في تسامحِ اللَهجِ راحةً، يجد من الصبّار بلسمًا يُطيب القَرحَ والألَمَ،
في أُولى لياليَّ سَخِطتُ من دمعٍ شكَّله القدرُ، ومددتُ يدي على جفنٍ خُدِشَ بسكينِ الغدرِ والسُقْمِ،
وفي نواهيها وجدتُ ما نبشتُ عنه في فجوى البلاءِ والخِزي،
منبعُهم جُحرٌ للأفاعي والوَزَغِ، وما أنا إلّا بائعُ قاروراتٍ وأقدارِ من العَسَلِ،
ختامُها وطنًا لجأتُ إليه بعواطفي، ورأيتُ فيه بصيصَ الأملِ الذي فاض به قلبي وروحي،
أحببتُ أُزوفَ مَن مددتُ يداه محاربًا جَحافِلَ الثعابينِ من أجلي.
في خِلال أشهرٍ قاربت من عامٍ كامل تبدلت الأحوال من الجفاء إلى أهواء مُتبادلة بين طرفين لم يعتقدا يومًا أن يعيشا أحداثًا اقتُبِست من فيلمٍ خيالي، مَن يُشاهده يظنّه تمثيلًا بارعًا بين أبطاله، لكنه ليس بدراما، إنما واقعٌ يعيشانِه على أرض الحَقيقة.
چيهان على الرغم من ظروفها الحَرِجة في هذا الوقت، إلّا أنّها بادلته بكل ما في وُسعها، أهدته قلبًا طاهرًا لا يعرف عنوانًا للغَدر، ترعرعت بين أسرةٍ نقيّة وسط مكامن الأفاعي الذين كانوا سببًا عظيمًا في مجرى أحداث حياتها؛ حياةٌ انقلبت رأسًا على عَقِب من أركانها المُختلفةِ، لكن رمزي الذي أعانها على تَخطّي أزماتها كان له دورٌ واضح في دفع الشرور المتطايرة نحوها.
المُحبّ الحقيقي لا يتكلم ويصف مدى مشاعره على ثوانٍ متوالية وكأنه مذياعٌ يُردّد الكلمات دون فَهمٍ لمعنى الحُب، إنما هو من يُؤكد بفعله صحّة ما يعتمل في وِجدانه وهو يُبرهن على حُبّه بتصرفات واضحة وضوح الشمس في طَليعتها، فالأشهر الماضية أظهرت اهتمامًا وخوفًا صادقًا، و"رمزي" يُضحّي بعمله من منبعٍ عميق يُوجّهه وِفقًا لعواطفه.
ظلّ جالسًا حيالها عدة أيامٍ في انتظار عودة الأمل إلى قلبه القانِط من شِفائها، أصبحت أكبر طُموحاته في الحياة لو أن تعود چيهان صاحبة اللسان الفظ حينما تتشاجر معه، مُتمنيًا أن ترتدي ثوب العافية بوعيٍ كامل، وحينما طلب منها العفو عن كل ما تسبّب لها فيه من أذًى، استيقظت مُصغِية إلى كلماته الأخيرة، وكِلاهما يتبادلان نفس المشاعر.
وفي سطوة الألم، أكدت له مُسامحتها له رَغمًا عن كل شيء، لكنه سقط في حيرةٍ واسعة من أمرها؛ كيف بعدما تركت عائلتها في ظروفٍ قاسية، وخسرت أحلامها، وحُرمت من دفء الأسرة لتكن معه في بلادٍ مجهولة لم تخطُها سيقانُها من قبل، بعد كل ذلك تنازلت عن حقوقها في حياةٍ كريمةٍ وآمنة، وعَفَت عنه في حين أيّ امرأة غيرها لكانت سبّتْه سَبّة لاذعة وفَرّت هاربة إلى أسرتها، فألقى عليها بسؤاله، مُبديًا استغرابَه، وقال بصوتٍ خافتٍ يحوي ندمًا:
_شلونك مسامحاني عقب كل اللي چرالك من وراي؟ ما كنتي دايم تلوميني وتحمليني ذنب خراب حياتك وبُعدك عن أهلك، ليش كلامك تبدّل هالساعة؟!
استفاقت "چيهان" استفاقةً واضحة جعلتها في كامل وعيها، شرحت له شعورها دون أن تُبالغ في الإطناب، فجلست وهي قيد التكبيل، وقالت بخجلٍ:
_عشان أنا فهمت إنك مش بتضرني، واللي يثبت مش أنا بس اللي حياتي اتدمرت إنك إنت كمان خسرت حاجات كتير من ضمنهم اتفاقاتك مع أبوك وإنك عرضت نفسك للخطر بسببي.
ردَّ "رمزي" وهو رامِقٌ إياها بفرحةِ انتصارٍ اختلطت بخوفٍ لاصقٍ رُوحه كاد أن يفتِك به فتكًا:
_أنا ما خسرت شي بعد، أنا كسبت كل شي!
سألته "چيهان" بدهشةٍ، وعيناها تنغلقان وقد بدَت أن تعود إلى سُلطتِهم مرّةً أخرى، فقالت:
_كسبت إيه؟
تنهد "رمزي" بعمقٍ، ولأوّلِ مرّة يُفشي ما أرغمه قلبُه على كتمانه، فاستدار ببصره نحو زاويةِ الحُجرة، وقال بارتياحٍ آنِيّ:
_كسبت دنيا چديدة، فيها حاچات أزين من دنيتي الأولانية بألف مرة... كسبت ناس فيهم الطيب اللي ما شفته بغيرهم، والله ما خسرت، صدقيني أنا اللي فزت.
وبينما يرفع نظره إليها وجدها قد عادت إلى حالةِ اللا وعي، فانتكَست من جديد بنظراتٍ توحي بهيمنةِ أورثيم العنيفة عليها، ظلّت مُتلتلة الأطراف تُحركهم بقوةٍ مُهيبة كادت أن تهشِّم السرير الذي احتضنها في خوفٍ، وكلّما وُضعت في هذه الحالة ازدادت أحزانُ رمزي وهو يرى ذاته ضعيفًا، مُتمنّيًا لو أن يكون علاجُها بين يديه.
وفي هذه الأثناء المُرهقة نفسيًا ازدادت چيهان نُواحًا، وخرجت كلماتُ "أورثيم" على شَفتيها وهو يتلفّظ بأسلوبٍ خنّاسٍ:
_حاسس بيك وإنت ضعيف الحيلة ومفيش في إيديك حل، بس متخافش لو جيبت شيوخ الأرض كلهم محدش هيعرف يخرجني... چيهان بقيت ملكي أنا وبس، شكلي هحبها وهكون عاشق قريب أوي.
التَهب قلب "رمزي" بمشاعرِ الغَيرةِ القاتلة، كأنّما النيران تسري في عُروقه من الكلمات الواثبةِ من فُوهةِ الشيطانٍ الرجيم، فخرج عن صَمتِه ونطق بصياحٍ مُتوعِّد:
_چيهان ما هي إلك ولا لحد بالدنيا، لا إنس ولا چان! والهرچ هذا أنا بخليك تندم عليه ندم العمر... لأولعك يا أورثيم، وتغدي خاضع ذليل بين ربعك وقبيلتك!
تضاربت ضحكات "أورثيم" العالية في جُدرانِ الحُجرة، مُزدريًا بتوعُّد رمزي له، ثم قال بألفاظٍ يُحيطها استهزاءٌ واضح:
_كلامك ضحكني أوي... عارف إيه أحلى حاجة فيك؟ إنك بتعاند وبتقاوم حتى وإنت مهزوم... افتكر كلامي كويس، چيهان ليا أنا، وأنا خلاص اختارتها، ومش هخرج منها مهما يحصل، أنا اختارت الجسد ده خلاص، وأحسنلك تطلع نفسك منها عشان متتأذيش إنت كمان!
عالمُهم مُروع يحمل في طيّاته مزيجًا بين الهيبة والتحدّي، هدوؤهم مُرعب، وضحكاتُهم المُتعالية أشد رُعبًا، إذ يسخرون ممن يرونه بلا قُدراتٍ تُساوي قُدراتِهم، فيخرج التَّهكم من يقينٍ بأنّه غيرُ قادرٍ على مُحاربتهم، لأنّه في الأوّلِ والأخير مُجرّد إنسيّ. لكن "رمزي" بقوته المَهيبة أصرَّ ألّا يُمنحهم الفرصة للانتصارِ عليه، فوقف بصلابة رجلٍ باسل، وقال بحدةِ صوتٍ:
_چيهان ما هي لا إلك ولا لغيرك، وقِلتها وبظل أقولها... نهايتك قربت، وبتكون عإيدي يا أورثيم!
تزايدت چيهان صُراخا بنبرات صاخبةٍ تتحول بين اللحظة والأخرى إلى عدّةِ أصواتٍ متباينة، وكأن أورثيم راغب في بُرهانِ تجبُّرِه على الجميع، ونُواحُه ينتشر في أرجاء المنزل باثًّا الرعبَ في النفوس.
وبينما استدار رمزي إلى الباب، سمع طرقاتٍ مُتوالية، فخرج بخُطى مهرولة فوجد ناجي وزوجته صبا قد أتَيا على وقع صُراخها، مُندفعين بخوفٍ لا يُخفى، فيما سأله "ناجي" بقلق:
_اللي عليها حضر مرة ثانية يا رمزي ولا شلون؟
نطق "رمزي" بحزنٍ وهو يخطو إلى الداخل، يتعقّبه ناجي وصبا بقلوبٍ ضخَّت الارتيَاع:
_مانا داري شو أسوّي بس... هالرچال اللي اسمه نعمان شكله شيخ فاضي، ما يعرف يتصرف، له كم يوم يچي يسوي لها قاعدة وما في چديد... أورثيم ما راضي يتركها يا ناچي!
بسطت صبا كفَّها على فمها بارتياع، واكتفت بالوقوف على عتبة الباب وهي ترمق چيهان بنظراتٍ مُشفقة على حالِها، فيما صرخاتُها تتردد في الآذان، بادل "ناجي" رمزي بالردّ، قائلًا بنُصحٍ هام:
_آني من رأيي تخليها مربوطة لين يچي الشيخ نعمان ويكمل الچلسات، ولا تحكم عالشيء من هالحين... ما سمعت يوم قال إن اللي فيها أعوذ بالله من الشيطان الرچيم، ما هو چني عادي؟ هذا زعيمهم بذاته! يا ساتر يا رب... احفظنا منه ومن شرّه.
أمر "رمزي" ابن خالِه بأن يتواصل مع الشيخ نعمان ليأتي في جلسةٍ علاجيّةٍ جديدة، لعلّها تكون بداية خيطِ الشفاء، فالأزمةُ لم يكن حلها بهذا اليُسر، إنما تحتاج إلى أنفاسٍ مريرةٍ وجهدٍ شاقّ حتى انفصالِه عن جسد الضحيّة، قائلًا بإلزامٍ ضروري:
_دُك عالرچال هذا وخليه يچي الحين، چيهان حالتها توچع وقلبي يتفتّت عليها... دك عليه يا ناچي بسرعة!
كالعادة، "ناجي" لا يعترِض مطلبًا لرمزي، ما جعله يَستخرج هاتفه مُسرعًا، كمن يَلجأ إلى طبيبِه الروحي ليُنهي له فصلًا من المعاناة. وبينما أصابعُه تجول على الشاشة، قال بتلبيةٍ:
_حاضر، بدُك عليه.
أجرى ناجي اتصالًا بالشيخ نعمان في مكالمةٍ عاجلة يستدعيه فيها للإتيان إلى دار فهيم، لِيبدأ الجلسة الرابعة مع چيهان، مُلِمًّا بخبراته الواسعة في أبحار العلم الروحاني، فأكد ناجي على حالة چيهان المستعصية في هذا الوقت المليء بالتحديات، غير أنّ الشيخ نعمان لم يكن في ظرفٍ يسمح له بالمجيء لانشغاله بحالاتٍ أخرى لها كامل الحق في العلاج، فاكتفى أن يُعطي ناجي لمحةً عن مهدئاتٍ مؤقتة إلى حين إلمامه إليهم.
عندها بدأ رمزي يُنفِّذ ما أمرهم به بقلبٍ يفيض أملًا. وفي الصالة بالخارج، استراحت صبا على الأريكة بوجهٍ مكفهرٍّ، منقوشٍ على معالمه قلقٌ دفين، تقضي لحظاتها في الدعاء لچيهان أن تخرج من محنتها قريبًا.
لكن ما أثار العجب، خروج "ناجي" من حجرة النوم متجهًا إلى زوجته بكوبٍ ممتلئٍ بالمياه، لعلّ لصبا دورًا بارزًا في هذا المشهد لتُثبت مدى اعتزازها بچيهان. رمقته بحيرةٍ حين مدَّ إليها الكوب وهو يقول:
_معلش يا صبا، هنتعبك معانا شوي... أبغيكي تقري عكباية الماي هذي الآيات اللي مكتوبة چوا الورقة، وتردديهم قد ما مكتوب چنب كل آيه، الشيخ نعمان قال لازم أنفاسك تكون بالماي!
ثم استخرج من جلبابه ورقةً مطوَّقة، دُوِّنَت عليها آياتٌ قرآنية بوردٍ مخصوص، ومدَّها إليها بأناملٍ تكسوها حرارة الخوف. رمقته "صبا" بتأهّبٍ مرتعش، ثم قالت:
_ما في مشكلة يا ناچي، أهم شي چيهان تخف وترچعلنا مثل ما كانت بالسلامة.
فتحت "صبا" الورقة، وأسندت الكوب برفقٍ على ساقيها، ثم ألقت عليها نظرةً خاطفة، ورفعت الكوب بيدها اليسرى تُحاذي به فمها، وشرعت تتلو الآيات بصوتٍ عالٍ، قائلةً بخشوعٍ يغلف حروفها:
_أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمٰن الرحيم {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:285- 286]
ثم تابعت تلاوة آياتٍ طردِ الجانِّ من الجسد، وفي كلِّ مرةٍ تنفث على الماء برفقٍ فيتحول من ماءٍ عادي إلى مرقي، فيسري في جسد الضحية وكأنه نيرانًا على الراصد تجعله في ذروةِ العذاب، وبعد ثُلث ساعةٍ نفذت صبا ما كُلِّفت به، فعاد ناجي إلى "رمزي" في الغرفة حاملًا الكوب المرقي، قبض رمزي عليه بارتباكٍ ملحوظٍ كمن يخشى العواقب المنتظَرة، ثم التفت نحو ناجي، وقال:
_خلي صبا تچي تثبتها معاي!
ردَّ "ناجي" مقترحًا حلًّا أفضل:
_راح أثبتها معاك آني وخلاص، يلا بينا!
لكن "رمزي"، الذي اعترض أن يلامسها غريبًا حتى وإن كان بجدية، قال باحتجاجٍ صارم:
_ما في حد هيلمسها، إياك تقرّب صوبها ولا راسك تچيبلك هالفكر! هات صبا وخلص يلا!
اندهش "ناجي" من إصراره العجيب، فتابعه بغرابةٍ، ثم قال:
_خلاص، إنت راح تلتهمني ولا شنو؟ بچيبلك صبا بس لا تكون چامد في ردك!
انصرم ناجي إلى الخارج ينادي زوجته، وبمجرد أن أخبرها بضرورة إعانتها لرمزي، لم تظهر تأخرًا ونهضت في الحال، تخطو وراءه بهدوءٍ حتى دلف الاثنان سويًا داخل الحجرة. هناك كان رمزي في انتظارها لتعيينه على تثبيت چيهان، التي تبدو وكأنها في عالمٍ آخر، هيمنت عليه قوةٌ أليمة.
وقفت صبا على سَيفِ السرير الأيمن، ورمزي على الجهة اليسرى، أما ناجي فوقف من بعيد كمشاهدٍ مكترثٍ للمباراة، يشاهد زوجته تقيد ذراعي چيهان ورأسها بكل ما أوتيت من قوة، وكأنها تقاوم ثورًا هائجًا ذو قوةٍ عنيفةٍ لم تُقوَ على مواجهته. ورمزي يحمل الكوب ويحاول بإصرارٍ أن تبتلع المياه المرقية، لكنها كانت تدفعه بعيدًا عنها بصرخاتٍ تمزق السكون، ممانعةً لأي تدخلات من أحدٍ، وبينما صبا تثبّت رأس چيهان بأصابعٍ احمرّت من هول المقاومة، اجترعها رمزي المياه بإرغامٍ حتى استنزفت نصف الكوب، وكأنها ساحةُ عراكٍ وليست محاولةً لتهدئتها من هوجتها النارية.
انهمرت بعض القطرات على ثيابها وأيديهم، ورمزي لا يزال محاربًا لاستكمال باقي الكوب، إذ انقضت عشر دقائق حتى اجترعت القطرة الأخيرة بمعاناةٍ رهيبة.
حينها اضطربت أمواج أورثيم، وظل يصرخ وكأنهم أسكبوا عليه حمضَ الكبريتيك المركز، أو بما يُسمى في اللهجة الشائعة "مياه النار". الأمواج الصوتية انبثقت من شفتي صبا، مكتسية بطاقة القرآن النورانية على المياه، كأنها لهيبٌ عليه، ثار "أورثيم" متلفظًا بصرخاتٍ متعذِّبة:
_أورثيم يتعذَّب، لكنها ليست النهاية، سأظل محاربًا حتى أتلفظ أنفاسي الأخيرة، ويحك! ملكُ الملوك لا ينهزم، وأنفاسه بلا رصيدٍ للنفاد!
ظلَّ يُجابه سَطوته لدقائق حتى استسلم في خضوعٍ مؤقّتًا، بدأ جسد چيهان يرتاح نوعًا ما وهي تعود إلى وعيها رويدًا، فوجدت رمزي وأبناء خاله حيالها، إذ تقدَّمت صبا نحوها تُعانقها بشجى، مُشفقة على حالها بلمسات هادئة وكلمات ناعمة كالحرير، مُظهرةً حبّها ورعايتها لها.
تأهّب الجميع لقدوم الشيخ نعمان لهم في موعدٍ قريب إذ كان بالقرب من الساعة الخامسة بعد العصر، فأظهرت صبا معزّة چيهان الجليلة في مساحتها حينما نزلت لتحضر لها الطعام بأناملٍ رقيقة وكأنها تنقش قلوبًا في الأصناف التي تبدو بمذاق المحبّة، وصعدت لها من جديد تُطعمها لكن الأخيرة لم تطلب من الحياة سوى أن يسكن بدنها بعد عاصفة غضب أورثيم التي اجتاحتها.
مواطن الحزن تعدَّدت فلا يجد الشجن مَرسى له، عائلة لم تذُق طَعم البهجة منذ أعوام بدأت بخسارة يوسف انتهاءً إلى فقدان چيهان وفسخ زيجة ريم من رجلٍ أحبّته بصدق، فلا أصعب من أن يرى المرء ذاته مهزومًا رغم أنّه يملك جميع مقوِّمات النجاح، ومن لا يستحقّ، ينال ما توق إليه.
مرارة الفقدان التي عاشتها ريم حقبة طويلة، اجتمعت الهموم على رأسها وكأنها تحالفت عليها، فلا ترحمها الكوابيس في المنام ولا حتى البشر في الواقع، كل شيء مُحطَّم بأسلوب يُثير الشكوك.
في أحضان النوم غفَت ريم باستياءٍ كبَس على أنفاسها، متمنية لو أن يلتقطها الموت كما يلتقط المُزارع الأوراق الفاسدة، فترى ميلادها في هذا العالم مجرّد انتقام غامض منها، مُتذكرة لحظات الطفولة التي عاشتها مع أبٍ قاسٍ كلما وجدها تبكي أزاد همومها جبالًا بنبرته الصاخبة ورؤيته دومًا ذاته رجلًا لا يذنب، أمّا الجميع فهم مصدر المشكلات وإن لم يكن لهم يدٌ فيها.
كم مرّة يجدها تنتحب ولا يُرغم ذاته حتى ولو بالإكراه أن يُربّت على كتفها بلمسة أو كلمة حانية، فكان يُخبرها أنّها إذا أقدمت على الانتحار فسينجب غيرها ببساطة وكأنّه مصنعٌ للأجهزة الكهربائية وليس أبًا يُنجب أبناءً ذوي أرواح ودماء يشعرون مثلما يشعر تمامًا. طوال الليل تبكي في حجرتها قهرًا على عوضٍ لم يأت بعد، حتى عمرو الذي ظنّته حصنًا كان صيادًا يبحث عن فريسته.
نامت مُعانقة وسادتها كحِضن حامٍ من الآلام ووَطأة الاكتئاب الحادّ الذي تشعره هذه الفترة، ظهرها مُواجهًا للهواء لا للجدار، وهذا ما فتح عليها هجمات شيطانية، إذ بيدين تُطوِّقانها على سريرها، تشعر بلمساتهم وأحدهم يغمس أنفه في ظهرها، الحرارة تخرج من فمه، ويُطلق أصواتًا غريبة ليست ببشرية، أصبحت ريم في حالة شلل عنيفة لدقائق، حتى أنّها فتحت عينيها وهي ما زالت مُكبَّلة كالأسيرة في سجنها، تُعافر بشدّة لكن لا حديث يخرج ولا تقوى على تحريك أطرافها لتدفعه، قرأت آية الكرسي في سِرّها حتى تركها الجاثوم وتلاشى من المكان.
نهضت ريم من نومها مفزوعة، ونفس الحدث أصبح مُتكرّرًا بشكل يومي، أصبحت مُعذّبة لا تستطيع إغلاق جفنيها كباقي الناس، إن غفَت لثانية رأت كوابيس شنيعة تُحاوطها من كل صوب، وهجمات من الجانّ عليها إلى أن كرهت النوم كأقل حقّ لها في الحياة.
بكت ريم بكاءً حارًّا وأحسّت أنّ الوضع ليس بطبيعي، فرفعت يديها على قلبها بمعاناة، وتهشّجت بمرارة، فدخلت والدتها "أسماء" على بكائها وجلست إلى جانبها، وسألتها بقلق:
_بتعيطي ليه؟ شوفتي كوابيس تاني؟
أجابتها "ريم" بتأكيد وهي سَئِمَة من وضعها:
_كل يوم يا ماما، بقيت يوميًا يجيلي كوابيس وبتربط وفي حاجات بتلمسني وبتكلمني، أنا بقيت أخاف أنام ولا أحط دماغي على المخدة، نفسي أنام زي بقية الناس وأنا متطمنة... أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصلي ده؟ كل حاجة نفسي فيها بتروح مني، والناس بتنفر مني من غير ما أعملهم حاجة وكمان بيتسلطوا عليا وأنا لا أعرفهم ولا يعرفوني....
ثم صَرخت بنبرةٍ عاليةٍ وتابعت بشكوى:
_في حاجات بتتحرك في جسمي ليل نهار وبيزيدوا لما بقرأ قرآن، رجلي الشمال بتحرقني أوي يا ماما، أنا مش طبيعية والله ما طبيعية!
ردّت "أسماء" باستغرابٍ رغم ائتلافها مع ريم على المبدأ ذاته:
_ماحنا يا ريم ملناش في السكك دي وقولتلك قبل كده، وكمان نخاف نروح لحد يطلع نصاب ويشتغلنا.
صرخت "ريم" صرخاتٍ عالية، وأصبح ذهابها إلى الشيخ أمرًا ضروريًا لا جدال فيه، فقالت:
_ارحموني من العذاب اللي أنا عايشة فيه، يا ماما بقولك هيحصلي حاجة، بقولك بتعذب وجوا قلبي نار، ارحموني من القهر ده، طلعولي أي شيخ من تحت الأرض بس يشوفلي إيه اللي بيحصل معايا ده، أنا جوايا شك كبير ومش ههدى ولا هدوق الراحة إلا لما اتأكد!
تركت "أسماء" لنفسها حيّزًا للتفكير لثوانٍ، ثم جذبت ابنتها برفق نحوها، وقالت:
_خلاص اسكتي! هكلم أبوكي يسأل الناس اللي يعرفها يمكن حد فيهم يدلنا على شيخ محترم يتقي الله، بس وطي صوتك، مش عايزين الناس تسمعنا!
خرجت أسماء من الحجرة ودلفت إلى غرفتها تُجري مكالمة مع زوجها شوقي، لعلّه يجد مخرجًا لهمومهم فيدلّهم أحد الصالحين على شيخٍ تقيٍّ يُعاين ريم ويُحدّد علتها الروحية.
وبينما كانت تتحدّث في الهاتف المحمول، جلست "ريم" على سريرها تُشارك حالة حزينة في قصّتها، وكتبت باستياءٍ بلغ ذروته:
"أنا بجد مخنوقة أوي أوي، مش طالبة منكم غير الدعاء بكشف الضُر."
لم ينقضِ وقتٌ طويل حتى وجدت "إسلام" يُرسل لها رسالةً خاصةً يدعو فيها لها، ويقول متمنّيًا:
_ربنا يفك كربك ويزيل حزنك.
تساقطت دموع "ريم" على شاشة هاتفها، وهي تفتح رسالته وتردّ بأسًى تلتهب نيرانه في قلبها:
_يا رب.
لم يتركها إسلام وشأنها، لكنه تضلّع في الحديث بأسئلة بالغة الاهتمام، متسائلًا عن محنتها، محاولًا إيجاد الحلول لها بغمرةٍ من الدعم، لكنها هربت من الجدال معه وتحجّجت بأسبابٍ لا علاقة لها بما تعيشه في وقتها الحاضر، لكن إسلام برصانةٍ وجد أنّ الحديث ينقصه طرف الخيط الذي سيبلغه بالحقيقة، ولأن ريم قررت أن لا تدع أحدهم يستغل صفاء قلبها، حكمت عقلها وتحولت إلى محاورة رصينة تُخبره بأن أعز صديقاتها تعاني من مشكلةٍ ما كدرت صفوها هي الأخيرة، لكن إسلام لم يقتنع بتاتًا وظل عند رأيه، فيرى أنّها تلتوي كالأفاعي بدهاء لتتهرب من الحقيقة.
وفي هذه الأثناء، ناقشت أسماء الموضوعَ مع زوجها، وأخبرته برغبتهم في البحث عن معالجٍ شرعيٍّ ينتهج القرآن الكريم، مبتعدًا كل البُعد عن الدجل والشعوذة. فقابلها الأخير بالرد ليخبرها أنه سيبدأ رحلة البحث ويتساءل أيًّا من الرجال المعروفين في دائرته. وفي ختام الأمر، حينما جلست "أسماء" على حافة السرير، قالت:
_طيب يا شوقي، شوف ولو لقيت حد كويس اتصل عليا، يا رب نلاقي بس حد شغال النهارده.
تفوه "شوقي" وهو منهمكٍ في أعماله، والصبيان العاملون يتجولون من حوله في أجواء من الجدِ والاجتهاد:
_هسأل وأقولك، يلا سلام دلوقتي.
ردَّت "أسماء" بتعاسةٍ، آملةً لو أن يجدوا منفذًا لأزمتهم:
_طيب سلام.
تركت "أسماء" الهاتفَ جانبًا وجالت بعينيها في كلّ زوايا الحجرة، ثم أمالت برأسها وهي تعبث بأصابعها في حالةٍ من التأمل الحزين، وقالت بتطلُّع:
_يا رب حلها من عندك... وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد.
زفّرت بعمق ونهضت لتواصل أعمالها في المطبخ. كان الحوض أشبه بتلالٍ من الصحون التي احتاجت جهدًا شاقًا في تنظيفها، تشابهت مع هموم كاهلها وهي تقف حيال الحوض، وتفتح الصنبور بأفكارٍ مُتضاربة في ذهنها. فحركت كل صحنٍ أسفل المياه الجارية بقلبٍ متعطشٍ للطمأنينة، وفي أعماقها تمنى أن يجدوا الشيخ الصالح الذي يشخّص لهم حالة ريم تشخيصًا سليمًا.
انقضت ساعاتٌ بسيطة، فتحول المطبخ من الفوضى إلى النظام، فلكل أم دورٌ هامٌّ في العناية بمنزل أسرتها. إما أن تكون مملكةً زاخرة بالنظام والجمال، أو أن تتحول إلى حياةٍ متدنسةٍ بالتكاسل. فاختفى تلّ الأطباق، وتراصّت كلّ منها في مواضعها، فبدى المنظر العام مريحًا للعين مقارنةً بالسابق.
اعتادت أسماء في مهامها اليومية في المطبخ أن تصغي إلى قناة القرآن الكريم في الراديو الصغير خاصتها المتسم بالإسوداد، ولسانها دومًا عامرٌ بذكر الله، فترى القرب من ربها راحةً عظيمةً لن تجدها في عباده.
وبينما كانت تشطف القدر الواسع أسفل المياه، وأضواء المطبخ تنعكس على ملامحها بحزنٍ، خرجت "ريم" من حجرتها بخطى هادئةٍ، والقهر ما زال ساكنًا على وجهها، ودلفت إلى والدتها الغارقة في مهامها، وقالت:
_أنا سألت واحدة صاحبتي على شيخ كويس، قالتلي على واحد شاطر هنا في الطور، بيشوف الحالات بمبالغ قليلة أوي، بتقولي حتى لو مخدش فلوس مش هيتكلم.
استدارت "أسماء" نحوها وسألتها باهتمامٍ:
_صاحبتك مين؟
ارتبكت "ريم" قليلًا، وكأنها لا تجد ما تقوله، باحثةً في ثنايا ذهنها عن إجابةٍ مُقنعة، ثم أجابت بتردّد:
_واحدة صاحبتي هي اللي قالتلي عليه، اسمه الشيخ محمود البري، بتقولي إنه من اسكندرية وعايش هنا في سيناء...سألتها يعني أكيد كويس ولا نصاب، أكدتلي إن ناس كتير اتعالجت عنده.
تنهدت "أسماء" بحيّرة، واسترسلت تنظيف آخر قدرٍ، ثم قلبته ووضعته برفقٍ فوق الرخامة، وخرجت من المطبخ متجهةً إلى حجرة النوم، وريم تتبعها باستياء، حتى جلستا على السرير سويًا، فالتفتت والدتها نحوها وسألتها:
_شغال لحد الساعة كام؟
نقلت "ريم" لها خلاصة معلوماتها عنه، قائلةً:
_شغال حد وأربع لحد المغرب، بعدها بيقفل وبيمشي.
ربّت "أسماء" على كتف ابنتها بأناملَ تشعّ حنانًا، وقالت بقرارٍ:
_ماشي هكلم أبوكي وأقوله، ولو كده نروحله النهارده... المهم سيبيها على ربنا ومتقلقيش من حاجة!
سنّ الشباب الزاهي تحوّل إلى جنازةٍ مشبعةٍ بالنواح، فلا أحدٌ ينفع الآخر في هذا الزمن؛ سوى المرء لنفسه، لا أخًا ولا أختًا، حتى معظم الآباء والأمهات نرجسيون بجدارة. تجد في رؤيتهم خللًا أسريًا غريبًا لا يستوعبه العقل أو المنطق، وكلّما تقدّمنا بالأزمان رأينا عجب العُجاب. فما لأقارب الدرجة الأولى والثانية أن يفعلوا؟ الذين لم يصلوا الأرحام بل قطعوها بالشر ودسّوا الأذى لمجرّد الحقد الدفين الذي تجرّعوه في صغرهم بدلًا من الحليب.
اتصلت أسماء بزوجها لتخبره بمقرّ الشيخ ومواعيد العمل، لكنه وجد صعوبةً في ذلك اليوم وسط تكدس الأعمال الشاقة في الجبال. ومع ذلك، قرر أن يخطف ذاته سريعًا لينطلق معهم إلى موقعه ليتخلصوا من كابوس الحياة المرعب.
وبمجرد أن أنهت أسماء المكالمة معه بغمرةٍ من الأمل، طلبت من ريم أن تدخل غرفتها وتتجهّز إلى هذا الموعد. فانصرمت ريم بأسى بين جدران شهدت معاناتها الأعوام الماضية، متأهّبةً لارتداء ثيابها، وفي غورها المُعتم تمنّت كشف ضرّها.
في موقعٍ مُغاير، كان الشيخ نعمان قد ذهب للتو إلى منزل فهيم، قضى جلسةً استمرت لساعتين في قراءة القرآن الكريم، واستخدام الأعشاب الطاردة لأورثيم.
مرت اللحظات عليهم كالسكين الجارح بالبطيء. كان المتلبّس عنيدًا لدرجة لا تُوصف، متشبّثًا بچيهان كما يلاصق الغراء الجسد، لم يُجدِ شيئًا بالنفع ولا الضُر سوى صراخها المزلزل لأراضي الحي. وبينما كان الشيخ نعمان يسعى لخروجه، رفع السوط بالقرب من جسد الضحية، لكن "رمزي" منعه بيدٍ صلبة، قائلًا بنبرةٍ اعتراضيةٍ خشنة:
_إيش بتسوي؟ إنت اتچننت؟ السوط إذا لمسها بزعلك زعل شديد، فاهم ولا لا؟
أوضح الشيخ "نعمان" له الوضعَ بتبسيطٍ، لذلك قال:
_لعلمك، چيهان مش هتحس بيه، اللي هيحس بيه هو الجني والأعوذ بالله، لو مش عاجبك اخرج وسيبني أشوف شغلي، خلينا نخرجه ونخلص بقى!
قبض رمزي بكفه على ذراعِه وهو ما زال رادعًا ذاك التصرف الأرعن، لكن الشيخ "نعمان" بإصرارٍ، استدار نحو البابِ الموصد لينادي ناجي من الخارج، قائلًا بصخب:
_يا أخينا ناجي، يا أخينا تعالى خرّج ابن عمتك من هنا، خلوني أشوف شغلي، أنا كده متعطل بسببه!
ما إن توغّل النداء إلى أذني ناجي، فتح الباب وانضمّ إليهما، فجذب "رمزي" باتجاه الباب ليخرجه كما أمَر تمامًا، لكن رمزي الذي قاومه ودفعه برفقٍ، قال موجّهًا حديثه إلى الشيخ:
_ما بطلع من هني، والسوط ما يلمسها مهما صار!
ترك الشيخ "نعمان" السوطَ جانبًا ووقف موازيًا لناجي كمن رغب في إكمال المهمة في يوم لاحق. بدت كلماته موجهةً إليه دون تسليط الحديث نحو رمزي، قائلًا:
_أورثيم مش هيخرج، لأنه للأسف متشبث بالجسد بقوة شديدة، لازم نطول بالنا، لسه قدامنا تلات جلسات كمان، وإن شاء الله في الجلسة الأخيرة هيخرج.
سأله "ناجي" بإحباطٍ، مستفسرًا عن أهم سؤا متعلق بالجني، وعيناه مصوّبتان على چيهان المكبلة بخوفٍ:
_آني يا شيخ، بدي أفهم إيش اللي صار خلاه يلبس چيهان، وإيش علاقتها باللي رمزي يسويه؟
رفع الشيخ "نعمان" كفه على كتف ناجي، وزفرَ بتنهدٍ عميق، وقال:
_إجابة السؤال ده عند ابن عمتك، اسأله وهو هيقولك....
ثم رمق "رمزي" بغضبٍ صامتٍ، وتابع:
_جلستنا بكرا في نفس الميعاد، يلا السلام عليكم.
ردّ "ناجي" بتعابير عابسة، توحي بمرارة الأحداث التي يعيشونها في دارٍ اتسم بالأمان والسكينة في ماضيه:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
خرج الشيخ نعمان من الغرفة بنظراتٍ حانقةٍ متبادلة بينه وبين رمزي، الاثنان تتلاقى أنظارهما بعداءٍ صريح.
بعد أن نزل في المصعد الكهربائي، طَرَح رمزي نظرةً مطوّلة على چيهان بأسى، ثم استدار وخرج مع ناجي خارج الحجرة وصكّ الباب برفقٍ، متجهان خارج الشقّة إلى السطح، فيما بسط ناجي كفه على ظهر رمزي، ووقفا في الأعلى يتابعان الشيخ نعمان الذي خرج على عجلٍ، عائدًا إلى المسجد لمواصلة حالاته.
تطايرت الأسئلة حول "ناجي" بعلامات استفهامٍ، مُصرًّا على معرفة ما حدث لچيهان، فألقى بسؤاله على رمزي بفضولٍ متزايدٍ، قائلًا:
_رمزي، حنا أقرب اثنين لبعض في شباب العيلة، إنت أخوي الكبير ويمكن أغلى منه في قلبي، أبغي منك الحقيقة بدون كذب، چيهان اتلبست كيف؟ أبوك له يد في اللي صار ولا إيش اللي صار بالضبط؟
استنكر "رمزي" ما حدث، واكتفى بردٍّ مختصرٍ دون إفشاء الحقيقة التي يتوق إليها ناجي، فقال:
_ما في شي يا ناچي، قلتلك چيهان زلت في الحمام، هذا كل اللي صار.
ردّ "ناجي" بعدم اقتناعٍ، مبديًا حدسًا صادقًا لا يخيب:
_الكلام ذا ما مصدقه، وأعرف إنك رح تقول الحقيقة وما تخبي عني اللي صار...
رمقه رمزي بترددٍ عارمٍ وهو بين عتبتي الحيرة: إما أن يكشف السرّ فيرتاح فؤاده من همومٍ حملها بمفرده، إما يختار الصمت فيتصرف في الخفاء بعيدًا عن أنظار العائلة. فلامس "ناجي" بريقَ التردّد في عينيه، ما جعله يسترسِل بإلحاحٍ:
_يا رمزي، ما تخبي عني اللي صار، خبّرني وآني ما بحكي لحد، ما چربتني قبل؟ كنت تكلمت قصاد حد وقِلت يعني چيهان مو أختك؟ أبغي تكون صريح معي وتريحني، يمكن أعرف أساعدك!
استدار "رمزي" حوله بتِيهٍ خوفًا من أن يكونا مراقبان بأعينٍ مترصدةٍ، وأذانٍ متطفِّلة. بدا كالمعتوه الملتفت حوله بغرابةٍ، فاختار أن يسرد عليه ما حدث، لكن بشرطٍ حازمٍ إن أخلى به لجعل عيناه تبصران النجوم في عزّ الظهيرة. فنظر له بفظاظةٍ، وقال بحزمٍ قاطعٍ:
_بحكيلك يا ناچي عشان أرتاح من اللي چوّايا، بس السر ما يطلع لحد هالوقت، لو خرچ بنسى إنك ولد خالي، وبتزعل مني، كله إلا السر يا ناچي، لو تكتم السر خير، وإن خيّرت تخون الأمانة، إنت اللي بتندم!
أقسم "ناجي" بألا يفشي سره مهما حدث، سيطوّقه بمائة قفلٍ في صندوق الأسرار ويُلقي به في بئرٍ غائر، فالحماس يرغمه بقوةٍ على معرفة المستور، وقد قال:
_أقسم بالله العلي العظيم، ما رح أطلع سرك مهما صار، وإذا طلعته سوي اللي تحب فيّا، آني أمين وما بفضح أسرار حد.
صمت "رمزي" لدقائقٍ بنفس التردّد، لكنه في لحظةٍ قريبةٍ قرر أن يروي عليه القصة في بدايتها، فانفجر الحزن من كلماته، وهو يقول بألفاظٍ ساهمةٍ:
_أمي يا ناچي... چثتها في أعماق نفق إيبار، قلبي بينفچر من القهر عليها، كيف بعد كل اللي تحملته مع أبوي يهون عليه يطلعها من المقابر ويوديها هناك؟
لم يستوعب "ناجي" كلماته، ظنًّا منه أنه يبدع في صُنع أحداث درامية كما لو كان مؤلفًا سينمائيًّا بارعًا، فسأله باستغرابٍ، والمعلومة لم تصل ذهنه بعد:
_كيف يعني يا رمزي؟ إيش هالكلام الغريب اللي تحكيه ذا؟!
ردّ "رمزي" وكأن سحابةً من الحزن أمطرت عليه:
_ذا كلام مو غريب، هذا اللي صار، أمّي تربتها فاضية، أبوي أخذها منها ونقلها لنفق إيبار، ولما چيت أنقلها، الراصد اللي عليها اختار چيهان يتلبسها عشان يوچعني قوي ويندمني عاللي سويته.
بينما ناجي سابحًا في أبحارٍ الذهول، وكأن عقله تحجّر، ممتنعًا عن استقبال الكلمات، بدا أبلد بلا رأسٍ يفكّر. كان على الجهة الأخرى "مصعب" في داره المتشبع بهمسات الشياطين، يظهر بينهم ثعبانٌ يضخ سمه في ضحاياه، وهو جالس على الحصير في غرفته المستضاءة بأرواح المردة الذين طافوا حوله يتابعونه وهو مستربع يصنع أعماله الشنيعة بأصابعٍ متدنسةٍ حقيرة.
تلقى خبرًا في الحال بإفشاء سره، لكن الأبوه غلبته، وهو يخشى على ابنه الوحيد الأذى، لذا قرر أن يُعاقبه بطريقةٍ أكثر لطفًا، تنقل العائلة إلى منزلةٍ عظيمة، وتحفظ السلالة من الضياع. فابتسم بهدوءٍ ما قبل العاصفة، وقال:
_كذا يا رمزي، تفشى سر أبوك؟ تحكيه لولد خالك المايل؟ ما لقيت غيره؟ بتشوه صورتي قدامه؟
ثم تنهّد وتابع بنفس الغموض:
_عندي لك هدية رح تعچبك قوي، رح تشكرني عليها طول عمرك، چه اليوم اللي أقولك فيه مبروك يا ولدي، لازم أباركلك عالدنيا الچديدة اللي داخلها، وإذا كان عچيهان، أبغي تنساها، هذي آخرها نضحي بيها، بس تدخل حياتنا، انسَ! أبوك رح يختار لك اللي تناسبك...
زفرَ بارتياحٍ بعدما اختار عقابه له بعنايةٍ بالغة الدقة، وأردف ببسمةٍ واسعة:
_مبروك مقدمًا يا غالي.
لم يوضّح مصعب ما سيفعله، لكن كلماته توحي بثأره من كلا الطرفين – رمزي، چيهان – فظلّ ثابتًا يواصل أعماله وهو يصنع السحر الناري، فيلقي الأعمال في طبق النار الرحيب، وكلّما أكلت النيران الورق، شعر المسحور بحرارتها، لكن نار الآخرة لم تخلق عبثًا، إنما خلقت خصيصًا من أجل مصعب وأمثاله الدميمة.
مرت الساعات، وشوقي وأسرته ينتظرون دورهم داخل منزل الشيخ المدعو "محمود" في غرفة متوسطة المساحة، مفروشة بالحصير، مكتظة برجالٍ ونساء مختلفين، منهم من عانى من السحر، والبعض المسّ، والأغلبية الحسد.
جميعهم في حضرة الظُلم، وكلٌّ ينتظر دوره في منزل الشيخ، إذ يتبادلون الحديث، وبعض النساء تحكي عن معاناتها، إذ قالت إحداهن للأخيرة:
_الواد بيتشعبط في الحيط زي الفار، ومبيهداش إلا وهو بيدبدب برجليه في الأرض، ويا ويلنا لو القرآن اشتغل يفضل يصرخ ويلم علينا الدنيا كلها.
أصغت أسماء وريم وشوقي لحكايات النساء بخوف، منهم المرأة التي حملت طفلها الممسوس على ساقيها، بروحٍ فاضت يأسًا، فالجميع هنا يتشابهون في نفس الظروف، ذو أقاربٍ لا يختلفون عن العقارب في شيء.
كان الدور يقترب شيئًا فشيء، حتى نزل رجلٌ وامرأتان على الدرج في مدخلٍ ضيقٍ، قديمٍ، مزدحمٍ بالنعال الراقدة على عتبة الباب بعشوائية. فنهض شوقي وزوجته وابنته، وصعدوا سويًا إلى الأعلى بخطى حذرة على درجاته المتيبسة بانحصار، حتى دخلوا شقةً صغيرة في الطابق الأول، يجلس في إحدى غرفها شيخٌ في عمر الستين عامًا، رفيع القوام، مرتدي جلبابه البسيط، وعلى جانبه قارورةُ مياهٍ مرقية. فألقى عليه "شوقي" وزوجته تحيةَ الإسلام، وجلسا في حلقة صغيرة بالقرب منه، فبادر شوقي بوصف المشكلة قائلًا:
_ريم بنتي الكبيرة، والله بقالها كام سنة حالها مش تمام وبتشتكي من الكوابيس وعالطول حياتها متعطلة ومفيش حاجة بتكملها، يا ريت تشوفلنا مالها يا شيخ محمود لو تكرمت.
ضمّ الشيخ "محمود" أصابعه لبعضها، وقال بسكينةٍ صوت:
_خير إن شاء الله....
وتابع لريم، مشيرًا لها بيده للجلوسِ بالقُرب منه:
_اقعدي هنا قصادي!
نهضت ريم بخجلٍ وجلست حياله، فوضع على ساقيها قماشةً بيضاء، وطلب منها أن تغلق جفنيها ليبدأ مرحلة الكشف، متابعًا:
_اقفلي عينيكي ومتفتحيهاش غير لما أقولك!
ردّت "ريم" بقلق، وهي تخوض تجربةً جديدةً لا تعلم عواقبها:
_ماشي.
أغلقت ريم جفنيها بهدوءٍ، ونبضات قلبها تتزايد بخوفٍ، فبسط الشيخ يده على جبهتها برفقٍ، وبدأ يتلو آياتِ القرآن الكريم بصوتٍ مسموع لمدة عشر دقائق متواصلات، إذ كانت أصابع قدمِ ريم ترتجف ارتعابًا من رهبة الموقف.
ظلت على هذا المنوال إلى أن أنهى الشيخ القراءة، وباعَد يديه عنها وأمرها أن تفتح جفنيها من جديد، فنهضت وجلست إلى جوار والدتها، والفضول يقتلهم قتلًا من شدته. وقبل أن يسأله شوقي وزوجته، قال الشيخُ "محمود" بأسفٍ:
_ريم إنتي عندك سحر سفلي شديد من خمس سنين، اتعملك على إيد واحد نصراني.
أصابت الصدمة الجميع، لدرجة أحسّت ريم أن برودةً قارسةً اجتاحت بدنها، بدأت ترتجف والدموع تنهمر من عينيها بفزع، فيما صرخت "أسماء" وسألته بقهر:
_مين اللي عامله يا شيخ محمود؟ مين اللي أذى بنتي الأذى ده كله؟
لكن هل سيُجيبها الشيخ بالحقيقة، أم سيدفن السر منعًا للمشكلات؟ الوضع صادمٌ وشنيعٌ، جعل الأمور تسوء أكثر مما كانت عليه في السابق.
يتبع.....
الكاتبة رانيا عمارة