الفصل الحادي والعشرون

الفصل الحادي والعشرون

16 0

الخَبالُ الصحيحُ ليس من يهرول بين الشوارعِ، يجذبُ طرفي شعراته لأعلى فتبدوان شبيهتين بهوائيّ الراديو، مناديًا بجُملٍ غامضةٍ تجعل الأطفالَ يطاردونه بقوالب الطوب القاسية، بل من يُجازف بروحه لمطلبٍ صادمٍ هكذا.

قد تحوّلت ملامح رمزي من الوهن إلى صحّةٍ حادّة، عيونٌ رُسمت بشراسةٍ بأصابع الشاب "صقر"، ذاك الذي توسّط لدى الخال "فهيم" ليطلب الزواج من چيهان، تلك التي ملأت عينَيه باللهفة منذ أن بصرها أول مرة، وهي تخرج مع غيداء مرارًا وتكرارًا.

كان الوضع بالنسبة له معركةً يودُّ الفوزَ فيها، متمنيًا لو يصل إلى أول طرفِ الخيط، ليحظى بمقابلة وليّها. لكنه حينما علم أن والدها لا يعيش معها هي وأخيها، بل يحيى ويكسب رزقه في بقعةٍ أخرى يجد فيها راحته، قرر أن ينبش في شجرة العائلة إلى أن علم أنها تستوطنهم، حينها اتخذ خطوته الأولى مع فهيم، شارحًا له مشاعره بوضوح.

خَيَّم عليه الخجلُ في مطلع حديثه، لكن فهيم تفهّم مشاعره وقدّر مبادئه الأخلاقية التي جعلته يتخذ أولى خطواته معه وليس مع الفتاة مباشرةً، ما منحه منزلةً إضافية من التوقير.

ولأن الخال فهيم يدرك الأصول جيدًا، أخبره باستدعاء "رمزي" أولًا ليفتتح معه الموضوع بشجاعة، في حين أصاب رمزي هدوءُ ما قبل العاصفة، لا يدري إن كان يلاحق عِلّته أم الشجار مع ذاك المجنون، حتى خرج عن صمته، وتلفّظ باحترامٍ كفرصةٍ أولى، لعلهما يتراجعان عن قرارهما الخاطئ، قائلًا:

_لا يا خال، ما عندي بنات للزواچ.

الرفض يسبقُه مبررٌ يقنع العقول، لكنه، دون أن يفسر سبب اعتراضه على الزواج، أثار حيرةَ خاله "ناجي"، الذي قال بتعجب:

_ما تشوف دنياه أول، وبعدين أحكم؟ بس إنت رافضه كده من غير سبب، كنه بينك وبينه سواة من زمان.

بلا دلالات توضّح رفضه، ظلّ ثابتًا على مبدئه لا يغيّره، فقال بحزم:

_لا بيه سواة ولا غيره، أول مرة أشوفه اليوم، وما جد شوفته بعيوني جبل. بس چيهان، ما آني مزوّچها لحد، هذا كيفي وآني حر فيه.

هنا قرر الشاب "صقر" أن يتدخل بعد لحظاتٍ من الصمت، ليُعرّف بنفسه، ويقنعه بتغيير رأيه الجائر فيه، قائلًا ببسمةٍ صافية:

_اعطني فرصة يا خوي رمزي، يمكن يوم تعرف حجيجتي، تميل لي وترضى.

انفجر "رمزي" صارخًا في وجهيهما، مؤكدًا شجبه النهائي لهذا الزواج، قائلًا بخشونةٍ رجولية في صوته:

_بس يا ولد الناس، كفاية هرچ! آني جولت چيهان ما هي مزوّچة لحد، يعني ما هي مزوّچة. آني أخوها، وآني اللي لي الكلمة، وها آني أجولها جدام الكل: لا لك ولا لغيرك.

انفزع "فهيم" وصقر من صياحه المفاجئ، ارتجفت أبدانُهما لثوانٍ، ثم عاد الخالُ ليُعيد وجهة نظره بعين الأب الذي يسعى لمصالح من يمثلون منزلة أبنائه، مستفسرًا باستغراب:

_أمرك عچيب يا رمزي، كيف ما تبغى چيهان تتزوّچ حد؟ ولا ناوي تخليها تظل حولك علطول؟

تلفظ "رمزي" بصياحٍ عاتي، قائلًا بعجيج:

_لا تخليني أتعصب يا خال فهيم، إيه نعم، أبغاها تظل چنبي، آني أخوها وآني حر فيها، وما راح أعطيها لواحد من خلج الله، تظل يمّي لين آخر نفس في صدري.

سأله "فهيم" بحيرة، كأن الخطوط تداخلت في بعضها، فأصابه اضطراب ذهني، قائلًا بحدة:

_إنت أخوها وإلا راچلها؟ ليه مالك مش راضي حد يجرّب صوبها؟ كان الأولى تفرح لها وتدعي لها بالستر.

نطق "صقر" ساعيًا لمحاولةٍ أخيرة معه، فقال بصبرٍ متماسك:

_سمحني يا خوي رمزي، عطيني فرصة، ووالله ما تندم عليّ، أوعدك أشيلها فوج راسي وبين هدب عيوني.

بمجرد أن أنهى قوله، تشبث رمزي بعنقه باحتدام، إذ فاحت حمرة الغضب من عينيه، جازًا على أنيابه، وقبضته تضيق على عنق صقر. في الحال، نهض الخال فهيم، ساعيًا لفضّ النزاع، ومعه بعض الرجال الذين انقضوا إلى الداخل حين لاحظوا نشوب مشكلة.

ارتعد بدن صقر، وهو يراه أمام عينيه كمفترس لا يعرف الرحمة. الجميع أصيبوا بذُهول عميق مما رأوه بأعينهم؛ إذ كان يمكنه الرفض دون وطأ الشاب وإهانته. بدا كأن المشكلة ليست الزيجة، بل حياة يخشى أن يداهمها أحدٌ غيره.

تعاونت الأيادي لإقصاء قبضة رمزي الخشنة عن جسد الشاب المرتاع، لكن في كل حركة كان "رمزي" يزداد تشبثًا به، وينهال عليه بالوطأ، وهو يردد بعصبية، قائلًا:

_والله العظيم يا ولد الناس، لو سمعت صوتك مرّة ثانية، لأهدّ حياتك فوج راسك، خُذ لك حرمة غير چيهان! چيهان خط أحمر، وإن تچاوزته، يا ويلك منّي. ورچليك لا تدوس الحي هذا ثاني، لا تغضبني وتخسر الباجي.

لم يرَ الخال "فهيم" أي دافع لهذا التصرف المتهور سوى تعرض رمزي للمسبة، وظن أن صقر قد أهانه بلفظٍ سيء، حتى إن الجميع في البداية اعتقدوا ذلك بشدة، فقال بصخب:

_وش فيك يا رمزي؟ عجلك طار وإلا وش صار؟ كل ذا علشان جولنا لك ولد الناس ناوي يتزوّچ أختك؟!

فلت الشاب من قبضة "رمزي"، مستغلًا اللحظة ليبتعد عن ذاك الوحشي، ليجده يقول بعجيجٍ لافح:

_ما عندي بنات للزواچ، وإذا الكلام عاچبك يا خال، خل بتك له، وافرَحوا بعيد عنّا.

ترك رمزي الخيمة مشتعلًا بلهب الغضب، وسار بحنق إلى مكان غير متوقع، بينما ظن الرجال أنه سيعود إلى الدار، لكنهم تفاجأوا بمسار مغاير تسلكه أرجله المحتدمة، تنقش السخط في كل خطوة منها.

نظر الرجال إلى بعضهم بذهول، خاصة وأنها أول مرة يحضرون شجارًا حادًا لأسباب تافهة لا تستدعي كل هذا، وكان "صقر" قد قرر تقديم شكواه إلى شيخ القبيلة بعدما تدنّى مظهره بإهانة رمزي له، فشعر وكأنه خسيس الثمن بينهم، فقال بنبرة غاضبة:

_ما راح أتنازل عن حجي، لازم آخذه منه، بعد اللي سواه فيني ما ينفع يروح كذا.

سعى "فهيم" لتهدئة كدره، لعله يتراجع عن تقديم الشكوى إلى شيخ القبيلة، تلك الخطوة التي قد تجرّ رمزي خلف قضبان السجن وينال جزاءه، خاشيًا عليه من عواقب لا تُرثى، فقال بفؤاد مضطرب:

_سمّح بالك، رمزي روحه معلجة بأخته الوحيدة، وما يجدر يفارجها، علشان كذا تشوفه يثور بسرعة وخلجه ضيّج، بس من داخل جلبه طيب وابن حلال.

لم يقتنع "صقر" بهذه المبررات التي لا تجدي نفعًا، ولم تخفّ نيرانه المتقدة، فقال:

_والله ما ليّ صلاح، حجي باخذه يعني باخذه، هذا هاني جدّام العرب، ومدّ إيده عليّ.

حاوطه "فهيم" بذراعيه كأنه يلمّ شتات روحه بكلمات عذبة، فأجبره على الجلوس، وأمر أحد الصبيان بصوتٍ عالٍ:

_چهّز الجهوة يا واد، وسوّيها مزبوطة لصجر، لين يكمُل الغدا. سوّوا معاه الواچب وكفّوا النجص اللي چاه، عيب يروح من غير ما نرضيه.

خرج الصبي منفذًا لأوامر فهيم. هناك، بين إحدى الخيام، طاولة صغيرة تحوي علب المشروبات مثل الشاي والقهوة وغيرها، مع بعض الأكواب الزجاجية، حيث تُعدّ المشروبات الساخنة عند البدو بطريقة خاصة تزيدها لذة. كان فهيم يسعى جاهدًا مع الشاب حتى لا تتسع الأمور وتصل إلى مجرى أشد وعورة.

في صباح اليوم التالي، قبل أن تشرق الشمس، كان الكون لا يزال مضاءً بضوء القمر الذي بدأ يختفي حتى تمام التلاشي. استيقظ شوقي مبكرًا بحيوية، مستعدًا ليوم مليء بالتحديات. اغتسل في المرحاض، وغمرت المياه الدافئة جسده، ثم خرج، وارتدى ثيابه ونظارته الشمسية، ثم خرج. ركب سيارته وغادر الحي متجهًا إلى منزل هشام ليجلبه معه قبل الذهاب إلى بورسعيد.

الطرق كانت شاغرة من الناس، والجميع في حالة رقود داخل منازلهم، يستمتعون بأوقات النوم المريحة قبل الالتحاق بالعمل.

الممرات وارفة، والأشجار متراصة بترتيب بديع على الجانبين، تعيش عليها مئات الطيور التي استيقظت بالتسلسل كأنها اتفقت على الغفو والاستفاقة في موعد محدد، ما يجعلها تحيا بنظام أكثر انتظامًا من البشر المتهاونين.

كأن السماء تهمس بالنور، يغلب عليها زرقة هادئة تتدرج إلى ألوان وردية خفيفة عند الأفق، والضوء خافت، كأن الشمس تتنفس ببطء قبل أن تولد. الهواء نقي يميل إلى البرودة، والسكون يغلف كل شيء إلا العصافير التي تبدأ أول أنغامها.

انفتحت النافذة لتسمح للنسيم البارد بالدخول، وامتدت يداه نحو مشغل الأشرطة ليشغل الأغان القديمة التي تمنحه السكينة، متابعًا طريقه بتمعن. مرت ربع ساعة ووصل إلى دار هشام، وقف قبالتها، فخرج "هشام" من البوابة، وفتح باب السيارة وجلس إلى جواره، وآثار النوم جلية على بدنه المنهك، لكنه رغم ذلك قال بابتسامة:

_صباح الخير.

رد "شوقي" بابتسامة تتناقض مع عبء التعب الذي يثقل قلبه، وقال:

_صباح النور يا هشام، شكلك لسه مفوقتش من النوم.

مرر "هشام" كفه على وجهه بلُغوب، وأجاب بصوتٍ خافت يكسوه الهمس:

_آه أصلي مبعرفش أنام وهناء مش في البيت، فضلت صاحي شوية لحد ١٢ وبعدين نمت، فتلاقيني مخدتش راحتي في النوم.

أدار "شوقي" ماتور السيارة، وتحرك بهما على الطريق بحذر، وعيناه تتفحصان الزوايا الضيقة من خلف النافذة، يخشى أن يصطدم بجدارٍ من الجدران المتقاربة، فالحي مكتظ، تكاد البيوت فيه تتعانق من ضيق المسافات. وما إن بلغ الطريق الرئيسي، حتى عاد إليه شيء من الطمأنينة، وقال بهدوء:

_يلا بسم الله توكلنا على الله.

التفت "هشام" نحوه، عينيه تلمعان بطموحٍ عارم، كأنه يستعيد أحلامه المنهارة، متشبثًا بشوقي كابنٍ حقيقي لا مجرد معاون، وقال بتلهفٍ:

_جمبري وسبيط مقلي الله يرضى عليك بعد المشوار التقيل ده.

بما أن "شوقي" كان معروفًا بكرمه مع الأغراب، وافق فورًا وبابتسامة راضية، وقال:

_من عينيا الاتنين، نوصل بس ونخلص المشوار، وأوديك أحلى مطعم سمك في بورسعيد.

ابتسم "هشام" ابتسامةً طفولية رغم أنه تجاوز الثلاثين، وأب لطفلين، والثالث في الطريق، وقال بحماس مفعم بالأمل:

_الله يخليك يا عم شوقي وميحرمناش منك.

لو خيره أحدهم بين والده وشوقي، لاختار سيده شوقي، ذلك الذي حقق آماله، وحسّن حالته الاقتصادية إلى درجة لم يكن يتخيلها يومًا. فالنَّبش في الصخور لأعوام بمفرده لن يجد سوى الفقر حليفه، ما جعله يتشبث بشوقي كأملٍ كبيرٍ وسط اليأس، ويفضّل مرافقته على أي شخصٍ آخر.

وصلت السيارة إلى المعابر التي بدأت تكتظ بسيارات النقل المحمّلة بالبضائع المختلفة، أحجامًا وأنواعًا وألوانًا متباينة. في منتصف الطريق، بوابات واسعة يسيطر عليها موظفو الكارتة، حيث بين ضباب الشروق تومض الإشارة الخضراء مع صوت آلي: «تم الخصم، المرور مسموح». مرت شاحنة نقل ثقيلة ببطء، يضيء الملصق على زجاجها، فُفتح الحاجز تلقائيًا.

تبعها صف من الشاحنات، تهدر محركاتها، وتُفتح البوابات واحدة تلو الأخرى بلا توقف، بينما في الكابينة، يراقب موظف الشاشات بصمت.

بعيدًا، حيث تغير الموقع إلى مدينة الداخلة، تلك التي تميزت بصحرائها الرحيبة وأراضيها الزراعية، استيقظ رمزي بعد نومٍ صاخب، فلم يستطع الاستمتاع بسُباته ككل ليلة، إذ اقتحم السخط صدره، يتقلب على جانبيه بعدم ارتياح، وكأن عِلّته النفسية أخذت حيزًا أكبر من عِلّته الجسدية.

وصلت الساعة للتاسعة صباحًا وهو لا يزال منزعجًا مما حدث في الأمس، لا يجد ما يشفي روحه، متخوفًا من فكرة زواج چيهان، ولا يرغب في فتح الموضوع معها، كأنه لم يكن. في تلك اللحظة العصيبة، استيقظت "چيهان" من نومها وخرجت من الحجرة بثقل.

بمجرد أن لمحها، أدار وجهه ناحية أخرى حتى لا ينفضح استياؤه، لكنها بادرت بتحية الصباح بنبرة رقيقة حركت مشاعره الجافة، فقالت:

_صباح الخير.

ردَّ "رمزي" بوجه عابس يخلو من أي ابتهاج، وقال بجفاء:

_صباح النور....

حدق في إصبعها المصاب، المغلف بشاشٍ وضعته بالأمس ليحمي الجرح من التلوث، وقلبه يغمره دفء الاطمئنان عليها، فتابع:

_طمنيني، النار لسه مخفتش من جرحك؟

تقدمت "چيهان" نحوه بخطواتٍ بسيطة، وأجابت بحُنكة يكسوها الهدوء:

_مفيش جرح بيخف في يوم وليلة، بس الحمدلله....

ردّت له جرعة الاهتمام ذاتها ببسمة هادئة بالكاد تُلحظ، مسترسلة:

_وإنت طمني، الألم اللي عندك قل ولا زي ما هو؟

أجابها "رمزي" مكررًا نفس عبارتها، لكن بطريقته الخاصة:

_الألم مبيختفيش في يوم وليلة، بالعكس بيعوزله أيام عشان يخف، بس للأمانة العلاج اللي جيبتيهولي جاب معايا نتيجة كويسة.

انبلجت البشاشة على شفتيها، وارتاحت نسبيًا بعدما اطمأنت على حاله، فقالت بنبرة دافئة:

_طب الحمدلله، ربنا يشفيك ويعافيك....

ظهر الخجل على ملامحها وهو يرمقها بنظراتٍ مغرمة، وكلما شاركته الحديث، شعرت بصعوبة في الإفلات من تلك النظرات التي تتسلل إلى قلبها دون استئذان. باعدت عينيها عن ناظره، وحدقت لثوانٍ في الجدار، كأنما تنتظر منه أن يُملي عليها الجملة التالية، ثم أعادت نظرها إليه ببطء، بينما هو لا يزال يحدّق بها كما لو كان يشاهد مسرحية لطيفة تبعث البهجة في قلبه، وتابعت بتردد:

_أنا عرفت اللي حصل إمبارح، إنت ليه رفضته؟

تبدّل حال "رمزي" من هدوءٍ ساكن إلى غضبٍ مشتعل، إذ خرج من صمت المُدنف لتتحكم فيه غريزة رجلٍ حادّ الطباع، فَنطق بلهجة قاسية، وسألها بخشونة:

_اللي أنا سمعته ده بجد ولا بيتهيئلي؟ ليه إن شاء الله هو إنتي كنتي عاوزاني أوافق عليه؟

تلجلجت "چيهان" في ردها، لكن سرعان ما استجمعت شجاعتها، كأنثى مستقلة تأبى تدخلات الغرباء في شؤونها الخاصة، وقالت بنبرة ثابتة تخفي ما بها من ارتباك:

_ومتوافقش ليه؟ هو مين صاحبة الشأن مش أنا؟

نهض "رمزي" واقفًا في مواجهتها، والغضب يشتعل في ملامحه، يلوّح بيده في الهواء بعصبية، غير مستوعب ما تفوّهت به، فقال بفَورة غاضبة:

_حلو الكلام، كده الكلام يحلو أوي، يعني إنتي عايزاني أوافق عليه؟

أجابته "چيهان" ببسالة، دون أن يراودها خوف من ردود أفعاله المتقلبة، وقالت بنبرة ثابتة لا تخلو من التحدي:

_على الأقل كنت تسألني وتاخد رأيي، مش تداري عليا الموضوع ومتقوليش أي حاجة... علفكرة الشاب ده محترم جدًا، كفاية إنه متدين وعارف ربنا.

وطأ "رمزي" كفًا على كف بعصبية واضحة، غير مصطنعة، وقال بسخرية، وهو يصيح بلهجته البدوية المعتادة:

_يعني وش جصدك؟ چنّيتي وإلا وش السالفة؟ تبغيني أوافج عليه؟ ولا تبيني أطير بنفسي وأچيب المأذون وأرچع؟ وإلا ناوية أخلّيها فرحة وأزغرد لكم جدّام العرب وأصب الشربات للمعازيم؟

وتابع بصوتٍ صاخب، والثوران يغلف أركانه:

_خلّي عنك طيش الكلام، الموت أهون عليّ من إني أزوچك لواحد من خلج الله.

يرفض زواجها من أحدهم، ويضيق صدره، وتحتد نبرته، فتتغير ملامحه إلى وحش كاسر، كل هذا يُشعل الشكوك في قلبها، ما دفعها لتتوجه بسؤالها نحوه قائلة باستغراب:

_هو إنت متعصب أوي كده ليه؟ وليه تمد إيدك عليه وتعمل لنفسك مشكلة؟! أنا من حقي أختار حياتي بنفسي.

أجابها "رمزي" باحتدام كنيران لا تنطفئ، بل تتزايد بفعل أقاويلها اللاهبة:

_يوم ترچعي دار أبوكي، سوي اللي يريحك، بس هنا لا، تمشين عكلامي، وما أشوف أحد يجرّب صوبك.

حاصرته "چيهان" بسؤال قاسٍ، وكأنها تعلم أن نهايته هنا، لا ردّ بعدها، ثم نطقت:

_يعني لما أرجع بيت أهلي إن شاء الله، أوافق على أي حد عادي؟

اتسعت عيناه في الحال بذعرٍ، كأنما صعقته بسؤالها، وظل صامتًا، لكن ملامحه الصارمة كانت تصرخ، قرأت "چيهان" ما يعتمل في ذهنه دون أن ينطق بحرف، ملاحظة أنفاسه المتسارعة وعينيه اللتين لا تستقران في موضع، فتهربان من ألم الاستفسار، لكن بعد صمته الطويل، تابعت ببسمة غاضبة:

_تمام، إجابتك وصلتلي.

دخلت حجرتها بخطواتٍ ملتهبة، وصكَّت الباب بقسوةٍ غير معتادة منها، أما هو، فسارع بالخروج إلى السطح لعلّه يجدّد الهواء بعد أجواء افتقرت إلى الأكسجين، يدقّ بيده بعنف على السور مرارًا وتكرارًا، لم يشعر بالألم بقدر ما كانت نيران الغضب تحرق صدره بعد الجدال الأخير، خشيَ أن تنفذ وعدها حين تعود إلى دار عائلتها.

اللعنة لم تكن في علاقة تالفة بأبٍ فاسد يحركه وفقًا لمتطلباته، بل تكمن في روحٍ صافية قد يخسرها في أي لحظة. لم تكن مجرّد شخص، بل حياة كاملة تحتوي على مبادئ وأخلاق وملامح جذابة لن تتكرر في أخرى، لكن الظروف فرضت عليه أسلوبًا معينًا لحياته، جعله في حيرةٍ بين الكسب والخسارة.

داخل الحجرة، جلست چيهان على السرير بأفكارٍ متضاربة، مستشعرة أن ما وصلا إليه لم يكن له متسعٌ في حياتهما على الإطلاق، بدايةً من الاهتمامات المفاجئة، الردود بدأت تلين، والنظرات الشغوفة، حتى انزعاجها من صمته فاقم الغضب داخلها، لأنها لم ترغب يومًا أن تواجه هذه المشاعر.

حتى وإن قاومت، وردّت بردٍّ قاسٍ وبوجهٍ متجهم، إلا أنها، دون إرادةٍ منها، تنجذب، لدرجة أن المخاوف طافت برأسها ظنًا أنه صنع سحر الجلب والمحبة أو سلب الإرادة، لكنه في الواقع لم يفعل، ولن يحتاج، وكأن الانجذاب الطبيعي بين الطرفين أقوى من مائة سحر.

وسط أذهانٍ مضطربة، كلٌّ منهما يفكر في مكانٍ بعيد عن الآخر ويعيد ترتيب الأمور، إذا بغفير بدوي يحمل سلاحًا على كتفه، واقفًا قبالة دار فهيم، رافعًا رأسه لأعلى يتفحّص ملامح رمزي ليتأكد من هويته، وحين تيقن، ناداه بصوتٍ عالٍ، قائلًا:

_إنت رمزي ولد مصعب الطوخي؟

استغرب "رمزي" من مجيء ذلك الغفير إلى قبالة دار خاله في وقتٍ باكر من اليوم، إذ لا يزال أغلب الناس في غفوةٍ عميقة، فعبّر عن تعجبه متسائلًا بصوتٍ عالٍ:

_إيه نعم، آني رمزي الطوخي، وإنت من تكون؟

أجابه الغفير بنبرةٍ حادة، قائلًا:

_انزل تحت، أبيك في كلمتين، بسرعة يا رچال!

ردّ "رمزي" باستعداد، رغم تردده، فقال:

_چايك، عطِني دجيجتين بس.

دخل رمزي الشقة بخطواتٍ واثقة، إذ ارتدى جلبابه، ولفّ الشال حول عنقه، وأخيرًا لبس نعله، ثم ألقى نظرة أخيرة على حجرة چيهان بشغف، وخرج من المنزل.

في الأسفل، نزل إلى الشارع ليجد الغفير في انتظاره، مترصّدًا إياه بغضبٍ خفي لم يظهر بعد، وبمجرد أن لمح رمزي، جذبه من ذراعه وهو يتقدّم به للأمام، وقال:

_شيخ الجبيلة، السيّد ضرغام يناديك لداره.

لكن "رمزي"، الذي لم يقتنع بارتكاب خطيئة تستدعي استدعاءه إلى دار شيخ القبيلة، باعد يد الغفير عن جسده بقوة، وقال بخشونة تنساب من صوته:

_اهدّى على نفسك يا عم، وش يبي مني؟

نشب الغفير بذراع رمزي بقسوة، وقال بصياح:

_تحرّك معي، وراح تعرف كل شي هناك!

أزاح "رمزي" قبضته عنه بقسوة، وقال بعناد صاخب:

_اهدى ولا تتهوّر، ما انتش آخذني غصب، آني باچي بكيفي. ولا تمسك ذراعي كأننا بالجسم، هذي بلد بسيطة، وشيخ جبيلة مو رئيس الچمهورية.

نطق الغفير بصخبٍ عالي رجّ الحي، ما جعل ناجي يخرج من شرفة منزله، ودلّت آثار النوم جلية على عينيه، ليجد غفير الشيخ ضرغام ينشب نزاعًا مع رمزي، قائلًا:

_يلا تحرّك وخلّينا نخلص، تمشي على رچلك، تركب چمل، تسحب الأرض برچليك، سوّي اللي تبي، بس تعال معاي.

بينما يتحركان نحو منزل شيخ القبيلة، ورمزي يتشاجر مع الغفير في كل خطوة، رفع "ناجي" صوته متسائلًا بقلق:

_وش صاير يا رمزي؟ وش اللي حصل؟

أجابه "رمزي" وهو يكاد يتلاشى من الشارع، وقد مشى بسيقان مضطربة:

_آني مروّح صوب دار شيخ الجبيلة، نشوف وش يبي منّي.

وضع "ناجي" قبضته اليمنى على صدره، متخوفًا من صدور حكمٍ عليه بعدما انهال بالضرب على الشاب صقر الذي قدّم شكواه إلى شيخ القبيلة، مما جعل الأمور على حافة الانفجار، وقال:

_وش هالبلاوي من بدري؟ الله يستر وتعدّي على خير.

أوصد بابه، وفرّ مسرعًا إلى الداخل، وبين أرفف خزانته امتدت أصابعه بارتجاف يدلّ على التعجيل، فيما كانت زوجته لا تزال نائمة، غافلة عمّا يحدث حولها، إذ كانت أذناها تلتقطان وقع الخطوات وارتجاج الأبواب، لكنها رغم ذلك مغمورة في سباتٍ عميق، حتى خرج ناجي من المنزل، وهرول سريعًا خلفهما إلى دار شيخ القبيلة.

في مربعٍ بنهاية القرية، انتصب منزلٌ فسيح بحديقة تبلغ مساحتها ألفي مترٍ مربع، تلون بطلاء أبيض تحفّه خطوط ذهبية تبرز لمعانها عند التقاء أشعة الشمس بها من السابعة صباحًا حتى السادسة مساءً، يبدو من بعيد عملاقًا وادعًا فوق التل، وأبراجه الشاهقة تلامس السماء، يسكنها الغفر في أوقات متباينة ليراقبوا كل بقعةٍ من بقاع البلدة.

حتى البوابة الواسعة المطلية بالسواد تزينها نقوشٌ عتيقة تتلاءم مع بيئة البدو، وتنتصب الأشجار حول القصر كأنها تحرسه من غارات النهابين.

مرّ رمزي خلف الغفير حتى اجتاز البوابة الخارجية، والغفر يراقبونه باندهاش، متسائلين بعيونٍ تتقد فضولًا. هناك قبالة الدار من الداخل انتصبت سيارة مرسيدس سوداء فاخرة، تلمع ببريق الثراء الفاحش، تعكس حرص مساعدي شيخ القبيلة على نظافتها الفائقة.

حتى مقابض الأبواب والنوافذ تتلألأ بصفاءٍ مستفز، ومن يلامسها يرى صورته منعكسة عليها من شدة البريق.

داخل القصر حين مرّ رمزي برفقة الغفير، كان المدخل فسيحًا يسع مئات الرجال، يتفرع منه سلّمان عن اليمين واليسار، يكسو الدرج سجادٌ نظيف، وفي منتصف الدرجين طاولةٌ تحمل مزهريةً حقيقيةً تفوح منها روائح طيبة كالمسك.

السقف شامخٌ بعظمة، والأثاث على قِدمه متناسقٌ مع ألوان الجدران.

ما إن بلغ رمزي مجلس القصر، حتى تركه الغفير وخرج، وهناك على كرسيٍ منفردٍ مصنوعٍ خصيصًا من الذهب، استوى شيخ القبيلة "ضرغام"، مرتديًا جلبابًا وعمامةً فاخرين.

تضايق رمزي من وجوده في دار الشيخ، واقفًا كأنه عبدٌ لديه وليس شابًا حرًّا يملك حقوقه كاملة كأي إنسان، فالتفت إليه الشيخ ضرغام وقال بنبرةٍ ثقيلة يعلوها التكبر:

_رمزي، يا ولد الناس، إنت مدّيت يدك عصجر وتعدّيت عليه، وإنت تدري زين إنّه ما لك حج تسوي فيه كِذا، بس علشان جال يِبغى يخطب أختك الوحيدة...

قاطعه "رمزي" باستنكار، قائلًا بفظاظة:

_لا والله ما سويت كِذا علشان طلب يدها، آني سويت كِذا علشان...

لم يَرُق للشيخ "ضرغام" أسلوبُ رمزي في الحديث، فقطع كلامه في الحال قبل أن يتمّه، وتابع بنبرة توبيخ:

_طول ما رچلك بهالدار، دار الشيخ ضرغام، ما لك حس، ولا ترفع صوتك، هان فيه سَنَد وجوانين ما تنكسر، وإن كانت ما تعچبك، الباب يفوت چمل...

نهض من مكانه وأخذ يجول حوله، متابعًا بحدّة:

_رچليك دامها تدوس تراب هالبلد، تبجى تجول سمعًا وطاعة، وجطعتك لي فالسالفة لا تعيدها، فهمت؟

تفوه "رمزي" بسخريةٍ كامنة في أعماقه، وقال بلا مبالاة:

_وإنت اللي چبتني لهنا عشان تسأل وترد لوحدك؟ ولا آني ما لي حج أتكلم وأرد؟

عنوانه بسالةُ رجلٍ لا يعرف له زعيمًا، رجلٌ طليقٌ في سماء الحرية كطيرٍ حرّ، لا يسمح لكلماتٍ متسلطة أن تنفذ إلى أذنيه دون أن يكون له منها موقف، فصاح الشيخ "ضرغام" قائلًا:

_أول مرة أشوف رچال معكر وجليل الذوج مثلك، ما عمر حد چرّأ نفسه يرد عليا بهالطريجة، بس آني بهلّفك وأعلمك تسوي زي ما هم سووها معاي، يا شچاع يا أبو جلب ميت.

ضحك "رمزي" بسخرية، مؤكدًا أن لا أحد في هذا الكون يستطيع أن يزرع الرهبة في نفسه مهما حدث، ثم قال:

_وآني ما بتهدد، واللي چالك يشتكي مني، يا ويله مني، آني اللي بعرف له مجامه عشان يجدر يتچرأ ويواچهني بالحرب.

التفت الشيخ "ضرغام" نحو الباب، مناديًا الغفير، وأمره بتنفيذ العقوبة على رمزي، فصاح بغضب:

_يلّا يا محروس، تعال هِنّي بسرعة!

دخل الغفير مسرعًا، منتظرًا أوامر سيّده، فوجده يواصل:

_عجوبته الحَبس خمستاشر يوم، عِجاب عاللي سوّاه في صجر وردوده اليابسة معاي.

أجاب الغفير مستجيبًا، مستعدًّا لدس رمزي في أعماق السجن الانفرادي:

_تكرم يا عُمدة ضرغام، أمرك سيد الكل.

جذب "رمزي" بحدّةٍ ودون رأفة، غير أنّ رمزي قاوم وصاح في وجهه، معترضًا على إهانةٍ جسيمةٍ في حقه لن يغفرها ما حيِي، صائحًا بعجيجٍ حارق:

_واللي خَلجني لو جعدت في هالحبْس ليلة واحدة، لأخلي عيشتكم نار، وإنت أولهم يا سي ضرغام، بتشوف رمزي الطوخي وش يسوي.

استدار الشيخ ضرغام ناحية الأرايك، وخطا بانزعاج، وهو ما زال يُصغي لشجار رمزي مع الغفير، حتى جلس على كرسيّه من جديد بشموخٍ، مستمعًا لارتطام باب السجن الحديدي في الطابق السفلي.

في الأسفل يمتد ممرٌّ طويل يؤدي إلى حجرةٍ تُعدّ سجنًا انفراديًّا لكل من يتجاوز قواعد القبيلة ويضرب بها عرض الحائط. العقاب صارمٌ بحقّ المذنبين، وإن كان المذنب ابن شيخ القبيلة نفسه، فالعدل فوق الجميع، ولا رحمة لمن يقترف جرمًا ولو بقدر قشة، لكن رمزي الذي تجاوز الحدود هو من صنع عقابه بجرأته التي تصادمت مع مبادئهم.

تُرك "رمزي" وحيدًا داخل حجرةٍ ضيّقة لا تتّسع إلا لفردين، وخرج الغفير متمّمًا أمر زعيمه، ثم صعد إلى الأعلى، فبدأ رمزي يثور ويطرق الباب الحديدي صارخًا، كأنه يصرخ في جوف كهفٍ موحشٍ بعيدٍ عن البشر، وهو يقول:

_طلعوني من هنّي، واللي خَلجني وخَلجك لأخلي عيشتكم طين، وبعلّمكم الأصول شلون تِكون بس عطريجتي.

ظلّ يصفع الباب كما لو كان يحرر أحزانه مع كل ضربة، إذ لم يكن خوفه من وحدته بعيدًا عن عائلته وأحبّته، بل كانت الرجفة التي باغتته فجأةً نابعة من خشيته على چيهان أن تقضي أيامها بدونه وسط أناس لا يمتّون لها بصلة، ومن رهبةٍ أن يستغلّ مصعب غيابه ليحيك ألاعيبه الفتّاكة ويقضي عليها دون من يذود عنها.

ومهما طرق الباب، فلا جدوى سوى كفّيه اللذين احمرّا من شدة الغضب والثورة، حتى جلس على دكّةٍ خرسانية، مسندًا رأسه إلى الوراء، تكاد تنفجر من وطأة الظلم.

في الخارج كان "ناجي" واقفًا قبالة دار الشيخ ضرغام، والتوتر بادٍ في خطواته، يرقب الغفر بقلبٍ يضخّ دماء الفزع على مصير رمزي خلف الجدران، حتى صادفه أحد الرجال، فما كان من ناجي إلا أن أوقفه على الفور ليسأله بترقّب:

_الله يِستر عليك، رمزي الطوخي وش صارله چوه؟ آني جلبي مو راضي يِطمن عليه.

أجابه الغفير بوضوحٍ موجعٍ نزل عليه كالصاعقة:

_رمزي اِنچازى، وبياخدله خمستاشر يوم في الحبس عِجاب عاللي سوّاه مع العُمدة ضرغام.

صفع "ناجي" وجهه بكفٍّ غاضب، صارخًا بصدمة، ثم قال:

_يا مصيبة سودة ومنيلة بستين نيلة.

وكأنه قد ملأ جسده بلهيب الفقد، إذ يعدّ رمزي أخًا له، يشاركه معظم شؤون حياته، ويرتاح لمجالسته فلا يشقى بجداله مهما احتدم.

الحيرة كبّلته عن التصرّف، فلا يدري أيسارع إلى إبلاغ العائلة فيورثهم الحزن عليه، أم يتجرأ فيدخل على الشيخ ضرغام يلتمس منه العفو، غير أنّ كل تلك حلولٌ غير مضمونة، وأضحت كارثةً تخيّم على رؤوسهم. وفي الحال عاد إلى الدار، والقلق يضيق صدره بما لا يقوى على حمله.

وفي بورسعيد، تكاثرت المهام حتى أنهكت أجسادهم، حرارةٌ لافحةٌ تفجّرت من شمسٍ قاسية، وازدحام المكاتب زاد المشقة، وسيقانهم خارت من كثرة التنقل بين الشاحنات والسفن التجارية، وكأن الساعة تثقل الخطى حتى تغدو الدقيقة ساعة. لكن أخيرًا وبعد طول انتظار، انتهت المهمة عند الساعة الواحدة بعد الظهيرة.

كما اتفق شوقي مع هشام أن يُطعمه أشهى المأكولات البحرية في أفخم المطاعم، لكن ليس بمفردهما، بل رافقهما رجلان أحدهما بدوي والآخر صعيدي تعرّفا عليهما أثناء رحلة العمل، فنشأت بين الأربعة علاقة مهنية لطيفة يشوبها ودٌ صادق.

في أحد المطاعم المطلة على البحر، اجتمع الرجال الأربعة حول طاولةٍ عامرةٍ بخيرات البحر من أسماكٍ وجمبريٍ وغيرهما، تتوسطها أطباق الأرز البني وتزيّنها ألوان السلطة المتنوعة حتى بدا المشهد أشبه بلوحةٍ مرسومة. وبينما كان "شوقي" يتناول طعامه، قال بابتسامة:

_والله معرفة الخير، اتشرفنا بمعرفتكم يا أستاذ فايز وأستاذ ياسين.

أجاب الرجلان بنفس نبرة الحفاوة، قائلين:

_الله يخليك.

لكن الكارثة الجسيمة أنّ «فايز» الرجل البدوي البالغ من العمر أربعين عامًا، ما هو إلا خال رمزي الأصغر، ذاك الذي قضى حياته في التجوال بين البلدان المختلفة داخل مصر وخارجها. شاء القدر أن يجتمعا سويًّا في وتَر عملٍ واحد، فلا أحد يعلم خفايا الماضي سوى من عاشوا في بلدة الواحات. وهذا ما قد يفتح عليهما أبواب جهنم... أو قد تمرّ الأمور بسلام.

هشام، الذي انشغل بتذوّق السبيط المقلي، لم يكترث بوجودهما أصلًا، فهذه الوجبة كانت بمثابة حلمٍ أكبر من إنهاء مصلحة حكومية استنزفت ما تبقى من طاقته.

امتدّت الأيادي نحو الأطباق المُعدّة باحترافية، تتباين فيها النكهات والروائح الزكيّة، وشوقي يسرد حكاياته للرجال وسط تبادل المطارحات.

وهناك في دار عائلة رمزي، كانت "چيهان" في حجرتها تقرأ القرآن من مصحفها بصوتٍ عذبٍ، مستمتعة بآياته التي تبعث الهدوء في حياتها. الباب موصد، والأضواء تتسلل من النوافذ حاملةً الأمل معها، تتحرك أصابعها بين صفحات المصحف برقة، تتابع ما تتلوه بإيمانٍ صادق. لكن طرقات الباب شوّشت سكينتها، فوضعت العلامة القماشية في منتصف الصفحة الأخيرة، وأغلقت الكتاب، ثم نهضت تعدّل حجابها.

خرجت وفي فؤادها كربةُ خوف، وحين فتحت الباب وجدت ناجي قبالتها بوجهٍ مذعور. بمجرّد أن رأته شعرت أنّ كارثة قد وقعت، فهو لا يحضر أبدًا سواء في وجود رمزي أو في غيابه.

كان جسده يرتجف بخفة، ولسانه لا يقوى على الكلام، فسألته بخوفٍ، قائلةً:

_في حاجة؟

أجابها "ناجي" بقول الحقيقة، متحدّثًا بصراحة مباشرة:

_رمزي اِنحكم عليه في دار شيخ الجبيلة بالحبس خمستاشر يوم عسبب مَصيبة إمبارح.

يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة