا تخينة لا لا مش هرجع تخينة تاني لازم متخنش لازم دخلت غرفة والدتها وأخذت تبحث عن ما تحتاجه الي ان وجدت ضالتها "الملين" وفي ذهنها شئ واحد هو " التخلص من الطعام الذي دخل جسدها" نظرت بانكسار لحبات الدواء القابعة بيدها وحتي لا تتراجع أسرعت تتبتلع حبتين من هذا "الملين" الذي بيدها وما ان انتهت حتي شعرت بانتهاء طاقتها وما لبثت الي ان ألقته على الأرض بأهمال، واتجهت إلى سريرها بثقل وكأنها أضحت امرأه ستينية في لحظات، مددت جسدها بأنهاك وضمت قدميها الي صدرها واتخذت وضع الجنين وما ان اغمضت جفونها حتي هبطت دمعة ألم مسحتها سريعا ظلت دقائق الي ان خلدت الي ثبات عميق ____________________ بعد أن ودعت رحمة مريم التي كانت تتبعها بنظراتها القلقة والمتألمة_ لأجل صديقتها التي اصبحت بيوم وليلة أحب الناس إليها - تحركت بخطوات بطيئة إلى حيث يقبع منزلها وما ان توقفت أمام المصعد الخاص بالمنزل حتي اخذت انظارها تنتقل بين باب منزل جدها المجاور للمصعد وبين باب ذاك الذي وصل لتوه ولم تلبث إلى ان تحركت الي جدها الحبيب لكي تلقي بهمومها إليه فهو بئر أسرارها ومرشدها في هذة الحياة بعد أن فتحت الباب بالمفتاح الخاص به حتي اخذت تبحث بأنظارها في ارجاء البيت عن جدها بذهن مشوش لم تجده في ردهة المنزل وكانت ستتجه الي غرفته ولكن استوقفها صوته _ انا هنا في البلكونة يا غالية تعالي ابتسمت بانتشاء لذاك اللقب التي تحظى به منه منفردة عن الجميع وما ان أبصرته يجلس وبيده مسبحته العزيزة حتي ركضت اليه تعانقه بقوة وكأنها تريد منه ان يسحب منها كل ما يؤرقها قاطعها صوت جدها رؤوف الحاني وقد اخذت يداه تمسح علي ظهرها _ الجميل متضايق ليه؟ رفعت رأسها وقد غلف نظراتها الحيرة والتألم ولكن قالت بصوت حاولت جعله مرح قدر الامكان _ حصل موقف صعب اوي انهارده يا أوفه وانا محتارة اعمل ايه أخذها تحت ذراعه واتجه بها الي الشرفه الواسعة وجلسا وهي في احضانه ثم تابع فعلته بقوله الهادئ _ احكي يا حبيبتي وكأنها كانت إشارة حتي تنفجر كالقنبلة الموقوتة وأخذت تقص له كل شئ قالته رحمة لها من اول يوم حتي ذاك الموقف الآن _ وبس بقا يا جدو هي من ساعتها متنشنة كدة ومتضايقة وانا خايفة عليها واضح انها اتأذت كتير في حياتها ومش عارفة اعمل معاها ايه ولا اساعدها ازاي تنهد رؤوف بثقل ونظر إلى حفيدته الحبيبة وقال بنبرة رزينة _ قبل أي حاجة الكلام اللي اتحكي دلوقت ليا ميطلعش لحد تاني فاهمة! عشان دي أسرار ناس يا بنتي حركت رأسها بسرعة وقالت بلهفة _ والله ما قولت علي حاجة ولا هقول بس انا خايفة بجد وقلقانة عليها دي طيبة اوي وجدعة يا جدو متستاهلش كدة والله تشوف نظرتها وهي منكسرة كدة تحس انك عايز تفضل جنبها طول العمر تحرسها هز الجد رأسه باستحسان لتصرفها وقال بنبرة واثقة متزنة _ لو زي ما بتقولي خلاص بقت صاحبتك و حبيتيها وهي علمت معاكي مواقف جدعنة يبقا واجب عليكي يا بنتي تقفي جنبها في ازمتها اعرفي مالها وكلميها بينكم بعيد عن المكان اللي حصل فيه المشكلة دي رجعي لها ثقتها بنفسها تاني انتي بتقولي خلاص بقيتوا صحاب واكلتوا عيش وملح مع بعض الصاحب ليه حقوق يا بنتي وحقها عليكي انك لما تشوفيها تعبانة ولا زعلانة تخففي ألمها ده وربنا يجعله في ميزان حسناتك يا حبيبتي يارب ويخفف عنها يارب أمنت علي دعائه وقالت بنبرة خفيضة مستفهمة _ يارب يا جدو.. يعني من رأيك كدة اروح لها البيت ولا اتواصل بالتليفون بس خايفة متردش عليا وانا معرفش أهلها لو روحت هيبقي موقفي ايه حرك رأسه بنفي وقال بنفس نبرته الرخيمة _ بلاش تليفون يا بت خليكي حِدقة وفهيمة كدة... البت دي واضح انها مكسورة والدنيا جات عليها وهي معرفتش تصد قدامها الحل بقي نديها مسكن ويروح بعدها بشوية ويرجع الوجع اقوي ولا نبدأ نعالج الوجع يا ام المفهومية؟! لو بجد حبيتيها وعايزة تقفي جنبها متسيبهاش الطريق ده مفيهوش رجوع عايزة تساعديها ومن قلبك بجد كملي مقلقة يبقا سيبيها من دلوقت متزوديش عليها ربنا يكفيكي شر وجع الروح يا بنتي حركت راسها بسرعة وهي مبتسمة لجدها الحبيب وكلماته التي جاءت في الصميم تابعت بنبرة متسائلة يشوبها الغباء _ يعني اروح لها البيت يا جدو ولا اعمل ايه بالضبط؟ ضربها جدها بخفة وقال بنبرة متهكمة وهو يشير لرأسها _ نقول طور يقولوا احلبوه! يا بت هو اللي جوه ده مخ ولا فرده صرمة زي اللي عايز انزلها عليكي دي ضحكت مريم بصخب وقالت بصوت مشاكس _ عيب عليك يا أُوفة والله بضحك معاك يا جدع الله.. خد وادي معايا كدة خلي خلقك استرتش دلوقت هروح ليهم لوحدي اول مرة كدة وانا معرفش أهلها كويس وبرده بتقول معرّفش حاجة لحد يبقى مينفعش ماما ولا منذر يجوا معايا اروح ازاي؟ رد عليها بنبرة يشوبها الغموض _ سيبي الموضوع ده علي الله وهتتحل بس برده حاولي تكلميها تشوفي أحوالها وصلت لايه حركت رأسها بموافقة وهي تحتضنه بقوة وصوت يحمل الامتنان والحب لهذا الرجل _ ربنا يديمك ليا يا جدو انا بحبك اوي...هو مينفعش اتجوزك ؟! قهقه رؤوف لكلماتها الأخيرة وتبع ذلك بنبرته الحنونة _ ويديمك يا قلب جدك ثم اكمل حديثه بنبرة مشاكسة _ والله افكر أصل الطلب عليا كتير وزي ما انتي شايفة جمالي مفيش منه اتنين قالت مريم بنبرة تظهر المرح وهي تصفق بصخب _ ايوة يا أُوفة يا جـامد يا مصيطنا عندهم حق يدوبوا فيك يا رؤوف يا بني والله هيلاقوا زيك فين يعني؟! ضحك جدها علي تلك المشاغبة التي منذ ان رزقهم الله بها وقد حلت البهجة علي الجميع واخذ ينظر الي السماء ورأسه تتراطم بها أفكاره كأمواج عاتية ___________________ عند رحمة استيقظت بألم من معدتها وهرولت إلى دورة المياة بسرعة وقد استغرقت مدة كبيرة بالداخل وهي تتألم وأثناء ذلك سمعت صوت باب المنزل يفتح ففتحت الماء حتي يغطي صوته علي صوت تألمها وعلي الجانب الآخر دلفت فاتن والدة رحمة وبجانبها والدها الهادئ عكس العادة اخذته من يده وهي تقول _ يالا يا بابا تعالي غيّر هدومك ونام عشان الحقنة اللي خدتها دي وكمان شوية هصحيك تاكل ان شاء الله هز رأسه بضعف وخمول فهو اخذ مهدأ جعله يريد النوم تركته فاتن واتجهت الي غرفة ابنتها ولكن سمعت صوت الماء فاسرعت لغرفة ابنتها وهي تقول بحنق من اهمال ابنتها _ اكيد نست الازاز مفتوح زي كل مرة وتيجي تاخد لفحة هوا وتتعب زي كل مرة تحركت بسرعة تجاه النافذة لتغلقها وما ان همت بالخروج حتى لمحت تلك الشئ الذي طالما كان معاناة ابنتها لم تصدق عيناها في البداية واخذت تتحرك ببطء وهي تتمني من الله ان يكذب ما رأته اخفضت بجسدها وهي تحمله بيدها ولم تشعر بدموعها التي تنساب فابنتها عادت لتدمير نفسها من جديد وجدت رحمة تطل عليها باعياء واضح علي وجهها فوقفت بجمود وقالت بصوت قوي _ رحـمـة! انتفضت رحمة فلم تتوقع وجود امها في غرفتها الآن ولكن حاولت الثبات وقالت بصوت حاولت إخراجه بصورة عادية ولكنه خرج متعبا رغما عنها _ ماما! ازي حضرتك عملتوا ايه عند الدكتور قالت جملتها الأخيرة وهي تتحرك من مكانها لكي تجفف شعرها المبتل ووجهها ولكن جذبتها أمها من يدها بقوة وقالت بصوت عالي _ انا مش عايزة ملاوعة وكذب.. الدوا ده بيعمل عندك ايه وناقص ليه يا رحمة رفعت رأسها الي امها ونظرت اليها بنظرة وجع افصحت عن ما بها َوهنا لم تتحمل امها ضياع ابنتها للمرة الثانية وقالت بصوت مملوء بالألم بعد ان نزلت دموعها كالماء المنساب _ ليه يا رحمة كدة عايزة توجعيني بيكي يا بنتي ليه عايزة يجيلك جفاف المرة دي عايزة تحرقي قلبي عليكي عايزة قلبك يقف تاني قوليلي ليه كدة حرام عليكي لـيه! هنا ولم تتحمل رحمة كلمات والدتها التي تنزلت كالأسواط تنهش جسدها وروحها بلا هوادة، وبدأت دموعها تنساب بسرعة صاحبها شهقاتها التي اخذت تتعالى حتى اصبحت اشبه بالصرخات تعبر عن ما بها من ألم لم تتحمل امها انهيارها وأخذتها بين ذراعيها تمسد علي ظهرها بحنو وتشدد علي عناقها بألم وهي تسمعها تقول من بين شهقاتها _ عارفة ليه؟ عشان ميتقاليش يا تخينة .. عشان انا مقرفة بوزني ولُغدي عشان انا وحشة ومحدش بيحبني يا ماما عشان رجعت شوفتها تاني يا ماما خرجت من حضن امها وقالت يصوت متهدج وعيون زائغة حمراء ودموعها مستمرة بالهطول _ اتكسرت قدام الكل انهارده يا ماما قدام الكل وكانوا بيتفرجوا هانتني وكسرت روحي قدام الناس كلها قدام المكان اللي قولت محدش عارفني فيه وهبدأ من جديد تاني انا انهارده اتكسرت اوي ومعرفتش اسيطر علي نفسي معرفتش اخد حقي معرفتش اخذت تردد آخر كلمة مرات عديدة بانهيار فاحتضنتها امها مرة أخرى وقالت بصوت متألم لأجل فلذة كبدها _ متستاهلش دمعة منك يا عيوني متستاهلش روحك تتعذب كدة يا بنتي.. قـومي كدة! سحبتها امها من عضديها بعدما استعادت جزء من ثباتها الذي انهار ما ان رأت ضعف ابنتها اوقفتها أمام المرآه ووقفت هي خلفها مسحت دموعها بظهر كفها المرتعش وقالت بنبرة ثابتة قوية _ قولي لي يا رحمة شايفة ايه قدامك؟ لم تتوقف رحمة لحظة عن البكاء وكأنها في عالم آخر بنظراتها الضائعة ولكن خرجت من تلك الدوامة علي صوت امها الجهوري ويدها التي اشتدت علي كتفيها لتفيق _ ردي يا رحـمة! شايفة ايه قالت رحمة بنبرة متحشرجة من البكاء تحمل في طياتها الانكسار وهي تنظر الي جسدها بألم تتفحص كل أنش به باشمئزاز وهي تقول بنبرة تحمل الضعف _ شايفة واحدة وحشة اوي واحدة محدش شايفها حلوة مهما عملت هتفضل رحمة الدرفيلو شايفة واحدة متتحبش أبدا حركت امها رأسها بنفي قاطع وقالت وهي تتجه للسراحة تحمل منها الفرشاة وعادت خلف ابنتها من جديد وقد بدأت بتمشيط شعر ابنتها بهدوء وهي تقول _ انا بقى شايفة بنوتة جميلة شعرها جميل وطويل ناعم زي الحرير ربنا منّ عليها بيه من وسط بنات كتير انهت كلامها وهي تقف أمام ابنتها بعد ان انتهت مما كانت تفعله وتابعت وهي تمسح بيدها دموع ابنتها _شايفة عيون تبارك الخلّاق زي عيون الريم شايفة بنوته مفيش زيها في جمال قلبها شايفة رحمة يا رحمة انهت جملتها الأخيرة وهي تبتسم وقد تساقطت دمعاتها وهي ترى ابنتها متأثرة وتقول بصوت متحشرج _ يعني انا حلوة يا ماما؟ احتضنتها أمها بقوة وهي تتبع فعلتها بقولها _احلى واحدة يا عيون ماما شددت رحمة عناق والدتها وقد هدأت تدريجيا وعادت جزء من ثقتها المفقودة وما ان هدأت كليا حتي ابعدتها امها وهي تقول بصوت قوي _اوعديني يا رحمة ما تعمليش حاجة تغضب ربنا تاني وتأذي نفسك وتأذيني معاكي انا مليش غيرك انتي واخوكي بعد ربنا اوعديني يا بنتي هزت رحمة رأسها بانكسار وقالت بصوت خفيض _حاضر يا ماما اوعدك مش هعمل كدة تاني حضنتها امها مرة أخرى ثم تركتها وذهبت لتحضير الغداء حتي تطعم والدها وقد امرتها ان ترتاح قليلاً وبعد ان ذهبت والدتها بقليل وجدت من يفتح الباب عليها وقد كان جدها ومصطفى اخذا يقتربا منها حتي جلسا كل واحد منهما بجانب حتي اصبحت بالمنتصف محاصرة بينهما اخذ كل منهما ينظران إليها تارة ثم يعودا الي سيرتهما الأولى تارة وما لبثوا الي ان انفجروا بالضحك وهنا احتضنها جدها بحنان وهو يقول بعد ان هدأت ضحكاتهم _ بصي هو الواد ده قالي انك حفيدتي وانا بصراحة مش مصدق ان القمر دي حفيدتي بجد... هو انا اي نعم مفيش في وسامتي ولا في اخلاقي و قاطعه مصطفي وهو يقول بضجر ووقاحة معتادة _جرا ايه يا إبراهيم هو احنا جاين هنا عشان تتقدم لها ولا ناخد بأيديها التقط ابراهيم علبة فارغة بجابنه والقاها عليه بغيظ وتابع بقول حانق _ خدك ربنا يا شيخ وريحني منك تألم مصطفى ورد بغيظ وهو يقف بركبتيه علي السرير حتي يصبح مقابل له _ماشي يا إبراهيم هراعي انك راجل كبير ومش هرد عليك حمل ابراهيم الوسادة بعدما قام بدفع رحمة من عليها واخذ يضربه بها والآخير يصرخ بتألم _ راجل كبير يا سافل ياللي متربتش ياللي اهلك مكلفوش نفسهم يفضوا ساعة يربوك فيها يا عديم الاخلاق يا ذنديق تشدق بآخر كلماته وهو يدفعه أرضا بغتة وقبل ان يهم مصطفى بالحديث الوقح حتي صرخت رحمة وهي تقول _ فيه ايه يا ناس... هو انتم هنا عشان تواسوني ولا تتشاكلم نظر الاثنين لبعضهما لوهلة وما ان لبثا حتي انقضا عليها يدغدغاها بمرح وصوت ضحكتها تتعالى وقد اخذت تستنجد بوالدتها _مـاما الحقيني خلاص يا جدي بقي يا مصطفي حرام خلاص والله ابتعدا اخيرا وقد كانت امها تتابعهم من البداية بدموع فرحة لاسرتها الصغيرة ولضحكات ابنتها التي عادت اليها مرة أخرى _خلاص ياض انت قالها الجد وهو يدفع مصطفي عنها حتي تلتقط انفاسها وما ان هدأت حتى احتضنها مصطفى بحب وهو يقول _اظن انتي عارفة ان ربنا رزقك بعيلة تحبك بأي شكل عشان مهما اللي بره اتغير اللي جوه عمره ما يتغير وانتي جواكي جميل يا بت انتي والله شكل البت اللي زعلتك دي شبه الـ ولا يالا متستاهلش حسنة واحدة مني صدح صوت جده الساخر _لا حوش الواد تقي اوي ومليان حسنات ترك مصطفى رحمة واتجه إليه وهو خجل مما فعله فقد اتفق مع جده ان يدلفا لرحمة حتى يخرجاها مما هي فيه ولكنه شعر انه تمادى بقوله تلك المرة فهو برغم كل شئ يحب جده ويفعل كل هذا حتي يهون علي امه مرض أبيها بمناكفته لجده ويغير من جو المنزل قال وهو يقف امامه ورأسه منخفضة ارضا بخزي _متزعلش مني يا جدي حقك عليا انا زودتها اوي معاك ربت عليه جده بتقدير لفعلته وقال بصوت مشاكس _عفوت عنك خلاص ارفع راسك دي وتعالي في حضني قاطعتهم رحمة بصوت مستغرب لما يحدث فجدها لم ينكر معرفتهم به _ايه ده هو انت يا جدي ازاي افتكرتني كدة علي طول؟! تشنج وجه الجد وقال بصوت متهكم ساخر _والله ياختي ولا كنت اعرفك انا مرة واحدة كنت نايم لا بيا ولا عليا سمعت صوتك وانتي بتتشحتفي للولية دي قالها وهو يشير إلى فاتن والدة رحمة وتابع _انا الأول افتكرتك شحاتة ولا حرامية وكنت هروح اجيب مسدس واخلص علي طول لقيت الواد ابو طويلة الاهبل واقف قدام الباب وبيعيط زي اللي وقع منه القبض اول يوم وبعدها سمعت هبلك وانتي بتسألي نفس الولية انتي حلوة ولا لا؟! يا بت ده لولا الواد ده فهمني انك حفيدتي كنت بعد ما اقبض عليكي اخليكي تتوبي وادورلك علي عريس من أصدقائي الضباط من حلاوتك دي ابتسموا جميعا لكلماته الآخيرة واحتضنته بقوة تابع قوله بنبرة حكيمة تنافي تماما اسلوبه الهزلي _خديها كلمتين مني وحطيهم حلقة في ودانك الضربة اللي توجع قلبك تصحي عقلك يعني لو ده اتجرح ده بيفكر وبيفهم وبعدين لو سألتي اي عيل صغير هيقولك البت دي محروقه ومنكاده منك هزت رأسها التي تقبع بحضن جدها بضعف وكلا من مصطفى ووالدتها يتابعانهما بحنان قاطعهم صوت دقات على باب المنزل اتجه مصطفي لفتح الباب وما ان فتحه وجد ..... __________ انتهـى الفصل
Mariam Tarek