دُفن الأمل في أعماق اليأس حين ودَّعت چيهان أمنيتها الأنبل في حياتِها، الأولى والأخيرة، وسط مستنقعٍ من الأحلام اللامتناهية. وجوده محا كلَّ الآمال بأمله الوحيد، وفؤادها نزف حسرةً، والأفق الذي أشعَّ ضياءه يومًا ضاق عليها حتى تلاشى منه خيط النور الأخير. الليلُ يولجُ النهارَ في كلِّ يوم، لكن من هذه اللحظة، لا نهارَ بعد اليوم بين عتمةِ أيامها.
لم تكن الكارثةُ واحدة، بل هوَت على كاهلها صاعقةٌ أرجفتها مرتين: الأولى حين أيقنت أنه سلك دروبَ الشر من جديد، والثانية حين رأته يخلو بامرأتين لدسِّ الأذى في حيوات البشر.
كاد الجنون أن يدفعها إلى حافةِ الدمار، لولا يدا أختها اللتان كانتا كجرعةٍ من الحنان نزعتا الألم عن روحها. شعرت بخسارةٍ فادحة، بعدما أهدرت وقتها في تهذيبه كصبيٍّ صغير، لا كرجلٍ بلغ سنَّ الرشد.
اعتقدت أنه سيضحي بكلِّ شيءٍ لأجلها، فإذا به يصعقها قهرًا حين لمستْ منه أفعالًا شنيعةً ظنَّها حصنًا له أو امتدادًا لرحلةِ والده وجده.
انزلقت دموعها حزنًا على حالها، وجسدها يرتجف من هولِ الألم الذي نالها، رغم أنها كانت تتوقُ إلى صلاحه، وترى فيه أملًا للنجاة من الذنب.
وعلى الجهة الأخرى، كان رمزي في ذروة احتدامه؛ يداه تطوِّقان عنق الشيخ نعمان الذي انحدر على السرير، ورمزي يعلوه بقبضتين قاسيتين، بؤبؤاه متسعان بسخطٍ، وعروق يديه وعنقه تتفجَّر بحرارةٍ عارمة. جزَّ على أسنانه كأنما ينوي أن يصعد بروح الشيخ نعمان إلى السماء بعدما أفقده محبوبته. أما الأخير فكان يطلق صرخاتٍ مكتومة، وأنفاسه تحتجز في رئتيه اللتين ضنَّ عليهما الهواء.
كانت لحظاتٍ لصِبَةً بالشر، حتى ابتعد رمزي فجأةً متراجعًا بظهره حتى التصق بالجدار، وعيناه ما تزالان مفنجلتين من هول ما ارتكب من ذنبٍ عظيمٍ في حقِّ رجلٍ تقيٍّ ما وجد منه إلا النُّصح والودّ. لهث الشيخ نعمان جاهدًا ليملأ رئتَيْه بالأكسجين، ونهض بصدرٍ مُضطرب، مستندًا إلى الجدار كمن يستجدي عونًا. تحرك بخطىً متوجعةٍ حتى خرج من المنزل برمته.
ركب سيارته وقلبه يعتصر ألمًا لا يُطاق حتى غاب عن المكان. تبعه رمزي واقفًا عند الباب، يضرب الجدار الخشن بكفه بعنفٍ، وملامحه توحي بندمٍ دفين. ولما اختفت السيارة في الأفق، عاد إلى حجرته المستأجرة، وأغلق بابها، وجلس على سريره والأحزان تعصف به كطيرٍ شموسٍ وجد في قتل فريسته غايةً لا تنفع.
انقطعت الآن كلُّ السبل للوصول إلى چيهان؛ حقيبةُ ثيابها إلى جواره، والهاتف الذي منحه خصيصًا لأجلها صار ملكه وحده، لا رقمًا لديه ولا سبيلًا للاطمئنان عليها كما من قبل.
مدَّ أصابعه داخل الحقيبة حتى أخرج ثيابها، رفعها نحو وجهه بأنامل تتوهَّج شوقًا، وضَمَّها إليه كأنه يحتضنها، وأغمض عينيه مستسلمًا لوجعه، وقد أيقن أنه خسر المعركة وخان الحب.
فتح هاتفها فوجد اسمه ما يزال مضيئًا في قائمة الرسائل، لكنه اكتشف أنها حظرته، وأرسلت له رسالةً لم تصله عن قصد. كانت رسالةً نفسية، كتبتها لتفضفض فيها مع روحها، لا لتُظهرها له. تحدَّثت فيها عن حبٍّ لا يُغفر، وعن أمنيتها لو جمعهما القدر في زواجٍ هادئٍ، وعن حلمها أن يراه الناس "الشيخ رمزي" لا "الساحر اللعين". لكنها في النهاية كانت واثقةً أن الفراق قدرهما، وأن ما جمعه الحبّ ستفرقه الحياة.
قرأ رمزي الرسالة رغم الحظر، لا يدري كيف ظلَّت في الهاتف، واستشعر رجفاتٍ غريبةً في قلبه وهو يقرأها. لأول مرةٍ شعر بندمٍ عظيم يُهذِّب ما تبقَّى فيه من شرٍّ، وكأنها آخر موعظةٍ كتبتها له من أعماق روحها المُحبة له.
ما لَبِث رمزي أن يَستفيق من حُزنه، حتى وَجَد "ناجي" يَعبُر عَتبة الغرفة، تعقُبه زوجته المُلتَحِفة في عَباءتها ولِثامها البَدويَّين، إذ لا يَظهر منها سوى عيناها المرسومتان بالكُحل اللافت، وأصابِعها المُزدانة بالحنّاء البُنّية، وعلى كتفها حقيبتها.
انقَضّ ناجي على رمزي بأحضان دافئة، فنهض الأخير واستَقبل عناقه بكل ودّ، ليجد ابن خاله يقول:
_قلت أچيب صبا ونچي نتونس معاك شوي، وهي يوم درت إني چايلك، أصرت تچي معاي بخصوص سالفة چيهان.
ردَّ "رمزي" بوجهٍ قاطب، فعبر عن حزنه بسؤاله العفويّ لصبا:
_كيفك يا صبا؟
ابتسمت "صبا" ابتسامةً حزينة، واكتفت بالإشارة له من بعيد دون المُصافحة، وأجابته برأسٍ مميلةٍ للأسفل:
_الحمدلله بخير، كيفك إنت يا ولد العمة؟
تحرّك "رمزي" بخُطواتٍ بسيطة، وجمع الوسادات وبسَطها فوق بعضها باعتبارها مقعدًا مؤقّتًا من صناعته، وبينما يجلِس عليه، قال بصراحةٍ:
_مو زين، ربي العالم بحالي.
جلس ناجي وصبا على السرير قُبالته، فأصبحا مُواجهَين له بشكلٍ يُوحي بأهمية الحديث. حينها بَسَط ناجي كفَّه على فخذه، وتعمّق في أنظاره إلى رمزي، إذ وجَد شعر رأسه قد ازداد طولًا وكثافة، حتى لحيته التي دومًا ما دُفِنت في رداءِ شابٍّ عشرينيّ، أنبَتت كلحية شيخٍ في هُلول مسيرته الدينيّة.
رفع رمزي كفَّه إلى رأسه كمن يُحاصِر الصداع، فوجد "ناجي" يقول بدهشةٍ غمرت أركان حديثه:
_ياه يا رمزي، لحيتك وشعراتك طولوا، أبغاك تقصّهم، هو غيابها لهالدرچة مأثر فيك؟
تنهّد رمزي بعمق، وزفَر بقوّة، ويداه تعبَثان في شَعرات رأسه بلا ردّ. فخرجت "صبا" عن صمتها، وانغمست في الحوار معهما بوضوحٍ، إذ كان لا بُدّ أن تخرج من فمها كلمةُ الحق بعد كلّ ما رأته من مشاعر متفجّرةٍ بين رمزي وچيهان، فضمّت أصابعها إلى بعضٍ، وقالت:
_والله يا رمزي، وكلمة الحق سيف عرقبتي، واسمعها مني كلمة! چيهان هذي طيبة وبنت حلال، ومن يوم تعاملت معاها لقيتها صافية، ما في چوا قلبها لا حقد ولا سواد لحد، شوف حوالينا الناس قديش، بس والله ما ارتحت إلا لها، وحسّيتها منّا وفينا، ما هي بغريبة.
عقَّب "ناجي" على حديثها، فبدا مُؤيدًا لها، وهو ينطق بكل تأكيدٍ:
_البنت هذي تحبك صدق، ومو عاچبها الدرب اللي إنت ماشيه، خايفة عليك منه يا رمزي.
جزَّ رمزي على أنيابه، فكاد الكادر أن يتحوّل سريعًا إلى وجهٍ يُظهره كذئبٍ شرس، مُتأهب لالتهام كلّ من تجرأ على كشف ما يَعتمل في دواخله. سرعان ما صحّح "ناجي" حديثه، حتى لا ينكشف السرّ لصبا، وقال:
_أقصد يعني إنك تكذب واجد، وعليك سوايا ما تعچبها، وهي مثل ما قالت صبا، بنت صافية من چواها، وتبغى رچال واضح وصريح معاها.
تفوَّهت "صبا" ساعيةً بكلِّ جهدها لإصلاح الوُدّ المتلف بينهما، وإرجاع علاقةٍ تحطمت بفعل ظُروف الحياة، إذ ترى في چيهان أُنسًا وحُبًّا طاهرًا لا يُعوض، مما دفعها أن تقول:
_ما راح تلاقي يا رمزي أفضل من چيهان، آني حسيت بدقات قلبها وبالهوى اللي بعينها كل ما تكونوا سوا، يمكن ما أدري وش السالفة بينكم بالظبط، بس اللي متأكدة منه إنها تحبك أكثر من روحها، وإنت بعد تبغاها يا رمزي، صدقني، كل الفرص تتعوض بالدنيا، إلا إنك تضيّع من يدك حرمة تهواك! لو تلف العمر كله تدور على واحدة تشبهها، ما راح تلاقي مثلها أبد.
خرجت أنفاسُ رمزي مُحملةً بالإحباط، بعدما لامَسَت الكلماتُ مشاعره وذكرتْه بواقعية حديثها، فالمرأة الصحيحة كالمنحة الفريدة التي يَهبُها الرحمنُ للمرء مرة واحدة، كالهديةِ التي يرى إن كان يستحقُّها ويُدركُ قيمتها أم سيُهمشها، مُتغافلًا عن عَطائه له، والمثل المصريّ يقول: "مَن يَتبطَّر على النِّعمة تزولُ عن وجهه."
لكن "رمزي" لم يسخط على عطاء الله له، بل كانت الظروفُ أقوى من أيِّ حُب، كمن زُرع في تروسِ حياتِه مسامير غليظةً عطلت مسارها، ونهبت منها معاني الحياة والفرح. حينها اعتدل في جَلسَته، وقال:
_چيهان دربها غير دربي، وأنا والله ما أرضى تسلك دربي، هي تستاهل خير مني، أنا مآني طاهر، ولا أصلح آخذ حرمة وأظلمها معي، ولا أچيب نسل يورث اللعنة من دمي، اللعنة لازم توقف عندي، وأنا أكون آخر واحد في هالسلسال اللي ما ينتهي، عشان كذا عزمت أعيش وأموت عازب، وإن ما كان لي نصيب في چيهان، يبقى ما لي نصيب في غيرها.
الإدراك بالظُّلم إحساس نابع من مُهجة عادلة تعرف الواجبات والمسؤوليات تجاه النفس والآخرين، الرهبة من أن يؤذي مَن لا ذنب لهم من تحت سقف الأسرة المتعري بسلوكيات الشر ولعنة الدماء، فمهما حاول رمزي أن يُطهّر دماءه من شرورهم، انتابه يأسٍ عظيم، كمن يقف على عتبتَي العقل والقلب، كل واحدةٍ منهما أشد حيرةً؛ فالعقل يَزِن الأمور برصانةٍ، والقلب يسير وراء عواطف ضريرة ستصدمه في جدار الواقع الأليم بعد أول خطوة.
النفس تميل لمُخالطة المُحب، لكن ضريبتها الحياة وسط النيران المُلتهبة بغيظ الأعداءِ.
صَبا وناجي اللذان تحاورا مع رمزي بشأن چيهان، أبدى كلٌّ منهما رأيه في العلاقة، خاصةً صبا التي رأت في ارتباطهما أملًا جديدًا يُنير عتمة غيابها.
اشتد البُؤس على قلب چيهان، ورأسها مميلة بنحيبٍ على صدر أختها التي واسَتها بمحبة عظيمة، وأعطتها الدعم الذي احتاجته لنفسها بشدة، فكان هاتف ريم بين قبضتها، تتابع منشورات ما على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، بينما چيهان تتهشج برعشات مُتقطعة بين كل حين والآخر، اكتست حمرة البكاء عيناها، فتورم جفناها ووجنتاها وأنفها كأنهم قطعة طماطم مُتلاحمة ببعضها.
كانت غافية، لكن عقلها متيقظ. تأكدت أن الحياة تعاندها حينما استمعت إلى صيحاتِ والدها المُتعالية بالتدريج، وهو يصعد إليهن برفقة أخيه الأكبر عصام، بعد أن علمَ بالمشكلةِ الكبرى إثر انصرافه معه إلى قسم الشرطة، ليكتشف تنازل چيهان عن المحضر.
أصبح على شفا الجنون وهو يخطو نحو الغرفة مع أخيه، فدخلت أسماء وراءهما، ونهضت الأختان من سريرهما، لتجداه يقول بصوته الغليظ المُرجْرِج لدارهم:
_حلو الكلام يا چيهان، كده الكلام إحلو أوي! أنا عايز أفهم إيه يخليكي تروحي تلغي المحضر بتاع الزبالة رمزي الزفت على دماغه ودماغ اللي جابوكي يا قليلة الرباية.....
وبينما ترتجف چيهان خوفًا، اختبأت وراء ظهر أختها، وقد انتابتْها نوبة بكاءٍ أشدّ من قبل، إذ رفع "شوقي" كفه بقسوةٍ نحو وجهها، كمن يتأهّبُ لصفعها، وتابع بصرخاتٍ عنيفة:
_ردي بدل ما آخد عزاكي بإيدي! إيه اللي خلاكي يا قليلة الرباية تروحي من ورا أبوكي وعمك وتلغي المحضر؟ أبوكي مات خلاص؟ مبقاش ليا لازمة وسطكم؟ دي غلطتي إني مدفنتكيش فيها من بعد ما وصلي الفيديو بتاعك....
ثم استدار نحو زوجته المُرتعبة من صَخَبه اللافت، حتى أردف بتوبيخٍ لاذع يحمل سخريةً واضحة:
_بنتي محترمة، بنتي متعملش حاجة غلط، بنتي مفيش زيها ولا زي أخلاقها....
واسترسل لچيهان مجدّدًا، وخُطواته تتقارب منها شيئًا فشيئًا، مُختلقًا أجواءً من الفزع في قلوب كل من حوله، عدا أخًا كادت أن تثقب صفقاته الحارّة التشجيعية الأوزونَ ذاته:
_إيه اللي بينك وبينه؟ حوار إنه كان خاطفك ده مش داخل دماغي، ما هو أبوكي مش عبيط بريالة، الظاهر بينك وبينه حب وغراميات، وأبوكي هنا رجل كنبة قاعد زي الطرطور بيلمع قرونه.....
ثم صرخ فيها صُراخًا عاليًا:
_ردي ردت الماية في زورك، إيه اللي بينك وبينه؟
أجابته "چيهان" مُستنكرةً أي مشاعر بينهما، وأطرافُها ترتجف بقوةٍ عظيمة، إذ وقفت أسماء حياله، متصدّيةً لأي وطأةٍ قد تُؤذي ابنتها، لتجد چيهان تنطق بنحيب يُقطِّع الأبدان:
_والله العظيم يا بابا أنا اتنازلت عن المحضر علشان هو مأذنيش في حاجة، رمزي كان بيساعدني مش بيضرني، أبوه هو سبب كل اللي حصل ده، عشان كده اختارت إني ألغي محضر رمزي، والله العظيم....
اجتزَّ "شوقي" حديثها ليقول بتسلُّط أبويّ، وبنبرةٍ عجاجة، صاح وهو يطأ كفًّا على كفّ بعدم اقتناع:
_الحوارات دي ميصدقهاش عيل صغير، وأنا بقى هاخدك ونروح القسم نعمل محضر من جديد، ويبقوا يشيلوا كلمة ذكر من بطاقتي إن ما وريتك ووريته جنونة شوقي لما بتطلع بتعمل في اللي حواليه إيه!
تراجعت "چيهان" إلى الوراء بأنفاسٍ متقطّعة ذُعرًا، وأبدت اعتراضها على أن تدوّن محضرًا جديدًا فيه، فقالت:
_أنا مش هعمل محضر تاني فيه مهما يحصل حتى لو هموت فيها مش هيحصل.
على الناحية الأخرى، وبينما تتقاذفُ الحوارات بين أفواهِ رمزي وأبناء أخواله، جاءه إخطارٌ خفيّ بأن چيهان تتعرّضُ للخطر في تلك الأثناء. نهض سريعًا من موضعه متجهًا نحو كتابِه الأحمر، فيما كان ناجي وصبا يتبادلان نظراتِ الاندهاش، حتى نهض "ناجي" نحوه وسأله باكتراثٍ منعكس من عينيه:
_إيش صاير يا رمزي؟ ليش قمت فچأة؟
خرج "رمزي" من الحُجرة بقدمين متسارعتَي الخُطى، كمن يُلاحق الزمان ليبتر بسيفه مشكلةً عنيفة قبل وقوعها، فوقف عند جدارٍ مخفيٍّ بين المنازل، تاركًا ناجي وصبا يتساءلان بعضُهما بعضًا بذهول، فيما كانت أصابعه تتصفّح أوراق الكتاب بانهمَاك، إلى أن وجد الصفحةَ الملائمة، فوقف بظهره متمتمًا بلسانه حروفَه السحرية، قائلًا:
_حركات اليد يا خيماثر تنشل لحظاتٍ قبل وقوع الحدث وبعده، ضحيك بو سنرء، هيا أسرع!
وَقَفَ ناجي وصبا على عتبة حجرته يتابعانه في صمتٍ مطبق، والألسنة لجمت عن الحديث في لحظات ينهض فيها الخوف ذاته متخوفًا من المجهول.
هناك، تأججت النيران بين شوقي وابنته، ذلك الذي رفع كَفَه لأعلى ليطأها بغلظةٍ، مُعتقدًا أنه ينمق سلوكياتها المُبهمة، لكنه كلما رفع يديه ليطأها ازدادت النيران في ذراعيه وانشلت حركته.
بدأ لسانه يتلفظ بمسبة عظيمة بكل الأشكال التي تخطر على البال، بما فيهم أسماء التي كانت ضحية لعنفه النفسي، وهو يوبخها كلذعات الثعابين الحارة. لكن العجيب أنه كلما تقدم لوطأ زوجته أصابه نفس الألم، وبمجرد أن يخفض ذراعيه يعود إلى طبيعته.
شك أن الوضع غامض، فخرجت صرخاته بألمٍ، معتقدًا أنها مشكلة صحية لا روحانية. حينها وقفت "أسماء" ببسالةٍ في وجهه، وصاحت وهي تضرب بكفيها على ساقيها قائلة بنواحٍ امتزج ببكاء بناتها:
_حرام عليك يا شوقي، ارحمنا بقى من العذاب اللي معيشنا فيه ده... ما البنت قالتلك مفيش حاجة بينها وبينه وإنها اتنازلت عن المحضر عشان ساعدها لا أكتر ولا أقل، مصمم تتعب نفسك وتتعبنا معاك ليه؟
وَقَف "شوقي" على عتبة الباب بغيظٍ، وَرَفع السبابة بوعيد محموم، وقال:
_كلمة كمان منك وهرمي عليكي يمين الطلاق، أنا هوريكم الجنان اللي على أصوله يا أسماء، أنا هعرفكم شوقي الدميري على حقيقته، هوريكم الوش التاني!
بَدَا شوقي كالثور الهائج وهو يطيح بكل أدوات المنزل على الأرض، فتهبط متفرقة الأجزاء بُرتَجاتٍ عالية أشاعت الرعب في أجواء المنزل.
أما أسماء التي خرجت وراءه تنوح، اتبعتها ريم، جميعهن بأجسادٍ مُتراقصة على ألحان الخوف. جميع الحواس كأنها تأهبت لعواصف نارية تحرق كل ما يقابلها. وبينما يلقي شوقي زجاجة الماء على الأرض، تهشمت بين قبضتيه على غير المتوقع، وسالت الدماء من جروحه الغائرة.
سرعان ما وقف "عصام" جانبه، وعلى محياه القلق، صمت لبرهة، ثم كَسَرَ صمته وقال:
_براحة يا شوقي على نفسك! محدش خسران من الليلة دي كلها إلا إنت، الجرح باينله كبير وعايزله دكتور، وإلا هيفضل ينزف....
ثم رَفَعَ كَفَّه على ظهره وخرج معه سريعًا من الشقة متجهين إلى أقرب أجزخانة. لم تهتم ريم لأمره، ودخلت بخطواتٍ مُلتهبة إلى داخل حجرتها. وأول ما فعلته أنها احتضنت أختها بقلبٍ نزف قهرًا، كلتاهما تستعبران بصوتٍ عالٍ. وأسماء في أعماق صالتها تنظر لتلفازٍ ثمين تحطّم بقوى الشر مع أجهزة كهربائية وأدوات منزلية أخرى، ما يوحي بروائح الطغيان الفائحة في منبع الأذى ذاته.
نظرت لكل شيء، والحسرة تتسرب من نظراتِها، حتى دلفت إلى مطبخِها لتحضر أدواتها لتُصلح ما أفسده زوجًا افتقر لكل معاني الإنسانية.
تَحَرَّكَت سيقان ناجي وزوجته باتجاه رمزي، وكأنهما يسيران على قشورِ البيض، والتعجب مرسوم على وجهيهما. الهواء أطار أطراف حجاب "صبا" وكأنه مداعبًا إياها بلُطف. وفيما انشغلا بأمر رمزي، التفتت صبا نحو زوجها، وسألته بتعجبٍ:
_وش اللي يصير لرمزي؟!
لكن "ناجي" الجاهل لذِمام الأمور، أظهر لها نفس تحيُّرها، وهو يعبس بملامحه، رافعًا كفيه لأعلى سريعًا مع ضمّة الكتفين للرأس، مُشيرًا بُرعونة، قائلًا:
_ما أدري، الظاهر في شي مهم واجد.
بلغ الزوجان رمزي، فوقفا إزاءه بوجوهٍ مشعة اكتراثًا. فبسط "ناجي" كَفَّه على كتف رمزي، وتطلّع إليه باهتمام وسأله:
_ليش قومت فچأة يا رمزي؟ صار شي ضايقك منّا؟
تَنَهَّدَ "رمزي" باستياءٍ لكل ما يحدث لچيهان من مشاق حياتية وورطات متأزمة جعلت الحياة كقلم الحبر الأسود طابعًا دُجنتها على عينيه قبل عينيها. خرجت أنفاسه بطريقة توحي بالوهن النفسي، ثم رفع رأسه وقال مُستنكرًا:
_لا يا ناچي، ما صار منكم شي، بس چيهان في خطر، أبوها كل شوي يسوي مشاكل وياها وويا أمها وأختها، واليوم تشاجر وياها وسبّها، وكان ناوي يمد يده عليها، بس أنا منعته، ما أقدر أخلي أحد يتسلط عليها، لو مهما كانت مكانته بحياتها....
زَفَرَ "رمزي" وهو لا يملك سُبل القرار، فأزاح كَفَّ ناجي من كتفه، ورفع الأخير يده برفق على كتف ناجي كأنما تبدّلا الأدوار. نظر لعينيه، وكأن الأشجان تتلاقى في شعاع الوداد الأسري، ليردف:
_روحوا الدار إنت وصبا هالحين، أنا وراي شوية شغل بخلصهم، وبعدين أشوف وش بسوي.
نَطَقَ "ناجي" بابتسامة إعزاز أخوي، وأوصاه أن يحفظ روحه من مهلكات الوساوس الشيطانية، قائلًا:
_دير بالك على روحك يا رمزي، إنت أكثر من أخوي، وأخاف عليك واجد، ما أظن بلقى صاحب وولد عمّة مثلك أبد!
حَرَّكَ "رمزي" رأسه مميئًا بالموافقة، لكن الابتسامة لا تزال مسجونة وراء جدار الحُزن. كان يباغت أن يخرج كلماته من شفتيه رغم عدم مقدرته، لكن، ومع كل شيء، قال بهدوءٍ نسبي:
_حاضر.
عانَقَ "ناجي" رمزي عناقَ الوداع، ويداه تُربِتان على ظهره كأنها تفشيان السكينة. فخرج صوته بابتسامةٍ لطيفةٍ، وهو ينطق:
_مع السلامة يا عزوتي.
رَدَّ "رمزي" سريعًا بشغف، أحاق نظراته لمُتابعة أعماله:
_سلام يا ولد الخال، يا الغالي.
أشارت صبا بيدها من بعيد لرمزي وغادرت مع زوجها الحي، مُتجهين إلى بلدة موط عاصمة الداخلة لشراء بعض مستلزمات المنزل الهامة. استغل رمزي فُرصة إدبارهم عن المكان ليعود إلى غرفته، حينها استلقى على سريره محتضنًا كتابه كحصنٍ متينٍ لا يُخترق، متذكرًا چيهان وكأنها علقت بخلايا ذهنه أكثر من حفظه لاسمه ذاته.
كلما أغمض جفنيه رآها كالملاك الآسر حياله، لا تُفارقه، وكأن العهد وثيقٌ فيما بينهما بألّا تهجره في غفواته وأحلامه. ظنَّ أن الحب سينهدم بفعل الفراق، لكنه ازداد ثِقلًا عليه، وهواها يملأ روحه كل يومٍ أشدَّ من السابق.
تفاقمت المُحاولات في فترة تواجد رمزي في دار الخال فهيم. ابنة خاله التي طمعت في حبه كونه شابًا بَهيَّ الملامح، طاقةُ جذبه دومًا عالية، تلفت أنظار النساء والرجال من حوله. النساء مُعجبات، والرجال يتطلعون للتعرّف عليه اجتماعيًا والتحدث معه باهتمام. فمنذ الأسبوع الأول له في دار خاله، وغيداء تتعامل معه بأساليبٍ متناهية الحِذاقة، بدايةً بالنظرات الساكنة، ونهايةً بالاعتراف الصريح لچيهان.
لكن رمزي، بدوره، كرجلٍ غير متعدد العلاقات — وتُعد تلك إحدى ميزاته الشخصية — دومًا ما إن أحبَّ بصدقٍ اكتفى بمحبوبته، ورآها أجمل نساء الأرض أجمعين، فلا قبلها جميلة ولا بعدها فاتنة. فهو ليس بالشخص السهل المتوفر للجميع، بل كأنه كتلةٌ ثلجيةٌ يابسةٌ متحرّكة على الأرض، لا تتحرك مشاعره إلا مع من أهواها قلبه واختارها رفيقةً لدربه.
لم يُعجب غيداء أن يكون حبها من طرفٍ واحد، فأرادت التخلي عن رداء المبادئ المُبجَّلة التي زرعها والداها فيها منذ صباها، لترتدي رداء البجاحة والإصرار على الحصول على ما لا تستحقه.
كانت الغرفة واسعةً تتنفس بعبق الصحراء عبر نوافذها المفتوحة، وبابها موصَدًا من الداخل بالمِزلاج. الأنوار طبيعية وهادئة، وعبر المطبخ تتسلل روائح البطاطا المقلية من يد الوالدة غزالة.
أما الابنة فكانت مرتديةً عباءةً زاهية، وشعرها الناعم منسدلٌ على كتفيها، والمكتب مرصوصٌ بأدوات التمريض والأدوية العلاجية، والبالطو خاصتها مرفوعٌ على الخطّاف، والهاتف معانقٌ لأذنيها كما يتعلّق الصغير بأمه، ولسانها يخاطب صانع الشر الأعظم «مصعب»، مُحتَرِسةً ألّا يخرج صوتها عاليًا فيسمعها أفراد أسرتها. استعانت "غيداء" بزوج عمتها وهي تشكو له حالها، قائلةً بشجنٍ:
_مو راضي يطالع فيني ولا يسلفني نظرة يا زوچ عمتي، هو آني يعني مو قد المقام ولا وش السالفة؟ آني سويت كل اللي ينشاف ويتسوى عشان يحس فيني ويشوفني، ولا كأنه شايفني أصلًا، مع إني زينة، وكل الناس تتمنى بس كلمة مني.
على الجهة الأخرى، في منزل "مصعب"، كان متكئًا على ذراعه فوق الأرض، تحيط به الكتب المُبعثرة كأنها مرآة فوضى مشعوذ مغرم بالدنس، فيستنشق الرجس بدلًا من الأكسجين كباقي البشر، وكان يُصغي إلى صوت غيداء الناعم وهي تشكو إليه عذابها، فابتسم ابتسامة ماكرة وقال:
_كل ذا علشان اللي ما تتسمى چيهان، البنت ذي لها في الأعمال، وچرّت رچلينه بيها، ذا ولدي، وآني الوحيد اللي أدري متى يكون صاحي ومتى يكون تحت تأثير العمل... بس أبشّرك! لو رايدة رمزي ولدي يتهوس فيكي ويتچنن عليكي جنان، بخليه لك مثل الخاتم في صباعك، ويچي لعندك يبوس يدينك ورچليكي ويقولك: سامحيني، كنت معمي عنك.
بلغ الحماس ذروته، و"غيداء" تتوق بجنونٍ لأن تستحوذ على رمزي بقوتها، لتنال ما تمنته يومًا وخسرته من يديها، فسألته بلهفةٍ:
_خبّرني كيف يا زوچ عمتي، أبوس إيدك خبّرني!
تحدّث "مصعب" بثقةٍ عاليةٍ يغلّفها خداعٌ عظيم، يصبّ في مصالحه الشخصية، فقال:
_والله بخليهولك في ظرف ثمانية وأربعين ساعة يچي راكع تحت رچليكي، بس تسمعي كلامي حرف بحرف، وتنفذيلي اللي بقولك عليه اليوم!
نطقت "غيداء" بتأهّبٍ غريب، فاعتدلت في جلستها ثم نهضت بحماسة، وقفت موازيةً لنافذتها، وقالت:
_أنا تحت أمرك يا زوچ عمتي، واللي تقوله بسويه، انشالله لو تطلب مني أچيبلك حوائچك هالحين.
تَطايرت ضحكاتُ "مصعب" في الهواء، وهو يراها كالعروس اللعبة التي يُحرّكُها وفقًا لأهوائه لا لأهوائِها الشخصية، فقال ببسمةٍ زائفة:
_أول طلب لي، لا تعاودين تقولين لي زوچ عمتي مرة ثانية، تقولين لي يا مصعوبتي، لأن؛ الكلمة من فمك تغسل قلبي من چوا....
ارتعدَ بدن غيداء، ولامست من حديثِه لها أهدافًا غامضة من وراءِ قناع المساعدة، لكنها قررت التغاضي عن نعومة صوتِه معها في سبيل أن تحظى بحبِّ رمزي لها، فتابع الأخير:
_أما ثاني طلب، أحتاچ دمك ودمه، وإنتي ممرضة ما شاء الله عليكي، ما تتوصّي، تروحين تچيبين لي دم رمزي، وترچعين عالدار دغري، عشان أقولك وش تسوين بعدين.
تساءلتْ "غيداء" باستصعابٍ، وهي ترى الوضع خارجًا عن السيطرة:
_شلون أچيب دمه يعني؟ رمزي مهاچر البلدة له يمكن شهرين وأزيد، وحتى لو كان هني، وش أقوله؟ هات دمك عشان أخليك تهواني؟!
رَدّ "مصعب" واليقينُ غمر زواياه:
_آني أدري وين رمزي، وبقولك على عنوانه، وكل اللي عليكي يا قطة، تچهّزي سرنچتك وتروحين لهناك، لا من شاف ولا من دِري، ولا يهمّك، بتلقينه غارق في سابع نومة، إنتي بس شغّلي مخّك معاي، وبتشوفين الدنيا تمشي مثل السكين في الحلاوة!
استقام المحقن الطبي مُستعد على حافةِ الطاولة لينغرزَ في وريد رمزي ويجذبَ أكبر قدرٍ من الدماء، وإن كانت قطرةً صغيرة، وعقلُ غيداء مُغيبٌ عن تمييزِ الصوابِ من الخطأ، فكأنما مصعب بقدراتِه الروحانية أذابَ أفكارها في بعضٍ، وسبّبَ لها تشابكًا فكريًا.
لم تتريّث، ونهضتْ باستعداد، فارتدت عباءتَها ولثامَها، وجهّزت إبرتين أخبأتهما في زوايا حقيبتها.
كان المطبخ الرحيب في تلك الأونة مكتظًا بأدخنة الطعام، و"غزالة" تتحركُ بحُرية، تُخرج البطاطا المقلية من أحضان الزيت المستعر، وتارةً أخرى تقطعُ حباتِ الطماطم إلى مكعباتٍ صغيرة داخل الوعاء النحاسي الواسع، وبمجرد أن أحسّت الوالدة بطيف ابنتها يمر سريعًا في البهو، خرجت وراءها وهي تُجفّف أصابعها في المنشفة، وتقول:
_وين رايحة هالحين يا غيداء؟!
ارتبكت "غيداء"، وأصابعها متشابكةٌ في بعضِها بارتجاف، وسعت جاهدة أن تبدو باسلةً، ثابتةَ الجسدِ ومعالمِ الوجه، فاستدارت نحوها بشفتين تتراقصان ترددًا، وأجابت بضيقٍ في التنفس:
_في واحدة من صديقاتي، أختها تغسّل كلى في البلد اللي بعدنا، وما لقوا ممرضة تروح تعطيها الإبرة، فاتصلت فيني وقالتلي أچي، فأنا بروح عالسريع أشوف وش السالفة، ولمن أخلص برچع دغري.
تطلعت "غزالة" في ابنتها بارتيابٍ، لكنها لم تَجهر بشكوكها، فأصابتها بسهامِ عينٍ حادّة، وقالت بحزم:
_لا تتأخري يا غيداء! أبوكي شوي وچاي، وأخوكي وزوچته راح يطلّوا علينا، لا تچيبي لروحك الكلام!
ابتسمت "غيداء" ابتسامةً تمثيليّة، وردّت بطمأنينة:
_ لا تشيلي هم ياما، ساعة أو ساعة ونص بالكثير وبس برچع... يلا سلام.
بعدما انصرفت غيداء عن المنزل، وخرجت تخطو بعجَلةٍ قبل أن تتقابل مع أحد رجالِ عائلتها فيسألَها عن وجهتها، انطلقت غزالة إلى مطبخها مُسترسلةً فيما توقّفت عنه للتو. بدأت تستخرجُ من البرطمان الزجاجيّ حبّات الليمون المُخلَّل لتضعها داخل الطبق، استعدادًا لتحضير وجبات الغداء، وكأنّ المطبخ يتنفّسُ بروائح طعامها الفريد من نوعه، ذات النكهةِ البدويةِ الأصيلة.
في بيئةٍ مألوفةٍ لكنها غابت عن الأنظارِ كثيرًا، مُنى التي منذ عودة چيهان إلى دارِ العائلة وهي تتجنّبُ التقابلَ معها في أيِّ مكان، لربّما تخشى المواجهةَ التي ستُلقي بها بين قضبانِ السجن الحديدية، أو على الأقلّ خزيًا عارمًا كبصمةٍ فاضحةٍ في تاريخ العائلة.
كانت حجرتُها دومًا ما يغمرُها التراب، والنملُ يسيرُ في خطوطٍ متوازيةٍ على حافة نافذتِها من الداخل والخارج، والأرضُ زاخرةٌ بالثيابِ غير المرتّبة، والإضاءةُ الضعيفة المتقابلة مع لونِ الجدرانِ القديمة ذاتِ الشقوق، أعطت أجواءً كئيبةً لكلّ من قرّر أن يُخاطبَها ولو لدقائق قليلة.
وفي هذه الأثناء المشحونةِ بالعشوائية، دخلت "علياء" غرفة ابنتها بخُطى متألّمة، مقرّرةً أن تتدخل في مشكلة شوقي مع زوجتِه وبناتِه، فقالت بعتابٍ طيّب:
_مش هتنزلي معايا يا منى نهدي الدنيا بين عمك شوقي ومراته وعياله؟ كلمة مني على كلمة منك تهدي النار الوالعة عندهم في البيت.
أعوَجَّت "منى" فمها بطريقةٍ ساخرة، وضربت كفًّا على كفٍّ بلا مُبالاة، وقالت بعبوس وجهٍ:
_وأنا مالي أتدخل في اللي مليش فيه ليه؟ كان حد قالها تهرب مع الواد ده اللي محدش عارفله اسم؟ والله الصراحة أبوها من حقه يدفنها ويغسل عاره بإيده.
انصدمت "علياء" من خطابِ ابنتها القاسي، فأرادت أن تُهذّبها بنُصحٍ لطيف، لعلّها تنبت في الصخورِ اليابسة ورود الرحمةِ الدافئة، لذلك قالت:
_بس هما بيقولوا إنها اتخطفت مهربتش، وبعدين دول اتاكدوا إنها عفيفة، بنات عمك الاتنين متربيين ويمكن چيهان متدينة أكتر من أختها ريم كمان، تصدقي بقى؟
هزّت "منى" كتفيها بازدراءٍ جليّ، مُشكِّكة في أخلاقها، وكل كلمة تخرجُ منها بتعبيرٍ ساخر، قائلةً:
_لا مصدقش، ده كلام بيغطوا بيه على الحقيقة، هو يعني لو بنتهم مش تمام هيقولوا بنتنا مش تمام؟ چيهان دي وراها بلاوي سودة، وكمان ريم اللي عاملالك فيها طيبة وهادية، الاتنين دول مقطعين السمكة وديلها من تحت لتحت، ميغركيش الحركات اللي بيعملوها، إنتي بس اللي علشان طيبة زيادة عن اللزوم فبتصدقي التمثيل، لكن محدش كاشفهم غيري أنا.
لم تقتنع "علياء" بحكاياتِ ابنتِها الخاطئة، تبدو مفتقرةً للإنسانيّة، وكأنّ منى أرادت أن تمارس عليهما الإسقاط، أو بما يُسمّى بالعامية قلب الطاولة، فتصب صفاتِها السلبيّة على غيرها، وكأنّه لا أحد يتدنّسُ بها سواهم. ظلّت الوالدة مُصرّة على رأيها، وقالت بنُصحٍ:
_لا يا منى عيب الكلام اللي بتقوليه ده! استغفري ربنا، ده كده قذف محصنات وعقابه عند ربنا عظيم! چيهان وريم محترمين، هو احنا لسه عارفينهم من يومين؟ ده احنا كلنا عشرة عمر وعارفين أخلاق أكبر واحد في العيلة لحد أصغر واحد.
تحوّل الحديث بين الاثنين من مجرد جدال عادي إلى شجار صاخب، و"منى" تصيح في والدتها، مُفتقرة إلى التهذيب الأخلاقي، قائلة بصياحٍ وضيع:
_أنا عروسة ومش فاضية لحواراتهم، أنا ورايا هم ما يتلم وعايزة أنزل أجيب اللي فاضل في الشقة، كلها شهر وأرتاح منكم ومن حواراتكم، أنا مالي باللي هربت واللي نيلت؟ هاخد منهم إيه غير وجع الدماغ؟ مشاكلهم يحلوها مع بعض، وطلعيني أنا من الزفت ده، ومتجيش تقوليلي انزلي ومتنزليش، أنا قرفت!
خرجت "علياء" من الغرفة وهي تعجُّ في ابنتها بسخط، مُقاومةً لآلام ظهرها الواضحة المتجلّيةِ على خُطاها المُضطربة، فقالت بشجبٍ:
_والله إنتي ما اتربيتي يا منى ولا شوفتي دقيقة واحدة رباية، ربنا ما يحكمك عليا يوم، ولا يحوجني ليكي....
ثم فتحت باب الشقّة وخرجت مُتابعةً بغضبٍ:
_لا ليا بخت في جوزي ولا في عيالي، مفيش غير أسعد هو اللي بار بيا، ربنا يحفظك يابني ويرزقك الخير كله عاجله وآجله، ويكفيك شر طريقك ويبعد عنك ولاد الحرام.
نزلت علياء بتمهُّل إلى الطابق السابق، حتى دقّت باب منزل شوقي، فخرجت أسماء لها بعينين لامعتين من البكاءِ الصامت. ضمّتْها إلى صدرها ضمّةً حانية، وربّتت على ظهرها برفقٍ، وتساءلت عن چيهان، فأجابتها أسماء بأنها تنتحب في غرفتها إلى جوار أختِها الكبرى ريم.
تحرّكت زوجةُ العم إلى الداخل ببطءٍ حتى بلغتهن، وعانقت چيهان عناقًا ودودًا دافئًا، وجلست معها هي وأختها على السرير، جميعُهنّ جالساتٍ سويًّا إلى أن انضمّت إليهن أسماء لتشاركهن الأسى.
وبينما تمرّ الدقائقُ، كانت غيداء قد استقلّت إحدى وسائل المواصلات وصولًا إلى موقعِ رمزي، تُجري بين الحينِ والآخر اتصالًا عاجلًا بمصعب ليحدِّد لها خطَّ سيرِها. هناك، وقفت على أرضٍ يابسة، وفوق رأسها أشجارُ التوت التي جفت ثمارُها وانحدر بعضُها إلى الأرض. استجاب مصعب لمكالمتِها، وأمرها بالعبورِ بحذرٍ حتى تبلغ أقدامُها مَقطنَ رمزي الصغير.
تحرّكت، وعيناها تجولان حولها بخوفٍ وحذرٍ في آنٍ واحد، حتى وجدت إحدى الغرفِ كأنَّ الباب في انتظارِها منذ برهة. كانت حذرةً ألّا تُحدث صخبًا بخُطاها حتى دخلت الغرفة؛ كان ضياؤُها يعتمدُ كلّيًّا على نورِ الطبيعة، ورمزي غارقٌ في نومٍ عميق، إذ نام على بطنِه محتضنًا وسادته. لكنّه في لحظةٍ اعتدل، فأصابها فزعٌ شديدٌ خوفًا من أن تنكشف أمامه.
بدأت تقتربُ منه شيئًا فشيئًا، تتأمّلُ ملامحه عن قُربٍ، متمنّيةً لو أنّه يبادلُها نفس الغرام، لينصهر حبُّهما في وعاءٍ واحد.
استخرجت الإبرةَ بحذرٍ من حقيبتها بأصابع مرتجفةٍ وأنفاسٍ عاليةٍ كتمتْها خشية الانكشاف. بدأت تُركّبُ السّنَّ في السرنجة، وهي متيقّنةٌ أنّها دخلت المرحلةَ الأصعب، مرحلةَ سحب الدماء من وريدِه. وقبل أن تمتدَّ يداها نحوه، رفعت كفَّها وأشارت نحو وجهه من بعيدٍ بإشارةٍ سحريّةٍ كما أمرَها مصعب، كأنّها تُحصّنُ روحَها كي لا يُفضح مخططها. ثم قرّبت يديها منه برعشةٍ، حتى كادت أن تُدخل السّنَّ في وريده، وفي لحظةٍ غير متوقعة انفتحت عينا رمزي وحدقتاهما متّسعتان سخطًا، فقبض على ذراعها بقسوةٍ، فهوت الإبرةُ منها إلى الأرض.
سرعان ما نهض "رمزي" بانفعالٍ، وبينما كانت تتراجع بظهرها إلى الخلف، قال بعنفٍ صوتيٍّ:
_تفتكريّني ساذچ يا بنت الخال؟ أسيب روحي لحد ما تعمليلي عمل المحبة؟ أبوي بيضيعك طول ما تمشين وراه، ورمزي الطوخي ما في واحدة تشارك چيهان في حبه! فاهمة ولا أعيد عليكي الحديث؟
انزلقت الدموع من عيني "غيداء"، فشرحت له مدى إعجابِها به وبشخصيتِه، قائلةً:
_يا رمزي، آني بنت خالك، اللي رايداك، مآني غريبة عنك، لا تنسى إن بينا صلة دم قوية، بس چيهان ذي، ما حد يرضى تاخذها، ما في حد بهالقبيلة ياخذ حرمة حضرية من برا، شكلك نسيت، بس ما يهم، آني أفكّرك، وأقولك إني شارياك ورايداك، وإنت اللي ماك منتبه لي ولا....
انقطع حديثها بعجيجِ "رمزي" اللاّفح فيها، وأكّد لها أنّه لم ولن يخون حُب چيهان له مهما حدث، فقال بمعارضةٍ:
_لا تچيبي سيرة چيهان الطاهرة علسانك! چيهان ضفرها أشرف منك ومن اللي مثلك! ولا تظني إني نسيت سُبك ليها ولشرفها، ولا نسيت إن أبوي بعثك تاخذين من دمي عشان تسوين عمل وتخليني أحبك بالغصب، بس ذا ما يصير! واسمعي زين يا بنت الخال، اللي دخلت داره وعشت فيه كأني واحد منكم، لولا احترامي لخالي، لكنت سمّعتِك حكي يخليكي تكرهين روحك، بس أنا مو من رچاچيل الكلام، وإنتي ما تعرفيني زين....
ضغط "رمزي" على أسنانه لدرجةٍ كادت أن تُطحنَ من وطأة غضبِه، فرفع سبابتَه بوعيدٍ، وأردف:
_چيهان هي الوحيدة اللي حرّكت مشاعري، لا إنتي ولا مية واحدة منك قدرت تهزّ فيني شعرة! چيهان البنت الوحيدة اللي بحبها وراح أضل أحبها، وما أسمح لروحي تخون حبها حتى بكلمة، يلا امشي من هني، وبعتبر إنك ما چيتي أصلًا.
صرخت "غيداء" بصراخاتٍ مزّقت السكون، رفعت كفيها لأعلى رأسها، وقالت بعنادٍ قويّ كأنّها امتدادٌ لانفجارٍ بركانيّ:
_تسيبني آني وتختار چيهان؟ تبدي الغريبة عبنت خالك يا رمزي؟ چيهان هذي ما تسوى، كلبة بلا أصل ولا فصل! الله أعلم كانت ماشية ويا مين قبل ما تعرفك! بس اسمعني زين... آني ما راح أسيبك، لا چيهان ولا غيرها تاخدك مني!
وبينما تسبّ غيداء چيهان في غيابها، رفع رمزي كفّه لأعلى وتمتمَ طلاسمه مستحضرًا كيانه الخفي. لم تمرّ دقيقةٌ واحدةٌ إلّا أن خرج من فوهةِ المرحاض جنيٌّ أسودٌ شديدُ البشاعة، بأذنين طويلتين كآذانِ الشياطين، وذيلٍ طويلٍ وملامح كالمسخ.
أشار رمزي لغيداء بأصابعه للوراء، وما إن استدارت نحوه ورأته، صرخت صراخًا هيستيريًا يرثى له، وسقطت مغشيةً عليها. فالقوة لا تكمن في الردودِ، بل في الأفعالِ المباشرة.
يتبع.....
الكاتبة رانيا عمارة