الفصل الحادي والستون

الفصل الحادي والستون

16 0

رَسْمُ خريطةٍ جديدة يحتاج إلى أقلامٍ ذات خطوطٍ قويّة، متنوّعة، بارزة، وها هي الأساليبُ الرصينة التي قرّر مصعب استخدامها لصُنع خطةٍ يصل بها إلى چيهان عن طريق أقرب صديقاتها كوقتٍ حالي. فالثأرُ قد بدأ ولا يزال مستمرًّا مع شيطانٍ مرجوم اختبأ في جلبابٍ بشريّ، وتحرك على الأرض بين الناس كأنه إنسانٌ عادي، لكنّ الحقيقة أن قرونه كانت كفيلةً بأن تخترق السماءَ طولًا من عُلوّها الصادم.

ظهرَ لغيداء في المقدّمة، ومارس عليها الألاعيبَ النفسيّة ليبرهن لها قوّته المحكمةَ على تغيير موازين العالم لصالحه، وكأنها رسالةٌ ملتويةٌ تحمل أحاديثَ صامتةً كلّها تشيرُ إلى أنها إن رفضت مطلبه لانهمرت عليها مصائبُ لا حصرَ لها.

تاهت المعلوماتُ عن ذهنِ "غيداء" وهي تُناضل من أجلِ إدراك رغبته في استلامِ رقم صبا، زوجةِ أخيها التي هي في الأصلِ ابنةُ عمّها عاصم. تفاقم القلقُ في سريرتها كأنّما بدأ يطفحُ من داخلها إلى الخارج، حتى استقرّ على ملامحِها المكروبة، فالخوفُ يكبس على حلقها بضيق تنفّسٍ غريب، ولسانُها ينطق بخوفٍ مُرتجفٍ:

_وإنت تبغي إيش من رقم صبا؟!

رَدّ "مصعب" بحدّة صوت، متجنبًا أن يشرح لها مبرّرات مطلبه:

_هالشغلة ما تخصك، وإن ما وافقتي تعطيني الرقم بتزعلي مني واجد، والسؤال ذا لا تعاودينه مرة ثانية، ويا ويل من مصعب يشيل بخاطره منه.

انسابت الرَّهبة في عروق "غيداء"، تلك التي وجدت خُطورةً عظيمة في الدخول معه في أيّ جدالات تعارُضيّة، فابتلعت ريقها بصعوبةٍ وجسدها تحت وطأةِ الارتجاف، وقالت بطاعةٍ عمياء:

_حاضر، بعطيك إياه.

يعيشُ ذاك السَّرطان البشري كلعنةٍ رهيبة لكل من في دائرته، كان بمثابة طوفانٍ جارف لكل ما في طريقه إن لم يشتهي عقلُه بما تُصغيه أذناه، فلا في يد غيداء قوة تذودُ بها عن روحها ضد شروره المريضة، بدت كفيفةَ العين، أصمّة عن أيّ حديث، بكماء عن التفوه بحرفٍ لغيره، انتبرت خطته إلى أعلى درجات الانتصار حينما فاز برقم صبا، وبينما جالسًا في بيئته المتدنسة بدماء الشر، اتصل على صبا وابتسامةٌ طريفةٌ مطبوعة على شفتيه، وفي هذا الأون بينما كانت صبا في مطبخها تغسل الأواني وتزيل منها بقايا الطعام، عقلها شاردٌ في منحدر چيهان، إلى حتى هذه اللحظة لم تتمكن من الاطمئنان عليها، كلما اتصلت بها وجدت هاتفها مغلقًا فلا سبيل للوصول إليها يطفئ شعلة القلق من روحها قبل أن تتوهج بحرائق يصعب السيطرة عليها، فكان المطبخ نظيفًا من حولها في ختام مهامه.

وبينما شطفت آخر طبقين تحت المياه الجارية بانسيابية، ثم وضعتهم في خزانة المطبخ، تردد صدى رنات هاتفها في الأرجاء، تحركت بخُطى مهرولة إلى حجرة النوم وجففت أصابعها في المنشفة بسُرعة، ثم رفعت الهاتف نحوها لتجد رقمًا غريبًا ينير شاشتها، ترددت أن تستجيب في شُروع الأمر، لكنها قررت الاستجابة وبمجرد أن استجابت له، انقشع صوتُ "مصعب" وهو يقول:

_كيفك يا صبا إنتي وزوچك؟

جلست "صبا" على سريرها باستغرابٍ، وكأنها قد سمعت هذا الصوت النحيف من قبل، لكن ذاكرتها توقّفت تحت قبضةٍ شره، فضيّقت عينيها بفضولٍ وسألته:

_بخير، منو إنت؟ وكيف چيبت رقمي؟!

ردَّ "مصعب" مستغلًّا إحدى أساليبه المُراوغة، وكأنها فقدت أناتها تحت وطأة الحديث معه:

_أرمل عمتك فطيمة الله يرحمها ويغفر لها، الحاچ مصعب الطوخي، نسيتيني ولا شنو؟

وقَعَتْ إجابته على "صبا" كمن أَسكب دلوًا كاملًا من الثلجِ فوق كاهلها، إذ انتفض جسدها فجأةً، وأحسَّت البرودةَ تَنسابُ في أطرافها رويدًا، حتى تَبَدَّدَتِ الكلمات في حلقها، فنطقتْ بصدمةٍ جسيمة:

_مصعب أرمل عمتي؟ مصعب؟!

تحوّلت ملامحُ "مصعب" إلى الاستشاطة، وكأنَّ ما في سريرته بدأ يطفو على وجهه بانجلاء، كادت صبا أن تستنشق روائح وجدانه المحترق بالأذى، فسألها بجفاءٍ صوت:

_مالك لبسك عفريت ولا شنو لما سمعتي اسمي؟ مو عارف ليش كل العيلة بتخاف مني مع إني أطيب خلق الله وعمري ما أذيت حد، منه لله اللي يلعب بعقولكم.

أصغت "صبا" لدقات قلبها المُتخبطة في صدرها بمخافة، كأن عقارب الساعة على الجدار تُخاطبها أن تُنهي هذه المكالمة مع خوّان لا يأتي من تحت رأسه سوى الخراب، فسألته برجفةٍ صوتية عارمة:

_تبغي إيش وليش تتصل عليّ؟

أجابها "مصعب" بوضوحٍ نسبي، دون أن يُخفي ما جاء لأجله، وفي الوقت نفسه لا يسرد عليها الحقيقة كاملة:

_بقولك وش اللي خلاني أكلمك، دامك رفيقة چيهان وتعرفي كل شي عنها وبعدك على تواصل معاها، أبغاكي تعطيني رقمها، لها شغلات عندنا ولازم تاخذها، وآني ما يهمني غير أرچع الأمانة لأهلها، چيهان لازم أكلمها، هذي بالنهاية الحرمة اللي ولدي يحبها، ولها حق عليّ.

رفضت "صبا" أن تجعله ساميًا عُلوَّ جبالِ النصر مُحمَّلًا بما رغبه، فاستشعرت أنه جاء لتمثيليةٍ حاذقة، كمن استغلَّ وفاةَ ابنه الوحيد ليستأنف ما توّاقَ إليه منذ عام، فنطقت باعتراضٍ جليٍّ:

_چيهان ما راح أبيعها عشانك، وأدري إنك ساحر وتقدر تأذيني بعد رفضي، بس ما يهم، آني ما أبيع ضميري عشان أحد، لو مهما كان من يكون، ولا عاد تتصل فيني مرة ثانية، آني حرمة متزوچة وتحت ذمة رچال، والكلام ذا ما يصح أبدًا.

أنهت صَبا المكالمة ببسالةٍ غريبة جهلت مصدرها، لكنها كانت في وضعٍ يجبرها ألا تتساهل مع مشعوذٍ نيته واضحة تجاه صديقتها بلا شك، لكن "مصعب" بدوره ظالمٌ لا يخشى ربَّه ولا العواقب الوخيمة التي في انتظاره نتيجة ما زرعه من فتن، لم يستوعب احتجاجها على مطلبه، فقد اعتاد كلما تحركت سبابته بإشارةٍ على شيء، تردد حوله صوت: «سمعًا وطاعة».

ضحك ضحكةً تهكميةً تحوي في أعماقها الكثير من الوعيد الصامت، إذ رفع هاتفه نحو وجهه بدهشة، ثم قال بتوعّدٍ حمل في طياته سخطًا حقيقيًا:

_ماشي يا صبا، اتصلت فيكي وما رضيتي تعطيني رقم چيهان، وبعدها سكرّتي الخط بوچهي وما همك شي، لا تزعلين يوم تنحرمين من الخلفة طول عمرك، ولا تتضايقين يوم يشوفك زوچك بشعة مثل القردة الشينة، لا تزعلين يا الغالية!

تلونت السماءُ بحلكةِ الليل، وعقاربُ الساعة احتضنت الرقمَ الحادي عشر في عناقٍ دافئ، فبدأت آثارُ المهدأ تنسحبُ من جسدِ چيهان، تلك التي استفاقت لتجد أختها بجوارها غافيةً في نومٍ عميق، وكأن جرح القلبِ استيقظ فجأةً هو الآخر ليشاركها استفاقتها.

تذكرت في ليلةٍ من ليالي الحبِّ التي عاشتها مع رمزي، في منزلِ خالهِ فهيم، كان الجوُّ ساكنًا وقت المغرب، الجِمالُ راقدةٌ بهدوءٍ حول الخيام، وحينما خطت أقدامُها وشبت على أطرافِ أصابعِها وجدت رمزي بعيدًا يطعم جروًا صغيرًا، حريصًا ألا يمتزجَ طعامُه مع الرمال، أفرغ له محتوياتِ العلبة على كيسٍ بلاستيكي ومررَ يداه على رأسه بلمساتٍ حنونة لا تخرج سوى من شخصٍ لا زالت الرحمة ساكنةً في أعماقه. وقتها رأت فيه إنسانًا طاهرًا يحتاج إلى المعونة ليزيل أشواكَ اللعنة من جسده.

هنا ريم، التي عانت من كوابيسٍ مفزعة، رأت ذاتَها في منامٍ مُزعج أنها تسير على أطرافها بلا حذاء ليلًا وسط المقابر المُظلمة، سقطت فجأةً لتجد ذاتَها في أحضانِ متوفٍّ تجهله، كان وجهه دميمًا والدماءُ تسيل من رأسه.

وفي نفسِ تلك اللحظة اقتحم الكلبُ الأسود المكان ليصيبها بأنيابه الحادة في جسدها، ظلت تصرخ بلا صوت، فقط أطرافُها ترتجف في عالمِ اليقظة حتى استفاقت باكيةً إلى جوار أختها، كلٌّ منهما منتحبة على أطلال اليأس، فقد انهارت السماء أرضًا وتبدد الأمانُ وحلَّ محله عذابٌ لا يُنسى.

لم تكترث بشأن كابوسها الجلف بقدر ما اكترثت بأختها العليلة، ضمّت "ريم" چيهان إلى صدرها، وربّتت بشفقةٍ على رأسها على الرغم من احتياجها هي الأخرى للمُواساة، وسألتها بنبرةٍ رقيقة يتملكها النوم:

_إنتي كويسة يا چيهان؟ صحيتي من امتى؟

تعثّرت إجابةُ چيهان تحت وطأة البكاءِ الصامت، فصمتت دون ردّ، ويداها تمسحان دموعَها، فأردفت "ريم" بدعمٍ أخويٍّ صادق:

_أنا حاسة بيكي والله وعارفة إن اللي بتمري بيه أصعب حاجة ممكن تمر على أي إنسان... الحُب لما بيجي بيلغي العقل تمامًا، بيخليكي مش سامعة غير صوت قلبك وبس، مهما عقلك قالك لا ده مش مناسب وده مش هينفع، في الآخر قلبك اللي هيغلب حتى لو كان قرارك غلط وإنتي متأكدة منه....

تشبثت "ريم" بكفي أختها وضمّتهما إليها بِتحنّن، وواصلت:

_الزعل مش هينسيكي، بالعكس هيخليكي دايمًا فاكرة وصوت الذكريات بيتردد في دماغك وبالشكل ده هتتعبي أكتر وأكتر... عارفة إنك حبيتيه أوي، عارفة والله، بس لازم تقومي وتقفي على رجليكي من تاني يا چيهان، وسامحيني لو بقولك حاجة زي دي، بس رمزي حتى لو كان عايش عمره ما كان هيبقى ليكي، الموضوع مش اختلاف اجتماعي أو مادي، ده فرق ديني كبير، إنتي مسلمة ومؤمنة بالله وهو مرتد عن الإسلام وماشي في سكك الشعوذة دي من سنين، يعني أكيد عمركم ما كنتوا هتبقوا لبعض، كلامي ممكن يكون قاسي عليكي بس دي الحقيقة، فوقي يا چيهان وعيشي حياتك وكملي عشان نفسك مش علشان حد!

نطقت "چيهان" والقهر متفشّيًا على ملامحها وجسدها باشتداد، امرأةٌ خسرت قوتها الجسدية لكن قوتها الإيمانية في أشدّ منازل بلوغها، حاولت التحرك من السرير وهي تقول بإصرارٍ غريب:

_أنا محتاجة أصلي، عايزة أتوضى وأقرأ قرآن لحد ما أصلي قيام الليل.

ابتسمت "ريم" لها ابتسامةً ودودة، فمهدت لها الطريق بدعم، وقالت بتشجيعٍ منسابٍ من حديثها:

_حاضر، ده أحسن قرار خدتيه، أنا كمان هفضل صاحية لحد قيام الليل وهتوضى وهصلي، وربنا يتقبل مني ومنك إن شاء الله.

نهضت "چيهان" باستياءٍ بلغ حدّته، خطاها مُتألمة، وكلُّ خطوةٍ منها تتطلّب منها التمهّل. دلفت إلى المرحاض وتوضأت، وكأن سلسبيلَ المياهِ رغم نقاوته عاجزٌ عن إطفاءِ نيرانها. غمرت كفيها بالمياه حتى الخطوة الأخيرة من الوضوء إلى قدميها، فبعدما انتهت جففت أطرافها في المنشفة، وخرجت بهدوءٍ إلى حجرةِ النوم.

هناك، على السرير، كان ريم قد أمسكت هاتفها للتو، بين الأنوار المُتفشية بين الجدران الأربع. بدأت چيهان تلملم شعرها حتى أحكمته بالرباط، ارتدت إسدال الصلاة وبسطت السجادة الحريرية إزاءها، وقفت باتجاه قبلة الصلاة، وقالت بفيضٍ من الدموع:

_الله أكبر.

قررت أن تصلي ركعتين قضاء الحاجة وتقرأ جزئين من القرآن على الرغم من آلامها الجسدية الرهيبة، مستعدةً أن تشير العقارب إلى الواحدة ليلًا لتبدأ صلاة قيام الليل، ومن أعماق وجدانها متيقنةً أن الله سيقضي لها حاجتها.

تفشت براعم الإيمان والتقوى في كل شبرٍ من حولها، وعندما حانت لحظةُ السجود انهارت بكاءً، وارتجف جسدها وصوتها المكتوم، حتى بعدما سلمت من الصلاة ظلت ساجدةً بانهيارٍ نفسي وهي تدعو بتوسّلٍ للرحمن:

_لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك مُوجِبات رحمتك، وعزائمَ مغفرتك، والغنيمة من كل برّ، والسلامة من كل إثم، لا تدع لى ذنبًا إلا غفرته، ولا همَّاً إلا فرَّجته، ولا حاجة هي لك رضًا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين.

قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم: من كانت له إلى الله حاجة، أو إلى أحدٍ من بني آدم، فليتوضأ وليُحسن الوضوء، وليصلِّ ركعتين، ثم ليُثنِ على الله، وليُصلِّ على النبي صلّى الله عليه وسلم، ثم ليقل الدعاء الذي سُبق ذكره.

لم تقوَّ چيهان على تحمّل الألم، فخرج صوتها متهشّجًا بالنحيب المكتوم، وأختها إزاءها على السرير ترمقها بنظراتٍ مُتأثرة. فإن كان الحكم في يديها لأطاحت بأعدائهم أرضًا، لكن ما باليد حيلة، وقد سألت "چيهان" الله سؤالها ببكاءٍ اختلط بالحنين:

_اللهم إني أسألك بأنني أشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، بأن تربط على قلبي بالصبر، وترزقني الراحة والطمأنينة، والشفاء عاجلًا غير آجل يا أرحم الراحمين....

ظلت ثابتة على سجادتها، وصوتها يخرج بحسرةٍ، مسترسلةً بأملٍ وهمي:

_يا رب أنا عارفة إن طلبي غريب، سبحانك من يُحيي العظام وهي رميم، صبرني وشيل العذاب اللي جوايا إن كان رمزي توفى، وإن كان حي يرزق فأسألك يا صانع المعجزات يا رب المستحيلات أن يتوب إليك توبة نصوحة وأن تعفو عنه وتغفر له كل ذنوبه، غصب عني قلبي اتعلق بيه، مش بإيدي يا رب وإنت الوحيد العالم بقلوبنا، نفسي يرجعلي ونتجوز ونعيش حياتنا بعيد عن الشر والأذى ده كله، عارفة إنه مستحيل بس مش مستحيل عليك يا رب يا من تقول للشيء كُن فيكون....

ثم انفجرت بكاءً، وتابعت برجفةٍ غريبة:

_رمزي مات؟! ازاي؟ لا مماتتش، قلبي بيقولي إن في حاجة غلط بتحصل، في حاجة مخلية لا قلبي ولا عقلي قادرين يصدقوها، أنا هعيش الباقي من عمري على أمل إنه يرجعلي تاني، معرفش ازاي، أنا هتجنن، بس ازاي مش بتاعتنا احنا، عارفة إن احنا لينا ندعي والنتيجة دي على ربنا....

استشعرت چيهان بيدٍ لطيفة تلامس ظهرها، وكأنها تتوق أن تغلفها بلمسات الحُب. فاستدارت، ووجدتها "ريم"، تلك التي جلست إزاءها بتؤدّد، وقالت:

_چيهان متوهميش نفسك بحاجة مش هتحصل! اللي بيموت مش بيرجع تاني، أنا عايزاكي تكوني واقعية لأنك؛ كده بتتعبي نفسك بنفسك! كملي حياتك وعيشي وأكيد هيجيلك يوم وإنتي مع اللي يستاهلك.

رفضت "چيهان" أن تصغي لحديثها، فسالت الكلمات منها باعتراضٍ جليّ، وهي تقول بنشيجٍ غاضب:

_أنا بعاهد نفسي قدام ربنا وقدامك إن مفيش أي راجل هيدخل حياتي لحد ما أموت يا ريم، إن ما كان رمزي يبقى مفيش غيره خالص، أنا تعبانة ومتدمرة وكلكم مش حاسيين بيا ولا حاسيين بالقهر اللي جوايا، ارحموني بدل ما تشوفوا مني تصرفات عمركم ما شوفتوها، وإلا قسمًا بالله أعمل حاجة في نفسي!

احتوتها "ريم" بذراعيها بشجنٍ أعظم، وهي تراها خبلاء كادت تفقد عقلها وتُلقي حتفها في أيّ لحظةٍ بدافع التهوّر. لم ترها في هذه الحالة منذ أن ترعرعتا في الحياة كأُختين ودودتين لا تتفارقان. لم تقدر چيهان على استيعاب وفاته، مصمّمة أن تحيا ما تبقّى من عمرها منتظرةً روحًا صعدت إلى السماء منذ زمنٍ، كأملٍ زائفٍ يتشبّث بأنفاسها. فبكت هي الأخيرة من حسرتها، وقالت:

_خلاص حقك عليا، أنا آسفة!

حلَّ الصباح بنسائمه التي منحت الجميع طاقةً إيجابية، عدا چيهان التي أخذت حبوبَ المنوِّم لتهرب من الواقع في أحلامها، لكن شبحَ حُبه لا يزال يطاردها حتى في منامها.

رأت أنها تقف على درجٍ عالٍ، فيما رمزي يقف في بدايته في الأسفل، يتطلع إليها بحزنٍ، بنفس نظراتها اليائسة منه. نزلت چيهان على الدرج بهدوء، وفي قبضتها المصحفُ الشريف، حتى أمدّته له، فأمسكه والدموع تنهمر من عينيه بغزارة، استدارت حتى استدار الأخير وراءها، وصعد إلى آخر درجةٍ من الدرج، وحينما ألقت عليه النظرة الأخيرة وجدت لحيته قد ازدادت طولًا، كأنه قد شَرَعَ في التوبة.

وقفت تنتحب باستياءٍ حتى تلاشى من أمامها، كأنه ذراتُ بخارٍ تطايرت في الهواء.

وبينما چيهان غارقة في نومها ولسانها لا إراديًا ينطق «رمزي» بلا وعي، كانت ريم مُستربعةً على الأريكة تتحاور مع إسلام في محادثةٍ عبر تطبيق المراسلة، وأسماء مستريحةً على مقعد الطاولة إزاء التلفاز، تُقشِّر البطاطا بالسكين وعلى وجهها حزنٌ مستكين.

فجأةً رنَّ هاتفُ چيهان، فنهضت ريم تنظر من المتصل، فوجدت اسمَ «صبا» مستضيئًا على الشاشة، فسألتها "أسماء" بفضولٍ ممزوجٍ بالدهشة، وصخبُ القنوات الفضائية يتردد من حولهما:

_مين اللي بيتصل يا ريم؟

ردّت "ريم"، وعلى وجهها نفسُ الاستغرابِ المتفجّر:

_مكتوب صبا، معرفش مين دي، بس ممكن تكون زميلة چيهان في الكلية وعايزة تطمن عليها ولا حاجة.

بينما تُفرِغ "أسماء" قشور البطاطا من الوعاء البلاستيكي داخل الكيس، رأت في الرد تصرّفًا ممتازًا قد يُريح قلبًا مُحبًّا خشيَ عليها الهلاك، فدعمتها للرد، وقالت:

_طيب ردي عليها، طمنيها!

جلست ريم بالهاتف على الأريكة، وقبلت المكالمة لتجد "صبا" على الجهة الأخرى تتساءل بارتعابٍ لائح:

_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، چيهان معاي؟

استغربت "ريم" لهجةَ صبا التي بدت وكأنها لا تنتمي إلى دائرة الحضر، فاتّسع بؤبؤا عينيها استغرابًا، وقالت:

_وعليكم السلام، لأ أنا ريم أختها الكبيرة...إنتي مين؟

حينما عَلِمت "صبا" أن ريم هي مَن قامت بالردِّ بالنيابة عن چيهان، أُصيبت بدُوارٍ من الذعر عصفَ برأسها، فتزايدت الرهبةُ في صوتِها حينما قالت:

_آني صبا رفيقتها، چيهان من يومين كنت أكلمها وطاحت مغمية، وكل ما أتصل ألاقي تليفونها مقفول ولا مشغول، آني مخوفة عليها واجد، طمنيني عليها بالله عليكي!

تنهدت "ريم" باستياءٍ، ولم تَجد ما ستقوله لها، فاضطُرَّت أن تُخبرها بنفس الإجابة التي عرفها الجميع، لتقول:

_چيهان في حالة صعبة أوي، لما عرفت وفاة زميلتها وقعت من طولها ونقلوها المستشفى، هناك الدكتور اكتشف إن عندها جلطة في القلب، فدخلت العمليات وبعد ما خرجت جالها انهيار من صدمتها وللأسف جالها العصب السابع من الزعل ومحتاجة الفترة الجاية جلسات علاج طبيعي.

هَوَت قدما "صبا" بها في صدمةٍ غائرة، وعَلِمت حينها أنها تقصد وفاةَ رمزي، لا صديقتها الودودة كما زعمت. انسابت الدموع سريعًا على وجنتيها بلا توقّف، فانجلى حُبُّها وإعزازُها العظيم لها حينما خرج صوتُها مرتجفًا وهي تقول:

_لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم، آني مخوفة عليها واجد، أرچوكي يا ريم خبرينا وين ديرتكم، نبي نيچي نشوفها ونتطمن عليها، حنّا من الواحات والمسافة بعيدة بينا وبينكم، بس آني لازم أچي أتطمن عچيهان، وحياة أغلى ما عندك.

تعجبت "ريم" كون صبا من الواحات، مما أكّد لها أنها ذاتُ علاقةٍ وطيدة برمزي، فوقفت على عتبةِ الحيرة: أَتُخبِرها بالعنوان فتأتي، فينكشف الأمر لدى شوقي حين يجد اتصالًا بين عائلةِ رمزي وچيهان، فيتأكّد من ظنونه التي حاولت أسماء تبكيتها مرارًا؟ أم تدفن العنوان في بئرِ الأسرار، وتخبرها أن الوضع لا يحتمل كثرةَ الممالقات من الوالد؟

زفرت بتردد، ورمقت والدتها بتحيُّر، ثم ضغطت بإصبعها على كاتم الميكروفون، وخاطبت والدتها المُنهمكة في تقطيع البطاطا:

_الحقي يا ماما! في واحدة اسمها صبا لهجتها تقريبًا بدوي من الواحات، الظاهر إنها تبع رمزي، لا هو مش الظاهر ده أكيد، ولما عرفت اللي حصل لچيهان سألتني عن عنوان بيتنا ومصممة إنها تيجي، مش عارفة أقولها إيه!

مدّت "أسماء" أناملها نحو الهاتف، متأهِّبةً لأن تتحمل المسؤولية كاملةً على كاهلِها، وقالت:

_هاتي، أنا هكلمها!

أمدّت ريم الهاتفَ إلى والدتِها لتُجيب بدلًا عنها، وظلّت واقفةً إلى جوارها، فيما وضعت "أسماء" الوعاء والسكين جانبًا على الطاولة لتُجيب، ثم قالت:

_معاكي والدة چيهان، إنتي تبع رمزي الله يرحمه؟

أكّدت "صبا" أنها تابعة لرمزي، فبرهنت العلاقة فيما بينهما بوضوحٍ إذ قالت بتبرُّمٍ ظاهر:

_إيه نعم، آني بنت خاله، والصدق يا خالة آني حزينة عليها واجد، كلمتها كثير بس ما حد رد، ولما عرفت اللي صار من أختها، قلبي وچعني أكثر، آني أبغى آخذ زوچي ونچي نتطمن عچيهان، وين داركم الچديد في المنصورة؟

اعترضت أسماء على مجيئهما بشكلٍ مهذّب، خشيةَ من المشكلات التي قد تُقابلهما إن علم شوقي أن لهما صلةً برمزي، إذْ أنّ رمزي في نظره حتى هذه اللحظة فاسق، مُجرم، والسجن يُناديه إن كانت ورقتُه لا تزال عالقةً بين شجرة الأحياء، فقالت بغمرةٍ من الإحراج:

_والله يا حبيبتي على عيني وعلى راسي تيجوا تنورونا، بس أبوها كان عامل مشاكل كبيرة في البيت بسبب رمزي الله يرحمه، چيهان بنتي اتغلط في حقها كتير بسببه، وأبو چيهان لو اتقابل معاكم أنا مضمنش إن المقابلة هتكون كويسة، فانا يعني واعفيني من الإحراج، مالوش لزوم تتعبوا نفسكم، وكمان المسافة كبيرة جدًا ما بينا وبينكم، الأحسن تطمئني على چيهان من التليفون ولو في حاجة مهمة احنا هنقولك.

غمرَ اليأس "صبا"، كأن أبوابَ الأمل أوصِدَت في وجهها بقوةٍ لتقف خائبة الرجاء، لكن في سفحِها المُظلم أنوارًا من الرصانة التي جعلتها مُدركة تمامًا مدى قسوة الوضع، فنطقت بعُبابٍ من اليأس:

_ما يچرا شي يا خالة أم چيهان، آني ما أحب برضه إن چيهان تتأذى بسببي، بس أمانة عليكي لا تقفلوا هالتلفون وطمنوني عچيهان كل يوم، هي واجد غالية عليّ والله وأكثر من أختي.

ردّت "أسماء" بموافقةٍ لتطمئنَّها على چيهان كل يومٍ، ولا ينقطع سيلُ أخبارها عنها، قائلةً بصفاء نفسٍ:

_حاضر.

بعدما تساوَقَت أسماءُ لمُبتغاها، دار الحديثُ بينهما لخمس دقائقٍ أخريات في حوارٍ يخصُّ حالة چيهان الصحية، أصرت صبا أن تطمئنَّ عليها بشكلٍ عميق وهي تسأل والدتها بنحيبٍ عن علتها، بدت الوالدة متجاوبةً معها، وعلى الأريكة جلست ريم لتستأنف حوارها مع "إسلام"، ذاك الذي في لحظاتٍ غير متوقعةٍ انقلبَ عليها بلا سببٍ واضح، على الرغم من حديثه لها في الأمس بشكلٍ ودي، أظهر رغبةً قويةً في الاستحواذ على حياتها، وهو يقول بانفعالٍ:

_يعني أنا مليش لازمة على كده؟ إيه المشكلة لما أقولك تغيري طريقة لبسك دي؟ إنتي مش شايفة نفسك عاملة في الاستوري ازاي؟ بالذمة ده منظر لبس؟

لم تعترض "ريم" أبدًا على المنطقِ ذاته، إنما ما أسخطها منه أسلوبُه الجافُّ الخالي من أي جدالٍ طبيعي، وكأنهما يتشاجران في معاركَ قتاليةٍ لا بإقناع العقل باللينِ والود، فقابلته ريم برفضٍ لأسلوبِه الفظِّ، قائلةً:

_أنا مش معترضة على إني أغير استايل لبسي، أنا اللي مضايقني أسلوبك الجاف اللي فيه تحكم من غير ما الطرفين يتفاهموا بالعقل.

خرجَ "إسلام" عن شعوره بسخطٍ حادٍّ جعل أعصابه مجذوذةً بأقصى درجاتِ الاحتدام، فكتب بغيظٍ:

_وأنا المفروض أتكلم ازاي لما أشوفك بالمنظر ده؟ أنا الكلام ده مينفعش معايا عشان تبقي فاهمة كويس، لو عايزانا نكون كويسين مع بعض يبقى تسمعي الكلام من غير نقاش، أنا مبحبش الجدال الكتير يا ريم!

ثم تابع متذكّرًا موقفًا سابقًا أثار الحفيظة فيما بينهما:

_وبعدين هو مش أنا كنت قايلك المرة اللي فاتت متخرجيش من غير إذني؟ ويوميها خرجتي ومقولتليش إنك خارجة، وبعدها سبحان الله أتفاجئ إنك في المستشفى، وأنا آخر من يعلم.

انفجرت "ريم" فيه بحديثٍ أشد حماوةً من حديثه المستفزِّ، فاستخدمت العقل والمنطق معًا لتقول:

_وأنا كمان هستأذنك عشان أروح المستشفى لأختي؟ وأنا استأذنك ليه أصلًا؟ ده إنت حتى مجيتش تتقدملي ولا في أي حاجة رسمي تربط ما بينا لحد دلوقتي.

اندهش "إسلام" من جرأتها معه، وكأن بينهما لا يربطُ مشاعر حب عميقة، فكتب بغضبٍ عارم يكاد يتفجّر من وراء شاشته:

_حلو الكلام، اغلطي اغلطي وخلي أخطائك تزيد، يعني إنتي شايفة إن مفيش حاجة بتربط ما بينا؟ حبي ليكي ده هوا؟ وإنك تسمعي كلامي بالحرف وتمشي باللي بقولهولك أبقى أنا كده غلطان وابن ستين في سبعين؟ دي مش غلطتك، دي غلطتي أنا إني بدادي فيكي، بس ماشي يا بنت الحلال شوفي إنتي عايزة إيه واعمليه ما دام أنا ماليش لازمة.

لم تقصد "ريم" أي إساءةً له، قادها التفكير العقلانيُّ إلى رد أشدَّ اندفاعًا، لكنه في النهاية يصبُّ على نفس النقطة الهامة، فتحدثت معه بهدوءٍ لين، وقالت:

_يا حبيبي مش قصدي خالص اللي إنت فهمته، أنا كل اللي أقصده إننا فعلًا لسه لا اتخطبنا ولا اتجوزنا عشان استأذن منك يعني لسه مفيش شيء رسمي، وكمان أنا لما بعرفك فده احترام مني ليك مش إجبارًا عليا، دي المرة الوحيدة اللي خرجت ومقولتش إلا بعدها!

لم يقدّر "إسلام" عقلانيتها، كأنَّ منافذ الإدراك انغلقت لديه ليبقى صوتهُ الوحيد بداخله، فقال بنفورٍ منتزعٍ من بين جُملِه المكتوبة:

_لا خلاص بقى، إنتي حرقتيلي دمي وخرجتيني عن شعوري، هو يوم باين من أوله، سلام.

فيما تقطع "أسماء" الجزر إلى شرائح صغيرة لتعدَّ لهم غداء اليوم، رمقتها بنظرةٍ واحدةٍ فأدركت ما يعتمل داخلها من أحزان، وجهها العابس سرد الكثير من حكايات الألمِ الصامتة، ما جعلها تقول بنُصحٍ دون أن تعرف أيَّ من تفاصيل الخلاف:

_العلاقة اللي تخلي وشك مطفي وهي في أولها اعرفي إنها هتخلي حياتك جحيم بعدين، اسمعي الكلمة من أمك وخديها وإنتي مغمضة، أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة، أمال بقى اللي أكبر منك بتلاتة وعشرين سنة؟

أنكرت "ريم" الأمر، واختلقت أكذوبةً صغيرة تفرُّ بها من مواجهة واقعها الهالك مع مَن بدأت اضطراباتهُ النفسيةُ تطفو على سطحِ علاقتهما، فقالت:

_لا يا ماما، مفيش حاجة، هو بس إسلام زعل إني مسألتش عليه إمبارح، فانا فهمته اللي حصل مش أكتر.

حملت "أسماء" الوعاء بعدما أنهت تقطيعَ كافةِ الخضروات، وبينما تدلف به نحو المطبخ، تنهدت تنهيدةً قويةً، ورفعت وجهها للسماء، مناجيةً الرحمنَ أن يغمر ابنتها في صحوةٍ روحية عما قريب لتستفيق في حافلةِ الرحلة قبل أن تصل إلى البركانِ المتقد بالحممِ الملتهبة، وقالت برجاءٍ:

_يا رب.

اصطدمت الدجاجة على النار، فصدرت سيمفونية الحَسيس، وأسماء تقلب بالملعقة وتُبرز مهاراتها في صُنع الطعام، ففاحت الروائح الشهية من لُب المطبخ وصولًا إلى مدخل المنزل، فبقيت ريم في الخارج جالسة بوهجٍ غاضب في صدرها، فبعدما أرسلت رسالة جديدة إلى إسلام، قابلها بالتجاهل، فلم يُجبها، وشرع في ممارسة "الصمت العقابي" عليها، وهو مصطلح في علم النفس، يُعرف بأنه سلوك انسحابي يُستخدم للتلاعب بالمشاعر العاطفية، لإظهار الغضب عن طريق الضغط للتنفيذ دون مُواجهة مباشرة، وغالبًا ما يُسبب للطرف الآخر استياءً شديدًا، خاصة لأنه يغرس فيه الاعتراض ويمنحه شعورًا بعدم الأمان العاطفي، وهذا ما أحست به ريم، وهو يتجاهل وجودها ليضغطها بالإكراه لتنفذ له متطلباته مُستغلًا مشاعرها المُحِبّة له.

لا تخرج أنفاسًا دون بث الأذى، ثأرًا بلا معنى، حدوده مُمتدة إلى أفق بعيد لا تُبصر الأعين نهاياته. "صبا" التي جلست باكية على سريرها، لم يكتفِ الخسيس بترحها لحال چيهان البائس، بل اختتم ما أوعدها به،

فانتابها في تلك اللحظاتِ الزاخرة بأنفاس الظُلم تقلصات عنيفة جدًا في الرحم، وكأن أحدهم ينشره بمنشار حاد.

بسطت كفها على بطنها بألمٍ قاسٍ لا يُحتمل، لربما يتشابه مع أعراض الطلق، لكنها كامرأة تعاني من مشكلات إنجابية، أيقنت أن مصعب هو من وراء ذلك، ظلّت تعول بألم، وفرّت هاربة لتلتقط المصحف سريعًا، افتتحت سورة البقرة، وبدأ لسانها يتلو أول الآيات بإرهاقٍ شديد والمياه تنصب على جبينها.

لأول مرة لم تلجأ إلى الطبيب، قررت أن تُقاوم عذابها الجسدي بقراءة القرآن، وحينما وصلت إلى الآية رقم مائة وخمسين، هدأت تقلصات الرحم بالتدريج، فلم تتوقف، ظلّت مُواصلة لمدة لا تقل عن ساعتين حتى أنهت السورة الكريمة كاملة، حينها رقدت على سريرها ومسحت مياه جبينها بأطراف عباءتِها، واتصلت بزوجها لتخبره عمّا حدث، وحينما استجاب، قالت بشجنٍ كألحانِ الموت:

_ناچي، آني تعبانة واجد اليوم، ما هدا تعبي إلا يوم قريت قرآن، أرمل عمتك سحرنا، آني متأكدة إنه سحرني، لازم نچيب شيخ بأقرب وقت!

استضاء قلبُ "ناجي" بفزعٍ على زوجته، فسألها ليطمئنَّ وجدانه المُضطرب:

_غيري هالخط، آني بچيبلك رقم غيره وما تردي عأرقام غريبة مرة ثانية، من ساعة ما الدچال هذا اتصل فيكي، آني وإنتي حالنا مقلوب، الشغل هالأيام مو بخير، حتى راسي اللي ابتدت تچيها كوابيس، كل شي يأكد إنه اتغاظ منك يا صبا، المهم طمنيني عليكي، راح التعب ولا شنو؟

ردّت "صبا" وجسدُها يرتجف تحت برودة الاستياء:

_ما راح كله بس خف واجد عن الأول، كأن حد بينشر فيني، لازم تشوفلنا شيخ يا ناچي يعرف وش الحال المايل اللي حنا فيه، حتى الدكاترة اللي بنلف عليهم وما حد عارف يوصل إيش اللي مأخر الخلفة، حنا قربنا نوصل سنتين زواچ وما في أي شي چديد.

أول ما جال على ذهن "ناجي" هو الشيخ نعمان، رجلٌ تقي مُعالج بالقرآن الكريم والسنة النبوية، ذاك الذي تعالج على يدَيْه الكثير ممن عانوا من عللٍ روحيةٍ عويصة، فهدأ الاضطراب وسكن بعض الشيء، وقال:

_خلاص لا تخافي! الشيخ نعمان من أشطر الشيوخ اللي كل الناس بتحلف بيه، عالچ ناس كثير عإيده، آني راح أكلمه وإن كان موچود في العوينات يچي يكشف علينا ويشوف وش اللي صار، المهم لا تشيلي هم!

رفعت "صبا" كفَّها الأيسر على صدرها بحزنٍ، ورأسها مميلًا لأسفل ببصيصٍ من الأمل:

_أفوض أمري إليك يا رب.

في أولى جلساتِ العلاج الطبيعي لچيهان، الحياةُ مظلمةٌ كمشاعرها المتلونةِ بإسوداد الشجن على شِقاقه، الشوارع مزدحمةٌ بالسيارات كما احتشدت الأفكار برأسها، والساعةُ أشارت إلى التاسعة ليلًا في مركز العلاج الطبيعي، حيث استقرت چيهان على مقعدها، ووالدتها وأختها جلستا جانبًا على مقعدين في إحدى زوايا الغرفة، والأصوات هادئة جدًا في المكان، والأنوارُ ساطعة.

وقفَ الطبيبُ إزاء چيهان بالزي الطبي المألوف، مرتديًا القفازات في يديه كدلالة على التزامه المهني الصارم، ويداه تتحركان على وجهها تحفز الأعصاب بحركات دائرية.

لم تكترث چيهان بفكرة الشفاء طالما غادرها منبع التداوي ذاته فلن تهتم. فكان شوقها العنيف ساترًا على باقي المشاعر، رفضت المجيء، لكن والدتها وأختها أصرتا ألا تفوت فُرصة الشفاء، لعل وعسى أن تنقلب الموازين لأجلها بالخير يومًا.

لِمَا خَطَوْتُ غَطْوَةً رَأَيْتُكَ فِي وُجُوهِ العَالَمِينَ؟

وَفِي بَصِيصِ الأَمَلِ عَالَمٌ أَنَوَارُهُ مُشْعِةٌ بِالوَدِّ وَاللِّينِ؟

رَأَيْتُكَ فِي خَاطِرِي عَالَمًا أَحْوَى سَائِرَ المُحِبِّينَ،

وَالْكَيْدُ يَطْفُو مِنَ الصُّدُورِ حِينَمَا تُبْصِرُ العَيْنُ نَظَرَاتِ الكَائِدِينَ،

الحُبُّ أَسَرَنِي إِلَيْكَ وَحْدَكَ،

وَفِي خِتَامِ تَعَشُّقِي فَصْلٌ عَظِيمٌ،

يَرَى مَنْزِلًا هَادِئًا تَعْبُثُ فِيهِ أَقْدَامٌ وَأَيْادِي الفُتَيَةِ والفِتْيَانِ الصَّغِيرَيْنِ.

رفعَ "الطبيب" رأسَه نحو أسماء في ختامِ الجلسة العلاجية، وقال محذرًا إياها:

_بأكد على حضرتك إن الحالة النفسية هتفيدنا جدًا في رحلة العلاج، يعني حاولوا تخرجوها تغير جو، لما تخف من آثار العملية الأولى تبدأ تمارس نشاطات بتحبها، كل ده هيفيدها جدًا في العلاج.

ردّت "أسماء" مستجيبةً لأوامر الطبيب كاملةً:

_اللي حضرتك تقوله احنا هنعمله المهم چيهان ربنا يشفيهالنا بالسلامة وترجع زي ما كانت وأحسن.

نهضت چيهان من مقعدها، والألم النفسي يكتسي جسدها، فحدقَ بها "الطبيب" بنظراتٍ صارمة من منبتِ الخوف، وقال محذرًا:

_آنسة چيهان، لازم تسمعي الكلام علشان نفسك! أي حاجة تحصل ارميها ورا ضهرك عشان نلاقي نتيجة قوية في علاجك، اتفقنا؟

أومأت چيهان برأسها بمعنى "اتفقنا"، لكن دون رد، لكن الإجابة وصلت واضحةً إلى الطبيب. فنهضت والدتها وأختها من مقاعدهما، وفي تلك الأثناء قال "الطبيب" مؤكدًا بعناية:

_إن شاء الله جلستنا الجاية بعد بكرا الساعة تسعة.

ابتسمت "أسماء" ابتسامةً مؤقتة استتر وراءها استياءٌ دفين في مهجتها الحالكةِ بالحزن، وقالت ممتنةً:

_ماشي يا دكتور، إن شاء الله على خير، شكرًا.

خرجت الأم برفقة ابنتيها، وبمجرد أن خطوتا للخارج انفجرت "چيهان" باكيةً، فامتدت يدا والدتها وأختها نحوها، كل واحدة منهما جاهدةٌ أن تسكن أوجاعها، وعندما زرفت الدموع على ثوبها، قالت بصوتٍ مختنقٍ بالبكاء:

_أنا مش قادرة أعيش، في حاجة جوايا خانقاني أوي، حاسة إني مش عارفة أتنفس، في حاجة تقيلة كاتمة على قلبي، أنا لو اتسابت لواحدي هعمل في نفسي حاجة، وده غصب عني مش بإرادتي!

شحبَ وجهُ "أسماء" بصفرة القلق، فضمتها إليها لتهدئَ من اضطرابها في هذه الفترة العويصة، وقالت:

_مع الوقت هتكوني أحسن، كل حاجة بتتولد صغيرة وبتكبر إلا الحزن بيتولد كبير ومع الأيام بيقل وده من رحمة ربنا علينا، النسيان! اهدي يا چيهان، ربنا يهديكي يا بنتي ويشيل من عليكي وعلينا.

جرعتها والدتها جرعاتِ الحنان التي تحتاجها هذه الأيام، فربّتتْ على ظهرها ثم انطلقتِ النساءُ عائداتٍ إلى المنزل، وكلُّ منهنَّ لها دورٌ واضحٌ في نزع ثقلِ الحزن من كاهلها.

وفي بيئةٍ قذرةٍ حيثُ يسكنُ "مصعب" في غرفته التي احتاجت إلى إبادةٍ شاملةٍ معه إلى أقرب صندوق قمامةٍ أو لربما إبادته من الكوكب برمته ليرتاحَ الناسُ من جبروته، ذاك الذي جلس وإلى جواره دلوٌ تنازَعَ فيه صغارُ القططِ أرواحهم بعدما أنهى حياتهم بسكينه الحادِّ ليقدّمَ أجسادهم قُربانًا بلا رفق.

انتُزعتْ منه نعمة الرحمة، وهو مُستربعٌ على سجادته أرضًا بلا مبالاةٍ، مخاطبًا غيداء عبر الهاتف المحمول، بدت كضحية جديدةٍ له، وهو يخبرها بنعومة صوتٍ، قائلًا:

_تدرين يا غيداء؟ كل ما أسمع صوتك ولا أشوفك أتذكر عمتك فطيمة الله يرحمها، سبحان الله فيكي منها واجد، كنك بنتها، نفس الطول ونفس الملامح الزينة، مشاعري تتحرك ناحيتك كل ما أسمع صوتك، وترچعيني لأيام زمان، تدرين؟ الصدق آني معچب فيكي واجد، وقلبي مايلّك، وأحس إنك بعد تبادليني نفس الإحساس، صح ولا شلون؟

يعقلُ اليافعُ حينما تشيب شعراتُ رأسه، فيدرك أخطاء الماضي لينمّقها، ويُداوب من أجل الفلاح وجني حسناتٍ تنفعه في الآخرة، عدا ذاك الخائب الذي كلما تقدّم عمره ثقلَ ميزانُ سيئاته، وكأنه يمهّدُ نهايته بشكلٍ مأسويٍّ لا تتخيله العقول.

يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة