الفصل الرابع عشر

الفصل الرابع عشر

15 0

الجبال بعظمتها، والتلال بهيبتها، كلٌّ اِنهمر وكأنهما يعلنان استسلامهما بين قبضات الجانّ المُسخَّر على يد مصعب، منحدران على أرضٍ لم تحتمل كتلتهما، إذ تشققت وابتلعت جميع من سقط فيها، فأصبح الوضع من بعيد قريبًا إلى فتاتِ خبزٍ داخل طبقٍ مُحطم، وهناك من نَجَوا بأرواحهم يشاهدون بذُعرٍ سكن في قلوبهم كما لو أنهم داخل لوحة تلونت بدماء الضحايا.

حَنَقُ مصعب أثوى الدمار في حياتهم، ولمجرد أن يأمر وَجَبَت الطاعة، أما الكلمات التي تمر على أذنيه مرارًا وتكرارًا فلا تأتي سوى بمعضلاتٍ بلا حصر، فالشيطانُ الملعونُ المتجسدُ على هيئةِ بشريٍّ رغب أن يحكم العالم، وفي قرارة نفسه يعلم عدم الاستحقاق، لكن رغم كل ذلك يَرتضي رضاه ولو على حساب الآخرين.

فرّ الرجال صارخين حول الجبال، وذراع الملك المهيب فقد رونقه بين حطام الصخور التي نُقِشَ أثرها عليه، لم يجدوا حلًا سوى الصراخ، والطواف حول اليابسة المأمونة، حاصرهم التردد من كل اتجاه، والعقول شُلَّت، إذ كان أحدهم يُخرج هاتفه بيدين مرتجفتين، يفكر في قرارة نفسه في الحل الأمثل، وقبل أن يستنجد بالإسعاف، ظهر اسم مصعب كشمسٍ متلألئةٍ على شاشته، وقتها لاحقه الخوف من أن يستجيب أو حتى يرفض، كان يقف بين خيارين أصعب من بعضهما، يُناديه عقله بالاستجابة تارة، ثم يُخفق قلبه برعبٍ شوش عليه، فاستجاب ليجد "مصعب" بصوته الثقيل يقول:

_كانت نهشة ودن خفيفة، والمرة الچاية والله لدوّركم دار دار، متلحقش تداوي من البلاوي والعلل اللي بطرشها عليكم، في أمان الله.

ابتلع الرجل لسانه، كذُعرٍ طوّقَه جعله صَموتًا، فالتهديد علني دون كلماتٍ مُبهمة كمعظم الأوقات، فاختار الصمتَ حلًا له ولعائلته لأن ما تنطِقُ به شفَتا مصعب يُنفَّذ في الحال، قد وصل لدرجةٍ شاهقةٍ من الشر، مُتخيّلًا ذاته ملكًا يسيطر على العالم، بل ويحرّكه كما يشتهي، كأن السحر عصا أُمَّهَقة ينتصف بها حقوقه في أي وقتٍ وبأي مكان.

تجلّى الباطل في عينيه وهو يُحدق في الجدار بانشراحٍ بعدما نفّذ وعده الذي لم يُعتِق فكرته لأحد، فكان يرسم مخططه وينفذه في صمت، لكن تلك المرة كان وعده واضحًا في العلن، بشكيمةٍ معتادة.

كانت الأعمال تتراكم عليه بكثرة، متمنيًا لو أن يغمض جفنيه لثوانٍ ويفتحهما فيجد العالم قد انهار من حوله، لكن أعماله البَغضية كانت تتطلب بَصمته الخاصة.

تلقى إشعارًا من خدامه يُذكّرونه بغياب رمزي، وعلى الرغم من ذلك، فإن ابنه يجلس متربعًا في ذهنه لا يغيب ثانية، كلما تذكّره استثار بوهج الغضب، وما يزيد من وطأة النيران وجود چيهان التي أخرجت رمزي عن طوعه، جعلته يسير معها في مسارها، بل وينأى عن العهود المتدفقة في عروقه.

كانت خيانته بمنزلة كارثة، فحينما يحين الدور عليهما لن يرحمهما من شروره المتقدة، ليجعلهما نادمَين ندمًا جبّارًا على ما فعلاه، إذ فتح "مصعب" كتابه يقرأ التعاويذ بلسانٍ متدنِّس أظهر قذارة سلوكياته، فعلم تطوّراتهما الأخيرة، فابتسم بصدمةٍ، وقال بوعيدٍ جلي:

_چيهان صارت أختك؟ ومرة مرتك بعد؟ تِضحك عالخلج وتِشوّه في سمعتي خايف على هيبتها جدّامهم؟ لهالدرچة غليت عليك لين تجوم تعاند بوك وتهرب معاها؟

ازداد تبسُّمُه، وتابع بمكر:

_يا حبيبي يا رمزي، يا فزة جلب أبوك... لو مآني مشغول وعندي اللي وراي، كان شغلي فيكم من هاللحظة، بس ما يخالف، تتعوض، أكمّل شغلي وأخليكم نور عيوني إنت وإياها.

رفع رأسه بشموخٍ يُظهر استعداده للخطوة التالية، ناطقًا بالتعاويذ الملعونة المتراقصة على نغمات الثأر، يُتابع حالة الشاب شريف، مستعينًا بقرينه. أشعل مصعب البخور وجلس ساكنًا، يُردِّد طلاسمه بصوتٍ منخفض. بعد دقائق، تغيّرت ملامحه وبدأت عيناه تتحركان بسرعة، ثبّت نظره في الفراغ، ثم دوّن ملاحظات على ورقة أمامه، تغيّر نَفَسه، وانقبض وجهه لثوانٍ، ثم هدأ. أغلق الدفتر، ونهض في انتظار مكالمة السيدة بشوقٍ غامر، تاركًا الجبال حاضنةَ الضحايا في رقودٍ عنيف.

هناك بين الجبال، بعد ساعةٍ من الاستغاثات اللا متلاحقة، توقّفت سيارات الإسعاف إلى جانب الشرطة بعشوائية، الجميع يُؤدّي عمله؛ حيث الشرطة تستجوب الرجال قابضةً منهم لُبّ الحقيقة، والمسعفون يتعاونون بتضامن، رافعين الجثث البينيّة فوق حمّالات الطوارئ، أما البقية فقد غطّت الصخور أجسادهم.

انتحبت السماء استياءً لفراقهم، والقمر مال باديًا بألمٍ، فسارع الجميع بتقضية أعمالهم، والأمطار تصبّ عليهم صبًّا.

بينما عاد "شوقي" إلى داره بثيابٍ اغتمرت بمياه المطر، دخل ليجد الحياة قاتمةً من حوله، وزوجته وابنته مجتمعتان في الصالة بأضواء الهواتف، وكأن أسماء انتظرت الأمل في عودته لعلّه يضع حلًا يُعيد إليهم الحياة التي افتقدوها.

اقتلع معطفه ووضعه على زاوية كرسي الأريكة الانفرادي، وأنفاسه تتسارع من قوة البرد الذي اجتاح كيانه، قال بدهشةٍ وهو ينظر حوله:

_ما الكهرباء شغالة في البيت كله، اشمعنا عندنا احنا بس؟ إنتي فصلتي العداد؟

ردّت "أسماء" باستنكار، قائلةً بحقيقةٍ واضحة:

_الكهرباء قطعت علينا مرة واحدة، وبعدين روحت فصلت العداد وشغلته تاني يمكن في عُطل ولا حاجة.

امتدت يداه نحو المفاتيح بحرصٍ بالغ ليُغلقها ثم يُعيد فتحها، كما لو كان هو من زرع أسلاك الكهرباء قبل أن تحيا الأسرة فيها. أبان مهارته الشخصية وهو يُحرّك المفتاح بحذر، وبينما كان يؤدي دوره كأبٍ بارع، تابعت "أسماء" قولها:

_وياريتها جات على الكهربا بس، أنا قلبي كان هيتخلع على اللي شوفته وسمعته النهارده.

وقتما كان "شوقي" يُوصِد المفاتيح، سألها باهتمامٍ زائف:

_ليه إيه اللي جرا؟

ارتبكت "أسماء" في ردها، وارتجف صوتها وهي تقول بخوفٍ:

_الشقة دي شكلها فيها حاجة، أنا خايفة ومش قادرة أنطق.

لم يكن التجاهل طارئًا عليه، بل يعتبره أسلوبَ حياة، فصبَّ تركيزه نحو مفاتيح الكهرباء، وفي كل حركةٍ تفَرْقَعَ بسكونٍ، ووراءه أسماء وريم تتابعانه بفضول. فبعد خمس دقائق من صمته المعتاد، عادت الأضواء للشقة، وكأن الحياة عادت مع الكهرباء وبثّت الروح في دارهم. ابتسمت شفتا زوجته وابنته وارتاحتا بعد خوفٍ مُضنٍ، أمّا هو، فظلّت ملامحه العابسة على حالها، لكن في دخيلته لذّةُ النجاح.

بمجرد العودة، دخل حجرته يُغيّر ثيابه بانشغال، دون أن يسألها عن دارٍ يسكنه الأشباح، بل نطق بحديثٍ لا علاقة له بما وقع:

_الواد اللي اسمه عمرو اتصل بيا وعايز يقابلني بكرا، أنا قولتله مش فاضي وعندي شغل، قعد يتحايل عليا ويقولي معلش يا عمي مش عايز منك غير خمس دقايق بس ومعرفش إيه....

ظهرت بسمةٌ طفيفةٌ في عيني "أسماء"، وقالت بفرحٍ خفي:

_ها وبعدين؟

أنزل شوقي ثيابه على السرير، وبدأ يرتدي بيجامته ليستعد لتناول العشاء، ثم يطرح جسده المُرهق في أعماق نومٍ ساكن. في الخارج، كانت ريم تستمع عن قُربٍ لحديث والديها، وقد قال "شوقي" بإرهاقٍ يخرج من نبرته:

_قولتله أنا مش موافق على جواز ريم قبل ما أختها ترجعلنا بالسلامة، قعد يتكلملي ولا كأنه فيلسوف عصره، وفي نهاية الكلام اتخنقت منه وقولتله خلاص تعالى أنا مستنيك.

هدأت أسماء وريم، وكانتا تريان بصيصًا من الأمل في ظلمة الأيام، فأعربت "أسماء" عن فرحتها قائلة:

_طب الحمدلله، الولد ده كويس والله اسمع مني! أنا أه مش جايلي قلب أفرح وبموت في اليوم مية مرة على فراق چيهان، بس ريم ملهاش ذنب في كل ده!

ردَّ "شوقي" بلا مُبالاة، ناطقًا بمسغبةٍ تنهش أمعاءه ككلبٍ غَرثان:

_روحي جهزيلنا العشا، وولعي على الشاي!

تعَّجبت "أسماء" من رد فعله الطريف، فأبدت دهشتها قائلة بمَلامة:

_شوف أنا بكلمك في إيه وإنت بتكلمني في إيه! عشا إيه دلوقتي في اللي احنا فيه ده؟!

ردَّ "شوقي" بصياحٍ يكاد يخرق طبولَ آذانهم من شدّته:

_إيه اللي احنا فيه؟ يعني أنا طالع عيني طول اليوم في الشغل، وكمان مستخسرة الكام ساعة اللي برجع أرتاح فيهم وعمالة تقوليلي سي عمرو وست ريم، هو أنا هفضل شايل الهم لحد امتى؟

رمقته أسماء بامتعاضٍ يوثب من نظراتها الحادّة، فتابع وهو يضطجع على السرير بإرهاق:

_روحي يلا أنا مش فاضي لحوارتكم دي!

تلفّظت "أسماء" بضيقِ صدرٍ، فبعدما تحمّلت الكثير من أقواله وتصرفاته الصاغرة، كانت على بُنت شفةٍ من الانهيار، لكنها تمالكت أعصابها وخرجت من الحجرة وهي تقول بأسى:

_لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الصبر من عندك يارب.

مرّت إلى جوار ابنتها لتجدها تنظر إلى والدها بكراهيةٍ تنبع من إناءٍ اغتمر بالشجن حتى ذَرَف، تلاقت أنظارهما لثوانٍ تحكي أوجاعًا صامتة لا تُروى في وجوده، حتى وصلت إلى المطبخ وأنارت أضواءه.

تسرّب ضي القمر عبر النافذة فسكن على رخام المطبخ، وكأنه شهد لياليَ من مشكلات العائلة التي لا تنتهي، إذ كان شوقي يُمثّل رجلًا مُحبًّا للذات بطريقةٍ عظيمة، يضع ذاته دومًا في المقام الأول، ولا يُحب الحوارات الأسرية.

في تلك الأثناء، كان الضيق يطوّق ريم من كل صوب، حتى دخلت غرفتها وأوصدت بابها، فارتجّ بقوةٍ مُصدحًا، جلست على سريرها تتذكر معاملة شوقي لها منذ أن كانت صبيةً تزهو بضفيرتين تطوّقهما توكتان بدلال، فأطفأ بريق الصِبا الذي كان يُميزها عن أي صغيرٍ آخر.

تعرّضت للتعنيف النفسي والجسدي، لكنّ النفسي كان تأثيره أشد، إذ كوّن لها شخصيةً حادّة لكنها حسّاسة، تخشى على ذاتها من قسوة البشر، دومًا ما تعتقد أنهم سيزدونها كما فعل شوقي معها، ويُقبّحون منها شكلًا وشخصيةً، فشعرت أنها لا تستحق الخير الذي تمنحه الحياة. حتى رأيها، لم تعتقد أن هناك مَن سيهتم بسماعه، وذلك لما تعرّضت له من هجومٍ عَرِم، وتبكيتٍ لآرائها، خاصةً أنه لا يستمع سوى لرأيه الخاص، ولا يفتح مجالًا للحديث كباقي الآباء الأسوياء.

انزلقت الدمعة على وجنتيها وأخبرت ذاتها أن كل شيء سيكون على ما يرام، لعلّ القادم كالغيث المدرار.

في مستقر العائلات المنخرطة بدمائها ونسبها، ظهر شيخ القبيلة رمزًا للديكتاتورية، هَرشفه عمرُه الذي عاشه في التسلُّط على الكفائل المختلفة، فلا يمرّ غريبٌ بينهم إلا ويحضره النقيب ليتحرّوا عنه بتفاصيله الشخصية الدقيقة، كما لو كانوا رجالَ شرطةٍ لكن بنظام العُرف البدوي.

تميّز شيخ القبيلة المدعو "ضرغام"، مرتديًا العقال المطرّز بخيوطٍ ذهبية تدل على الوجاهة، يسبقه ثوبٌ أبيض نظيف مكويٌّ بعناية، تستربع الغترة البيضاء حول رأسه، وساعة اليد الذهبية تُزيّن معصمه المنقوش بعلامات الزمن المديد. بشرته بيضاء، صافية كالحليب الناصع في بكوره، جسده متوسط القوام، يسير بصولجانه الخاص.

دومًا ما يتحرّك برفقة مساعديه الذين توزّعت الأدوار فيما بينهم:

النقيب: وهو بمثابة اليد اليمنى للشيخ، ينوب عنه في بعض المهام، وينقل أوامره، ويُشرف على تنفيذها...

الناصح: رجل حكيم ذو خبرة، يُستشار في شؤون القبيلة، خصوصًا في مسائل الصلح والعُرف مع القبائل الأخرى...العقيد: يكون عادةً قائد الفرسان أو المقاتلين في القبيلة، ويُرجع إليه في شؤون الغزو...الوجيه: رجل له مكانة مرموقة، ويشارك في مجالس الشورى، وله رأي مسموع بين أفراد القبيلة...أما الأخير بينهم فهو الوكيل: الذي يتولى شؤون القبيلة الإدارية، أو متابعة أمور الأفراد حيال السلطات الخارجية.

كلٌّ منهم كان له دوره الخاص، والمُميز عن الآخر، تبدأ أعمارهم من سن الأربعين، وتنتهي في الخمس والخمسين عامًا، فلا مجال للشباب بينهم.

وبينما كان الرجال يتراقصون بفرحٍ، ويهتفون مع الأغاني، تذكّر "رمزي" ضرورة العودة إلى مَقْطنه الصغير، ليكون إلى جوار چيهان في أوقاتها العصيبة، حيث هناك العلة ترغمها على البقاء مُنهَكة بين أقباض السرير. حينما توجّه إلى ابن خاله ناجي، قال بابتسامةٍ هادئة:

_ألف مبارك يا ولد الخال، آني بطلع الحين، وباكر إن شاء الله أكون عندك من ضوّ الضحى، لو احتجت شي أسويه لك بعيوني.

جذبه "ناجي" بعيدًا عن حلقات الرقص، وسأله بصدمةٍ:

_يخيبك، بجى ناوي تروح جبل ما تسلّم على شيخ المشايخ؟ إنت تبغاه يحطك في راسه ويزعل منك يا رمزي؟

رد "رمزي" بانزعاجٍ، معترضًا على فكرة ناجي، إذ رآها تكلفه فوق طاقته:

_يا ناچي لا تِكلفني زيادة! آني أبى أروح أمدّد شوي وأريح هالبدن اللي تهدّ على دروب السفر!

ضحك "ناجي"، فغمز بعينيه بمزاح، وقال بابتسامةٍ:

_بتموت وتِبي تطلعلها، مو هيچ؟ جولها بصريح لسانك، لا تخاف!

رد "رمزي" بتلعثم، مؤكدًا عليه أهمية الاحتفاظ بالسر:

_إياك تِفوهها للخال ولا لأي نفس إنها مرتي، چيهان جدّام الخلج كلها أختي، مثل ما اتفجنا!

ابتسم "ناجي" بخبثٍ يُخفي وراءه مقاصد واضحة:

_لا تخاف يا ولد العمة، سرك في بير وما يطلع، بس خلنا بالحين في سالفة شيخ المشايخ، صدجني لو ما رِحت تسلّم عليه، بيآخذ بخاطره منك، واللي من هالطينة إذا زعل، زعلهم ما يهون أبد!

رد "رمزي" بلا مُبالاة، فهو لا يخشى شيئًا سوى مصعب، الذي كان بين الحين والآخر يراسله بلسعاتٍ قاسية تشبه سُمّ الثعابين، ليخبره فقط أنه لم ينسه بعد:

_آني ما أخاف من مخلوج، وإياك تعيد هالحچي، ولا بزعل منك زعل ما يرضيك! خلك في حالك يا سيد المعرس...

ثم تحرك من موضعه متجهًا نحو المنزل، مردفًا بنبرة مسموعة:

_سلام يا ناچي.

ضحك ناجي بخبث وهو يتابع تحركات رمزي الذي تقابل مع خاله الآخر والد العروس، إذ كان يُمثل رجلًا خمسينيًّا ذا قامة طويلة، شَعرُه لا تزال خصلاته سوداء، وبشرته تميل نحو الحنطية، كان يتشابه مع والدة رمزي بشكل كبير في الملامح، ما يُوحي بآصرته الجينية معها.

كانت لحظات سعيدة ورمزي يغوص في أحضان الخال ويحدثه بشوق كبير، أما ناجي فعاد إلى رقصاته الحماسية بين رجال الحاشية، تاركًا "رمزي" يُفسّر اشتياقه للخال "عاصم"، لكنه على الرغم من سعادته بوجوده بين العائلة، إلا أنه كان على أحرّ من نيران الجمر ليفرّ داخل الدار ويصعد فيستريح. وبعد دقائق، ركب المصعد الكهربائي، ما يؤكد التمدُّن الذي باتت عليه أهالي البدو في ذلك العصر. كانت الثواني تمر كالأعوام المتوانية، حتى فتح الباب ودخل، فوجد المكان ساكنًا، والأضواء هامدة، حتى حجرة چيهان لا يتسرّب منها ضيٌّ يُنزل السكينة في نفسه.

ضغط على مكابس الكهرباء فتجدّدت الروح في المكان، وخطى بطوله المهيب نحو الحجرة الصغيرة التي يدعونها صالة، إذ لا يوجد بها سوى أريكة صغيرة وطاولة بكرسيين فقط، وشاشة تلفاز لا يتعدّى حجمها الأربع وعشرين بوصة، فكان الطعام كما هو في موضعه دون تغيير. فوقف جانبًا، يفكّر بحيرة تجتاحه بلا توقف، إن كان يطرق باب حجرة چيهان، أم يضطر للنوم دون أن يُجبرها على تناول الطعام؟

وقف قبالة الباب وطرقه ثلاث مرات برفق، خشية أن تكون منغمسة في نومها، لكنه لم يجد أي رد، فازدادت الرهبة داخله أن تكون غادرت المكان بمفردها. فرفع كفّه الأيمن وطرق الباب للمرة الرابعة، والهواجس تدور في رأسه بقوة، حتى فتحت چيهان الباب له بجسدٍ مرتجف، وعيناها نصف مغلقتين بتعبٍ واضح، حتى لم تستطع النظر له، فحدّثها بنبرة حانية قائلًا:

_بقى عاجبك الحال اللي إنتي فيه ده؟

ردت "چيهان" بصوتٍ منهك، تتكسر حروفها تحت وطأة التعب، كأن الكلمات تتعثر في حلقها:

_إيه اللي أنا فيه؟!

أجابها "رمزي" بعتابٍ دَمِث:

_مكلتيش لقمة من إمبارح، ودماغك ناشفة زي الحجر، ده أنا كنت فاكر إني هرجع هلاقيكي فرسة، معرفش إن كل ده هيحصلك...

وتابع بمزاح خفي:

_شكلي كده قريت عليكي.

خرجت چيهان من الحجرة متجهة نحو الصالة بخطوات تخللتها علامات التعب، حيث تبعها "رمزي" بفضولٍ يترقب تصرفاتها، حتى وقفا قبالة بعضهما بالقرب من الطاولة، فنظر في عينيها بتمكُّث، ثم حرّك الطعام نحوها، وقال بإجبارٍ لا يُحتمل رفضه:

_هتاكلي يعني هتاكلي، أنا لحد دلوقتي سايبك على راحة راحتك، إنما كلامي لو متنفذش إنتي اللي هتكوني خسرانة في الآخر!

سألته "چيهان" بدهشة، مستغربةً إصراره على تناولها للطعام:

_وإنت هيفرق معاك في إيه؟!

ارتبك "رمزي" عند سماع سؤالها، وكان زائغًا دون إجابة لبرهة من الزمن، ثم أجاب بحقيقة مكنونة خلف ستار وهمي:

_عشان إنتي مسئولة مني لحد ما نشوف حل في المصيبة بتاعة أبويا دي، ولازم اللي أقوله يتنفذ بالحرف، مانتي لو جرالك حاجة بعد الشر يعني، ذنبك هيكون في رقبتي.

لم تقتنع "چيهان" بما قاله، فكيف يؤذي البشر بأعماله اللعينة ولا يكترث لمدى المخاطر، وفي نفس الوقت يخشى أن يصيبها مكروهًا بسببه؟ كان رده متناقضًا مع تصرفاته، فرمت له نظرة سريعة، وقالت بعناد:

_وبعد الشر ليه؟ أنا وجودي بيديك إيه من الأساس؟ ده حتى الجنة والنار ميجتمعوش مع بعض....

نظرت حولها تبحث عن شيء، وهو لا يزال يستوعب ردودها الجافة، إذ كان يمثل في نظرها نارًا موقدة على أراضي جهنم، لا يدرِ إن كانت تراه ملاكًا أم شيطانًا مرجومًا، وكان ذلك يثير الغضب في نفسه كلما لمحت له بكلماتٍ لئيمة، فتابعت:

_ازاي بيت مفيهوش مصحف؟ هو إنتوا مش مسلمين؟

سألها "رمزي" بدهشةٍ:

_مصحف إيه اللي بتسألي عنه وإنتي بتموتي؟ خدي بالك أنا مش هاخد على تلقيح الحريم بتاعك ده عشان موركيش الجنان اللي على أصوله! أنا هعمل نفسي مسمعتش الكلمة اللي قولتيها، ما هو مفيش راجل ياخد على كلام الحريم....

أشار بإبهامه إلى رأسه يصف عقليته المتفتحة، وتابع:

_هنا عقل كبير مش صغير زي عقل العيال!

ردت "چيهان" بنظراتٍ حادة:

_وأنا عقلي مش صغير، ومتتكلمش معايا بالأسلوب ده تاني! وعلفكرة مرات خالك جاتلي وأصرت إني أنزل أقعد معاها لكن أنا رفضت أكتر لما عرفت إنك مفهمهم إني أختك....

تحركت إلى الأمام، ساعية لإدراك ما يحدث من حولها، وكأنها تعيش فيلمًا غريبًا، تدور أحداثه حول بطل يعشق الكذب ويعتبره أسلوب حياة، وأردفت بصياح:

_إنت بتعمل معايا كل ده ليه؟ وليه مرة تقول للناس إني أختك ومرة مراتك والكلام العبيط ده؟ بتستفاد إيه وإنت بتكدب عليهم، واحنا في الحقيقة لا أخوات ولا في بينا ولا بين بعض حاجة أصلًا!

جزّ "رمزي" على أسنانه، فبرزت عروق يديه وعنقه، وهو يجيبها بانفعالٍ لا يتعدّى حدود الشقة:

_وهو أنا اللي هقوله هعيد وأزيد فيه كل شوية؟ اسمعي بقى وركزي في كلامي كويس!

وتابع وهو يشير بيديه، يشرح لها بتهديدٍ جلي، مستخدمًا لهجته البدوية التي تظهر في ذروة احتدامه:

_رمزي، لا عاش ولا كان اللي واحدة تجعد تتنطط عليه كل شوي وتلمز بدنه! لو أبى ألففك حوالين نفسك، أسويها وآني مغمض، أجدر أدمرك وأسوّي اللي عمرك ما شوفتيه ولا بتشوفيه غير مني...

بينما كان يصيح، حدقته بصدمة عارمة، وهو يواصل وعيده بخشونة في صوته:

_آني صبرت عليكي أكثر مما صبرت على أحد، وإنتي بعدك مكملة وسايجة، فاكرة إني ضعيف! بس اسمعي مني، هذي آخر مرة أجولك، كل هالشي عشان مصلحتك إنتي، تريدين تصدجين صدجين، لا براحتك... بس كل شوي تغلطين بالكلام وتخليني أحس إني إبليس بحد ذاته. لو تبين تشوفي رمزي الحجيجي، مو رمزي السهل، معاكي راح أورّيكي!

ابتسمت "چيهان" ساخرة، وقالت بفظاظة:

_هدد هدد! ولما إنت تقدر تعمل كل ده معملتوش ليه؟

أجابها "رمزي" بصراخٍ:

_لا تسأليني هالسؤال مرة ثانية، لأني ما راح أچاوبك! بس اللي لازم تحفظيه مثل اسمك، إن رمزي الطوخي اللي خرب ناس كثير ودمّر بيوتهم وبيوت اللي معاهم، يجدر يسوي معاكي كل هالشي، بس آني اللي ما أبغى!

خرج من المنزل مستاءً، يشعر بأنه حقير لا قيمة له في عينيها، ونيران الامتعاض تلتهمه لهمًّا. كان يسير متناقلًا الاحتدام في كل خطوة حتى ابتعد عن الدار بأكملها، بينما ظلت هي تصرخ باكية، تضرب الجدار بيد مرتعشة، لا تدري إن كانت على صواب أم أن عدم اقتناع رمزي بهجر الأسحار المؤذية يشكل لها نفورًا قويًا منه. لم تستطع أن تتخيل نفسها يومًا رفيقة لكافر خرج من رحمة الله، ولن تضحي بإسلامٍ تغلغل في صميم قلبها مهما حدث، مادام هو في طريقه ولم يغيره، فلا اعتبار لصحبته.

لكن الغريب أنها خرجت إلى السطح تترصده من الأعلى، فوجدته يسير في طريق بعيد عن الحفل المقام حولهم حتى اختفى عن نظرها. عادت إلى حجرتها، أوصدت الباب، واستلقت على سريرها بعينين باكيتين، فابتلت الوسادة بدموعها الصافية وقلبها يحترق حزنًا.

سار رمزي بين الشوارع حتى تلاشى الحفل عن ناظره، وابتعدت الموسيقى عن أذنيه. كان القمر يعلوه وهو يتحرك بغضب ملحوظ، وكلماته المتوعدة لها حركت مشاعره وأثرت فيه، حتى بكى ضميره وجلد ذاته بشدة. كانت بالنسبة له ملاكًا عفيفًا لا يدرك لطريق الشر عنوانًا. دومًا ما قاوم نفسه في صراع حاد بين أن يسكن إلى جوار عينيها الفاتنتين فيسقط فيما لا يرغبه، أو يتباعد عنها ويهجرها حتى لا يدنسها بما ترعرع عليه من مَثالب.

ظل يسير لساعات طويلة يفكر بمفرده حتى أشرقت الشمس معلنة يومًا جديدًا قد يكون أكثر حظًا.

أما چيهان التي انتظرت عودته طوال الليل مترقبة سماع صوت فتح الباب وخطواته التي تبث الطمأنينة في روحها، خرجت إلى السطح وسط سطوع الشمس التي ألقت ببريقها على عينيها. وقفت على أطراف أصابعها لترى من السور إن كان عاد أم لا، لكن انتظارها لم يكن له جدوى. عادت إلى حجرتها وجلست على سريرها تتلو آيات القرآن بصوتٍ عذب كالسيل الباهر.

تحركت عقارب الساعة حتى وصلت إلى الثانية بعد الظهر. هناك، لدى شوقي في عمله، جلس مع عمرو حول المكتب، قبالتهما كوبان من الشاي اكتسبا مذاق الرحيق. حولهما كان الصبيان يعملون كعادتهم، وانحجبت الأصوات عن أذني "عمرو" وهو مستمع لصوته الداخلي يخبره بضرورة إقناع شوقي بالزواج. فتنحنح بخجل بصوته، وقال ببشاشة لطيفة:

_أنا مقدر إن حضرتك مش حابب أي حاجة دلوقتي غير إنك تطمن على بنتك چيهان، ربنا يرجعهالكم بألف سلامة، أنا بس عايز حضرتك تديني فرصة ولو بسيطة أثبتلك فيها إني حد كويس.

وضع "شوقي" كوبه جانبًا، ونظر إلى عمرو بتفكير، محاولًا استجماع الكلمات المتشابكة في ذهنه، وقال:

_أنا مش رافضك كشخص، احنا ظروف بيتنا صعبة، ومحدش فينا مرتاح ماهو لو إنت حطيت نفسك مكاني هتفهم اللي بقوله ده.

رد "عمرو" بعقلانية، موضحًا رأيه بإيجابية:

_والله حاطط نفسي مكان حضرتك، ريم ملهاش ذنب في غياب أختها، من حقها تفرح وتعيش زي أي حد، يمكن خطوبتنا دي تطلعها من المود اللي هي فيه....

رمق شوقي ليجده غير مقتنع، فتابع بطاقة اقناع أقوى:

_اديني فرصة وصدقني مش هتندم، وأنا بنفسي هساعدكم إننا نلاقي الآنسة چيهان في أقرب مدة.

رد "شوقي" باعتراضٍ:

_لا موضوع چيهان طلع نفسك منه خالص، دي حاجة تخصني أنا وبس... إنت اللي ليك إني أرضى بخطوبتك من بنتي، غير كده لا!

تسلل إحراج خفي إلى بدن "عمرو"، فقد كان يظن أن عرضه لمساعدة شوقي سيرفع مكانته بينهم، لكن رد شوقي جاء جافًا، خاليًا من تقدير المشاعر. فتنحنح بصوته، وقال بابتسامة:

_اللي حضرتك تشوفه، وأنا مش هلاقي حد أحسن منكم أناسبه.

عَايَنَه "شوقي" بنظرات غامضة، ناظرًا له بعين أب يختار زوج ابنته المستقبلي بعناية، ثم رفع كوب الشاي وارتشف رشفة صاخبة، ووضعه على مكتبه، معيدًا النظر في فكرة موافقته. قرر أن يمنحه فرصة صغيرة رغم رفضه المصاحب، فالظروف يُرثى لها من وعورتها، وقال بهدوء نسبي:

_إنت شكلك ابن حلال ومحترم، وعشان كده أنا موافق، بس إن شاء الله تجيب الحاج والحاجة وتيجوا نتكلم في قاعدة على الاتفاقات، وهقولكم طلباتي إيه.

وَثَب عمرو من كرسيه وعانق شوقي عناقًا سريعًا يعبّر عن بهجته اللافحة. جاء "هشام" من الخلف بعدما تابع الحوار عن كثب، والبسمة تضيء وجهه، فعانق عمرو، مقدّمًا له التهاني، فقال:

_ألف مبروك مقدمًا يا عريس....

ثم باعد نفسه عنه، وأشار معرفًا ذاته ببشاشة:

_أنا هشام، أبقى جوز بنت عم الآنسة ريم، وتقدر تقول الدراع اليمين للحاج شوقي، مفيش حاجة بتدخل هنا غير لما تمر عليا أنا الأول... محسوبي عمود الشغل من بعده.

ربت "عمرو" على كتفه بحركة حانية، وقال مبتسمًا:

_الله يبارك فيك، ربنا يجعلها معرفة الخير.

رد "هشام" بحفاوةٍ:

_يارب، وعلى العموم إنت مش هتلاقي أجدع من عم شوقي، ده راجل سخي وطيب وكل الناس بتحبه.

ضحك "شوقي" برضى، فقد كان هشام يغمره بفيض من الكلمات المعسولة، وهذا ما رفع من مكانته وميّزه بين الرجال الآخرين، فنطق:

_الله يخليك يا هشام، تسلم.

خفّت حدة عمرو بعد موافقة شوقي عليه، فقبل أن يأتي شعر وكأنه على أعتاب لجنة امتحان، يسير كل خطوة برعب نفسي، خاشيًا أن تبوء فرصته بالانهيار. لكن حينما توغلت كلمات شوقي في أذنيه وتأكد من قبوله، أزالت المخاوف عن كاهله، فجعلته أخف حركة وأكثر حماسًا. جلس مجددًا لبضع دقائق برفقة شوقي وهشام، يتبادلون الأحاديث باهتمام، وكل منهم يتعرف على الآخر، يشرح ما يحب وما يكره، فالآن الجميع مستعدون لفرحة وافدة من فردوس الأغباط.

امتد الشر إلى درجة لا توصف، ومصعب يسحب زهرة شباب شريف من بين قبضتيه بعنف، بعد ليلة طويلة شعر فيها ظهره يتحطم من شدة اتقانه لعمله وحبه له، دون طلاسمه ووخز الإبر القاسية في عروس يمثل شريف. كان القماش ملوثًا بألوان الحبر الدموية، وفي كل وخزة ينتشر المرض في باقي الجسد بقوة لا ترحم، حتى أصبح جسده مملوءًا بسُم العلة.

ارتاح مصعب داخل حجرته، مستلقيًا على سريره، كأنما ما صنعه ليس سوى سعير البداية التي شرعها بخاذل. امتدت الأياد نحو ظهره بسكين الغدر، وهناك على سرير المسحور بدأت أنفاسه تتزايد برعب، وصوته يتحشرج، ممازجًا بسكرات الموت. تلاشت حرارة جسده شيئًا فشيئًا، والأمل يخرج مع كل روح تُسحب نحو عنان السماء.

في لحظة شنيعة دخلت والدته "حفظة" بخطوات مصدومة، عيناها تبرقان بلمعان الارتعاب، وهي ترى ما أسرف والده من دماء جسده من أجل علاجه، وليلمح بريق الشفاء في عينيه، تضعضع في دقائق صاعقة.

امتدت يداها نحو ابنها، تودعه بكف حاني يسير على وجهه بقلب يخفق قهرًا. انزلقت دموعها من عينيها وهي تصرخ صرخة حارة، وتضمّه إلى صدرها في وداع أخير. ثم استدارت بظهرها نحو الباب، تنادي مستغيثة:

_الحقوني! ابني بيموت! ابني بيموت! يا حاج الحقني!

دخل الوالد "جميل" من باب المنزل، وجهه يحمل الفقد بكل أشكاله، وفي ذيله رجال العائلة بفزع، كان يتمنى لو يخترق جنة الأخبار، لكن القدر أراد أن يترك بصمة مؤلمة في نفسه.

تفاجأ بابنه الوحيد في لحظاته الأخيرة، وجسده يرتجف منفذًا أنفاسه الأخيرة. امتزج صراخهم مع بعض، ففقد الوالد توازنه وهو يرى الرجال يرفعون شريف من على سريره، أشبه بالمومياء التي التهمها المرض، وقبل أن يخرجوا به مسرعين نحو المستشفى، مالت رأسه بحزن في نومة أبدية.

ارتفع النواح، ورجّت المنازل رجًا، والوالدة "حفظة" تعول بحرقة، رافعة يديها نحو السماء، وجسدها يميل نحو الأرض بشدة، تستغيث بالرحمن، قائلة:

_ابني يارب، ضنايا راح! ابني اللي محيلتيش غيره!

وتابعت بصراخ مرير، ويداها تصفعان وجهها بلا توقف، فسقط حجابها من رأسها، والناس يحاولون إسعافها هي الأخرى:

_حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل في اللي أذيت ابني عند الساحر، حسبي الله ونعم الوكيل، حقي يارب....

وضعت يدها على صدرها بعذاب لا يوصف، وأردفت:

_نار بتاكل قلبي، يا ضنايا يابني، يا حبيبي يا غالي... هموت مش قادرة... حسبي الله ونعم الوكيل، يارب اللي عملت كده يارب... يارب اقصم ظهرها وافضحها قصاد خلقك فضيحة يتعجب منها أهل السموات والأرض.... نار قلبي يارب... آه يا قلبي، يا ناري اللي بتزيد.

سقطت مغشية عليها، تاركة الآهات تصدر من أعماق زوجها الشجي. كان العالم شاهدًا على صاعقة هزت كيانهم، جعلتهم أجسادًا بلا روح، لكن دعاءها خرج من سفح مظلوم إلى أواصر السماء. استجابت دعواتها في الحال، لأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، فهي، مادامت خرجت محملة بنيران الظلم، تولى الله بقوته وقدرته العظيمة تحقيق العدالة الإلهية. وكلما تأخرت الاستجابة اشتدت قوةً بطريقة تصعق الظالم الذي تسول له نفسه ظلم العباد.

خرج الرجال بالضحية إلى المستشفى، متشبثين بوَمضة أمل بسيطة لسماع خبر يحييه، لكن الأطباء أكدوا وفاته، ما زاد من وطأة الألم. فعادوا به إلى دار العائلة استعدادًا لغسله ودفنه. نعم، قد خسر دنيا عسيرة اغتمرت بمن يتوجون الظلم، لكنه ربح آخرة لا مشقة فيها، فالابتلاء الذي عاشه محى كل ما ارتكبه من ذنوب غير مقصودة.

هناك، في منزل تفوح منه روائح البوائق، على سرير يسكنه ساحر خَنوع، موصد الجفنين بلا اكتراث لكل ما تسبب فيه، رن هاتفه، فمد ذراعه بين الظلام يستجيب للمكالمة، ليجد من أوصته بالمهمة تسأل بلهفة:

_طمني يا سي مصعب، عملت اللي اتفجنا عليه ولا إيه؟ آني جلبي واكلني أوي وعاوزة أطمن.

رد "مصعب" بصوت خافت يغلبه النعاس، قائلًا:

_غار في نايبة، ده آني طول الليل وآني شغال عليه لين ما ضهري انكسر، رسلت له مرسال سُود، نشَر السجم في چسمه نشر النار في الهشيم... آني أبي خمسة آلاف ثاني، الجروش اللي رسلتيها ما تعبي العين.

ردت السيدة بتردد، فقد ضحت بذهبها الذي كانت تعتبره رفيق دربها، ولم يكن لديها ما يكفي لدفع المزيد:

_أعذرني بس آني بيعت دهبي عشان خاطرك، مبقاش معايا فلوس تاني أدفعلك.

رد "مصعب" بصياح متوعد، فلم يحتمل النقاش، بل أصدر أمرًا بالطاعة فورًا:

_لو موصلنيش الخمس آلاف، بزرع الشك في راس رچالِك، وأخليه يطلجك ويرميكي لذيابة الطريج، وما أبي أجولك وش بعد ناوي عليه.

تفوهت "السيدة" بخوفٍ:

_لا لا خلاص، حاضر آني هتصرف وأمري لله، مانت برضه تعبت ويانا، ده احنا من غيرك مكناش عرفنا نتصرف.

انتابت السيدة عاصفة من الرعب، ذُعرت من وعيد مصعب لها، خاصة أنه لا يتأخر ثانية عن تنفيذ وعده. قررت بيع هاتفها لتتخلص من عبء الانهيار النفسي الذي سببه الساحر اللعين، فهي من ستتدهور أحوالها وتُخزى أمام الجميع ليكتشفوا وجهها الحقيقي الذي أخفته تحت قناع الاحترام والرحمة.

لم يكترث مصعب للرد عليها، بل أنهى المكالمة في وجهها بسخط، مانحًا إياها فرصة أخيرة قبل أن ينقلب سحرها بشراسة عليها. عاد إلى نومه يفكر في رمزي، فهو على أتم استعداد للتضحية بكل شيء من أجل القصاص منه ومن استحثته على كسر العقود.

ومن حوله الجان يتحركون بأشكال مفزعة، لكن عينيه التي اعتادت تبصرهم لم تعرف الرهبة ثانية.

يتبع.....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة