الفصل التاسع والخمسون

الفصل التاسع والخمسون

16 0

وقفت على دروبِ الهوى أُصارع الوداعَ أن يمدَّ لي يداه للمرة الأخيرة، فاستربعت مكانَ شحّاذةِ بقاءِ الأحبّة، وأناملي تقبض على المنديل وتمسح عيني فاضت بها دموعُ الأسى، القلب تهدّجت صماماته حتى نزفت خاتمةَ دمائها، حييت على أملِ العودة بجسدٍ مفعمٍ بالتجدّد، وروحٍ فاضَ بها الإيمان، وبمكالمةٍ صغيرةٍ وقعت الكوارثُ على كواهلي كزلزالٍ عنيفٍ توابعه لا تهدأ، أحببتُك من أعماقِ روحي يا من حكم علينا العالمُ بالفراق رغمَ قلوبٍ تلاصقت عشقًا، عشت بين سدفاتِ اليأس وكل يومٍ تتزايدُ عليّ هواجسُ الأمل الزائف، انهارت كل جوارحي وتحوّلت إلى جبلٍ صمدَ لآلاف الأعوام، وبزلزالٍ بسيطٍ انهار بقوّتِه المهيبة، ها أنا أشتاقُ إلى روحٍ صعدت إلى السماء منذ عامٍ وأنا أعيش مغيَّبة في واقعي الأليم.

تمنّيت أن أكون إلى جوارك، وتأتي جُهودي بنفعٍ عظيمٍ أتفاخر به أمام كل شامتٍ وجذلان، حيال مكائد الثعابين اللاذعة التي تمنت الوقوعَ يومًا، لكنني وبكل أسفٍ خرجت من المعركة مغبونة، نادمة على حبٍّ خاذلٍ انتهى بمأساةٍ قبل أن يبدأ، نعم، كل ما فيّ يُناديك قهرًا، ومرارةُ الحسرة تقتلني قتلًا، وكأن الثانية تمرّ عليّ كالأعوام، أرغب الآن أن أتلفّظ أنفاسي الأخيرة لأكون معك، وأنفّذ حلمًا فشل تحقيقُه في الحياة.

عقارب الساعة الآن تريّثت عند الثالثة عصرًا، ريم التي لم ولن يشعر بآلامها سوى من عاشها مثلها، ارتدت إسدالها البني المزخرف وجلست على سجادةِ الصلاة القطنية اللامعة، وضوء النهار يغمر كل زاوية في حجرتها عبر النوافذ المفتوحة، الباب شبه موصد، يطلّ على الطرقة بشعاعِ نورٍ بسيطٍ متجهٍ إلى داخلِ حجرةِ والديها في الاتجاه المُقابل، انزلقت دموعُها بحرارةٍ كلّما رأت ذاتها فاشلة بلا إرادة، كلّما أحبّت بصدقٍ انهارت العلاقة وتركت جروحًا غائرةً لا تشفى، من أحبّته لم يُحبّها، ومن أحبّها لم تُحبّه، وإن توافق الاثنان في حبٍّ قويٍّ لم يُرِد الأعداءُ اكتماله، ما جعلهم يسعون دومًا إلى إفساده بصناعةِ الأسحار المتجدّدة.

الشيخ رقم ثلاثة في خلال عامٍ واحد، ذاك الذي أعطاها برنامجًا علاجيًّا وبعدما نفّذته ارتاحت بضعةَ أيامٍ ثم عادت إلى نفسِ المشكلة، وكأنها لم تُعالَج من جذورها أساسًا. أدركت مؤخرًا أن السحر لم يكن مجرّد عهدٍ بين الساحر والجنّ، بل إنه ذو حصونٍ عارمةٍ تسكن في كلِّ ركنٍ من جسدها تُسمّى بـ«العُقَد».

تُصنَع العقدُ في زوايا الجسد المختلفة ليختبئ الجنيُّ فيها وقتَ الرقية الشرعية كحصنٍ قويٍّ لكي لا يتأثر بآياتِ القرآن الكريم. ولكلّ عقدةٍ هدفُها الأساسي، بعددٍ يختلف من شخصٍ لآخر؛ فهناك عقدٌ في المعدة أو الصدر تُسبّب ضيقًا دائمًا ورغبةً في القيء وصداعًا قويًّا، وهناك عقدٌ أخرى تُصنع في الجهاز الخاص تُسمّى «عُقَد الربط»، وغالبًا ما تكون ليعيشَ الأزواج مربوطين، أو يُصابوا بالعقم المؤقت، وذلك يتمّ عن طريق ربط أعصابٍ وممرّاتِ الطاقات الجسدية.

وأخرى في المخ أو الرأس تجعلُ الشخص دائمَ النسيان، ويعاني من صداعٍ مزمن، وهدفُها الأوّل تعطيلُ الذاكرة. وهناك عقدٌ في المفاصل، إذ يعاني المسحور دومًا من الألم المتنقّل في الجسد دون أسبابٍ طبيةٍ واضحة.

وغيرها من العقد التي يصنعها خسيسٌ كافرٌ مطرودٌ من رحمة الله، بطلبٍ من خاضعةٍ تُسمّى «طالبة السحر». فتخيّل أنك إنسانٌ مربوطٌ عن جميع جوانب الحياة، لا تستطيع العيش كالدمية المطوّقة بالحبال الغليظة.

لا أعتقد أنك ستتحمّل، وإن كان إيمانُك ضعيفًا لوددت الانتحار حتى تُنهي عذابًا أليمًا، وكأنك تُعاقَب لأنك الأفضل، الأمهر من قِبَل مريضٍ نفسيٍّ علاجُه الوحيد الإعدامُ في ميدانٍ عام، ليكون عبرةً لكلّ كافرٍ يؤذي مسلمًا بغير وجهِ حقٍّ.

انغمست رأسُ "ريم" في سجادة الصلاة، والدموع تتساقط، ولسانُها لا يتوقّف عن الدعاء، وكلماتُها تخرج بنبرةٍ متهدّجة، قائلةً بتوسّلٍ:

_يا رب حل كل حاجة بايظة في حياتي، يا رب أنا تعبانة أوي ومخنوقة، نفسي أفرح، طلبي بسيط يا رب، ده إنت مفيش حاجة تصعب عليك، وتقول للشيء كن فيكون، بإشارة منك يتحول المستحيل لسهل، يا رب مفيش حاجة بتكمل في حياتي، تلات خطوبات اتفركشوا ودوقت المُر وقلبي اتكسر مية مليون حتة، صحباتي كلهم حياتهم ماشية كويس وأنا حياتي واقفة في مكانها، متربطة مش عارفة أعمل حاجة....

ثم اعتدلت في جلستها، ورفعت وجهها إلى السماء، ومدت كفيها، واسترسلت بحرارة من التضرّع:

_أنا مش باصة لحد في حياته، بالعكس أنا راضية وبدعيلهم ربنا يفرحهم ويديهم ويفرحني ويديني اللي فيه الخير، يا رب أنا عايزة حقي من اللي أذتني، بقالي سنة وأنا بدعيك ليل نهار تجيبلي حقي، ومش شايفة فيها أي حاجة، بالعكس دي عايشة ومبسوطة وأنا اللي بتعذب، محدش طلع من ده كله خسران غيري أنا....

انتابت "ريم" نوبة بكاءٍ شديدة جعلت أطرافَها ترتجف، ومسحت بكفّيها وجهها، مردفة بقهرٍ:

_يا من تقول للشيء كُن فيكون، يا صانع المعجزات يا رب المُستحيلات، أنا مرتاحة مع إسلام أكتر من أي حد قابلني في حياتي، معرفش ليه حبيته هو بالذات أكتر منهم، بس يمكن عشان عوضني عن الحنية اللي مشوفتهاش في بيت أهلي، يمكن عشان....

انقطعت حلقةُ الخشوعِ على صراخ "أسماء" في الخارج، فلم تتريَّث ريم، حتى نهضت بخطى سريعةٍ إلى الصالة، لتجد والدتها تضربُ بكفِّها على صدرها بنواحٍ مفزع، واليدُ الأخرى تحمل الهاتف على أذنِها، وهي تقول بإعوالٍ صاخب:

_هتصل بأبوها أقوله، يا چيهان يا بنتي، يا ضنايا يا بنتي....

سقط الهاتف من قبضتها فهمت لحمله من جديد وأصابعها ترتعش بقوة، وتتحرك على شاشتها للبحث عن رقم شوقي بوجهٍ مفزوع، حينها سألتها ريم بخوفٍ، قائلة:

_في إيه يا ماما؟ إنتي خوفتيني! في إيه؟

بعد لحظاتٍ قليلة استجاب شوقي المكالمة، فبادرت أسماء بقولها العجاج، مستغيثة به برهبة من فقدان ابنتها، قائلة:

_الحقني يا شوقي! چيهان وقعت في الكلية، خدوها على المستشفى لقوا عندها جلطة في شريان القلب، ورافضين يعملوا العملية قبل ما ندفع المصاريف، أبوس إيديك اتصرف فيهم واسبقنا على المستشفى!

لكن على الجهة المقابلة جاء رد شوقي بتحيرًا يحوي شيء من السلبية، فأجابته أسماء بصرخات متوالية وهي تقول:

_اتصرف بقولك انشالله تبيع الدهب، البنت هتضيع مننا، بنتي هتموت لو مدفعناش الفلوس يا شوقي، أبوس إيدك خلص!

سرعان ما دلفت ريم إلى حجرة النوم ترتدي ثيابها وكأنها تصارع الزمان، كل ثانية تمر تهدد حياة چيهان، صاغية إلى صرخات والدتها في الخارج، تلك التي انهت المكالمة مع شوقي، ودخلت هي الأخيرة إلى حجرتها ترتدي عباءتها وخمارها، فيما الأجواء متكدسة بمشاعر الخوف، والفزع مخيم على الوجوه، لم تمر عشرة دقائق حتى خرجت أسماء برفقة ريم متجهتهان إلى المستشفى فيما شوقي اصطحب أخيه الأصغر المدعو "نجيب" واتجها إلى الموقع بخطى تلتهب ذعرًا، مضت ثانية وراء الأخرى وقلب الأم يسكنه رعبًا لا توصفه الكلمات من أن تودع چيهان حياتها في أي لحظة.

كانت المستشفى حديثة لربما تنضوي إلى القطاع الطبي الخاص وهذا كان بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير، الجدران إيجابية تدعو إلى تفاؤل يتعارض مع مشاعر الأسرة في هذه الأثناء، تقابلت أسماء مع صديقة چيهان، وصوتها مبحوح لكثرة النحيب، فيما امتدت يدي الأخيرة نحوها لتهدئ من اضطرابها والخوف منعكس على عيون الجميع، لتنطق أسماء بدوافع غزيرة الأم:

_بنتي هتروح مني، قلبي بيتقطع عليها، قوليلي الدكتور قالك إيه بالظبط!

أجابتها زميلة چيهان المدعوة "ليل" بوضوح:

_متخافيش يا طنط إن شاء الله سليمة، احنا كنا معديين لقيناها وقعت فجأة على الأرض، دكتورة ماجدة رشت عليها ماية مفاقتش، حسينا إن في حاجة أكبر من إنه مجرد إغماء عادي، قالتلنا اتصلوا بالإسعاف بسرعة، وأنا اللي اتصلت بطوارئ المستشفى، وجم خدوها، وهنا الدكتور بعد ما كشف عليها قالي إنها جلطة في القلب ومحتاجة عملية بس لازم حد يسدد الفلوس الأول، وقتها اتصلت بيكي أبلغك، بس متخافيش هتبقى كويسة إن شاء الله.

انتفضت "أسماء" رعبًا على ابنتها، فما لها أن تفعل وهي راقدة الآن بين أيادي الرحمن؟ لمست ريم كتفَها بلمساتٍ حانية، وكأنها تمسح عنها الحزن الذي احتاجت أن ينزعه أحدٌ عنها. وبعد دقائق، من دفع شوقي وأخيه الأصغر نجيب لمصاريف المستشفى، توجهوا إلى مكتب الطبيب يتابعان حالة چيهان المستعصية. وبينما الطبيب متكئٌ على مكتبه يعبث في الأوراق بانهماكٍ، قال "شوقي" بوجهٍ مذعور:

_بنتي چيهان يا دكتور، بنتي حصلها إيه؟ احنا دفعنا المصاريف برا في الخزنة، أنا عايز أفهم إيه اللي حصلها!

نهض "الطبيب" من مكتبه جاهدًا لتهدئة روعِ شوقي، ذاك الذي بدا على وجهه معالمُ الخوف، ليقول له الأخير بطمأنينةٍ تحيقُ حروفُه:

_اهدى بس يا أستاذ، الدكاترة هيعملوا اللازم، اقعد ارتاح وأنا هشرحلك حالتها.

تساءل العمّ "نجيب" عن حالِ چيهان، فظهر عليه، هو الأخير، نفسُ الارتياع، وهو ينطق:

_الله يباركلك يا دكتور، احنا قلقانين، فهمنا في إيه، وإيه الجلطة اللي جاتلها دي!

أشار "الطبيب" لهما بهدوءٍ نحو مقعدَي المكتب، ليستريحا من مشاقِّ الخوف، فقد أتيا على عَجَلٍ من وَقعِ الصدمةِ الشنيعة، ثم قال:

_اقعدوا ارتاحوا وأنا هشرحلكم كل حاجة!

جلس شوقي ونجيب كلٌّ واحد على مقعدِه، فيما استقرّ الطبيب على مقعدِه أمامهم وبدأ يشرح لهما حالةَ چيهان، حريصًا على دسِّ الأمل الغاوِي في قلوبهم. لم يكن وضعُها يسمح بالتأخير، لذا تدخل الأطباء مباشرةً لإجراء العملية بعد دفع المصاريف. فظلت أسماء جالسةً أمام حجرةِ العمليات، إلى جوار ريم وليل، زميلةُ چيهان، فتحت هاتفها على تطبيق المصحف الشريف وبدأت تقرأ لها سورةَ يس بعينٍ فاضت دموعًا.

الآن چيهان فاقدةٌ ذِمامَ الأمور، وليس لنفسها قرارٌ أو إرادة، وتكمن نجاتُها في يد الله عزّ وجلّ وحده. فكانت ريم تنتحب هي الأخيرة بمرارة، ولسانُها عامرٌ بالحوقلة التي لم تنقطع عنها ثانيةً.

لمست "صبا" فزعًا رهيبًا بعد انتهاء المكالمة بينها وبين چيهان، بمجرد معرفتها الحقيقة القاسية، فتغيرت ألوانُ العالم إلى قماشةٍ سوداء حجبت ناظريها، ودست مرارةُ الخوف في فمها، فتوهّج جسدُها بخوفٍ لافح.

استقرت قبضتُها على صدرها المرتعش تحت وطأة الندم، وفي نفس اللحظة ولج ناجي إلى حجرةِ النوم ووقف أمامها مشدوهًا، ساعيًا لفكّ شفيرات تحوّلِها الشديد لحالٍ يُرسى له. حينها نظرت زوجتُه في عينيه ببكاءٍ، وقالت:

_چيهان انقطع صوتها يا ناچي أول ما قلتلها، وسمعت صويت الحريم بالمكان، وفي حرمة تصرخ تقولهم يتّصلوا بالإسعاف بسرعة! بعدها انقطعت المكالمة! چيهان صار لها شي من تحت خبر وفاته، چيهان طاحت من طولها يا ناچي بسببي! يا ليتني ما قلتلها، كان ينقطع لساني ولا أقولها اللي صار.

تشبث "ناجي" بذراعي زوجتِه بقوةٍ، ليثبّتَ قواها المتفرّقة، التي تزعزعت من وطأةِ الحسرة. رمَقها بقسوةٍ لم تكن نابعةً من شرّه، بل لإعادتها إلى صوابها، لعلّها تدرك أنّه أمرٌ واقع لا جدال فيه. فقال مهدئًا روعَها:

_چيهان كان لازم تدري، منّا ولا من غيرنا يا صبا، أدري إنها ما راح تِقدر تتحمل الخبر، بس هذا اللي كان لازم يصير من الأول، چيهان كانت عايشة على أملٍ كذوب إن رمزي بعده حي، ويمكن يرچعلها بتوبة. الحين ما في يدنا شي نسويه، غير ندعيلها ربي يعينها ويصبّر قلبها عفراقه.

ازدادت "صبا" بكاءً، فباعدت يداه عنها باستياءٍ، وصدرها يضيق تندمًا. تأنيبُ ضميرها لا يفارقها، وكأنها ارتكبت جنايةً لن تُغفرها لنفسها مدى الحياة. إذ قالت بنشيجٍ عالٍ:

_شلون طاوعتك وقلتلها؟ يا ريتها كانت چات من غيري، مو منّي آني، على الأقل ما كنت بحس بتأنيب الضمير هذا...

صمتت لبرهةٍ، تفكّر في زيارةِ چيهان، واسترسلت:

_لازم نعرف وين چيهان ونروحلها، قلبي ما بيرتاح إلا يوم أشوفها قدامي يا ناچي...

ثم قبضت على جلبابِه بتوسُّلٍ، وفي عينيها بريقُ الأمل:

_أبوس إيدك يا ناچي، دورلنا عليها وخلّنا نروحلها، قلبي يوچعني عليها واجد، ورحمة رمزي عندك يا ناچي!

رمزي أحوى مسافةً دانيةً جدًا من شريان حياة "ناجي"، محتلًّا جزءًا عزيزًا في قلبه. لكن، على الرغم من أن صبا قد حلفت زوجها برحمة عزيزه الفقيد، إلا أنه وجد صعوبةً للانتقال من بلدة العوينات إلى محافظة المنصورة، تلك التي ستستغرق عشر ساعاتٍ، ولربما أكثر للوصول إلى چيهان. اتضحت لصوبةُ بلوغها، ما جعله يقول بأسفٍ، ورأسه منحنٍ للأسفل:

_وحياة أهلك يا صبا، لا تحلفيني برمزي مرة ثانية، رمزي غالي عليّ وما أحتاچ أثبتلك غلاوته عندي، كل السالفة إنك تقولين چيهان رچعت بلدها، المنصورة، مع أهلها، يعني المسافة بينا وبينها يمكن عشر ساعات وأكثر، وآني ما وِدي تتبهدلين، نقدر نطمن عليها من هني أحسن.

قبضت "صبا" على كفّي زوجها بتضرُّعٍ، متوسّلةً إياه أن يذهبا إلى چيهان ليطمئنا عليها، فقالت بإصرارٍ لا ينكسر:

_لا يا ناچي، آني راضية أتبهذل عشان چيهان، المهم أطمن عليها، إذا تحبّني صدق، ودّينا هناك، إنشالله لو نروح بقطار، أو تقطعلنا تذكرتين طيران ونروحلها.

فكّر "ناجي" في مطلبها جيدًا، وقبل أن يُوافق على أن ينصرما إليها، حتى وإن مضت الساعات كالأعوام على طرقٍ نائية، قرّر أن تتصل برقمها أولًا ليعرفا الوجهة الصحيحة، فقال بصرامةٍ في رده:

_موافق، بس اتصلي برقمها الأوّل، واللي يردّ عليكي اسأليه وين مكانها، ولا تنسين إن السّفر هذا طويل ومتعب علينا، وإذا ما عرفنا مكانها، بنرچع مثل ما چينا.

ما ثوى ناجي أن أنهى حسمه، ليجد "صبا" قبضت على هاتفها في التوّ والحال لتجري مكالمةً سريعة برقم چيهان، وهي تقول برجفةِ بكاءٍ:

_حاضر، بتصل هالحين.

لكن بعد ثلاثةِ مراتِ اتصالٍ انتهت بتخييبها دون ردّ، ظلت تحاول حتى المرة الخامسة بلا إجابة. حينها بصرها "ناجي" بحسرةٍ، وقال:

_ما دام ما ردوا، ما ينفع نچازف ونسافر عالفاضي، لازم حد يرد علينا بالأول، وطالما ما في رد، نستنى لبكرا يمكن حد يرد عالمكالمة.

رفعت "صبا" كفيها لبعضهما في ضمّةٍ حانيةٍ إلى وجهها، وجسدها لا يزال مرتجفًا تحت وطأة الحزن، قائلةً:

_يا رب طمن قلبي عليها يا رب.

طمأن ناجي زوجتَه بلمساتِ يديه الحنونة على كتفها، ونظراتُ عينَيْه كانت توحي بقول: "كلُّ شيءٍ سيكون على ما يُرام". فجلس إلى جوارها يطبع السكينة على وجهها، كمن يفرد معالمَ وجه قاطبةٍ بإصرارٍ حار. فلم تقتصر الغلاوة في قلب ناجي تجاه رمزي فقط، بل صبا التي اعتبرت چيهان في منزلة أختٍ مقربةٍ لها، ما يوحي بعمق العلاقة بين الرباعي الودود.

لا دين لشخصياتٍ باعت ضميرها، وألقَت بها في أقذر صندوق قمامة. أناسٌ لا يعرفون للرحمة عنوانًا، قلوبهم أشد قساوةً من الحجارة ذاتها. جاءوا هذا الكوكب ليثبتوا مهاراتهم في صُنع الأذى بأشكاله المتباينة. الناس الطبيعيون يستيقظون بتفاؤلٍ ليومٍ جديدٍ بنية الخير، عدا أولئك الذين يتيقظون بصدورٍ تلتهب من نيران الغيظ، يستحقون شمسًا لا لتنير حياتهم، بل لتنفجر فيهم وتسحقهم ليكونوا عبرةً لكل خائنٍ للعشرة.

ولأول مرةٍ وبوضوحٍ، العروس "منى" التي تزوجت منذ بضعة أشهر، انتقلت إلى عشٍّ زوجي جديدٍ مع زوجٍ لا أهمية له في الحياة، رجل الأريكة لها منفعةٌ عنه، ذاك الذي تركها في دار عائلته وانصرم لعمله في محافظة القاهرة كطاهٍ صغيرٍ في إحدى المطاعم الرديئة، المشابهة لقلب زوجةٍ رديء يتغلفه صفار الحقد وحمرة الغضب.

بالتحديد في منزل مصعب، اتضحت الأمور وانكشفت الأوراق. خرجت من حجرته تهندم ثيابها بأصابعٍ مرتجفة، حتى جلست على الأريكة المتهالكة قبالته، ولكل شيء ثمنه، وإن لم يكن ماديًا، تلك المختبئة في خمارها، ذاك الذي تبرأ من أمثالها الوضيعة، فكانت عارًا عليه وعلى كل امرأةٍ تدّعي التقوى. وفي تلك الأثناء، رمقت مصعب بعبوس الخوف، وقالت:

_والمصحف الشريف لأوريها النجوم في عز الضهر، أنا إبتلاءها في الدنيا، ووحياة أمي ما هتشوف يوم هنا، ولا هتشوف سكة الجواز دي لحد آخر يوم في حياتها....

ثم تنهدت بشيءٍ من الهدوء، وأردفت:

_أنا جايالك من آخر الدنيا ومش هينفع كل شوية آجي، حماتي هتشك فيا، وخد بالك أخو جوزي زي الستات الرتراتة، رايحة فين وجاية منين كأنه تحقيق، أنا بعد كده هبعتلك الفلوس فودافون كاش وإنت اشتغل من عندك.

نمق "مصعب" جلبابَه، وجلس بتغطرسٍ كأن العالم برمته ما هو إلا دميةٌ صغيرةٌ بين يديه، يحركها كيفما يشاء. فاعترض على اقتراحها، وقابلها بالرفض، قائلًا:

_آني ما أبغى مصاري، بنبقى مثل ما حنا، وإذا خايفة من حماتك ولا من أخو زوچك، آني أعمي عيونهم، ما أخليهم يشوفونك وإنتي چايالي، وخلي أحد يتچرّأ ويتكلم نص كلمة، وشوفي وش أسوّي فيه.

ضغطت "منى" على أسنانها، ويداها تتفحصان برشامًا أبيضَ، ذو حباتٍ صغيرةٍ، غريبِ المصدر مستلقٍ في أحضان حقيبتها. وبينما جسدها يرتجف خوفًا من الانكشاف، صلّبت قوتها، وقالت:

_مانا بقولك أخاف من حماتي، هي أه مشغولة في السوق طول النهار بس بتخلص على بعد العصر وبترجع البيت، وساعات بتناديني أخبز معاها العيش وأعمل معاها الأكل، وأنا الصراحة مش ناقصة مشاكل.

استخرج "مصعب" حجابًا صغيرًا، مطوقًا باللصق الأسود، من جيب جلبابه. قربه من شفتيه، وألقى عليه طلاسمَه السحرية في صمت، وإلى أن غلّفه بالحصن المنيع، مده إليها بابتسامةٍ لا تتفجر سوى من فم فاسق، قائلًا:

_خليه معاكي وما حد بيقدر يكلمك نص كلمة، وكمان خذي هادا وادفنيه في مقابر النصارى! روحي للحارس وخبريه إنك تبعي، هو بيدخلك وتدفنيه، يا إما تديهوله يدفنهولك في مكان ما يوصله الچن الأزرق، وشخللي چيبك وهاديه بخمسين جنيه.

ثم مدّها بورقةِ السحر المتجدّدِ، التي صنعها خصيصًا من أجل التفريق بين ريم وإسلام. كلٌّ واحدٌ منهما دونٌت الطلاسم الحمراء باسم والدته، والهدفُ الأسود للتدمير. فتشبّثت "منى" بالطلاسم بفخرٍ، كمن حصل على أعظم إنجازاته الحقيرة، وابتسمت بسمةً طالحةً، وقالت:

_مفيش حاجة بتبرد ناري إلا ده، وحياتك لو طلبت مني أروح مقابر المنصورة نفسها لأروح وما هقول لأ المهم أفش غلي وأرتاح، إنت مش عارف بيني وبينك أنا محروقة ازاي، ووالله العظيم أي حد فكر يضايقني في يوم لأطلع القديم والجديد فوق جتته.

انتشرت رناتُ هاتف "منى" في الأرجاء، نغمةٌ دينيةٌ تفسّر مظاهرَ الإيمان المتعارضةَ مع الحقيقة تعارضًا كليًا. فنهضت واستجابت للمكالمة، وهي تتحدث بلهجةٍ أشدّ ثباتًا:

_ألو يا حبيبي.... لا لا أنا كنت بوزع القرص في المقابر على روح جدي الله يرحمه، وشوية وهروح أوصل الأمانة للست الغلبانة اللي قولتلي عليها....

تحركت "منى" خطواتٍ سريعةٍ للأمام، وأشارت لمصعب إشارةَ الوداع، ثم تركته بمفرده يواصل أعماله. فيما خرجت إلى الشارع، مواصلةً بنبرةٍ لطيفةٍ:

_مش هتأخر ولا حاجة، هما عشر دقايق هروحلها أديها اللي فيه النصيب وهرجع البيت عالطول، أنا بس كل اللي يهمني فعل الخير، الإنسان عايز يسيب أثر طيب في الدنيا قبل ما يموت، وأنا ربنا مقدرني على فعل الخير، وهفضل أعمل خير لحد ما أموت يا حبيبي.....

وبعد خطواتٍ طويلة في الشارع، أشارت لإحدى السيارات التي استلقتها بخفةٍ ورشاقة، فاستقرت في المقعد الخلفي منها، واستأنفت باهتمامٍ غريب:

_أهم حاجة إنت صليت؟ أوعى تأخرها يا محمد، أول حاجة هيتحاسب عليها الإنسان في القبر الصلاة....

وبينما جاءها رده على النحوِ الآخر، نطقت بابتسامةٍ:

_ربنا يتقبل مني ومنك، أنا هقفل بقى عشان أنا راكبة مواصلات دلوقتي والناس سامعة كلامي، إنت عارف أعمال الخير لازم تكون في الخفاء وإلا هتكون رياء.

أنهت "منى" المكالمةَ مع زوجها، وسرعان ما انقضّت على المقابر بجرعة حماسٍ قوية، تلك التي كلّما وُجد السحرُ هدأ أو بُطِل، عادت لتجديده أو صُنعِ عملٍ غيره. وبمجرد أن توقّفت السيارةُ في الموقف، نزلت بخطًى عجولةٍ، وأشارت لإحدى سياراتِ الأجرة الملاكي، واندفعت نحو هدفها.

هناك، المقابرُ تبدو عليها ريبةٌ عجيبة، في مكانٍ قاصٍ عن البشر، الحركةُ ضعيفة، تكاد تكون معدومة، وكما يقولون: لا صريخَ فيها ابنَ يومين. يقف على بوابتها رجلٌ مُريب، كهدل ذو قامةٍ نحيفةٍ جدًا، وملامحه توحي بريبةِ الظلم. وقفت حياله بثباتٍ، واستخرجت مائةَ جنيهٍ من حقيبتها، ثم مدّته بالسحر، وهي تلتفت حولها بحذرٍ، وقالت بنبرةٍ خافتةٍ تلتمسها السِّرية:

_أنا جايالك من طرف الشيخ مصعب الطوخي، عايزاك تدفنلي العمل ده في حتة غويطة جنب أي ميت تكون جتته لسه طازة، وخد دول علشانك!

استلم "الحارس" السِّحرَ الملفوفَ والمائة جنيه، ومنحهما نظرةً مطوّلة، مُضَيِّقًا عينيه بفضول، ثم رفع رأسه إليها وقال باستجابة:

_مصعب يؤمر واحنا ننفذ.

تعمَّق الحارسُ في أعماقِ المقابر، يجولُ بعينيهِ باحثًا عن المقبرةِ الأنسب للدفن، مُنحازًا لأيّ جسدٍ لم تختفِ حرارته بعد. كانت الغربانُ السوداء تقف على معظم المقابر كإنذارٍ بالشؤمِ والريبة، تُصدر نُعابها كأنها ترانيمُ وافدةٌ من أعماقِ العالمِ السُّفلي، والأرضُ تحت الأقدام تتنفَّس رُعبًا.

وها قد وجدَها الحارس اللعين، أحدَ الرجال الذي توفي مقتولًا على يد صديقه، في جريمةٍ هزَّت أواصر المدينة، فكانت الفرصةُ الأنسب لأن يدفن الحارس الورق الملفوفَ في أعماق تُربته التي فاحت فيها رائحة الغدر بشدّة.

أفل الحارس من جديدٍ بخُطًى واثقة، كأن شيئًا لم يكن من الأساس، حتى بلغها وأشار لها أن الأذى تمَّ على خير، وكأن نيرانها هدأت، فعادت محبورةً إلى دار عائلة زوجها، والغيظُ ينقشع من ضلوعها ويفرّ بعيدًا كأنَّه دُفن مع أذاها في تلك اللحظات.

كانت سعادتُها أضعافًا مضاعفة، وهي ترى مسكينةً لم تفعلْ لها شيئًا سوى أنها ائتمنتها وصانتِ الوداد، تحيا مُبتلاةً بوجود ظالمةٍ في حياتِها تتلذذُ بعذابها، ولا تتعظُ لآخرتها التي ستكونُ أسودَ من حَلاكةِ شعر رأسها.

ساعةٌ ونصف في العمليات، والأطباءُ يحاولون جاهدين السيطرةَ على الجلطة القلبية لچيهان في أجواءٍ مرعبة، وصوتُ أسماء في الخارج لم ينقطعْ لحظةً عن قراءة القرآن والأدعية المنصهرة مع دموعها. نجحوا في تركيب دعامةٍ قلبية لها، وتمَّ إنقاذها بنجاح، فخرجت الممرّضات بچيهان على السرير المتنقّل، والأخيرةُ قد ارتدت زيَّ العمليات الأزرق، وعيناها غافيتان، فلا تزالُ تعيشُ في عالم آخر ناءٍ عن البشر.

الوقتُ تلبّث، وكأن عقارب الساعةِ قبضت عليها أيادي الزمان. هنا نهضت أسماء وريم باكيتين، وتحركتا مع شوقي ونجيب وراءهما، لكنَّ الممرضات قطعنَ سيرهم بركوبهما المصعد الكهربائي صعودًا إلى الطابق العُلوي، حينها تحركت الأسرة في المصعدِ الثاني وصولًا إليهم.

وفي الأعلى انطلقت الممرضات بچيهان إلى الغرفة، وحملنها إلى سريرها بحذرٍ شديد، وبعدما انتهت المهمة خرجتا من الغرفة بالسرير فارغًا، فنظر "شوقي" إلى إحداهما وسألَها بخوفٍ مشرق على محياه:

_چيهان كويسة يا أستاذة؟ عملولها إيه جوا؟ حد يفهمنا.

بينما الممرضات تتحركن بخفةٍ ليعدن بالسرير فارغًا إلى الطابق السفلي عبر نفس المصعد الكهربائي، أجابت إحداهما بوضوحٍ:

_الدكتور شوية وهيجي يفهمكم كل حاجة.

ابتلع المصعد الممرضات فتلاشين عن الأنظار، فبقيت الأسرة بمفردها في انتظار مجيء الطبيب ليشرح لهم كل شيءٍ باستبانةٍ، فتتضح الأمور كجلاءِ الشمس في شروقها. وقفت ريم معانقةً والدتها، ويداها تمسحان برفقٍ على ظهرها، فمررت "أسماء" يديها على وجهها وقالت بأسى أم انفطرت على قطعةٍ ثمينةٍ من روحها:

_يا رب عديها على خير، وما توجع قلبي على أي بنت من بناتي الاتنين، مليش غيرك يا رب، طمنلي قلبي على چيهان.

رَبَتَت "ريم" على يدي والدتها بطمأنينةٍ، على الرغم من أنها تعيشُ نفس المأساة، فأرادت أن تُطفئ نيران خوفِها المشتعلة، فقالت:

_خير يا ماما، أنا كمان خايفة عليها أوي بس إن شاء الله ربنا هيعديها على خير لأنه عالم بينا.

ألقى "شوقي" نَظْرةً سريعة على چيهان من وراء زجاج الغرفة، ثم الْتَفَتَ نحو أَخيه، وقال:

_تعالى ننزل تحت في الكافيتيريا نشرب قهوة ولا حاجة لحد ما چيهان تفوق.

رفع "نجيب" يده على ظهر أخيه الأكبر باستعدادٍ، وقال متأهبًا:

_ماشي، يلا بينا.

فيما غادر الأخوان المكان، دخلت "أسماء" برفقة ريم إلى داخل الغرفة، ووقفت بجوار چيهان، ودموعُها منصبّةٌ على عباءتها وخمارها، فنظرت إلى عيني ابنتها الغافيتين، وخرج صوتها مُشفقًا عليها، وهي تنطق:

_يا حبيبتي، ربنا يكمل شفاكي على خير وما يوجع قلبي عليكي ولا على أختك أبدًا.

ثم لمست أصابعَ ابنتها الناعِمين، ومرّرت بطنَ كفِّها على جبينها، تتحسّس ملامحها بحزنٍ اعتصر فؤادها، ومالت بجسدها فقبّلت رأسها، ويدي ريم لا تزالان تَحنوان على ظهرها برفق، والاثنتان عيونهما لامعةٌ بالاستياء العارم. ظلّت الوالدةُ والأختُ واقفتين نصف ساعةٍ كاملتين تُحدثان چيهان، على الرغم من أنها فاقدةٌ للوعي، فلا تزال تحت تأثيرِ التخدير الكلي.

وبمجرّد أن انسحب مفعول البنج من جسدها تدريجيًا، عادت للوعي قليلًا، متذكّرةً رمزي وكأنه إزاءَها في هذه اللحظة. تخيّلته يقف بدلًا من والدتها إلى جوارِ ريم. فتحت عينيها برفقٍ، والدموعُ تتساقط على الزيّ الطبي بقهرٍ، وقالت بصوتٍ واهن ومتقطّعٍ، لا يسمعه سوى والدتها وأختها:

_أنا عارفة إنك جيت تشوفني وتطمن عليا....

تلاقت أنظارُ أسماءَ وريم ببعضهما في دهشةٍ، وكلتاهما ترمقان الأخيرةَ باستغرابٍ، لتجدا "چيهان" تواصل ببكاءٍ، ويدُها تمتدّ نحو أسماء باعتقادها رمزي، مُردفةً بحنينٍ قاتل:

_أنا مبسوطة إني شوفتك، إنت مش متخيل أنا فرحت ازاي إنك جيت لحد هنا... المسافة بعيدة أوي بينا ورغم كده جيت، عارفة إني غالية عندك، إنت كمان غالي عليا أوي....

ثم بسطت يديها على قلبها النابضِ بعشقِه، والدموع منصبّةٌ من عينيها بلا توقف، مسترسلةٌ بنفسِ الألم:

_مكنتش أعرف إني بحبك للدرجة دي، أنا نفسي مستغربة ومش مصدقة... إنت أكيد جيت لما عرفت من صبا اللي حصل... هو إيه اللي حصلي؟ أنا مش فاهمة حاجة يا رمزي!

حينها قرّرت "أسماء" التدخّل لتفيقَها من وهمٍ كاذب كانت ضحيّتَه، فحرّكت جسدها قليلًا برفقٍ، وقالت بتصحيحٍ لربّما يؤلمُها لكنّه سيُعيدها إلى الواقع:

_رمزي؟ چيهان يا حبيبتي فوقي لنفسك! أنا مامتك مش رمزي اللي بتتكلمي عنه ده! أنا مامتك بُصيلي كويس وركزي!

اتّسعت حدقتا "چيهان" كأنهما أبوابٌ مفتوحة على مِصراعيها، وبدأ قلبها ينبض بسرعةٍ كأنه إنذار بالمخاطر، الآن اتضح كل شيء، أسماء ليست رمزي، ورمزي لم يكن له وجودًا في الحياة حينها، تسارعت أنفاسها تدريجيًا بخوفٍ، واعتدلت في جلستها رغم الوَهن المُهيمن على أطرافها، وقالت وهي على شفا الخبالِ من فقدانه:

_رمزي مماتش! رمزي عايش! رمزي عايش يا ماما! مش هقدر أعيش من غيره! مينفعش يموت....

ارتجف جسدها بحالةٍ رهيبة من الصراخ، وريم وأسماء تحاولان السيطرةَ عليها، كل واحدة من صوبٍ مختلف، فنطقت "ريم" بحزنٍ، جاهدةً لإيقافها:

_اهدي يا چيهان اهدي! رمزي مماتش خلاص!

نظرت "چيهان" لوالدتها وأختها كالمجنونةِ الضائعة، تُلقي كلَّ واحدة منهما نظرة سريعة تارة، وتارةً أخرى يرتفع صراخُها وهي تقول:

_رمزي مماتش! رمزي عايش وموجود أنا متأكدة! أنا عايزاه يجيلي دلوقتي، اتصلوا بيه أنا حافظة رقمه، خلوه يجي بسرعة! أنا عايزة أتكلم معاه!

تفجَّرت "أسماء" حَسرةً، اعتقادًا منها أن ابنتها تُعاني من أمراضٍ نفسية عويصة، يصعبُ الاستحواذُ عليها، فقالت مُحاولةً تهدئتها:

_حاضر يا چيهان حاضر، أنا كلمته وقالي إنه جاي دلوقتي، بس اهدي!

حاولت چيهان فك القنية من يديها، فيما يدا والدتِها وأختها تردعانها عن التنفيذ، وسرعان ما ضمّتْها أسماء إلى صدرِها، لكن "چيهان" التي زلزلتِ الجدرانَ بنحيبِها الصارخ، قالت:

_مماتش يا ماما صدقيني أنا! أنا اللي كلامي صح! عارفة لو رمزي مات؟ كنت أنا كمان مت! مكنتش هعيش لحظة، أنا عايزة أروحله، سيبوني أروحله عشان خاطري! أبوس إيديكي ورجليكي يا ماما تسيبيني أروحله هناك! أنا حفظت مكان عيلته، عارفة هما عايشين فين في الواحات.

تهشجت "أسماء" حسرةً، إذ كانت مجبرة أن توافقها في الحديث حتى لا تتدهور الحالة سوءًا وتُلقي بهم إلى هاوية الدمار، فقالت باستجابةٍ مزيفةٍ:

_حاضر، أنا هاخدك كمان شوية ونروحلهم، متزعليش نفسك!

أشارت "چيهان" إلى قلبِها وهي تعول إعوالًا قاسيًا، قائلةً:

_أنا بحبه يا ماما، ده الراجل الوحيد اللي حبيته في حياتي وعمري ما هحب غيره ولا هعرف أكمل من بعده، رمزي عايش صدقيني! أنا نصحته كتير يتوب لربنا وهو مسمعش كلامي، بس المرة دي هيسمع كلامي وهيرجعلي تايب، رمزي هيتوب يا ماما، صح؟

حاوطتْها "أسماء" بذراعيها لعلّها تُنهي المأساة القاضية التي تعيشها چيهان في أصعبِ مراحل حياتها، وردّت:

_صح هيتوب علشانك، بس اهدي! خلاص هو زمانه جاي دلوقتي وهيعملك اللي إنتي عايزاه بس اهدي!

ضحكت "چيهان" بعدم استيعابٍ لما حدث، فصمتت للحظاتٍ مُضيقة عينيها، وكأنها غارقةٌ بين متاهات الحيرة، لتسأل نفسها:

_رمزي مات؟ ازاي؟ أنا بعدت عنه عشان أضغط عليه يتوب يا ماما! عشان عارفة إنه مش هيقدر على بعدي وهيعمل أي حاجة تقربنا من بعض، أنا استنيته يجيلي يقولي أنا توبت لربنا وبقيت إنسان طاهر ومسلم وموحد بالله، استنيته يجيلي تايب لحد ما جالي خبر موته....

ثم رفعت السبابة فجأةً بغير اقتناع، وتابعتْ بصراخٍ ممزّقٍ للسكون:

_لا رمزي مماتش، مماتش يعني مماتش، أنا متأكدة إنه مماتش، هو متفق مع أهله عشان يختبر حبي له صح؟ أكيد هو اللي عايز يضغط عليا عشان يشوفني هقدر أعيش من غيره ولا لا، أنا عارفة إن ده أسلوب من أساليبه بس هو مماتش....

وانطلقت صرخاتها بنواحٍ قاس، ويداها تتخبطان صدرها بعنفٍ، فيما والدتُها قبضت على يديها بقسوةٍ، والأخيرة تُجلجل:

_مماتش، والله ما مات... أنا بحبه! لا مش بحبه! أنا عشقته! اللي أنا فيه ده مش حب، أنا عارفة بقول إيه كويس! ازاي قدر يسيبني للدنيا لواحدي؟ ازاي هونت عليه يا ريم؟

ظَلَّت تعول حتى فَقَدَت وعيها للمرة الثانية، فخرجت "أسماء" تصرخ مستغيثةً بالأطباء، وريم في الداخل تناضل لإفاقتها وهي تبكي، وصرخات الوالدة تتردد في الآذان بخوفٍ وهي تقول:

_الحقوني، بنتي أغمى عليها! الحقوني!

خرجت الممرضات من الغرفة المجاورة اتجاهًا إلى غرفتها، فيما ثالثتهن فرت بسرعة إلى غرفة الطبيبِ لتبلغه بما حدث لچيهان. وبعد ثوانٍ معدودة حضر الطبيب بخطى زموعة إلى الغرفة، بدأ يتفحصها فيما "أسماء" تبكي كأن انتابها طوفان أغرقها في حزن دائم، إذ دفعت ابنتها نحو الهاتف، وقالت بنبرة مُتهدجة بالبكاء:

_اتصلي بأبوكي وعمك خليهم يطلعوا بسرعة!

نفذت ريم ما كلفتها به والدتُها فاتصلت بوالدها تُخبره بما حدث لچيهان، وفي تلك الأثناء المكتظّة بمشاعرِ القهر، نظرت "أسماء" إلى ابنتِها فوجدت فمَها قد انحنى بشكلٍ واضح، فصفعت وجنتيها بيديها وانبثقت منها عَولةٌ عالية، وسألت الطبيب:

_بنتي جرالها إيه يا دكتور؟ بوقها اتعوج كده ليه؟

اتضح للـ "طبيب" حالةُ چيهان بمجرد أن وقع بصره عليها، فتنهد بعمق، ورفع رأسه تجاه أسماء ليُخبرها بما حدث، فقال بأسفٍ شديد:

_بنت حضرتك جالها شلل وجهي مؤقت، بمعنى أصح أصيبت بالعصب السابع، وده غالبًا نتيجة جلطة صغيرة في المخ حصلت بعد العملية.

صرخت "أسماء" صرخاتٍ مُتوالية، غير مستوعبةٍ الكوارثَ الواقعةَ فوق كواهلٍ أرهقتها الحياة، فسألته بنحيبٍ حادٍّ، قائلة:

_لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم... الحل إيه يا دكتور؟ احنا والله ما بقينا قادرين نستحمل المصايب اللي بتحصلنا دي، ربنا يلطف بينا ويرحمنا برحمته.

أجابها "الطبيب"، شارحًا الحل لها باستبانةٍ:

_محتاجين نعمل رنين مغناطيسي على المخ، وتحاليل دم وسيولة، وفحص عصبي شامل، دلوقتي عشان نحدد نوع الجلطة.

بعد دقيقة واحدة وصل شوقي وأخوه، يخطوان مُسرعين كالصاروخ المُنطلق في فضاء الخوف، حيث وقفا قبالة الطبيب، وبادر العم "نجيب" بسؤالِه المُكترث، متسائلًا بفزع:

_في إيه يا جماعة؟ إيه اللي حصل لچيهان تاني؟

شَرَحَ الطبيبُ ما وقع على چيهان من علل متتالية تحتاج إلى التدخل الطبي السريع ليتحدد نوع الجلطة بوضوحٍ، فيتمكن الأطباء من العلاج الصحيح، وبمجرد أن انتهى الحديث بين الطبيب والعائلة، توجه الأطباء بچيهان إلى وحدة التصوير بالرنين المغناطيسي، وضعوها داخل الجهاز لمدة لا تقل عن ساعة. وقفت أسماء مُنتحبة بين أحضان ابنتها الكبرى ريم، كلتاهما تبكيان بقساوةٍ وكأن الأرض لم تعد تحتمل أحزانهم، فاضت الروح حزنًا عليها، لكنها بعد عشقٍ عظيم لاذت به إلى أسمى معاني الهوى، لم تحتمل خبر وفاته، لم يكن حبها له عابرًا، فهو الرجل الأول والأخير في حياتها ولن تبيع حُبه وإن ردم التراب عِظامه.

انتفضت أسماء وريم نشيجًا، والجميع يقف من وراء الزجاج، محجوبًا عنهم أصوات الجهاز الصاخبة في مساحة تشبه مساحات القبور. كل من خاض تجربته خرج مذعورًا كأنه شاهد أهوال الموت قبل أن يموت، لكن چيهان التي فقدت وعيها لم تشعر بأي شيء، فانقطع الوقت والحواس، وبقيت بجسد بلا روح.

وبعدما انقضت أربعون دقيقة كاملة، عاد الأطباء بچيهان إلى غرفتها، فظلت الأسرة ماكثة حولها في انتظار ظهور نتائج الأشعة. وبعد ساعة ونصف، ولجّ الطبيب بالتقرير العاجل إلى الغرفة، فسأله "شوقي" مستفسرًا بفيضٍ من القلق:

_طمنا يا دكتور، چيهان عندها إيه؟

ردّ "الطبيبُ"، وبين يديه تقريرُه العاجل بحالتها، موضحًا تشخيصها الصحيح:

_الحمدلله مفيش جلطة في المخ، اللي واضحلنا هنا إن في تأثر بالعصب السابع على نص الوش، وده هيحتاج مننا جلسات علاج طبيعي لا تقل عن ست شهور.

يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة