الفصل التاسع عشر "مُصادمة لابُد منها"

الفصل التاسع عشر "مُصادمة لابُد منها"

35 2

«‏عزيزي يا صاحب الظل الطويل: سمعتُ أنّ في بلادك البعيدة حين يريدون المكوث لفترة أطول مع أحد يُحبونه يقولون: "السماء جميلة الليلة" فكرت في ذلك وأنا انظر لسمائي من شباكي الصغير، لا شيء مهم.. كل ماهُنالِك أنَّني أكتب إليك الآن لأُخبرك أنّ: "السماء جميلة الليلة"». ________________________ كانت مريم تسير بمفردها تحمل حقائب بلاستيكية كثيرة إلى حد ما بوجه متذمر فقد أوشكت السنة الدراسية علي الابتداء ؛ فذهبت لشراء بعض الملابس والمستلزمات الخاصة بالجامعة لوحدها ، فآيات مع زوجها يعدان لزفافهما ،ورحمة منذ أن عقدت قرانها على أخيها أصبحت شعرت بالوحدة الشديدة لعدم تفرغ أياً منهما لها، ولكن لا يُهم مادام الجميع سعيد فلا ضير من التحمل فسوف يأتي اليوم التي ستنشغل به مع من تُحب وتكون مثلهم! هكذا أخبرت مريم ذاتها بهذا الحديث حتي لا تعكر صفوها وتنفض كل شعور سلبي عن ذهنها وأثناء شرودها في أفكارها وجدته يخرج من بنايته بكل أناقة يرتدي نظارة شمسية سوداء تسارعت أنفاسها وكادت تستدير حتي لا يراها فقد شعرت بالتوتر يجتاحها ما إن أبصرته ، وقبل أن تفعلها  توقفت محلها ما إن شاهدته ينظر تجاهها، فغبائها صور لها أنها قد تفر من أمامه والمسافة لا تتعدى حتي المتر الواحد! فازدردت لُعابها متسمرة محلها تُبصره يتقدم تجاهها كان كريم يبحث ببصره عن سيارة الخاصة بخاله التي ستُقلهما لأحد الأرواق، ولكن تسمر محله ما إن شاهدها تنظر تجاهه بتوتر وصدمة، ابتلع لُعابه وصوت دقات قلبه بدأت تتسارع وتقدم تجاهها بضع خطوات ولكنه توقف ما إن وصل لمسمعه صوت خاله يقول بصوت خبيث : _ الله! هو انتي مريم الشيمي بنت عم منذر؟! اتسعت حدقتي كريم بقوة واستدار له يتوسله بنظراته ألا يفعل شئ ويفتضح أمره ، فأزاحه حسان بأهمال دون أن يعيره اهتمام وتقدم منها يتأملها عن كُثب فوجدها فتاة وجه مستدير برئ ممتزج بلفحة أنثوية، تجذبك إليها بعيونها السوداء التي تلتمع بالشقاوة محاطة بأهداب كثيفة، ابتسمت له مريم بحياء من نظراته المتصفحة وتحدثت فظهرت نغزتها الخفيفة في وجنتها اليُمنى وهي تقول : _ أه أنا، مين حضرتك؟ تحدث حسان بنبرة تظهر بريئة مندفعة ولكن وقعها علي ذلك المكسين تجعله يكاد يُغشى عليه من مغزى كلماته الخبيثة قائلاً : _أهلاً يا بنتي، أنا ابقى خال كريم أصله حكالي  عنك كتير.. قصدي عنكم وقد ايه انتم بيت كرم.. مش كدة يا كريم! انهى حسان حديثه وهو يستدير له ببسمة عابثة، جعلت الآخر يتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعه بسبب كلمات خاله اللئيمة، ابتلع كريم لُعابه وكأنها جمرات من نار وابتسم بسمة متوترة وهو يقول : _ أه طبعًا ، مش عارف والله من غيرهم كنت هعمل ايه ابتسمت مريم ولم تدرِ بحرب النظرات بينهما، وتحدثت باندفاع وعفوية لم تحسب لها حساب: _ لا والله مفيش حاجة وبعدين ما أستاذ كريم عمل مع منذر كتير بجد ابتسم حسان وقال بهدوء وهو يربت علي كتف كريم : _ هو كريم كدة شهم وجدع وصاحب صاحبه ابتسمت مريم ثم نظرت له وقالت بما جال في بالها منذ أن عرّف بنفسه لها : _ هو حضرتك اللي ساعدت مصطفي انه يخرج من الحبس؟! ما أن تلفظت بكلماتها  المندفعة حتى أدركت مريم حماقة سؤالها، لم يفقه حسان عن ماهية الشخص ونظر لكريم فقال بهدوء : _ مصطفي نسيب منذر هز حسان رأسه مومئاً بتفهم وإدراك، ثم ابتسم وهو يقول بهدوء وصوت رخيم : _ اه أنا ، وبعدين متقوليش كدة يا بنتي ده احنا جيران وكمان هنبقا أكتر من كدة ان شاء الله قدام انهى حديثه وهو يُبصر كريم بطرف عينيه بخُبث، جعل حرارة جسده ترتفع مما يُقال، لم تفهم مريم حديثه الغامض فنظرت بتعجب وهي تزوي بين حاجبيها له لاحظ كريم تعجبها فحمحم يقول باندفاع وتبرير أحمق : _ لا قصده يعني ان قدام هيبقا فيه مواقف أكتر يعني و.. و لم يعرف بما يُكمل فحك رقبته بتوتر ، فضحكت بخفوت قائلةً بتفهم حتى لا تُحرجه : _ فهمت قصدك، إن شاء الله ربنا يديمكم أصحاب العمر كله ثم نظرت لحسان مبتسمة بوداعه تودعه قائلةً : _ مبسوطة اني قابلت حضرتك بجد ابتسم حسان يغازلها بعبثٍ جعل كريم يستشيط محله قائلاً : _ وانا أكتر عشان اصطبحت بوش الحُسن ده ابتسمت مريم بخجل ثم ودعتهما بهدوء وغادرت وقلبها تتعالى دقاته ما إن ذهبت حتي التفت كريم لخاله يقول بتشنج : _ ايه اللي قولته ده يا خالي! ده انت ناقص تقولها صريحة اننا عايزين ننسابكم ابتسم حسان باستهزاء وقال ساخرًا منه : _ ده انت خيبة خالص، بقالي ساعة واقف وراك وانت مسهم فيها اكنها عفريت متحركتش خطوة، قولت اعرفها انك عايش معاها في الدنيا ظهرت العصبية بائنة علي وجه كريم، فنظر له حسان بنظرات هازئة قائلاً : _مالك يلا؟!! ما انت اللي واقف زي أبو الهول قولت أحركك شوية يمكن ربنا ينفخ في صورتك شوية وألاقيك واخد خطوة صح معاها قبل ما اتشل زفر كريم يستغفر ربه وقال بصوت حاول جعله ثابتاً قدر الإمكان : _ يا خالي، مينفعش كدة هي أخت صاحبي وبعدين انا بعمل كل ده عشان أحفظها من نفسي مش عايز أعمل حاجة غلط وربنا يحرمني منها لكزه حسان بضيق قائلاً بتهكم : _ هو انا بقولك صاحبها ولا عاكسها!  أنت فاكرني هقبل علي بنت من بنات الناس الكلام ده؟ أنا بعرفها عليك بفتح سكة قدامها انك لما تتقدم لها تكون حاسة بقبول من ناحيتك عارفة انك راجل، بس هتعرف ازاي وانت حتى لما ربنا وضع طريقها في طريقك هربت منه كاد كريم يقاطعه ولكن حسان منعه بيده بصرامة، ثم تابع بجمود قوله : _ هربت زي اللي عامل عامله وقررت مش هتروح تاني، لما بتشوفها بتبقا متوتر كدة ومش على بعضك ، كل ده ليه؟ بتحبها وخايف عليها من نفسك! يبقا تتعامل في الحدود تقف قدامها راجل بيطفح الدم عشان يعرف ياخد خطوة معاها في الحلال، عشان لما تتقدم لها وتقف علي رجليك تعرف انك عملت كل حاجة عشان توصل لها ، حافظت عليها من نفسك زي ما بتقول مش بتهرب زي العيال! تنهد كريم بقوة وكأنه يزيح ثقل يجثو عليه حتى كاد يخنقه وقال بصوت متحشرج : _ متزعلش مني انا عارف انك مش قصدك كدة، بـ.. بس أنا بخاف أضعف بنظرة ولا كلمة بخاف أعلقها بيا وانا لسه بدري علي اني أقدر أخد خطوة معاها، بس أنا مش هخاف ولا ههرب تاني هواجه نفسي قدامها زي ما قولت ابتسم له حسان يفهمه ويفهم تخبطه يعلم دواخله جيدًا ويدرك خوفه، ثم قال بهدوء حاني : _ الأهم من كل ده تكون فاهم إنك طالما ملتزم بحدودك بتتعب عشان توصل و محافظ علي نفسك من الحرام ربنا هيكرمك وهيجمعك بيها بس انت خليك راجل وأثبت كدة قدامها انت مش أي حد ! ابتسم كريم بحُب علي حديث خاله الذي لفت انتباهه لأشياء كان غافلاً عنها ، فتابع حسان حديثه بمرح : _وبعدين عايز أفرح بيك وأمك تنزل من علي وداني شوية وتلبخها في حتة عيل تحلني من سيرة الجواز دي ضحك كريم بصخب علي حديث الآخر، ثم تحرك كلاهما تجاه وجهتها بقلوب صافية ______________ في المحل الخاص بمنذر، كانت رحمة تشاهد الزهور بحُب وابتسامة عذبة ترتسم علي مُحياها ولكنها تلاشت ما إن سمعت صوت من أكثر الأصوات التي تبغضها، استدرات بقلب وجل تُبصر مصدر الصوت وقد تأكدت من مخاوفها، ابتلعت لُعابها بخوف وقد زاغت عيناها فتلك الفتاة التي تقف كانت سبب تدمير كل شئ كان يُفرحها، داهمتها ذكرياتها جعلت خوفها يتفاقم داخلها، وهواجسها بأنها هنا لتسلب فرحتها الآن قد ازدادت، فتحركت بهدوء وخفة حتي لا تشعر بها تهرب من أمامها لإحدى الغُرف المخصصة لتخزين الأشياء عندما دخلت الغرفة جلست في أحد الأركان.. لا تعلم أتهرب منها حقاً أم من مخافتها من المواجهة؟! لا تريد أن تضعف، لا تريد أن تُظهر خوفها لها وأمام مَن... منذر! صدحت ضحكة عالية بشكل مستفز من الخارج جعل رحمة تغمض عينيها بألم ما إن تذكرت أسوأ فترة من حياتها [ منذ ما يقرب من ثلاث سنوات] كانت رحمة تجلس مع أصدقائها بعد انتهائهم من درسهم في منزل أحداهن، تشدقت فتاة بكلماتها وهي تُبصر رحمة بتفحص متسائلةً : _ إلا قولي لي يا رحمة البلوزة دي جيباها منين! نظرت رحمة بلهفة لما ترتديه قائلةً بحُب : _ ده واحد صاحب بابا بيجيب هدوم من تركيا وبابا جبهالي بمناسبة عيد ميلادي لأني كان نفسي فيها اوي، حلوة يا علياء ؟! صدحت ضحكات ساخرة من الجميع جعلت بسمة رحمة تذبل وهي تُبصرهم يضحكون بصخب كأنها ألقت إحدى النُكات، تحدثت علياء بسخرية وعينيها يوقد منها حقد دفين ما إن توقفت عن ضحكها قائلةً : _ تركيا مرة واحدة! ده انا افتكرتها من العتبة تركيا إيه دي ، ولا ايه رأيك يا دنيا؟! تحدثت دنيا باستهزاء قائلةً ببغض : _ أكتر ذوق يقرف شوفته، ده حتى ظلمنا العتبة، وبعدين متخناكي اوي يا رحمة إيه ده! نظرت رحمة لجسدها بتألم وقالت بصوت متحشرج به أثر البكاء : _ أ.. أنا بابا قالي حلوة عليا ومش متخناني، هي بجد وحشة كدة! جلست علياء وهي تربت علي كتفها تقول بفحيح كأفعى تُلقي سُمها : _ يا روحي وانتي تصدقي باباكي ازاي؟! أكيد هيتكسف يقولك عشان ما يزعلكيش ، لكن أنا ودنيا وريم بنقولك الحقيقة عشان بنحبك اوي ولا إيه يا بنات! تعالت الأقوال المؤكدة لقول تلك الفتاة التي كانت تنظر لرحمة بحقد لم تُدركه رحمة وقتها، جعلتها تذهب بحُزن لمنزلها بعد أن كانت تخرج منه فَرِحة بهدية والدها الحبيب دخلت رحمة غرفتها تنظر لنفسها بألم، ثم تأملت تلك القطعة القماشية ببغُض ونظرات منفرة ثم نزعتها عن جسدها تلقيها بعيدًا عنها بنفور ثم أخذت تنظر لها ودموعها تهطل من عينيها تقول في قرارة نفسها أنها قبيحة وستظل قبيحة ، وكانت تلك آخر هدية جلبها والدها لها لا تُصدق ما فعلته كلماتهم! جعلتها تكره وتنفر من شئ كانت تجد به الأمان لوجود رائحة حبيبها بها.. ولكنه رحل عنها ولم يضمد ألمها كعادته! تركها تعاني الويلات مع كلمات تنزل كسياطٍ علي جسدها تنهشه! خرجت رحمة من ذكرياتها بقلب متألم لما عايشته، فوجدت الباب يُفتح فنظرت له بفزع وكأن هناك وحشاً سيخرج من خلفه منقضاً عليها، ولكنها تنهدت بقوة وهي تُبصر منذر أمامها دلف منذر يسألها بتعجب قائلاً : _ بتعملي ايه يا رحمة هنا؟ بقالي ساعة بدور عليكي! تشوشت نظرات رحمة وقالت وهي تعدل حجابها بتوتر : _ مـ.. مفيش قولت أخد جولة لما تخلص نظر لها منذر بتفحص، ثم رفع وجهها له قائلاً بجمود : _ بتكدبي ليه؟ _ مبكدبـ.. قاطعها منذر بقوة قائلاً : _ رحـمة! أنا مش بحب كدة، ايه اللي خلاكي تهربي هنا وتقفلي علي نفسك ووشك يبقا أصفر كدة! ابتلعت رحمة لُعابها وكانها تبتلع أشواكاً قائلةً بصوت ضعيف : _ علياء كانت هنا! زوى منذر ما بين حاجبيه بتعجب متسائلاً : _  علياء مين؟ نظرت رحمة له بتوتر قائلةً : _ واحدة من اللي كنت أعرفهم من ثانوي نظر لها منذر بجمود وغموض، ثم زفر بقوة قائلاً بجمود : _ وهربتي ليه؟ مشيتي من قدامها ليه؟ تحركت رحمة من أمامه بتوتر من حالة جموده وصرامته المخالفة تماماً لحنانه تجاهها، قائلةً : _ منذر لـ..لو سمحت نمشي دلوقت انا مش تمام ولا انت كمان أوقفها منذر وهو يتقدم منها حتي وقف ظهرها يقابله فقط ببعض الانشاءات يديرها له قائلاً : _ مش هنمشي يا رحمة إلا لما نتكلم وأفهم منك ثم سحبها من يدها خارج من المخزن متوجهاً لمكتبه مغلقاً الباب خلفه، وما إن دلف ترك يدها واستدار قائلاً وهو يجلس علي مقعد مشيرًا لها: _ اقعدي يا رحمة توترت رحمة من طريقته الغريبة وتململت محلها ولكنها جلست أمامه تشيعه بنظرات زائغة، كان منذر يراقبها بصمت ثم قال : _ سامعك يالا! هربتي ليه من المواجهة يا رحمة؟ نظرت له رحمة وهي تقول بألم : _ عشان معرفتش يا منذر مقدرتش أبص لها انتفض منذر من جلسته قائلاً بتحفز : _ وانتي هتعرفي امتا؟! هيجي اليوم اللي تقفي فيه قدامهم امتا؟! هتفضلي في الخوف ده كتير! هتفضلي واقفة مكانك شيفاهم عايشين حياتهم طبيعي وانتي لا؟! تألمت رحمة لكلماته ونهضت تقول له مجابهة أسئلته : _ بتتكلم وكأنك مش عارف حاجة؟! بتتكلم وانت مش شايف انا بعاني ازاي عشان أعرف أكون كويسة؟! منذر انت زهقت مني! انهت سؤالها بأعين مترقبة، فنظر لها منذر بأعين جاحظة وقال بعدم تصديق : _ لا بجد ده اللي وصله عقلك اني زهقت! أنا لو زهقت فعلاً مش هتلاقيني بكلمك أصلاً ولا بتناقش معاكي وانتي عارفة أوي اني لا زهقان ولا متضايق نظرت له رحمة بأعين متفحصة لانفعاله وقالت بألم : _ طالما أنت كدة، بتسأل ليه أكنك مش فاهم حاجة ولا فاهم انا جوايا ايه! اقترب منها منذر ينظر بأعينها بقوة قائلاً : _ عشان شايفك بتهربي، و لازم تفهمي ان هم مش أحسن منك عشان لازم تفهمي انك أقوى منهم وتقدري تقفي قدامهم بس انتي اللي مش عايزة، خوفك مسيطر عليكي مأيدك وحابسك في سجن مضلم بس سايب ليكي الباب مفتوح وانتي اللي مش عايزة تخرجي منه نزلت دموع رحمة بألم وأشارت لنفسها قائلةً بوجع : _ أنا مش عايزة؟! يبقا عمرك ما فهمتني ولا عرفتني يا منذر ثم تحركت من مكانها تجاه الباب فصدح صوته غاضباً : _ اهربي مني ومن المواجهة على طول يا رحمة تسمرت محلها تنزل دموعها بألم، ثم استدرات له تقول بصوت متحشرج : _ أنا مش بهرب يا منذر أنا مش بهرب تقدم منها منذر يمسح دموعها، ثم ابتعد عنها قائلاً بصوت ظهر متأثرًا رغم جموده : _ لا بتهربي يا رحمة، وهتفضلي تهربي لو مواجهتيش ووقفتي قدام نفسك أدارته أمامها وهي تقول له ناظرة داخل أعينه وعينيها تلتمع بالدمع : _ بس انت عارف اني بخاف بس بحاول والله بحاول انت متعرفش هم خدوا مني أيه! خدوا مني كل حاجة حلوة كل حاجة كنت بحبها كرهوني فيها وسرقوا مني فرحتي بيها، لما سمعت صوتها خوفت يا منذر خوفت! تألم قلبه كثيرًا لرؤيتها هكذا، وكاد يخضع أمام دموعها ونبرتها الخانعة ولكنه تراجع يقول بجمود يخالف دواخله المتألمة لها : _ وهتفضلي خايفة على طول؟! امتا هتردي؟! هتجيبي حقك منهم ازاي وانتي خايفة هـا ؟! نظرت رحمة له بانهيار قائلةً : _انا متعودتش ارد متعودتش أقف قدام حد أجرحه بكلمة ولا ازعله مبعرفش امسكها منذر من كتفها قائلاً بانفعال : _ وهم يجرحوكي عادي! يأذوكي ويدمروكي عادي! متردي ده عـادي ؟! دفعته في صدره قائلةً بانفعال : _ لا مش عـادي! بس اعمل ايه أنا بحاول بس غصب عني اقسم بالله غصب عني احتضنها منذر وهو يرى انهيارها وهي فقط تبكي تردد آخر كلماتها عدة مرات، إلى أن هدأت في أحضانه يمسد علي ظهرها بحنان بالغ رفعت أنظارها له ببطئ وهي تقول بصوت مبحوح من البكاء : _ مش قصدي أعمل في نفسي كدة بس انت مش فاهم أنا من جوه عاملة ازاي انا لما بشوفهم بفتكر كل حاجة كل كلمة وجعتني وكانت سبب اني اتدمر من تاني انا بحاول أواجه والله بس عايزاك جنبي يا منذر عايزاك تقولي اعمل ايه! مسح منذر علي رأسها مقبلاً إياه بحنو، ثم قال بهدوء : _ أنا جنبك يا رحمة، بس فيه أوقات مش هبقا جنبك فيه أوقات لازم تبقي لوحدك انتي اللي هتعملي ساعتها مش أنا ثم تنهد بقوة، ينظر لها بحنو وتألم علي حالها قائلاً : _كفاية كلام انهاردة يا رحمة انتي تعبتي اوي وانا كمان، يالا بينا؟! هزت رأسها بشرود تسايره في خطواته بذهن غائب في حديثه كان الصمت يسود أثناء عودتهما، توقف منذر بالسيارة أسفل منزلها فوجدها شاردة تألم قلبه علي حالها كثيراً  ولكن كان لابُد من تلك المُصادمة، هزها منذر برفق قائلاً : _ رحمة! احنا وصلنا نظرت رحمة حولها بتأمل وكأنها أدركت لتوها وجودها في السيارة، استدرات له تقول بصوت ضعيف : _ انت مش زعلان مني مش كدة مش متضايق مني يا منذر! هز منذر رأسه نافياً  يُبدد ظنونها قائلاً : _ مش متضايق ولا زعلان ، بس انا خايف عليكي انا عايزك تواجهي من جواكي مش انا اللي اقولك انا لو موجود دلوقت ممكن مبقاش موجود بكرة، أنا عايزك قوية عايزك يكون ده مرتاح قالها مشيرًا لقلبها، كانت رحمة تستمع له بقلب ينبض بخوف من قوله؛ خوف من فقده، امسك يدها يقول لها : _  عايزك توعديني يا رحمة انك هتواجهي ومش هتخافي اوعديني انك مش هتسيبي الماضي يتحكم فيكي تاني، قولي انك مش هتخافي وهتقفي تواجهي قولي انك هتكوني كويسة علشانا! نظرت له رحمة بذهن شارد وتوتر بائن علي مُحياها، ولكنها قبل أن ترد رن هاتفها فهربت منه ومن نظراته وهي تخبره بمهاتفة والدتها لها، ثم نزلت من السيارة وهو يتابع هروبها من سؤاله بأعين حزينة مثقلة بالهموم، ثم أدار السيارة يتحرك بلا وجهة محددة! ما إن غادر من أمام البيت حتي خرجت رحمة مرة أخرى تتابعه بناظريها حتي اختفي تماماً، تنهدت بثقل ثم نظرت للدرج تارة و لأثره تارة بأفكار تتلاطم بصخب داخل رأسها! ___________________ بعد مرور عدة ساعات قضاها منذر في التجول بالسيارة لكي يهدأ من ضيقه مما حدث وتذكر ما الذي دفعه لتلك المشاجرة [ في صباح اليوم] بعد أن انتهت رحمة من جلستها، خرجت له بهدوء تقول له : _ منذر الدكتور عايزك جوه استغرب منذر كثيراً ولكنه في كل الأحوال هز رأسه موافقاً ودلف له، ما إن دخل حتى نهض الطبيب يُسلم عليه قائلاً : _ أهلاً أهلاً يا منذر نورتني، اتفضل أقعد جلس منذر علي المقعد أمامه وقال بهدوء : _ ده نور حضرتك يا دكتور، أقدر اعرف حضرتك طلبتني ليه؟ انهي حديثه بنظرات مترقبة، فتنهد الطبيب يرجع ظهره قائلاً بهدوء ونبرة عملية: _  رحمة عاملة ايه معاك يا منذر؟! هل بتواجه أي مشكلة في تعاملك معاها! برغم تعجبه الشديد إلا أنه أجاب عليه بابتسامة: _ لا أبدًا رحمة بني آدمة جميلة جداً وبريئة اوي ، بالنسبة لي مشكلتها أنها هشة جدًا وحساسة لأبعد درجة بس الموضوع مش مضايقني عادي سأله الطبيب بنبرة متريثة : _ رحمة كانت قالت لي انها وقعت في مشاكل من قريب، كنت انت جنبها وبتساعدها، بتساعدها ازاي يا منذر ؟ أرجع منذر ظهره للخلف يقول بنبرة رخيمة : _ هي كانت بتبقا مش عارفة تتصرف ازاي بتكون متضايقة وخايفة تعبر عن اللي مضايقها أنا بس بدي لها دفعة انها تواجه وتقول اللي مضايقها واعتقد ده حصل مرة معايا كان فيه سوء تفاهم بسيط جداً وهي اتكلمت معايا وبعدها مع زميلتها وساعتها كلمتني وهي بتعيط وخليتها تواجهها بس كدة! ابتسم الطبيب أثناء حديث الآخر وما إن انتهى منذر من حديثه حتي عقب الطبيب قائلاً : _ كويس جدًا، بس فكرة انك بتدفعها للمواجهة ده ممكن يسبب نتايج عكسية عقد منذر ما بين حاجبيه بتعجب، فاكمل الطبيب حديثه موضحاً : _كويس من جهة إن رحمة بدأت تتحرك و تواجه، لكن ممكن يبقا زي مسكن للوجع وخلاص ولما تتحط في موقف وانت مش جنبها مش هتعرف تتحرك من غيرك طالما اتعودت انك دايماً اللي بتقولها تعمل ايه وتواجه ازاي، لازم الدفعة تبقا من جواها هي، لازم تفهم ان لازم الفعل يصدر منها هي مش آله انت بتتحكم فيها هي ليها مشاعر والمشاعر دي هي اللي مفروض توظفها صح مش حد غيرها، فهمت قصدي يا منذر؟! هز منذر رأسه بشرود يُحلل كلماته، ثم قال متسائلاً : _ يعني المفروض أعمل ايه؟ يعني لو جت تقولي مشكلة وهي منهارة انا أكيد مش هسيبها كدة! هز الطبيب رأسه بهدوء يقول : _ مش بقولك سيبها بس مش كل ما تقولك حاجة تقولها تعمل ايه وتتصرف ازاي كدة انت اللي بتتصرف مش هي، ولو جاب نتيجة في العلاج دلوقت بس تأثيره قدام هيبقا ليه أعراض وخيمة ومشاكل احنا في غنا عنها، شخصية رحمة مضطربة فانت بتدفعها تجاه حاجة معينة وفنفس الوقت انت جنبها ومحسسها بالأمان فهي مش شايلة هم لأنك جنبها فبتسمع الكلام، رحمة لو استمرت كدة علي طول تعمل توجيهاتك هتيجي وقت شخصيتها هتبقا تابعة ليك، وأظن ده شئ انت مش هتحبذه خصوصاً انها هتبقا زوجة مسئولة عن بيت وأسرة لو حصل حاجة في غيابك ابنك تعب حصل مشكلة في البيت اي حاجة من الحاجات الطبيعية دي، مش هتعرف تتصرف وانت هتحس بعدين ان الحمل كتير عليك ومسئوليتك هتزيد ومش هتحقق الاستقرار النفسي في علاقتكم اضطرب منذر وهو يستمع لكلام الطبيب وقال بتوتر : _ أ..أنا مكنتش متخيل ان الموضوع كبير أوي كدة، يعني المفروض اعمل ايه انا مش عايز كدة انا عايزها تبقا كويسة مش قصدي الغي شخصيتها هز الطبيب رأسه بتفهم وقال : _ انا فاهم كل ده، بس أنا اللي خلاني استدعيك واتكلم معاك في الموضوع ده، إن سألت رحمة سؤال قولت لها لو منذر اتخانق معاكي وانتي مش غلطانة وعلاقتكم واقفة علي المشكلة دي وهو مش هيعتذر هتعملي ايه؟ عارف ردت بإيه! نظر له منذر بأعين مترقبة متلهف للإجابة، فتابع الطبيب : _ قالت لي منذر هو مصدر قوتي ولو اتنازلت مرة مش مهم أهم حاجة يبقا جنبي، انا هنا أدركت ان علاقتكم هتاخد مجرى تاني قدام لو استمريت علي النهج ده هتلغى شخصية رحمة وهتعانوا انتوا الاتنين قدام وفكرة السعادة هتبقا أمر مستحيل وسط المشاكل اللي هتحصل، فكرة التنازل عشان المركب تمشي كويسة ، بس مش دايماً رحمة كانت بتتكلم إنها ممكن تعمل أي حاجة في سبيل إنك متسيبهاش وده مش صح لازم تقدر نفسها ومش عشانها بس ده عشانك انت كمان عشان تقدر تكون زوجة وأم تقدر تبني بيت وتربي أطفال أسوياء ازدادت دقات قلب منذر بتوتر خوفاً عليها وان تتضرر نفسيتها وتسوء أكثر من ذلك، وقال بصوت متحشرج : _ طب الحل ايه يا دكتور؟! تنهد الطبيب بهدوء وقال : _ الحل انك بدل ما تقولها تعمل ايه تواجهها بمشكلتها ومخاوفها  وانك تولد جواها الدافع انها تاخد خطوة لقدام من غير ما تقولها اعملي يا رحمة كذا وكذا،  لا انت هتقول وانتي متضايقة ليه؟ وليه معملتيش كدة؟ انتي خايفة ليه وانتي عارفة انك مش غلطانة؟ طلع من جواها مخاوفها وخليها قدامها وهي اللي تحاربها بنفسها سكت الطبيب لوهلة وقال متابعاً حديثه : _ خليها تفهم انك مش طول الوقت هتكون جنبها، حسسها انك مش هتسيبها بس فنفس الوقت انت مش دايم لها، خليها تواجه خوفها ده وتكون انت سببه، ولِّد جواها الطاقة اللي تدفعها للمواجهة وشوف ردة فعلها علي الأساس ده هل هتاخد خطوة وتواجه ولا هتهرب؟! خرج منذر من شروده بألم على عدم أخذها خطوة صحيحة لم تواجهه ولم توعده فقط بكاء وعدم فعل اختارت الهروب ولم تواجه ، زفر منذر بضيق لما يحدث ونزل من السيارة مغلقاً إياها، ثم اتجه لبنايته، فتح باب شقته فوجد والده يقف في المطبخ يطهو فاقترب منه يُلقي السلام ثم سأله : _ ايه يا بابا انت بتعمل ايه دلوقت؟ نظر له سعيد بنظرة متفحصة ثم قال بهدوء وهو يعيد بصره تجاه الموقد مرة أخرى : _ بعمل أُم على، نفسي راحت لها اتجه منذر للبراد يخرج منه زجاجة من الماء يرتشف بهدوء، فقال سعيد سائلاً إياه وهو يلتفت له : _انت كويس؟! زاغت نظرات منذر لبُرهة، ولكنه عاد لثباته قائلاً : _ اه الحمد لله يا بابا، بتسأل ليه؟ _لا عادي بتطمن عليك، يالا روح غيّر هدومك وتعالي كُل هز منذر رأسه مُومئاً بهدوء ، ثم توجه لغرفته بخطوات مثقلة، ثم فتح الباب ولكن اتسعت عيناه بعدم تصديق وهو يراها أمامه أغلق الباب مرة أخرى يتأكد أنها غُرفته لم يُخطئ بها، ثم فتحها بلهفة مرة أخرى فوجدها تضحك علي ردة فعله، اقترب منها مغلقاً الباب خلفه بحركة لا إرادية وقال بعدم تصديق : _ رحمة! انتي هنا بجد مش بيتهيألي مش كدة؟ هزت رحمة رأسها بهدوء مبتسمة له بسمتها الرقيقة قائلةً : _ لا مش بيتهيألك! انا هنا جيت عشانك! ابتلع منذر لُعابه وقال بصوت متحشرج : _  عشاني؟! ليه ما احنا كُنا مع بعض! زاغت نظرات رحمة وقامت بفرك يدها بتوتر قائلةً : _ اه، بُص يعني أنا... زفرت بيأس لعدم قدرتها على إتمام جملتها، فاقترب منها منذر يسحبها من يدها بهدوء لأحد المقاعد الموجودة بالغرفة ، ثم بعد أن جلسا قال بنبرة رخيمة : _ مالك متوترة كدة ليه؟ اهدي مفيش حاجة خدي نفس وقولي اللي عايزاه يا رحمة أنا سامعك تنهدت بعمق تُجمع شتات نفسها ثم أغمضت عينيها لبُرهة، وبعدها فتحتها ناظرة داخل عينيه بثبات وقبضتها تشتد علي يده وكأنها تأخذ منه قواها، ثم قالت بسرعة وثبات : _ بُص أنا جيت عشان أقولك متزعلش وعشان اوعدك اني هكون رحمة تانية و هحاول مخافش وهواجه بـ.. بس انت خليك معايا نظر لها منذر بدقة محاولاً أن يستشف ما بها، ثم قال بهدوء : _ طبعاً ده شئ يفرحني بس لو بتقولي كدة من جواكي فعلاً وانك عايزة كدة، مش عشان تراضيني وخلاص ثم سكت يرى تأثير كلماته عليها فوجدها تحارب دموعها، تنهد بيأس ثم قال : _رحمة أنا مش بقول كدة عشان ازعلك مني، بس أنتي لو بتعملي كل ده عشاني وجاية علي نفسك برده عشاني فصدقيني انا مش هبقا مبسوط نظرت له رحمة وقد خانتها دمعة تهبط من أعينها تكشف عن ألمها القابع داخلها، ثم قالت بصوت متحشرج تسأله بقلق : _ يعني ايه مش هتبقا مبسوط يا منذر؟! مسح منذر دمعتها وقال بحنو : _ يعني انا عايزك انتي اللي تعملي ده عشانك انتي مش عشاني انا عشان انتي تستاهلي تعيشي صح وده مش هيحصل طول ما ده مش مقتنع ومصدق اللي بيعمله قال آخر كلماته مشيراً لرأسها، نهضت رحمة متوقفة أمام باب الشرفة وساد الصمت لفترة وجيزة كان منذر متأملاً إياها تاركاً لها الحرية في تحديد وجهتها وما تريد، قاطعت رحمة الصمت السائد وهي تستدير له قائلة بهدوء : _ منكرش اني كنت جاية عشانك وعشان متزعلش كنت خايفة بس بقول هعمل اللي انت عايزه عشانك انت عشان متكونش متضايق مني عشان تفضل معايا بس تعرف؟! قالتها وهي تتقدم منه تقف أمامه تنظر في عينيه تُكمل حديثها تبوح بدواخلها بكل شفافية جعلت ابتسامة منذر تتسع وهي يسمعها تقول : _ كان فيه جزء جوايا بيقول وانتي فين من كل ده بيقولي اني استحق أخد الخطوة عشان نفسي برده بس دايماً كان يغلبني خوفي واني ممكن أفشل واتجرح تاني بس أنا دلوقت عايزة أجرب عايزة أحاول يا منذر عايزة أواجه نفسي وكل اللي واقف عقبة في طريقي.. بس مش عشانك ولا عشاني بس عشانا احنا الاتنين! نظر له منذر بعدم تصديق وهي يبتسم ولكنه قال بتشكك : _ رحمة انتي متأكدة انك اللي عايزة الخطوة دي؟! مش عشان انا قولت لك مش كدة يا رحمة! كان يتحدث بتلهف كبير للإجابة، ابتسمت رحمة له وهي تقول بصدق نابع من فؤادها : _ منكرش انك دافع كبير اني أطلع اللي جوايا، أنا من أول ما تعبت ووقعت كان نفسي أعمل كدة أبص لقدام وأدوس علي اللي وجعني كان نفسي أكمل حياتي وانا حُرة مش متأيده بحاجة بـ.. بس أنا هحاول بكل طاقتي بس خليك جنبي انا محتاجاك! ما إن تلفظت بآخر كلماتها حتى احتضنها منذر بقوة رافعة إياها من الأرض، تشبثت رحمة به وكأنه طوق نجاة لها وهي كالغريق الذي كان يبحث عنه في غياهب أمواج البحر العاتية أنزلها منذر بعد مدة لا بأس بها وقد دمعت عيناه بفرحة لما فعلته فقد قررت المواجهة ولم تهرب وها هو قلبه يصرخ من فرط سعادته، ثم قال بصوت متحشرج : _ وانا وعدتك وهوعدك اني طول الوقت جنبك مش هسيبك، بس انتي واجهي يا رحمة وانا في ضهرك ميهمكيش لو ميلتي فكتفي هيشيلك زي ده بالضبط ابتسمت رحمة بحُب له وهي تراه يدمع من فرحته لا تصدق انه يُحبها هكذا ويتمنى أن تتخطى عقباتها لنفسها فقط وكم قدرته وزاد غُلواً في قلبها من اليوم جراء ما فعل تنحنح منذر يُخرج نفسه من حالته قائلاً لها : _ انتي هنا بقالك كتير؟! هزت رحمة رأسها تقول بهدوء متحاشية النظر له : _ اه، جيت عشان حسيتك متضايق مني وعشان مكونتش عايزة انام وانا حاسة ان فيه كلام لازم يتقال بينا، فجيت لبابا وقولت له إني زعلتك وعايزة اتكلم معاك وبس هز منذر رأسه بتفهم، فوجدها تنظر له من أسفل أهدابها بتوتو فقال بمرح : _ جرا يا رحمة، متقولي اللي عندك على طول ليه الكسوف ده انا لسه واخدك حضن مطارات اهو ضربته رحمة بحرج، ثم قالت بتوتر : _ بس عيب، باباك بره وهيسمعنا ثم ابتلعت لُعابها بتوتر قائلةً : _ بـ.. بص كنت عايزة أقولك لما تيجي تتكلم معايا فهمني بالراحة بلاش تضغط عليا زي الصبح أنا أول مرة اشوفك كدة _ لو كنت اتكلمت كالعادة كنتي هتبقي واقفة دلوقت وانتي كدة ومواجهة نفسك ومقررة تاخدي خطوة تانية في حياتك! نظرت له رحمة بحُزن تعلم أنه محق ولكنها لا تعتاد هذا ولا تحبه هي تفضل كونه حنوناً مراعياً، تابع منذر حديثه بهدوء : _ متبصيش كدة آخر مرة يا رحمة بس متزعليش كله عشانك والله، ويالا نطلع عشان كمان شوية وابويا هيخش علينا زي المباحث ابتسمت رحمة علي حديثه، وتحركت معه بنفس مرتاحة وساكنة عكس دلوفها، خرج منذر ممسكاً يده بيد زوجته وما إن خرج وجد سعيد يجلس ببهو المنزل ومعه مريم وهي تجلس مربعة قدمها أسفلها وتلتهم الحلويات القابعة بيدها بنهم وتقول : _ روحت فاصلت معاه بقا يا أبو السعد ونزلته من ٣٠٠ ل ٢٩٠ سخر منها سعيد وهو يتناول حلواه هو الآخر : _ يا فرحة أمك بيكي ياختي، لا جدعة نزلتي عشرة جنيه مرة واحدة! ضيقت مريم عينيها قائلةً بتشكك : _ حاسة بنبرة سخرية في كلامك يا عمو، وده لا أقبل بيه انت متعرفش انا تعبت قد ايه عشان اخد العشرة جنية اللي مستقل بيها دي صدحت ضحكات منذر بصخب عليها وعلى حديثها فانتبهت له مريم ثم ابتسمت ما إن رأتهما يمسكان بيد بعضهما وعلي وجههما ترتسم السعادة، نهضت تقترب منهما وخلفها سعيد قائلةً : _عرايسنا الحلوين!  منورين الدنيا كلها والله، ده أنا قولت شوية و اخد عمو نِطُل عليكم، انتي كنتي بتصالحي وزير الأمم المتحدة ايه كل ده يا بنتي؟! تحرجت رحمة وقالت بخجل : _ والله مش قصدي نطول بس يعني هـ..هو نهرها منذر قائلاً بنزق زائف : _ بتبرري ليه؟! هي كانت اوضتها يعني! _لو عايزة اخدها هاخدها مش كدة يا عمو!! قالتها مريم وهي تُبصر سعيد غامزة إياه، فاحتضنها سعيد بحنو ثم دفع يد منذر بعيدًا عن رحمة ضامماً إياها هي الأخرى ثم سار بهما تجاه الاريكة قائلاً : _ كدة يا قلب عمك، البيت ده بتاعك انت والبت البسكويتة دي تعملوا فيه اللي عايزينه ما إن جلسوا حتى قرّب سعيد منها أحد أطباق الحلويات قائلاً بحنو : _ خدي دوقي وقولي لي رأيك ايه، انا عاملها عشانك ابتسمت له رحمة بحُب قائلةً : _ أكيد حلوة طالما من إيدك، دي أحسن أُم على دوقتها من عندك والله! ابتسم لها سعيد بحُب مُربتاً علي يدها بحنو، قاطعتهم مريم قائلةً : _ بت يا رحمة خلصي وتعالي معايا أفرجك على الهدوم اللي جبتها اعتذرت منها رحمة وقالت بأسف : _أنا اتأخرت على البيت اوي والله من الصبح في الشارع ثم سكتت عندما وجدت الحُزن يرتسم جلياً في أعين صديقتها يخالف أبتسامتها التي ترتسم على شفتيها، ثم تابعت بإدراك : _بس أنا جاية بكرة أساعدك في الحاجات المطلوبة في الحفلة وهشوفهم إن شاء الله ارتسم علي ثغرمريم ابتسامة حقيقة تزينه وهزت رأسها بلهفة موافقة، وبعد مدة قليلة رحلت رحمة بصُحبة منذر لمنزلها وصعدت مريم لبيتها وانتهى اليوم علي الجميع بسلام __________________ في الصباح الموالي، كان كريم يودع خاله فقد انتهت فترة أجازته، قال كريم بصوت حزين : _ هتوحشني يا سيادة اللوا، متطولش في الغيبة علينا احتضنه حسان بحُب وقال : _ خلي بالك من نفسك ومن أمك، عايز لما أنزل أجازة المرة الجاية اسمع أخبار تفرح ابتسم له كريم وهز رأسه بهدوء، ثم انتقل حسان تجاه حنان أخته التي أصرت علي توديعه حتى السيارة، قال بهدوء وهو يجلس على عقبيه أمامها : _ عايزك تلتزمي بالدوا، ومتزعليش نفسك وانا هكلمك علي طول ماشي! ابتسمت حنان وهي تمسح علي وجهه بحنو قائلةً : _ خلي بالك من نفسك كويس ربنا يسلمك ويسلم طريقك يا حسان تعالي في حضني بقا _ عادي كدة وانا راجل طول بعرض واحنا في الشارع نظرت له حنان وهي تلكزه في مرفقه قائلةً : _ مش هتكبر عليا يا واد ده انا اللي مربياك! ضحك حسان بصخب عليها ثم ضمها له بحنو فهي دوماً بمثابة أُم لا أخت حنان وهي حنان بحق! بعد ذهابه عاد كريم مع أمه للمنزل، وساعدها في تبديل ملابسها ثم قال بهدوء : _ ماما مدام صفية هتيجي متأخرة شوية أنا هحط لك العلاج يتاخد في ميعاده انا مش هتأخر ان شاء الله وهكلمك اطمن عليكي وخدتي الدوا ولا لا اتفقنا! ابتسمت حنان قائلةً : _ربنا يوسع رزقك يا كريم يا ابن بطني ويفرح قلبك باللي نفسك فيه أمن كريم بقلبه بقوة علي دعائها، ثم ذهب لغرفته حتى يبدل ثيابه فهو دوماً مصدر للأناقة، ما إن فتح دولابه حتي وجد فيه مظروف أبيض كبير الحجم مكتوب عليه اسمه استغرب كثيراً ولكنه فتحه ووجد مبلغ مالي كبير جداً اندهش كثيراً وافرغ محتوياته كامله فوجد ورقة فتحها بلهفة وأخذ يمرر أعينه علي أسطرها بلهفة تلتمع عيناه بالدمع وهو يقرأ قول خاله له : _ كريم يا بني، الفلوس دي ليك، انا سيبها في أيد راجل يستحقها، انا عارف لو كنت ادتهالك مكونش هتوافق وهتقول لا مش حقي، بس لا دي حقك؛ حقك عليا لأنك ابني مش ابن اختي ولما اشوف ابني محتاج مش هبخل عليه بمساعدة، انا عارف انك ممكن تتهبل ومترضاش تصرفهم بس اعتبرهم سُلفة يا سيدي ولما ربنا يكرمك هاخدها منك عشان عارف مخك الجذمة ده، خدها واصرفها يا كريم ووسع شغلك واكبر واثبت نفسك عشانك وعشان اللي بتحبها البت دي بت جدعة وباين عليها من بيت أصل ولايقة عليك راعي ربنا فيها يا ابني وربنا يوفقك، انا عندي مأمورية فهتلاقي الموبايل مقفول الفترة الجاية ولما اخلصها هكلمك والسلام ختام انهي كريم قرائته للرسالة التي تركها خاله له، ثم نظر للنقود بتأمل وحُب فقد كان يحتاج المال وبشدة وقد يسره الله له، تنهد بقوة مبتسماً من قلبه، يحمد الله على سترها عليه وعلى نِعمه التي يغدقه بها فلك الحمد ولك الشكر يا أرحم الراحمين _______________ َقُرب مغيب الشمس بقليل ، كانت مريم تجلس مع رحمة على سطح المنزل الخاص بالعائلة تقوم بضب أشياء خاصة بالأطفال داخل حقائب هدايا بشكل أنيق، هتفت مريم بحماس وهي ترجع ظهرها للخلف :  _ خلصنا أخيراً، ده انا حيلي اتهد خالص نظرت لها رحمة بسخرية وقالت : _ فعلاً تشتغلي خمس دقايق وتستريحي ساعة تعبتي جداً يا عيني نظرت لها مريم من طرف عينيها قائلاً بحنق زائف : _ اهو الحقد بان اهو، كفاية سواد شوية بقا مليتوا البلد ضربتها رحمة بنزق فقهقهت مريم بصخب ،ثم خفتت ضحكاتها وهي تستمع لشدوه فاقتربت من السور حتي يصل صوته لها بوضوح وقد ازدادت بسمتها اتساعاً ولم تدرِ بنظرات رحمة المصاحبة لها، كانت مريم مندمجة في صوته وجال علي بالها أفعاله المتوترة أمامها كأنه طفل يخاف تلقى توبيخات والدته بسبب أفعاله، نكزتها رحمة بجانبها جعلتها تفيق من حالتها فنظرت لها بأعين محرجة، فقالت رحمة بعبثٍ : _ جرا ايه يا مريومة هو الصنارة غمزت ولا ايه انتفضت مريم وكأن هناك أفعى لدغتها وقالت بسرعة  : _ لا طبعاً انتي بتقولي ايه، مفيش الكلام ده استغربت رحمة انفعالها وقالت بهدوء : _ مالك يا مريم يعني انا بهزر أصلاً وحتي لو هو حرام تحبي يعني ولا تعجبي بحد هزت مريم رأسها وقالت بعفوية واندفاع  لم تحسب له حساب : _ لا مش حرام، بس لازم اهدى شوية في مشاعري واعرف الشخص يستاهل ولا لا ومجازفش بيها تاني _تاني؟! هو كان فيه أولاني يا مريم أصلاً؟! قالتها رحمة بتعجب واندهاش كبير وهي ترمق مريم بعدم تصديق، ومريم ما إن أدركت ذلة لسانها حتي توترت بشدة وتحاشت النظر لها فهي أخته كيف نست ذلك تباً للسانها السليط ذاك! ، نظرت لها رحمة وقالت بعدم تصديق : _ هو فيه ايه يا مريم، هو ايه اللي حصل انا معرفوش؟ ومين ده أصلاً حد نعرفه! نظرت لها مريم وهي تبتلع لُعابها بتوتر و... _________________ انتهـــى الفصل

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

آنست أيامك

المؤلف Mariam Tarek
2024/06/18 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 1: الفصل الأول "حج مبرور"
2024/06/18
الفصل 16: الفصل السادس عشر "الظُلم ظُلمات"
2024/06/18
الفصل 17: الفصل السابع عشر "مثل النجوم هي"
2024/06/18
الفصل 18: الفصل الثامن عشر "تقويم أفعالها"
2024/06/18
الفصل 19: الفصل التاسع عشر "مُصادمة لابُد منها"
2024/06/18
الفصل 20: الفصل العشرون "أدركت الحقيقة"
2024/06/18
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون "خُطبت له"
2024/06/18
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون "عرض زواج"
2024/06/18
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون "خُطبت له"
2024/06/18
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون "يخاف أن يظلمها"
2024/06/18
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون "أصبحت زوجته"
2024/06/18
الفصل 26: الفصل الأخير "تُزف له أخيراً"
2024/06/18
الفصل 15: الفصل الخامس عشر "أحلام واهية"
2024/06/18
الفصل 14: الفصل الرابع عشر "سَكَنَ إليها"
2024/06/18
الفصل 13: الفصل الثالث عشر "فرحة منتظرة"
2024/06/18
الفصل 2: الفصل الثاني "زهايمر"
2024/06/18
الفصل 3: الفصل الثالث "وجع روح"
2024/06/18
الفصل 4: الفصل الرابع "نُهام عصبي"
2024/06/18
الفصل 5: الفصل الخامس "شقائق النعمان"
2024/06/18
الفصل 6: الفصل السادس "بداية طريق"
2024/06/18
الفصل 7: الفصل السابع "فقدان حبيب"
2024/06/18
الفصل 8: الفصل الثامن "شعور بالأمان"
2024/06/18
الفصل 9: الفصل التاسع "دقة قلب"
2024/06/18
الفصل 10: الفصل العاشر "أتقبل أم ترفض ؟"
2024/06/18
الفصل 11: الفصل الحادي عشر "رد غير متوقع"
2024/06/18
الفصل 12: الفصل الثاني عشر "قراءة فاتحة"
2024/06/18
الفصل 27: فصل خـاص
2024/06/18

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة