الفصل السابع والأربعون

الفصل السابع والأربعون

14 0

كمن في مطلب مصعب أهدافٌ مُراوِغة، سببُها الأول والرئيسي: قَصاصٌ مُضمر منذ أولى ليالي الفرار، إلى جانب الأهداف الثانوية الأخرى. فما المانع أن يستحوذ مصعب بسلالاته القادمة على كلّ بقعةٍ في أرض البلدة؟ فتكون الهيمنة ثُنائية الفائدة -روحيًّا، إداريًّا- فينصهر السكر في مياهه وتُصبح رابطة النَّسَب قويّة. وكلّما ملك مصعب حُكمًا داهمه شعوراي: القوة والعُتُو، فما المانع أن يرث حفيد المستقبل حكم البلدة ويُصبح وليَّ العهد من بعد اندثار العمدة ضرغام أسفل التراب؟

البشر الطبيعيّون يختارون الحاضرَ والمستقبل القريب، إلّا مصعب الذي بَصر المستقبل النائي بعينٍ حصيفةٍ ذو بُعد نظر. فالأهداف تكمن في إتمام هذه الزيجة من دليلة ابنة العمدة ضرغام، ذاك الرجل المهيب الذي يخشاه عُظماء الكهادل قبل أصغر الصغار. بنظرةٍ واحدةٍ منه تتمّ الأمور في صمتٍ مُبهم.

الوقت يُشير إلى العاشرة صباحًا، وعقارب الساعة تدور بغرابةٍ من وجود مصعب، راجيًا موافقة الشيخ ضرغام، إذ الأخير مستربِعًا على عرشه يُصغي باهتمامٍ إلى مصعب الذي وصف له بحيل الشياطين مدى غرام رمزي بابنته، وكأنّه مؤلِّف سينمائي بارع كتب مشهدًا لا مكان له في سيناريو حياتهم.

كيف له أن يعشق ويعيش كباقي البشر؟ ذاك الذي بدأ دُنياه محصورًا بين تحكّمات والده الفظّة، مُلتاحٌ للرعاية والاهتمام اللذين لم يجدهما في مجاورته. بلغت الأنانيّة به ذُروتها وهو يفضل مصالحه الشخصيّة على راحة ابنه الوحيد، فجفاءُه كان أكبر حافزٍ لأن يقصيه من حياته إلى الأبد.

العمدة ضُرغام في مِبْكر صباحه كان أقصى فكرٍ يولج ذهنه مشكلة عُرفيّة بين مصعب وآخرون، وقد أتى لطلب المعونة منه. لكنّ الأمر تخطّى أفق التوقّعات، وهو يجده طالبًا ابنته الوحيدة "دليلة"، تلك التي لا يملك سواها بعد اختفاء زوجته وابنته الصغرى المُلقّبة بسهير.

أهدر عمره في النبش عنهما كما ينبش الثعلب عن الجرذان بين التراب، عجلة الحظ توقّفت تروسها منذ اِنقطاع أخبارهما عنه. وكما يبدو كرجلٍ ذو سُلطة سَنيّة بين أهالي البلدة، بإشارةٍ منه يتحقق المطلوب قبل أن يُطلَب، فلا يحسّ بمشقة للوصول إلى مبتغياته، لكنّه في رجوع الزوجة والابنة تذوّق مرارة الفشل، ونفوذه لا تُفيده في شيء.

أمامه "مصعب" مستغلًّا المشكلة لصالحه، ملمًّا بتفاصيل الغياب، وكأنّه يضع العودة أمام إتمام الزواج، فخرجت كلماته بمساعدةٍ مشروطة، قائلًا بنبرةٍ خبيثة:

_لا تستغرب من هرچي واجد يا شيخ البلد، آني چيتك دُغري من غير لف ولا مَطور، والنية اللي عندي لك كلها خير....

ثم اعتدل في جلسته، ورفعَ إحدى حاجبيه بدهاءِ الأبالِسة، مستأنفًا:

_بنتك سهير ومرتك يوم غابوا من عشر سنين في نفق بيارون، قلبك انقهر عليهم قهرٍ كبير...

تبدَّلت ملامح الشيخ ضرغام في الحال، وتحوَّل إلى مُنصت مكترث، وعيناه تتوهجان باتساعٍ مُدهش، ليجد "مصعب" يتابع بابتسامةٍ بسيطة:

_يومها فقدت الأمل بعودتهم، وكنت بتتعمى من كثرة البكاء، والدنيا سودت بوچهك وما عاد لها طعم ولا معنى بغيبتهم... لكن آني اليوم چيتك أبشرك بخبر يرد الروح فيك من چديد.

انفجر الشيخ "ضرغام" صارخًا، ووجهه يحمل تعبيراتٍ من الألم العميق، روحٌ خسرت جِمامها، واستسلمت بخضوعٍ إلى القهرِ النفسي المتزايد بمرورِ الأيام، فانطلقت ألفاظُه المُتسائلة وهو يقول بصدمة:

_إنت تدري وين هم؟ تدري وتخفي وما چيت تقولي هم وين طول هالسنين؟ من وين عرفت مكانهم؟ احكي!

أجابه "مصعب" دون تَغميد للحقيقة، فلا بُد أن يطفو على السطح ما كان غارقًا لأعوامٍ في أعماق المحيط:

_هدي روحك يا شيخ البلد! آني ما أدري وين هُم ولا بكل اللي تقول فيه، ولو كنت أدري، كنت چيتلك من زمان وقلتلك كل اللي چرى، آني أول ما دريت، بلغتك باللي وصلني... مرتك وبنتك عايشين، بس ما هم في عالمنا! هم في عالمهم السفلي، ورچوعهم لك يحتاچ منّا شوية تضحيات.

هدأت عاصفة الشيخ "ضرغام" حينما عَلِم أن ما تحرّى عنه لأعوامٍ مديدة بقلبٍ حَلك يأسًا لا زال الأمل يكمن فيه، فاستقام بظهرِه إلى الوراء، وسأله بفيضٍ من الرجاء:

_وش هالتضحيات اللي بتحكي عنها؟

أظهر له "مصعب" إحدى جوانبه المُزيفة، شارحًا له الأمر باتِّضاح، إذ قال:

_نفق بيارون، وتدري زين إنه أبوي هو اللي بناه، الچد قُصيان، الله يرحمه ويغفر له... واللعنة ما أدري كيف صارت على هالنفق، بس ولاد الحرام هم السبب فيها، واللي خلّت أهل الديرة يترعبوا حتى من سيرته، لكن يوم فتشت ودورت ورا السبب، عرفت السالفة كلها... مرتك وبنتك ما كانوا أول ولا آخر ضحايا بيارون! ويوم عزمت أساعد أهالي الضحايا وأردّلهم أحبابهم، اللي في بالك طلبوا مني طلبات ثِقيلة، أصل الرچوع ما بالساهل برضه.

ازداد الشيخ "ضرغام" اكتراثًا بروايته، فاتجه إليه بمزيدٍ من الأسئلة الأكثر إشغالًا لذهنه، فقال بفضولٍ:

_آني طايح في عرضك يا رچال، دلني عّمرتي وبنتي! آني لفيت عّشيوخ الدنيا كلهم، وما واحد منهم عرف يساعدني، لو قدرت تردلي بنتي ومرتي، آني بأزوّچ رمزي لبنتي دليلة... بس قولي وريح قلبي!

استغلَّ "مصعب" جهله لخفايا العالم السُّفلي، وشرع في تمثيله بأي أقاويل لا تمتُّ إلى الواقع بصِلة، فظهر حديثه حياله بأهميةً بالغة الخطورة، ليُقابله باحتيال:

_إنت حطيت حل المعضلة في زواچ رمزي من دليلة بنتك، وما سألت عن الشرط الوحيد اللي يرچع أحبابك لحضنك من چديد! لازم رمزي ودليلة يتزوچوا بالأول، وبعدها نهب روح المولود الأول قُربان للي تحت... وإلا غير هيك ما بينفع!

اندهش الشيخ "ضرغام" مما يتلفظُ به، وكأنّه اغتنم الفرصةَ ليدّعي الأكاذيب كما يشاء، فسأله بغضبٍ يُغلِّف حروفه:

_إنت بتشتغلني؟ مرة تقول إن رمزي ولدك عينه على دليلة بنتي ووده فيها، ومرة تقول هذا شرطهم عشان يردولي مرتي وبنتي؟ آني ما حد يقدر يشتغلني! آني عُمدة البلد، وراسي توزن بلاد واجدة، والكلام ذا يغضبني واجد إن كنت تضحك عليّ، وآني ما عندي تهاون!

صمت مصعب لثوانٍ، متمتمًا بكلماتٍ صامتةٍ لا تتغلغل عقلًا غير عقله بالاستيعاب، فرمقه الشيخ "ضرغام" بقلقٍ، وسأله مُستفهمًا:

_وش اللي تهرچ بيه في سرك إنت؟!

تنهَّد "مصعب" بعمقٍ، كمن انتهى من سيطرة قاطنة يصنعُها في الخفاء، ورفع رأسه برفقٍ نحو شيخ البلدة، وقال بهدوءٍ غريب:

_بستغفر الله... المهم خلينا في سالفتنا! شوف يا شيخ البلد، آني رچال صادق في كل كلمة تطلع من فمي، ما لي في الكذب ولا في العوجان! رمزي ولدي يِرغب ببنتك صدق، بس هو مستحي منك، وآني تفاچيت يوم كلمني في هالسالفة بعد ما درَيت بمطلبهم، وكأن سبحان الله، النصيب چمع بين الاثنين: رغبة ولدي بالزواچ منها، ورغبة السفليّين، بس آني ما أريد رمزي يدرى بالحكاية الثانية! قلبه يتوچع لو عرف شي مثل ذا، ويمكن يرفض بعد....

وتابعَ بمحاولةٍ جديدة لإقناعه:

_إنت ما بتخسر شي... بنتك بتظل چنبك دايم حتى بعد الچواز، عليها تچيب الوليد من هنا، ناخذه لهم، ونردّلك الأحباب... هذا هو شرطهم الوحيد!

اختطف مصعب نظرةً سريعة نحو الشيخ "ضرغام"، الذي غرق في تردّده العميق، وأثنى رأسَه إلى الأسفل وشفتاه تتحرّكان بلا أثرٍ للكلمات، يُلقي تعاويذه الصامتة، وبين كل حينٍ والآخر يستقيم بنظره إلى الشيخ ضرغام، ذاك الذي اجتاحتْه نوبة نُعاس شديدة، فلم يُبد ردًّا، وبسط كفَّه على رأسه بإرهاقٍ وقال:

_طيب... بخطر الموضوع فراسي زين، وبردّ عليك من بعدين، خلّي رقم تليفونك برا مع الغفير!

ابتسم "مصعب" ابتسامةً ودودة، ونهض متأهِّبًا للاعتراب من السِّرية، وقبل أن يُغادر، أجلى تخوُّفه من انكشاف الاتفاقية لرمزي، فأنبأه قائلًا بتحذير:

_رچاء يا عمدة، لا تچيب طاري قدّام رمزي في شي أبد! وحتى يوم تشوفه لا تقوله إني چيت، إكمنه مِستحي منك، وآني بعد مستني موافقتك عشان أسويها له مفاچأة وأفرح قلبه!

لم يَقوَ الشيخ "ضرغام" على تحمُّلِ الآلام العاصفة برأسه، فأشار إليه بيديه من بعيدٍ بإرهاق، وخرج صوته متأثرًا بما أصابه، وقال:

_طيب، ما بهرچ، روح إنت!

ابتسم "مصعب" ببسمةً أشرقت بنور الأمل، وبينما كان يتحرّك إلى الخارج، رفع كفه في الهواء، وقال بوداع:

_سلام يا عمدة.

استدارّ مصعب في اتجاهٍ مستور، وأخرج حبّات تُشابه الرمال، ونثرها بأصابعه في الخفاء عَرض البوابة دون أن يلاحظه العمدة ضرغام، ذاك المنشغِل بمتاعب البدن التي باغتته على غِرّة، إذ نهض بتثاقُل وصعد درجات السرّية، فيما انصرم مصعب إلى الخارج حتى بلغ الحُرّاس الماكثين بنظام أمام بوابة القصر، فغايرهم الحديث وأملى رقم هاتفه على أحد الغُفر، متحمّسًا لرد الشيخ ضرغام عليه، كأنّه امتلك العالم برمّته في أحضانه، متيقّنًا من نتيجة دأبه الحقير وهو يغسل ذهن شيخ البلدة بطريقة ثُعبانية وضيعة، فالإجابة قادمة منه لا محالة.

لكن العجيب أن كل من تلاقت عيناه بعيني الساحر اللعين، عصفت به قوّة عنيفة جعلته كالريشة المتطايرة بين الرياح، فقدوا القدرة على صَلب سيقانهم، ورؤوسهم تتثاقل بغرابة لاحظها الجميع.

حتى السماء دجّت بغيوم أخافت الطيور، جعلتهم يُحلّقون مسرعين إلى أعشاشهم. العواصف ازدادت، وانقلبت الأجواء وكأن الطبيعة سخِطت من مرور مصعب على الأراضي الطاهرة، لكنه لم يُبالِ بما يحدث حوله، فتحرّك بخطى ثابتة لا يُزعزعها انقلاب، وركب سيارته وانطلق متجهًا إلى منزل الخال فهيم، على الرغم من درايته بوجود رمزي داخل إيبار في تلك اللحظة.

لكنه تمكّث لدقائق يترصّد أهل المنزل من مسافة قريبة، وكانت "غزالة" في هذه اللحظات تقف في شرفة حجرتها، ترتّب ثياب الأسرة على الحبال، وعلى حافة السور مشابك خشبية. لكنها وبصدمة عظيمة، ما إن وقع بصرها على مصعب حتى ضربت يدها على صدرها بارتياع، وحدّثت نفسها:

_يا نهار ما فايت، مصعب بنفسه هني في البلد؟!

همّت مُسرعة إلى الداخل، وصكت الباب بإحكام، فجلست على سريرها بقلبٍ يخفق رعبًا، وظلت تردد بلسانها كمن يُرقي نفسه ويحصنها، قائلة:

_بسم الله الرحمٰن الرحيم {وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ} [يس:٩]

ثم رفعت هاتفها بيدٍ ارتجفت على ألحانِ المخافة، وأجرت اتصالًا سريعًا بزوجها، تقول فيه بتحذير:

_الحق يا حاچ فهيم! أرمل أختك فطيمة، الله يرحمها، عندنا بالبلد، دير بالك، وأوعى تقربله، لا يحطك في باله ويضرك!

في الخارج، تفحّص مصعب المنزل بعيني موظّفي لجان معاينة الأراضي الصحراوية، لم يترك طابقًا إلا وترك بصمته عليه، ثم تحرّك إلى وجهةٍ جديدة: نفق بيارون! هناك وقف بالسيارة ناظرًا إلى النفق على مسافةٍ متنائية، لكنّ له يدًا خفية امتدت بخفة إلى البوابة الأمامية رجّتها رجًّا، وكأنّ زلزالًا أصاب الحي، ما جعل رجال الغُفر ينقزون على الأرض فزعًا، وأحدهم يتساءل بفيضٍ من الذهول:

_شو صار؟!

جذبه أحدهم بعيدًا، ورفع كفَّه للجميع، قائلًا بانذار:

_ما حد يقرب من البوابة! باعدوا أكثر!

ضحِك مصعب مُزدريًا حال الرجال وهم يتباعدون بخوف عن النفق، إذ لم يكتفِ بعاصفة الرعب التي اجتاحتهم، بَذَخ كفه الأيمن بالقرب من فمه لينفث فيه كلماته كما ينفث الوزغ في النيران، وأغلق جفنيه بغموض، وبدأ يتلفّظ مستحضرًا كياناته الخفية لتهم بالقصاص من جديد، وبمجرد أن أنهى مهمته أدار محرك السيارة وغادر الحي بأكمله، تاركًا النيران تأكل جسد چيهان في الداخل.

تلك التي ازدادت صراخًا، فتقلقل الشيخ نعمان عليها فزعًا، المعونة تكمن في روحه، لكن كفعل فلا باليد حيلة لإنقاذها، فنهض إليها بوجه يحمل مفازع الكون وكتابه في يديه مفتوحًا على صفحة تخص حالة چيهان المستعصية، فلا يوجد سواهما في هذا المكان المشؤوم بعدما تركهم رمزي ونزل إلى سفح إيبار ليطلق سراحها.

كلما تأوهت چيهان بصخبها العاتي، أحس الشيخ "نعمان" قلبه ينقلع من بين ضلوعه، وظل يردد بخوفٍ ليطمئنها:

_اهدي يا چيهان! اهدي طيب! أنا بشوفلك حل يا بنتي! اهدي الله يسترك دنيا وآخرة!

وبينما إعوالها يخترق أذنيه بإزعاجٍ ورهبةٍ في آنٍ واحد، تصفح كتابه وهو يتبع تعاليمه بحذافيرها، إذ كان يتعاون مع رمزي، وكلاهما يعمل بطريقته الخاصة، كأنهما يكملان بعضهما في أثناء عصيبة تطلّبت الاتحاد.

كلما تحرّك أورثيم في جسد چيهان، أحست بلسعاتٍ نارية تسري في دمائها، والاختناق المطوَّق على عنقها يقتلها بالبطيء، لكن في عالم قاصٍ عن الحياة، ارتد صوتها في كل صوب بلا شرودٍ لصداه من بيارون، فيأتي من ينجدها وكأنهم بين الصحاري. فانبثق "أورثيم" بصوته الحانق، متلفّظًا بوعيدٍ متأجج:

_چيهان الجسد الأول والأخير، لن أتركه ملجأً لغيري، ولن ينتهي بي المطاف مهما وقع من تحديات، سأظل عاشقًا، متشبثًا، وحيدًا لها بلا رفيق!

هوى الكتاب على الأرض، فانحنى الشيخ "نعمان" ليلتقطه بسُكنى، ثم استوى بجسده لأعلى من جديد، ونظر إلى أورثيم المتوعد، وقذفه برهطٍ من الوعيد الحامّ، كأنّه يثبت له: «لا خوف طالما المؤمن في معية الله!»، قائلًا بعجيج:

_المؤمن ميخافش من النار نفسها، أمال اللي اتخلق من النار، تفتكر هيتخاف منه؟ بإذن الله هتخرج ذليل وخاضع ومش هيكون ليك مكان في الجسد ده من تاني!

وتابع بنبرةٍ أشدّ قوة:

_أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن.

حينما تكون الرحلة على أزقةٍ خطيرة، التراجع فيها يصبح أشدّ وعورةً من الذهاب، طالما بدأت فلا بدّ من مواصلتها مهما كانت المخاطر، لربما في نهاية الطريق شيطانٌ يترصّد وصولك، لكن لا تنسَ أن في قبضتك سلاحك الفتّاك الذي لا يُقهر ولا ينهزم!

بأعماق إيبار، حيث يظل رمزي مُنعزلًا بمزيجٍ من المشاعر المُتضاربة: الخوف، الاستياء، الغضب، الحنين، لا يعرف إلى أي عاطفة يمكث نحوها، لكن ما سيطر عليه أكثر هو الخوف من الخسارة! لم يصل إلى هناك بهذا اليُسر، بل كلفه الوصول ساعاتٍ مهدورة في البحث عن حلّ لجلاء چيهان من أسرهم، لدرجة أنه جرّح يداه فتسربت قطرات الدماء على ورقة من كتابه، تلك التي وضعها داخل فم تمثال على هيئة شيطان صغير، ابتلعها وكأنه حقيقي.

ورمزي لا يزال يستدير حول ذاته بقلقٍ حتى فتح كتابه، فوجد العبارة التي انتظرها من الأمس بفيضٍ من الشوق، تقول:

"هنيئًا لك على إطلاق سراحها من قبضتنا، لكن لا تنسَ أن أورثيم سيظلّ مستحوذًا على كل شبرٍ في أرضها!"

في نفس اللحظة تم إطلاق سراح چيهان من الصندوق الحديدي، وانفكت القيود كاملة، ما جعل الشيخ "نعمان" يتجه نحوها بذهولٍ، ويسألها:

_إنتي بخير يا بنتي؟

بَكت "چيهان" بكاءً حارًّا، وارتعدت أطرافها وهي تنظر إلى الحجرة بارتياع، قائلةً بنفي:

_أنا مش كويسة خالص، أنا عايزة أخرج من هنا يا شيخ نعمان، يلا نمشي!

وقف الشيخ "نعمان" إلى جوارها باعتبارها ابنةً عفيفةً له، وأحنى رأسه إلى الأرض بعفة، وقال آمرًا إياها بالتحرّك معه سريعًا إلى الخارج:

_بسم الله توكلنا على الله، يلا بينا يا چيهان!

خرجا الاثنان من الحجرة سريعًا نحو الاتجاه المتعارف عليه، لكنهما، وبينما يتحركان، انفجرت المصابيح وانتشرت العتمة في الأرجاء. استدار الشيخ نعمان حوله لعله يلمح ضياء النجاة، وچيهان ترتعد ألمًا، فلا تزال قوة أورثيم مستحوذة عليها، لكن بشكل جزئي. بكت بخوفٍ وكأن الأمان غير مكتمل في غيابه، ذاك الذي تاه هو الآخر بين زُلفات إيبار، والفؤاد يناديه مستغيثًا قبل الفوه، والدموع ترغرغ الأعين حزنًا لمغيبه عن الأنظار.

وعلى الرغم مما تعانيه "چيهان" داخل النفق المُظلم، إلا أنها سألت الشيخ نعمان بغمرةٍ من القلق، قائلة:

_رمزي راح فين؟ ليه مرجعش لحد دلوقتي؟

استغرب الشيخ "نعمان" اهتمامها به حتى وهي في أضعف حالاتها، فواجهها بسؤاله، قائلًا:

_بقى بعد كل اللي جرالك بسببه ولسه مهتمة بغيابه؟

ظهر وهجٌ أبيض من بعيد، لربما دليل بين الظلام، وحينما اتبَعاه واتضحت الرؤية لهما من جديد، جلست "چيهان" على الأرض مُستربعة، وظهرها للجدار، وأعصابها مجذوذة عليه، والهواجس تكبس على أنفاسها من أن يكون أصابه مكروه، وأجابت بدموعٍ هادئة:

_رمزي مأذنيش في حاجة، من ساعة ما عرفته وهو بيحافظ عليا من أذى أبوه، لولاه كان زماني مُت من زمان... أنا اللي كنت دايمًا بقوله كلام بايخ وبزعله من طريقتي الوحشة وأنا بتهمه إنه السبب في اللي بيحصلي، بس لما فوقت عرفت قد إيه هو ساعدني، مأذنيش!

برك الشيخ نعمان حيالها باهتمام، صاغيًا إلى مدحها له في غيابه قبل وجوده، إذ رفعت كفها الحاني ومسحت دموعها، واسترسلت بنفس الوهن الصوتي:

_أنا محستش إنه كويس غير الفترة الأخيرة، هو مش وحش يا شيخ نعمان، رمزي لسه فيه الخير، هو بس اتربى غلط، اتربى في بيت كله قسوة وظُلم وأذى، أكيد كان مُجبر على كل اللي عمله، بس يوم ما بقى له شخصية اختار إنه يساعدني أنا، وأنا أكيد مش هنسى أبدًا حاجة زي دي.

على الرغم من الظروف المأسوية التي يعيشها الجميع، إلا أن الضحكة لا زالت موجودة، إذ ابتسم الشيخ "نعمان" ببساطة، وأبدى إعجابه بشخصها الفريد، فقال بإعجاب:

_طيبة وبنت حلال وقلبك أبيض... وتعقبيًا على كلامك ده أنا كمان بأيدك في اللي بتقوليه، رمزي من جواه عكس اللي براه، من برا ناشف وعنيد والصراحة ناقص رباية شوية بس سيبيها عليا دي، يظهر بس وهعلمه الأدب من أول وجديد....

ضحكت چيهان ضحكةً مشوهة بجروحٍ دفينة، فابتسم الشيخ "نعمان" هو الآخر، واسترسل:

_لكن من جوا حاجة تانية تستحق إننا نساعده يتطور للأحسن ويسيبه من سكة أبوه دي خالص، بس لعلمك يا چيهان يا بنتي ده ميبررش كل اللي هو بيعمله، احنا لازم نرجعك لأهلك اللي تعبوا من كتر ما لفوا على الأقسام والمستشفيات عليكي... أبوكي وأمك مقهورين عليكي، وخصوصًا أمك ست غلبانة وليل نهار تدعي إنك ترجعي، فاحنا عايزين دعوتها تُستجاب لما ترجعي لحضنها بالسلامة من تاني.

انهمرت الدموع من عيني "چيهان" حينما تذكرت والدتها وأختها، فضمّت ذراعيها لبعضهما بشوق، كأنها تعانقها وإن كانت القلوب تفرقها آلاف الكيلومترات، وقالت برجفة صوتٍ:

_ماما وريم وحشوني أوي، أنا نفسي أتطمن عليهم وأطمنهم عليا، وحشتني حياتي زمان وسطهم، كلامنا وهزارنا مع بعض، كل حاجة حرفيًا، بس برضه مش هكون مرتاحة أوي لما أرجع يمكن علشان....

قطع الخجل حديثها، فانحدر بصرها وهي تعبث بأصابعها بتردد، فلا تجد ما ستقوله، لكن الشيخ "نعمان" وصلته المعلومة بلا حرفٍ منها، فقال بردٍّ مُبهم:

_ادعي كتير واللي فيه الخير يقدمه ربنا.

مرت ساعتان، ورمزي لا يزال مختفيًا، ما جعل القلق ينهش أمان چيهان، التي تساءلت عنه بين كل حين وآخر بغمرةٍ من الاشتياق. إذ استجاب دعاؤها الداخلي حينما أصغيا لخطواتٍ وافدة تقترب شيئًا فشيئًا، ما جعلهم ينهضان سريعًا، حتى ظهر رمزي لهما بطلته الوقورة، يداه مجروحتان، وسيقانه تؤلمه ما أثّر على خطواته المنعرجة.

ظل يقترب إلى أن وصل لهما أخيرًا، أراد أن يطمئن على چيهان بعدما انفك قيدها، وهي الأخيرة التي توقت لرؤيته بشغفٍ، أما الشيخ نعمان فكان كالهواء بينهما، لا أحد يهتم لأمره ولا يراه من الأساس، إذ وقف بينهما ينظر لهذا تارة ولهذه تارة أخرى، وعلى وجهه انبلج التعجب. وأول ما قاله "رمزي" كان كالآتي:

_إنتي طيبة يا چيهان؟ الرچال ذا ضايقك في شي ولا زعلّك بحرف؟

ردّت "چيهان" بصراحةٍ، هادفة إلى أن تتاخم نفوسًا تنافرت بالعداء:

_علفكرة هو كان بيشكر فيك من شوية، فمالوش داعي اللي إنت بتقوله ده....

نظر رمزي إلى الشيخ نعمان بعدم اقتناع، وكأن الفكرة لا تغزو رأسه من الأساس، ثم وقف على سيفه، ونظر لچيهان كمن غاب أعوامًا عن ودوده ثم عاد بأطنانٍ من الحنين. فنظرت "چيهان" له، مُلاحظة جرح يداه، فاقتربت بخطى بسيطة ودققت النظر، ثم سألته بفزعٍ:

_إيه اللي في إيدك ده؟!

هزّ "رمزي" رأسه باستنكار، ثم رفع ذراعه متساندًا على الجدار، وسألها بتلميحٍ صامت:

_هيفرق معاكي؟

استدارت "چيهان" ناحية أخرى، وبسطت كفًّا فوق الآخر، وأجابته بلا مُبالاة، وكأنها لا تضمر له شيئًا سوى التجاهل:

_مش أوي.

ابتسمّ "رمزي" رغم ما يختلجه وجدانه من مشاعر حزينة، وقال برغبة اشتباك مازحة:

_باين على وجهك إنه ما أوي الصراحة.

شاركهما الشيخ "نعمان" الحديث، إذ صمَت كمن ابتلع حجرًا حجز الحروف في حلقه، لكنه خرج عن صمته، شاهدًا على مشاعرهما المُتبادلة في توقيت وزمان لا يتناسبان أبدًا. فرَمَق رمزي بدهشة، وقال:

_إيه يابني اللي في إيدك ده؟ مين اللي جرحك ولا إيه اللي حصلك؟

أجابه "رمزي"، متلاهيًا عن كل ما أصابه، وكأن همومه اتخذت حيزًا أكبر بكثير من آلامه الجسدية، ليقول:

_محصلش حاجة، أنا كويس، خلونا نتحرك ونشوف هنخرج ازاي!

وبمجرد أن عبّر عمّا ينويه، تسربت العتمة في أركان النفق، فلا أحد يرى الآخر، حتى كفوفهم وكأنها بلا أثر. لم تمضِ دقيقة حتى عادت الأضواء ليجدوا أنفسهم في مكانٍ آخر، كلعبة الأزمانِ، والحياة توقفت على وقعِ فجوة زمنية سمعوا عنها في صباهم، ولم يتوقعوا أن يعيشوها في واقعهم يومًا ما.

بقيت الأرواح مُتعلقة داخل سجن ممتد بلا نهاية، وروائح الموت تفوح في كل مكان، وسط سردابٍ رحيب جدرانه بُنية، منقوشة برسوماتٍ طريفةٍ. إذ افتتح رمزي كتابه لينظر ما به من تحديات مُستحدثة، ووجدهم يخبرونه بنفس القلم الدموي:

"الساعات القادمة مفترق طُرق، إما أن تنفد بجلدك وتهرع مُضحيًا بالغير، وإما أن تحذو حذوهم فتخسر فتاتك!"

نظر رمزي إلى الشيخ نعمان وچيهان وجدهما في هدوء غريب، إذ بغتةً ذهبت العاصفة لتأتي محملةً بنيران مُلتهبة هبت في الجميع. كان الشيخ نعمان متابعًا تغيرات چيهان في صمت، وكأنه يترقّب هدوء ما قبل العاصفة. بدا أورثيم يظهر عليها في حضورٍ مُريع، وهو يحركها كالدمية التي بلا إرادة وروح، إذ انقضّت على الشيخ نعمان بنواحٍ رهيب، متشبثة في جلبابه بطريقة كادت أن تمزقه تمزيقًا.

وعلى حين غرة داهمها رمزي بقوة، قاصيًا إياها بقبضة قاسية، لكنها باستفحال جني رطمته في الجدار باشتدادٍ يتعارض مع الطبيعة الأنثوية، فانحدر على الأرض دامغًا آلامه للعلن.

ولم يستسلم، إذ نهض مجددًا ووقف إلى جانب الشيخ نعمان، ذاك الذي أمسكَ بكتابَه العلاجي، ثم رفع بَصَره إلى چيهان ونطق آيات القرآن الكريم الخاصة بالحرق والطرد. وكلما تفوّه، ازدادت صراخًا، حتى أمرّ رمزي سريعًا بأن يُقيدها بقدر ما استطاع، فتشبّث بذراعيها وأعادهما للوراء مقاومًا جبروت أورثيم، إذ وقف الشيخ "نعمان" برباطة جأش إزاءها، وقال بصوتٍ صاخب:

_بسم الله، أخرج من جسد هذه الفتاة، أخرج يا أورثيم، ملك ملوك الجان! بأمر الله وبرسوله، يا أورثيم، اخرج ولا تعود! أخرج من الجسد واتركه لله، لا تخرج إلا من أصابع القدم! إياك والخروج من أي منفذ آخر، ستتأذى قبل أن تُؤذيها! اخرج يا ملعون، اخرج، عليك لعنة الله إلى يوم الدين يا أورثيم!

تُقضى الآمالُ بنواهي المشكلات، واليد الساعية رَجت حلَّ العقد التي طالما طوقتها أيادِ الأبالسة، وأيادٍ أخرى رحيمةٍ تنزع ما دُس بالشر والعدوان. الصرخات تعلو متزايدة برعب، والأنفاس تزداد طولًا وتشتدّ إصرارًا، البكاءُ مريرٌ وفؤادُ المُحب يكاد ينقلع من حزنه، والندمُ يحوق به من كل صوبٍ كأنه يوبخه بدلًا من أبٍ نصوحٍ يوجهه، الجدران مالت شاجنةً، وهمسات الخوف تعلو بالتدريج.

الخيانةُ صنعت من رفيقِ الدرب عدوًا في الخفاء، تسلَّلت أصابعه فيما لا يستحقه ليتخلص من ثرثراتِ زوجته اللامتناهية، منذ أولِ ليالي الزواج وهي تحمله فوق طاقته، فإن خطت قدماه يومًا بلا مالٍ يسد مسغبتها، أقامت عليه الحرب، وكأنها خرجت من مزرعة كلابٍ مُفترسة، لا بيتٍ أصيلٍ تفيض العين فيه رضا وسَنَق.

لكن العين المترصدة التي راقَبته منذ أشهر، لاحظت في الفترة الأخيرة تغيراتٍ زرعت الشكوك في رأسه، وفي ذلك اليوم كان "شوقي" جالسًا على كرسيه يرتشف الشاي، ويتحدث مع زوجته عبر الهاتف، قائلًا:

_أنا روحت القسم سألت تاني ملقيتش أي جديد، متنسيش إننا طول الشهور اللي فاتت رايحين جايين على أقسام الشرطة والمستشفيات يا أسماء، مش إنتي بس اللي تعبتي أنا كمان تعبت!

كانت "أسماء" على الجهة الأخرى في منزلها جالسةً على سجادة الصلاة، مرتدية إسدالها، والدموع لا تجفُّ من عينيها بعد، إذ قالت بيأسٍ أزادها إرهاقًا:

_نفسي بنتي ترجعلي، عايزة قلبي يرتاح وأعرف عايشة ولا لا، نفسي النار اللي جوايا تبرد، عيالي ضاعوا مني يا شوقي، حتى ريم بختها أسود ومنيل، اشمعنا احنا بس؟ ما كل الناس عايشة حلو ومرتاحين، اشمعنا احنا اللي حظنا مايل في عيالنا؟

ردَّ "شوقي" بانزعاجٍ، إذ يعتبرها تعيق استمراريته للعمل، فخرج بأسلوبه الفظ المعتاد، قائلًا:

_خلاص يا أسماء، بنتك فضحتنا قصاد الدنيا بحالها، أنا اتبريت منها وشيلت إيدي من كل اللي بيحصل، واقفلي بقى عشان أنا ورايا شغل ومش فاضي للكلام ده....

دلف منعم إلى الحجرة بملامحَ عابسةٍ توحي بشيءٍ هامٍ يرغب في الإفصاح عنه، وبمجرد أن بصره "شوقي"، واصل في الهاتف بانشغال:

_يلا هكلمك بعدين يا أم يوسف، سلام.

بينما انتهت المكالمة بينهما، وضع "شوقي" هاتفه جانبًا على المكتب بجوار أوراقه، فجلس منعم على الكرسي المُقابل له بترددٍ واضح، فسأله شوقي بدهشة:

_مالك يا منعم؟ ساكت ليه؟ في حاجة حصلت؟

عاد "منعم" بالذاكرة إلى الوراء، متذكرًا موقفًا تكرر مرارًا، كلما دخل على هشام وجده مرتبكًا فيصيح فيه وكأنه يستتر كوارثه بصوته الصاخب، معتبرًا ذاته ذو مكانةٍ مرموقةٍ في العمل. فبدا الشك يتغلغل في الآخر، ويرصده في صمتٍ لعله يكشف ما يختبئ في سريرته من أسرارٍ ملحودة، لكن ما اكتشفه مؤخرًا جعله في حالة ذهول، ما جعله مصرًا على قول الحقيقة، فتوجه إليه شارحًا الأمر بتحيُّر:

_أنا عارف إنك مش هتصدقني، وهتقول عليا كداب وبتاع حوارات، بس يا عم شوقي إنت عارفني كويس وعارف إني مليش في حاجة، أنا بس شوفت كام حاجة كده ومعايا الدليل لا تفكرني كداب!

استغرب "شوقي" حروفه المتطايرة حوله بإبهامه، وكأنّه غير واعٍ بما يقوله، أو أن الشجاعة دفعته لكشف ما كان مخفيًا، فسأله:

_إنت بتفرك كتير ليه يا منعم؟ دليل إيه اللي بتتكلم عليه؟ هو في حاجة هنا بتحصل من غير علمي؟

أحنى منعم رأسه لأسفل وهو لا يزال متحيرًا من إفشاء الأمر، حتى أخرج الهاتف من جيبه، وأطلق العنان للحقيقة وهو يفتح له مقطع فيديو يبرهن فيه عما رآه، إذ كان يتضمن حجرةً صغيرةً مهجورة داخل المبنى، يظنها هشام بلا كاميرات مراقبة، لكن الحقيقة أن منعم هو من دس له كاميرا صغيرة بحجم عقلة الإصبع في زاوية لا يلمحها الجان الأزرق ذاته.

إذ أخرج رزمَ المال من فوهة الخزانة وبدأ يستخرج من كل واحدةٍ مائتي جنيه، ثم وضعهم في جيبه، وهو يلتفت حوله كاللصوص تمامًا، وأعاد كل شيء كما كان، وصكّ باب الخزانة وخرج من الحجرة اعتقادًا منه أن العملية سالمةٌ ككل مرة، لم يعلم أن رصيده من الستر قد استنفد.

لم يصدق "شوقي" ما رأته عيناه، التي كذّبها قبل أن يكذب منعم، وكأن هبّة لافحةً داهمت بدنه فجأة، وأصابته بدوارٍ حاد، ثم رفع بصره إليه بإرهاقٍ، وقال:

_إيه اللي دخله البادروم عند الخزنة؟ ده أنا محرّج عليكم كلكم واحد واحد محدش يدخلها، هشام مالوش غير غرفة الحسابات، عايز أفهم إيه اللي وداه هناك؟ طب ده هو أكتر واحد فيكم بياخد مُرتب، حرمته من إيه ولا استخسرت فيه إيه بس؟

فاجأه "منعم" بمفاجأةٍ جديدةٍ لم تخطر على البال ولا الخاطر، وكأن شوقي آخر من حضر العرض المسرحي الذي كانت بطولته ممن وثق فيه، هشام! فقال:

_الكبيرة بقى إن هشام لسه شاري بيت جديد تلات أدوار، وأهو كله من النهب اللي خده منك يا عم شوقي، لا مؤاخذة يعني.

انصبت الهموم صبًّا على رأس "شوقي"، ذاك الذي مال بقهرٍ وهو تحت تأثير صدمته من هشام، فرفع ذراعه على المكتب برفقٍ، وعيناه تجولان حوله بعدم استيعاب، ثم قال:

_أنا ولا كأني عرفت حاجة، وإنت كمان متعرفش! خلي السر بينا لحد ما أشوف هتصرف ازاي!

ردَّ "منعم" مستجيبًا لأوامره:

_اللي تشوفه يا عم شوقي، مش عايزك تزعل، الصراحة هشام من ساعة ما اتجوز ست هناء، اعذرني يعني، وبقى عنده يبيع أبوه ذات نفسه عشان المليم.

زفرّ "شوقي" بضيقٍ، وأشار له نحو الباب ليتركه وشأنه في لحظاته الكاسفة، قائلًا باختناقٍ عارم:

_طيب، سيبني دلوقتي يا منعم وأخرج كمل شغلك!

نهض "منعم" متنهدًا بشفقة على حاله، وقال باستجابةٍ:

_ماشي.

خرج منعم من الحجرة بخطى سريعة، متجهًا إلى زملائه في الجبل، فيما بقيّ "شوقي" على مكتبه يعيد النظر في سخائه اللامحدود مع مَن لا يستحق، مسترجعًا بذهنه كل لحظة عامله فيها وكأنه ابنٌ له وليس زوج ابنة أخيه، كان ساعده الأيمن، يفضله عن كل العاملين في المكان ويضعه على عرش الألفة، محبذًا له عن زوجته ذاتها. وفي لحظة مشحونة بالحزن، رفع كفه على وجنته، وقال بحسرة:

_صحيح آخرة المعروف، الضرب بالكفوف.

يُفاجئك من آمنته، بسيفٍ يخترق أعماقك، فمَن يَحيى بين الثعابين ويشبّ على سمومهم لم يكن صافي المعدن منذ بدايته، بل هو ذو بذرةٍ نمت بشرورهم لا أكثر. فمن عاشر هشام تفاجأ بقلبه الطيّب، لكن ما كان أشد صدمةً وذهولًا انقلابه إلى شخصٍ مادي لا يكترث بأمانته بقدر ما اكترث بجمع الأموال، فالخسيس لا مانع لديه من أن يكبر ويشبّ على حساب الآخرين.

مرت ثلاثُ ليالٍ، والثلاثي منحصرٌ في سفحِ بيارون، أورثيم بلا رغبة في ترك چيهان تتعايش في سلام، ولا رمزي والشيخ نعمان قادران على حلّ الأزمة، إذ ترك عُقدًا مربوطة في جسدها بأكمله، كمن ينتقم بلا رحمة. كانت تهدأ لساعات، والأخريات تصرخ بخَبالٍ عجز الاثنان عن إيقافه.

أصبح الجميع على شفة المرض، بلا طعامٍ ولا شرابٍ لثلاثِ ليالٍ كاملات بين عوالمهم الخفيّة، لكن من عانت أكثر، چيهان التي أصبحت واهنة لدرجة يُرثى لها حُزنًا، لم تقوَ على صلب جسدها، وعقلها شاردٌ في دنيا أخرى لا تمثّلها بتاتًا.

سار الثلاثة في أنفاقٍ مظلمة، بعض أجزائها مُستنارة بضوءٍ برتقالي خافت، والبعض الآخر يغمره الغَبَش، بينما كان رمزي يُساند چيهان من جهةٍ والشيخ نعمان من الجهة الأخرى، وكلما اقتربوا من إيبار تفتّتت الصخور فوق رؤوسهم، وانحدرت بقسوةٍ على الأرض.

الوضع طال شرحه، والظُّلم بدأ بضحيّة وانتهى بضحاياه الثلاث، وبينما انتكست چيهان من جديد، وصرخت صراخًا حارًّا، تركت أياديهم وبَصرتهم بعدوانٍ وشراسةِ مُحارِبٍ لا يعرف للانهزام طريقًا، قبض الاثنان عليها بأعصابٍ مجذوذة، ووقف الشيخ "نعمان" أمامها للمرة المائة حتى الآن، يقول بنبرةٍ عالية:

_بسم الله الرحمٰن الرحيم {مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ (16) يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ (17) مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ} [ابراهيم]

لم يتحمّل أورثيم أن يخضع ذليلًا أمام تلك الآيات المترددة على أُذنيه ليلًا ونهارًا بلا توقف، أصرّ الشيخ نعمان أن يستغلّ تواجدهما في بيارون ليردّد طوال الوقت آيات العذاب والخروج. أَيْ نعم، أورثيم حارب طويلًا ومكث في الجسد مدة كان يجب عليه مغادرته في وقت سابق، لكن الشيخ نعمان ضغط عليه وحاصره بأسلوبه الاحترافي، ما أظهر قدراته العالية في العلاج بالقرآن الكريم والسُّنَّة النبوية.

الدقيقة تحوّلت إلى نصف ساعة من التكرار، وأورثيم ينوح متعذّبًا، فلا مفرّ له أمام قوّة الله وعظمته، إذ وصل إلى حافة لَوثته، وكأن الموجات الصوتية مسامير غُرزت في أُذنيه جعلته بلا موطن يفر إليه في لحظاته الأخيرة.

تشبّث رمزي بذراعيها مُحاولًا أن يُثبّتها فتنتهي رحلة العذاب التي عاشتها طويلًا، والشيخ نعمان ما زال يردّد بصوتٍ مسموع تلاوة آيات القرآن، وبينما النيران تسري في شرايين چيهان أحسّت بشيءٍ يتسلّل برفق إيابًا إلى قدميها، وفجأة خرجت حرارةٌ عنيفة من أصابعها، فما ألَمها خرج أخيرًا مُستسلمًا لقوة الرحمن الأعظم.

سقطت چيهان أرضًا مغشيًا عليها، وفي زاوية المبنى تحرك جسدٌ ناري ضخمٌ هاربًا إلى مكانٍ بعيد، سرعان ما انقض "رمزي" والشيخ نعمان نحوها بوجهين مشدوهين، ورمزي يرجّها بقوة، وينادي باسمها، قائلًا بخوفٍ امتزج بمشاعر الارتياح:

_چيهان، فوقي!

يتبع.....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة