الفصل الثاني والثلاثون

الفصل الثاني والثلاثون

15 0

في براقةِ العينِ طافَ الحنينُ،

وحبرُ الليالي انماعَ من عُبابِ النزوعِ،

يرى الحبَّ وطنًا يذرعُ في كنفِه صِبيةَ الفتورِ،

وما هو براءٍ ولا راوٍ يروي الغمومَ،

أمْ غائبةٌ انكفأتْ في روحِ الحبيبةِ والقلوبِ.

شعفة الهوى هيأت له ما لا يوجد، وفي رقاده الذي هرب به من الحياة، استفاق من غفوته على صوتها، والدته التي غادرت الحياة منذ أعوام، وتركته صغيرًا في عالم قاسٍ لا يرحم الأرواح البريئة.

هي الآن حياله بنفس هيئتها التي غادرت عليها للتو، كأنما الزمن توقف، وهي على مظهرها الشبابي كامرأة ثلاثينية، بشرتها نضرة، مفعمة بالحياة، وجهها بشوش، فلا يكدره شجن، على الرغم مما عانته قبل وفاتها من جحيم مع رجلٍ لعين، سيماؤه على وجهه، لمحة بسيطة من عينيه توحي بغضب الرحمن عليه.

أما هي، فكانت منبعًا للتفاؤل رغم الأسى.

نهض رمزي مندهشًا، ووالدته "فطيمة" قبالته بابتسامة واسعة، بنفس الملامح، النبرة، الحنان، كل شيء. الذهول على وجهه، وهي لا تزال تنصحه بقلب الأم المرتاع على صغارها، فتخبره بنصائحها الذهبية:

_يا رمزي يا وليدي... الخير والشر ما لهم ثالث، درب الخير مرشوش بالخير، مليان زهر ونوار، وكل شي يشرح الخاطر... طريقه واضح وسالك، ما فيه لا شوك يدمّي القدم، ولا همّ يكسِر القلب، وآخره جنينة واسعة، تفرح العين وتونس الروح. أمّا درب الشر، يا حبيّ، درب مظلم، مليان شوك يجرّح، وتعابين تلدغ، وكلاب تعوي ورا ضهرك، تبغي الشر لقلبك... وآخره حفرة سوداء، تنزلك نار ما ترحم، نار جهنم، كل ما تاكلك ترجعك سليم، بس عشان تعاود تكويك من تاني... عذاب ما له حد، ولا له نهاية....

لم يكن رمزي مستشعرًا بالكلمات بقدر ما هو مُنْصَدِمٌ من وجود والدته، متمنيًا أن ينكفئ أعوامًا إلى الوراء، سبيلَ أن يظل إلى جوارها حتى آخر نفسٍ له في الحياة.

تقدّمت والدته خطواتٍ منه لتكون أكثر قربًا، فعلِقَتْ نصائحها الذهبية في أذنيه كأقراطٍ ثمينة، يتذكّرها كلما أحسّ بها، وتابعت بحنان:

_ارجع لدينك اللي اتربيت عليه يا وليدي، لا تخلّي للظلم درب فحياتك، ولا تعطي شياطين الإنس سكة يدخلوا منها لقلبك... ارجع، يا بعد روحي، عشان بعد عمرٍ طويل، نلتقي سوى في الجنّة، ونرتاح من تعب الدنيا وهمّها.

اختفت فطيمة من إزائه بعدما أدّت دورها، وعادت الأمور كما كانت، لكنه، وبصدمةٍ عاتية، اكتشف وجود جيهان أمام عينيه تنصحه بلا مصلحة، وكأنها احتلّت مكانة والدته، لتكون نسخةً مُحدَّثةً منها بملامح وهيئة مختلفتين.

بحث "رمزي" عن والدته حوله وهو ما زال غارقًا في شوقه لها، فقال بنداءٍ خافت:

_ يمّه! وحشتيني يمّه... غيبتك طالت علـّي، والدنيا مُرّة من غير طيفك، كل شي ناقص، وكل درب بلاك موحش. والله ما عاد لي طاقة، لا فالليل ولا فالنهار، مشتاق لحضنك، مشتاق لكلامك، مشتاق لضحكتك، يا نبع الحنان.

اندهشت "چيهان" من حديثه معها لدرجة أنّها استدارت برأسها إلى الوراء، تنظر إن كان يشاركهما الحديث ثالثٌ أم أنّ الوسواس نالَه، فأعادت نظرها إليه مجددًا وسألته:

_ في حاجة ولا إيه؟! إنت كويس؟

أحنى "رمزي" رأسه إلى الأسفل بحزن، وأبدى مشاعر الفقد بوضوح، مُجيبًا بتردد:

_ شوفتك أمي.

تلجلجت "چيهان" في ردها، وهي لا تفهم سبب تحوُّلها في نظره إلى والدته، التي لم يخبرها بأي تفاصيل تخصها من قبل. هل بلمسة ساحرة تبدلت الشخصيات؟ أم أنه بدأ يخضع للأمراض العقلية التي فَصَلت فكره عن الواقع؟ فعبرت عن دهشتها من كلماته غير المتزنة بسؤالها:

_ ازاي يعني؟! هي جات هنا؟!

رمقها "رمزي" بنظرة منكسرة، مستشعرًا حطام مشاعره في سفحه المنهزم بالأحزان، وقال بدهشة:

_هتيجي ازاي؟ هو اللي بيموت بيرجع تاني؟!

انصدمت "چيهان" بعدما علمت بوفاة والدته، فاقتربت منه خطوات بسيطة، تستفهم بعض التفاصيل الخاصة بها، فسألت بشفقة تلمع في عينيها:

_ربنا يرحمها ويغفرلها... هي اتوفيت امتى؟

تضايق "رمزي" من سؤالها الذي أثار انفعاله، لكنه، وبالرغم من مشاعره المتأججة في هذه اللحظة، لم تُخرِج نيرانه برمتها، قابضًا عليها، خشية أن تتأذى چيهان منه، ما جعله يقول بأسلوب فظ يحمل شيئًا من اللُطف:

_مبحبش أفتكر سيرة أمي ولا حد يكلمني عنها، الكلام عنها بيدبحني!

لكن ردها الذي قبض على ثورانه، زرع في مهجته الطمأنينة، والفكرةَ بأنه لا يحارب الحياة وحده، بل هناك من يساندونه دون مقابل، حين قالت "چيهان" بعطف:

_أنا عايزة أساعدك.

تردد "رمزي" في كلماته، واعترض على تدخلاتها، ليس لأنه يبغضها، بل لأن؛ لسانها المعسول، وفؤادها العطوف، بمثابة مغناطيس يجذبه إلى تعلُّق لا يرغبه. وهذا أيضًا لم ينبع من كبريائه القاتل، لكن الدين، والظروف، والمجتمع، يعترضون تآلف قلوب متفاوتة، فقال برفض صريح:

_ده مش دورك، دوري أنا اللي أساعدك تخلصي من الفترة دي على خير، أنا بحاول أرجعك لأهلك في أقرب فرصة، وجودنا مع بعض عمره ما كان ينفع، أنا واحد غير وحياتي غير، مش عايز أكون سبب لأذى حد من بعدي.

نظر إلى عينيها بحسرة، وأدار وجهه ناحية السماء، والضيق يكاد يقتله. لم يدرِ أيلحقها من المعارك التي تعقبته اتحادًا مع المعادين، أم مشاعره التي سحقته كلما نَصَّ منها؟ حينها، قالت "چيهان" برصانة، وفي صوتها شيء من الهدوء:

_وجودنا هنا مكنش اختيار، ده قدر.

استدار "رمزي" نحوها، وتلفّظ بنبرة تهكّمية، متذكرًا كلماتها الجارحة التي بثّتها في نفسه كلما دخلا في نقاش محتدم، إذ ألوى فمه بعتابٍ متوارٍ وراءه تعثّرات الشجن، قائلًا:

_هذا القدر يا بنت، هو اللي خلاكي تكونين هنا مع واحد حقير زيي، ساحر وارث الأذى من أبوه وجدّه، واحد ما قدّملك إلا الخوف والرعب، دمّر حياتك، وعطّل مستقبلك اللي كنتي تتمني تكملينه، ظهرتلك من وين؟ ما أدري، بس نصيبك الأسود خلاكي تقابلين واحد زيي ما فيه أي ميزة، واحد ميت بالحياة وما يعيش، ولا يعرف كيف يعيش... بس خلاص الكابوس بينتهي قريب وما بتشوفيني ثانية، احفظي ملامحي، لأنك ما هتصادفينها ....

قاطعته "چيهان" وكأنها لا تتحمل توبيخه الجاف لها، يلقي عليها اللوم في كل مرة أسقطت عليه عيوبًا وضيعة، جعلته في منزلة شيطان بلا ضمير ولا رحمة، قائلة بحدة صوت ارتجفت على أنغام القهر:

_ كفاية! مش قادرة أسمع كلامك ده! بجد كفاية!

لمعت عيناها ببريق الحزن، ووهن صوتها، وكلاهما ينظر إلى بعضهما بعتاب جارح، لتتابع باستياءٍ ملحوظ، والحديث يأخذ مجرى أشد وضوحًا:

_أنا من ساعة ما عرفتك وأنا عارفة إن اللي جواك خير مش شر زي ما بتمثل على كل اللي حواليك، جواك حاجات كتير مكسورة ومش عارف تغيرها ولا لاقي اللي يمد إيده ليك ويقولك أنا معاك، أنا مشوفتكش ساحر، أنا شوفتك إنسان عايز ينضف بس ظروفه اللي منعته وكانت أقوى منه، بس كل ده ميبررش أبدا للشر... الشر مالوش أي مبرر غير ضعف النفس...النفس اللي بتلاقي أسهل حل نشر الفساد بدل من حله، علشان كده نصحتك ترجع لدينك، أبوك وجدك اختاروا ده بمزاجهم لأن: ليهم شخصية وأجبروك إنك تكون زيهم لأنهم؛ شافوك عجينة بيشكلوها على مزاجهم، شافوك واحد مالوش رأي ولا شخصية، وكل إنسان من حقه يختار، محدش يختارله، وإنت اللي من حقك تختار مصيرك مش هما.

لأول مرة يرى رمزي فيها ذاته في مرآة سليمة عكست ملامحه بوضوح وأفشت حقيقته التي هو بنفسه تاه عنها وجهلها. المرة الأولى التي أحس فيها أنه مبجل، فما زالت چيهان تحمل له تبجيلًا مضمرًا لم يحظَ بالظهور سوى منذ هذه اللحظة. الشيطان الذي امتلكه أعوامًا شعر برغبة في إقصائه بعيدًا، وعلامات التوبة بدأت في الظهور، لكن بأحزان أرجأت الأوبة، ووضعت العراقيل في زقاقها.

لكنه كلما تذكر ما يعيقه ويقيده تراخى، وسعى لإقناع نفسه بأن كما بدأت البداية ستنتهي بمثل ما هي عليه. كان يملك طاقة جاذبية عالية تجعل الجميع شغوفين بالتعامل معه، وكأنهم أرادوا الكشف عن صفحات كتاب غامض بدافع الفضول، وعلى الرغم من قوة شخصيته، إلا أنه لا يملك قرارًا حاسمًا ينتصر به على مشكلاته.

موقف چيهان تجاهه كان أشد إبهامًا من شخصيته، وهي تتبدل من امرأة لا تأبه سوى بالإياب إلى عائلتها، إلى امرأة تضع التوبة في أولى مهامها، كمن أصرّ على دخول رهان نفسي ليثبت قدراته القوية على التأثير. فبعدما أنهت مهمتها وهي تدعمه بنصح صافٍ، آملة في تغيره نحو الأفضل، دخلت الحجرة بهدوء وصكت الباب وراءها، وكأنها بهذه الطريقة تعطيه مساحة رحيبة ليُعيد النظر، فيرتب الأمور بعين الرصانة.

شعر بحقيقته لأول مرة، وكأنه لامس الأمل في روحه المطفأة، وقيمته التي تغافل عنها، حتى شخصيته المُساقَة وراء الطالحين الذين لم يمنحوه حرية القرار. من تلك اللحظات، انزاح الستار بينهما، وتغيّرت العلاقة إلى حياة زاخرة بالدعم، على عكس المرات التي اشتدت فيها الآراء والتُّهَم التي وُجِّهت إليه من قِبل چيهان، وكأن الغشاء الذي جعلها تراه شيطانًا انزاح عن عينيها لترى طبيعته، لكن التوبة لم تكن بالنسبة إليه بهذا اليسر.

جلست چيهان على حافة السرير، ومشاعرها مكنونة بين زوايا الحجرة، وإلمام مفاجئ يقودها إلى نفس المعركة، لتكون مُعاونة له بسلاحها في ساحة العراك ضد المعادين. لم تستطع تركه يقاوم بمفرده، خاصةً وهي تتذكر، بكل امتنان، كل ما فعله من أجلها، وكأنها تعيش صحوة روحانية حقيقية.

وسط النائحين في الجنازة، حيث يسكن الألم في قلوب الحاضرين، والصرخات تتعالى من داخل محفل النساء الباكيات، تختلط أصواتهن بصخب تلاوة قارئ القرآن الكريم في الخارج، بين الرجال في شادر العزاء، الذي ازدحم بالأقارب الوافدين من المنصورة وغيرها من البلاد، فيما كان عبق القهوة يتسلل إلى الأنوف بحزن، دلالةً على اللحظات التعيسة التي عاشتها العائلة بوفاة الجد شعيب.

داخل مطبخ الجدة روحية، تتعاون أيدي النساء لصنع الطعام للغرباء، كعادة اعتادها المصريون، وخاصة المتأثرين بالمناطق الزراعية والصحراوية. أما روحية، فكانت جالسة على الأريكة تبكي بكاءً حارًّا، مشتاقةً إلى زوجها الذي سُلِبت منه الحياة فجأة، الرجل الذي خادنته أعوامًا مديدة، أكثر مما أحيت مع أسرتها، لكن المرء لا يفلت من قدره؛ لا بد أن يصيبه في مكانه ووقته بالتحديد، مهما مَنَصَ منه.

في الخارج، كان شوقي يقف في شادر الرجال بجوار أخيه الأكبر عصام، والأصغر نجيب، حتى هشام، باعتباره زوج ابنتهم، كان يُمثّل صلة علاقة متينة، شاركهم في تلقّي السلامات.

وفي تلك الأثناء، دخلت مجموعة من الرجال، من بينهم خال رمزي الأصغر، المدعو "فايز"، ملتحفًا بجلبابه وعمّته البدويين، منتظرًا دوره للوصول إلى شوقي في طابور طويل، وحينما تلقى شوقي مصافحة "أحد الرجال" الذي قال:

_البقية في حياتك يا أستاذ شوقي.

أجاب "شوقي" بملامح حزينة، وهو يبادله السلام:

_حياتك الباقية... شكر الله سعيك.

بينما كان الرجل يصافح نجيب وباقي رجال العائلة، خطى "فايز" نحو شوقي بتعاطف، وقال بتعازي حارة:

_البقاء لله يا حاچ شوقي...شد حيلك!

أحنى "شوقي" رأسه في الأرض بحزنٍ واضح، وقال:

_ونعم بالله... شكر الله سعيك.

ليس كل نور فرحًا، بل مرسم من مراسم العزاء التي تجمع مئات الداعمين في الأوقات الصعبة. في شادر مكتسٍ بألوان الجنازة، نُصِب في قطعة أرض واسعة قبالة الدار، بكراسي ذهبية لامعة تحت وميض الأتراح، متراصة بنظام، يستقر عليها رجال من كافة المحافظات، منهم الحضري والبدوي وغيرهم. والقارئ، على كرسيه، يتلو آيات القرآن بصوت عذب في الميكروفون، فيقول قول الله تعالى:

_يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ سورة الفجر (الآيات 27–30)

النادل يتحرك بين الرجال بصينية زاخرة بفناجين القهوة وأكواب المياه، فيتغلغل شذا القهوة إلى الخياشيم بتعاسة وافرة.

وفي منتدى النساء المتشوحات بدهمة الحزن على ثيابهن وأحجبتهن السوداء، صرخت "روحية" بين السيدات، وهي تضرب يديها على صدرها بحسرة، وتقول بنحيب:

_يا حاج شعيب، يا حاج متتعزش على اللي خلقك....

رفعت نظرها إلى السماء، وتابعت بقهر:

_اللهم لا اعتراض على قضائك يا رب، مش ساخطة من أمرك، بس الفرقة صعبة ومحدش يتحملها.

عانقتها "أسماء" وقبلت رأسها، باعتبارها في منزلة والدتها، فتبكي معها رغم محاولاتها للثبات، قائلة بمواساة:

_الله يرحمه ويغفر له يا ماما، هدي نفسك ومتعيطيش! هجيبلك المصحف تقريله قرآن ينفعه في قبره.

نهضت أسماء ودخلت حجرة النوم بخطوات حزينة، فيما قالت "علياء" بدُعاء وهي تبكي بحَرقة، شاجنةً على وفاة حماها الذي وضعته في مكانة والدها تمامًا، ما جعلها ترفع يديها إلى السماء وتقول بدموع غزيرة:

_اللهم ارحمه واغفر له، وثبته عند السؤال يا رب.

ردّت ابنتها "هناء" بثبات، وكأنّ وفاته لم تحرّك شعرةً من مشاعرها الصلبة كالصخر القاسِ:

_يا رب.

بينما كان "عمرو" في الخارج، يقف إلى جانب والده ضمن صف رجال العائلة، انسلّ بهدوء ليواسي حماه شوقي في محنته. اقترب منه بعناق دافئ، ثم قال بنبرة حانية:

_شد حيلك يا عمي، كلنا لها.

ردّ "شوقي" وهو خاضع لأحزانه، وكأنه يعيش كابوسًا لا يكاد يصدّقه:

_ونعم بالله يا عمرو.

ربّت عمرو على كتفه بتأثُّر، وتحرك بخطوات بسيطة إلى الوراء ليفسح مجالًا للرجال القادمين للتعازي، فقد جاء خال منى، المدعو "صلاح"، برفقة ابنيه – محسن وإسلام– رجلًا قصير القامة، يبلغ طوله مئة وثلاثة وستين سنتيمترًا، بشرته خمرية تميل إلى الدُّكنة، جسده ممشوق يحمل علامات اللياقة، وكأنه جسد شاب بوجهٍ مسن، على الرغم من أنه لا يزال في بدايات العقد الخامس. عيناه مُخزرتان، بشرته ملساء خالية من اللحية، وأنفه مرفوع بحافة مدببة.

أما ابنه الأكبر "محسن"، فقد تشابه معه في كل الصفات الجسدية عدا القامة، فطوله يبلغ نحو مئة وخمسة وسبعين سنتيمترًا. اكتسب ملامح كثيرة من والده، وكأنه نسخة كربونية معدّلة بعينين واسعتين، مثالٌ للشاب البسيط، ذو الملامح المصرية الأصيلة.

وأما إسلام، الابن الأوسط، الذي وُلد قبل الفتاة الأخيرة، فهو شاب طويل القامة، ذو قوامٍ مشدود، وأكتافٍ عريضة. المسافة بين شعراته وجبينه ضئيلة، كالمسافة بين حبات الفاكهة وأوراق الشجر. يُحبّذ قصّات الشعر الطويلة، وبشرته أفتح بدرجتين من والده وأخيه. عيناه مزمومتان، وكأنه وُلد بين الآسيويين، لكنه يحمل طباع الأفارقة ودماءهم اللافحة.

وقف الثلاثة بجوار بعضهم يصافحون شوقي باشتياق، فآخر لقاء جمعهم كان قبل ثلاث سنوات في الفيوم. كانوا يأملون لو أن اللقاء القادم يأتي في ظروفٍ أفضل، لكن ما حدث جعلهم يسارعون بالحضور إلى العزاء. حينها، عانق "صلاح" شوقي، وقال بلهجة ريفية، معبّرًا عن استيائه:

_ البقاء لله يا شوقي، شد حيلك كِدِه أمال، كلنا لها.

هزّ "شوقي" رأسه ببطء، وقال بوجهٍ مكفهر، وجسدٍ لا يقوى على الاستقامة:

_ونعم بالله.

صافح الأخوان – محسن وإسلام – شوقي مصافحةً حميمية، ووجهاهما يحكيان قصص الحزن على وفاة الجد شعيب، ذاك الذي استقبل الجميع في داره بكل سخاء. كان رجلًا صافي القلب، محبًّا لقراءة القرآن الكريم، وعلى الرغم من أميّته، إلا أن قلبه تعلّق بالرحمن، وارتاح في قُربه... ما جعل الكبير والصغير يحبّه ويُفضّل مجاورته. وكأنه حينما خسر شهادته، اكتسب مكانها حبّ الخَلق له، حتى الحيوانات كانت تنجذب نحوه، وكأنها تحسّ بما يمرّ في سريرته من حنانٍ مفرط.

جلس الجميع على مقاعدهم، يُصغون لصوت القارئ العذب، ويحتسون القهوة بمرارتها المماثلة لأجواء السلوان. استمر ذلك الحال حتى الليل، حتى انهارت أقدام الرجال من الوقوف وسط الازدحام؛ تارةً يتلقّون التعازي، وتارةً يُشرفون على الحاضرين ليروا إن كان ينقصهم طعامٌ أو شراب. حتى بين تكدّس المصائب وآلامها، تجلّى السخاء في نفوسهم.

بدأوا يتسلّلون واحدًا تلو الآخر، حتى عادوا إلى مواطنهم عند الساعة الثانية عشرة من بداية يومٍ جديد. مرّت الآلام بمرارةٍ مؤلمة، والألم لا يُنسى، بل يتراكم في ليالٍ بائسة، لا يدرون ما ينتظرهم من بعدها.

مرّت ليالي الحِداد الثلاث، وهم يتلقّون التعازي في دار روحية، جميعهم أيادٍ متكاتفة نحو العون. من النساء مَن أعدّت الطعام، وأخريات كنّ يغسلن الأواني، وفي الخارج مَن تنظّف الدار استعدادًا لاستقبال وفدٍ جديد من الأقارب. حتى الرجال، شاركوا بشراء المنتجات الغذائية، ومجاورة روحية ليُعينوها على تجاوز مشقة الفُراق. بان الاتحاد الأسري في أبهى صوره، وجميعهم يحملون العون والمحبة بعضهم لبعض.

ثم انقلبت الأحداث إلى مكان آخر. هناك رمزي، الذي كلما صادف چيهان صدفةً في صالة المنزل أو حتى المطبخ، انزعج من دقّات قلبه المتضاربة دون سبب. تؤلمه معدته، مستشعرًا نارًا تسري فيها، ورجفة مفاجئة... كل ذلك بعد الحوار الأخير بينهما على سطح المنزل.

منذ ذلك اليوم، لم يدُر بينهما أي حديث، فقط نظراتٌ صامتة متبادلة. مثلًا، تخرج چيهان من حجرتها، تلتقي برمزي، فلا يُوجه لها حديثًا، ولا هي كذلك. يرمقان بعضهما لثوانٍ، ثم ينصرف كلٌّ إلى مهمته التي خرج من أجلها.

وإن كانت چيهان في الصالة تنظّف الطاولة، وأحسّت بطيفه يمرّ بالمكان، تفاقمت دقّات قلبها، وسرعان ما تفرّ إلى الداخل بتوتّرٍ ملحوظ من الطرفين.

وفي ذلك اليوم، كانت مستريحةً على الأريكة قبالة السطح، تنظر إلى منظر الصحراء الرحيب، وكأنها تُشاهد عرضًا مسرحيًّا يُزيل عن كاهلها الهموم. حينها، تفاجأت بعبور رمزي من باب الشقة، حاملًا "جهاز البث الفضائي (ريسيفر) " و"حاكوم"، حتى وقف قبالة الشاشة الصامتة منذ أن وطِئوا ذلك المكان، شاشةٍ معدومة الحياة، تبثّ الملل في النفوس.

بدأ يركّب الأسلاك ببعضها، متمعّنًا في مهمته، ما دفع "چيهان" للاستفسار بفضول، قائلةً:

_إنت بتعمل إيه؟!

بينما كان يوصِل الأسلاك بانشغال، أجابها بوضوح:

_هشغل التليفزيون.

اندهشت "چيهان" من اكتراثه ببثّ شيء من التسلية في المكان، بدلًا من ترك الأجواء الزاخرة بالملل تكاد أن تقتلهم من وطأتها:

_اشمعنا يعني؟!

أوضح "رمزي" لها السبب الرئيسي وراء ذلك، قائلًا:

_عشانك.

نهضت "چيهان" من مكانها بتردد، وهي تصغي لكلماته التي تبدو كالقطرات، وهو يجيبها باختصار بعد كل سؤال. كانت تريد أن تفهم عن كثب لماذا أحضر لها جهاز الاستقبال وقرر أن يفتح لها التلفاز على القنوات الفضائية خصيصًا في ذلك الوقت، فاستفسرت قائلة:

_عشاني ازاي؟ يعني إيه؟!

توقف "رمزي" عن عمله للحظات، واستدار لها، وأجاب:

_شايفك مخنوقة من القاعدة بين أربع حيطان، قولت أشغله يمكن يسليكي ويشيل عنك الزهق.

وسط ظروفه الصعبة، مهتمٌّ براحتها ويسعى إليها دون أن تطلب، حريصٌ على ألّا تشعر بملل الوحدة فيدفعها ذلك إلى العودة لأسرتها. لمسات بسيطة، لكنها تحوي في أعماقها رأفة، رغم كل جدال حاد نشأ بينهما. امتنّت "چيهان" لجهوده من أجلها، فابتسمت ابتسامة هادئة لا تكاد تُرى، وقالت بامتنان:

_شكرًا.

ردّ "رمزي" وهو بالكاد منشغل في توصيل الأسلاك ببعضها، كمن يُجري عملية جراحية دقيقة:

_العفو.

اصطفت چيهان جانبًا في ركنٍ قصيّ من الصالة، تراقبه بعينين مشعتين بالحماس، بينما كان يتنقل بلا كلل بين الداخل والخارج؛ يصعد إلى السطح فيحدّق في الطبق الصناعي، ثم يعود ليواصل توصيل الأسلاك بدقة متناهية، كأنما يعالج شبكة أعصاب لا تحتمل الخطأ.

انهمك في مهمته نحو ربع ساعة، لم يقطعها سوى لمحات خاطفة يلقيها نحو چيهان بين حين وآخر، لم تُخفِ ارتباكها منها، فأطرقت رأسها خجلًا، وقد توردت وجنتاها في صمت.

وأخيرًا، بعد عناءٍ مثابر، حانت اللحظة الحاسمة، فانبعثت القنوات الفضائية على شاشة التلفاز، واضحة في الصوت والصورة، كأنها تبث الحياة من جديد، فارتسمت على وجه چيهان ابتسامة دافئة، بعدما أوشك الملل المتصلب في يومها أن يخنق أنفاسها.

في تلك الأثناء، استدار "رمزي" نحوها بهدوء، وقال بنبرة يغمرها الحنان:

_التلفزيون شغّل أهو، الريموت عندك، جيبي القنوات اللي تبغيها.

وبينما كان يسلمها الحاكوم بيديه، انتبه إلى أصوات أبواق سيارة تتعالى أسفل الدار، يتبعها نداءات رجلين يناديان باسمه بصوت مرتفع. ثم صاح أحدهما بنبرة استدعاء:

_رمزي يا طوخي... رمزي يا طوخي، أطلع، نبغاك!

اندهش "رمزي" من نداءاتهم المجلجلة التي دوّت في الحي، فتحرّك من موضعه متجهًا إلى السطح، مدفوعًا بفضول لا يقاوم ليلقي نظرة ويعرف هوية المناديين. وفي مهجته، كانت تساؤلات شتّى تتقافز، من بينها سؤاله لنفسه وهو يهمس في ذاته:

_مين هذولا؟!

ثم خرج من الشقة يسير بين الرياح الصحراوية التي ألقت بنسائمها الخفيفة على جسده، ومنحته شعورًا سريعًا بالانتعاش، حتى قارب من السور، فوجد سيارة مرسيدس تنتظره بالأسفل، حيالها اثنان من الغفر بأسلحتهم، ينتظرونه بوجوه تدل على الأهمية القصوى لموضوع جلل. فسألهم بنبرة مسموعة، قائلًا:

_خير؟ تبغوا مني إيش؟

ردّ أحدهم بوضوح، مؤكدًا رغبة العمدة ضرغام في مقابلته في سريته، قائلًا:

_كل خير، لا تخاف... العمدة ضرغام يبغاك في السرية هناك في موضوع مهم، جاّلنا نچيبك ونرچع له.

تحدث معهم "رمزي" بعقليته الداهية، إذ لا يمكن لأحد أن يقتحم مسكنه بزيارة مباغتة دون ترتيب مسبق، فقط ليجذبه وراءه كما يجر الراعي غنمه، فقال بأسلوب فظ:

_وأنا مورايش غيركم ولا شنو؟ مش يمكن أنا في مشوار مهم، ولا عندي ناس في داري، ولا يمكن أكون مسافر، ولا حتى نايم تعبان بعد الرصاصة اللي دخلت كتفي بسببكم؟

أجاب الغفير الثاني مراعيًا حرصهم على سلامته، خاصة بعدما داهم قلب الشيخ ضرغام إحساسٌ عظيم بالندم على فعل لم يرتكبه، فقال:

_لا تخاف، احنا نبغاك عشان يعوّضك عن اللي صار لك، بس لا تتأخر علينا، لأنه عنده بعدك چلسة عرفية كمان ساعة ونص!

زفر "رمزي" بتبرّم، معترضًا على تصرفاتهم التي لا تتناسب مع مقامه السامق، فقال بخشونة صوت:

_يعني جايين تاخذوني من دار خالي وكمان بتشترطوا عليّ؟ على كل حال، ادوني خمس دقايق أظبط أموري بسرعة وبنزلّكم.

دلف رمزي إلى الداخل، وجلست چيهان بهدوء على الأريكة تتحكم في القنوات الفضائية بالحاكوم، تختار مسلسلًا يقضي على تخمة الحياة المضنية التي انغمست فيها بلا إرادة. كانت الاختيارات عدة، وتتنوّع ما بين الدراما المصرية والتركية والأمريكية، لكنها بطبعها المحبب للمسلسلات التركية توقفت عند إحدى القنوات لتجد مسلسل طفولتها المحبب إلى قلبها.

لكن في تلك الأثناء المشحونة بالتعجيل، وخطى "رمزي" السريعة بقامته المهيبة، كان يبحث عن حمالة الذراع التي تعد جزءًا هامًا من التمثيلية، تلك التي من دونها ينهار المخطط، وتنكشف أحداثه بخزيٍ عواقبه قاسية. فلم يترك مكانًا إلا وبحث فيه، وحينما قصمت القشة ظهر البعير. تقدّم نحو چيهان بتردد، وسألها بانزعاج، قائلًا:

_ما شوفتي الحمالة راحت وين؟

لم تنكر "چيهان" وجودها، فاعترفت بشجاعة، موضحة أنها هي من أخفتها لتمنعه من مواصلة سير الأكذوبة الحقيرة التي صنعها على كل من حوله. فأجابته بثباتٍ دون أن ترفع ناظريها إليه:

_أنا اللي شيلتها.

سألها "رمزي" بانزعاج، وكأنه عاصفة في ريعانها:

_وين وديتيها؟

أخفضت "چيهان" صوت التلفاز، ووضعت الحاكوم برفق على الأريكة بجوارها، لتصبح الأجواء أشد تركيزًا، مجيبة بلا تزييف:

_أنا مش هشترك معاك في الكدبة دي مهما حصل، ولا هخليك إنت كمان تكملها، لازم تقول للناس الحقيقة، كفاية كدب وحوارات بقى، إنت مبتزهقش؟

حاول "رمزي" أن يخاطبها بنفس الهدوء الذي يتحلى به، كفرصة أخيرة لعلها تتراجع عن عنادها، فقال بطلب مبطن في أعماقه، توسل خفي:

_هاتي الحمالة يا چيهان، وبلاش الكلام ذا دالحين! لو روحت من غيرها، حتكشف، وساعتها لو انكشفت، هرجع ميت.

نهضت "چيهان" ببرودة غريبة، ووقفت حياله موازية له، بوجه يشرد إصرارًا على اقتلاع الأكاذيب من جذورها، قائلة بمعارضة:

_مش هتاخدها قولتلك، مش هتاخدها ولا هديهالك، وأنا عارفة إنك بتمثل على الناس وبتكدب عليهم كدبة كبيرة...بس أنا بجد عايزة أفهم إنت ليه عملت كل ده؟ وعلشان إيه؟

جزّ "رمزي" على أسنانه كلمحة بسيطة عما يعتمل داخله من مخاطر شنيعة، يخشى أن تخرج في لحظات الثوران عليها فتتأذى من لهبه، فقال بوعيد صارم:

_اطلعي بيها يا چيهان، ورب الكون هوريكي وشي الثاني! اطلعي بيها بدل ما تزعلين زعل إنتي ما تسوى!

رمقته "چيهان" بغضب، وتوثّب كلاهما سهام الحقد من عينَيْهما في لقاء عنيف، فسألته بعتاب حزين:

_إنت بتهددني؟ طيب وريني الوش التاني!

لم يستطع "رمزي" أن ينفذ تهديده الصارم، ليس لضعف قدراته، بل لقلبه الضعيف، الولهان، تتيمًا وخسارةً في معاركه دومًا أمام عينيها. ظل الاثنان ينظران لبعضهما بغضب حتى خطا رمزي داخل حجرة النوم في صمت، وبحث في الخزانة عنها، لكن الفشل، الذي بدا كأنه حليفه، غمره في بؤرة سحيقة من اليأس.

وفي لحظة غير متوقعة، لمح طرف حمالة الذراع فوق الخزانة من الأعلى. لم يعلم كيف رفعتها إلى هذا الارتفاع، لكنه كان كل ما يشغله أن يقبض عليها ويرتديها بحركة سريعة، وهو ما زال يصغى إلى بوق السيارة بالأسفل.

خرج من الحجرة رافعًا ذراعه عليها في مشهد حزين عنوانه التجشُّم، وقبل أن يخرج من المنزل، أدار وجهه نحو چيهان وقال لها بنبرة ساخطة يغمرها العقاب المنتظر:

_حسابي معكي بعدين على هالحركة اللي سويتيها فيني.

فتح باب الشقة وأرتجه وراءه بعنف، كأن الهموم تتجلّى في صفعات الباب، والخطوات الثقيلة تنقش اللهب على الأرض تحتها. كان يخطو بضيق، وكأن چيهان قد تحالفت مع الخصوم ضده، تضع العراقيل في طريقهما، ظنًا منها أنها تختار الخير وتدفع عنه مضار الافتئات... لكنها، بعاطفة أمٍّ جاشت في صدرها، جعلتها تنمّق تصرفاته وكأنها مرآة يرى فيها شروخ روحه.

لم يفهم خوفها عليه من هاوية الكذب التي قد تعثر أقدامه وتُسقطه في جحيمها اللافح، وحتى هي، لم تدرك إدراكًا كاملًا السببَ وراء مسرحيته المتقنة، تلك التي نسج فيها الباطل من أجلها.

كانت المهام متراصة قبالته بترتيب دقيق، لا يمكنه أن ينفذ مهمة دون ابتداء الأخرى وإنهائها، وكان يعتقد أن للكذب مبررات تبيحه، لكن چيهان، بطباعها السامية، اعترضت على أسلوب معيشته، وهو يختار الكذب حلًّا بدل الوضوح.

نزل بخطى حانقة حتى وصل إلى الغفر، واستفسر باهتمام عن سبب الاستدعاء، يسأل كثعلبٍ ماكر، يعلم إجابات الأسئلة المتراقصة في ذهنه، وعلى الرغم من ذلك، يدّعي الجهالة.

ركب معهما السيارة التي انطلقت بهم نحو سرية العمدة، تتسلل بين الأزقة الضيقة حتى الفسيحة، والأشجار تتدانى شيئًا فشيئًا، حتى وقفت السيارة إزاء المنزل، وأشعة الشمس تنحدر على صاجها، تمنحها لمعة من التفاؤل وسط حلكة القنوط.

كان الغفر يحيطون بالسرية بظلالهم الحارسة من هجمات القُرَناء، وأسلحتهم مثبتة بإحكام على أكتافهم، استعدادًا لأي غارة في أي لحظة.

خطا رمزي مع الغفر حتى عبروا بوابة الدار، ودلفوا إلى الداخل، وتقدّموا حتى وصلوا إلى البهو الرحيب الذي ينيره الشيخ ضرغام بهيبته، مسترخٍ على عرشه، والأضواء تتسلل بحرارة عبر النوافذ الواسعة، قبالته على الطاولة طبقٌ لا يخلو من الفاكهة، كلما نفدت وُضعت غيرها.

وبلا كلمة، أشار الشيخ بإصبعه إلى الغفير مومئًا له بالمغادرة، فغادر الغفير بالفعل، ولم يبقَ سوى رمزي والشيخ في المكان.

رمق الشيخ "ضرغام" رمزي بإعجاب، وأشار له بالجلوس، فجلس قبالته بشموخ، مستعدًّا بشغف لسماع حديثه. فاعتدل في جلسته، وقال بانبهار جلي:

_آني من أول يوم شوفتك فيه في فرح ناچي ابن خالك فهيم، وآني حاسّ فيك مختلف عن كل اللي حواليك، شايف فيك هيبة وشموخ، رغم إنك لسه ما عدّيت الثلاثين... بس آني أحب الشباب اللي دماغهم نضيفة.....

ثم رفع إصبعه إلى رأسه بهدوء، واسترسل:

_اللي يفكروا بعقل مفتوح، بس اللي ضايقني إنك راسك ناشف وشايف نفسك شوي.

سأله "رمزي" بأسلوب هادئ لا يتزعزع أمام أعظم سلطانٍ:

_تسمحلي يعني أسألك، وسيادتك جايبني من وسط دار خالي وأنا تعبان، عشان تقول رأيك فيني؟

ضحك الشيخ "ضرغام" ضحكة لا تصدر إلا عن الأجلّاء، ثم نفى التهمة التي وجّهها إليه رمزي، فرفع رأسه بشموخ وأجاب:

_آني چبتك هنا عشان أعوّضك عن اللي صار لك بسببي، واحد غيرك كان جاّل: وآني مالي أفديه بروحي ليش؟ خصوصًا إنك جبلها بكام يوم كنت لسه طالع من سچني... بس إنت كبرت في نظري يا رمزي، وعشان كذا لازم أعطيك اللي تستاهله.

اعترض "رمزي" على أي تعويضات مالية، فحينما يُقدِم على فعلٍ ما، لا ينتظر مقابله يدًا تمتد بالعطاء، فنطق برفضٍ قاطع:

_لا، تُشكر يا شيخ ضرغام، أنا ما أبغى شيء، أنا فديتك بروحي لأنك مقامك عندي زي مقام أبوي، إنت رچال مقامك عالي في البلد، وكل الناس تحبك، يوم قلب واحد يتوجع خير من قلوب كثيرة، على الأقل آني ما لي حبايب.

رفع الشيخ "ضرغام" حقيبة المال ووضعها على الطاولة، ثم فتحها وأخرج منها رزمًا من النقود في لفتة بدت كتعويضٍ صريح عمّا تعرض له رمزي من مخاطر لأجله، ثم وجّه إليه نظرة ممتنّة، وخاطبه معبّرًا عن شكره بطريقته الخاصة:

_هالشنطة فيها مية ألف جنيه، عشانك!

امتنع "رمزي" عن قبول التعويض، معبّرًا عن رفضه باحتجاج صريح:

_اعذرني يا عمدة البلد، بس أنا ما أقبل جنيه واحد ما تعبت فيه، آني سويت كذا بأصلي، لأني شهم ومتربي من صغري أكون رچال.

لكن الشيخ "ضرغام" لم يقدّم له عرضًا يحتمل الرفض أو القبول، بل أملى أمرًا نافذًا لا يقبل النقاش، ما جعله يقول بصرامة:

_آني ما آخد رأيك، آني بأمرك، وإن كنت تجول ما تعبت فيها، اعتبرها مرتبك في الشغل مجّدم.

توهّجت علامات الاستفهام على جبين "رمزي"، فسأله بنبرة يعلوها الغموض والارتباك:

_مرتب شنو يا شيخ ضرغام اللي تحكي عنه؟!

سنحت الفرصة التي انتظرها طويلًا، وجاءت محمّلة بخيرات لا تُعدّ، إذ حين يُمنح العقل البشري الحصيف مجاله، يُبدع في اتخاذ قرارات قد تتحوّل إلى استراتيجيات باهرة تُحقق نتائج عظيمة. وقد تجلّت حصافة رمزي حين بلغ خطته دون أن يُظهر ضعفًا أو ينحدر إلى درك التوسّل المُهين.

صمت الشيخ *ضرغام" لحظات، ثم أجابه قائلًا:

_مرتبك يا رمزي في الشغل معاي... آني لو جولتلك أبغيك تكون واحد من رچالتي، هترد عليّ وش تجول؟

انكمشت اللهفة في عينيه وراء حجابٍ من التماسك، لم يُظهر بهجةً، كأنه يُسأل عن أحواله الشخصية لا عن مصيره.

حتى التردد بدا على ملامحه وكأنه يُلمّح برفضٍ مضمر دون أن ينطق. ظلّ صامتًا، يُفكّر في سكونٍ مهيب، وتبدّلت الأدوار بدهاء؛ من شابٍ متوسّلٍ خاضع، إلى رجلٍ ثابت النظرات، لا يُبالي بالعرض، كأنه لا ينتظر قبولًا ولا يتهيّأ لرفض. وفي هذا الصمت، رسالةٌ مبطنة: إن ظنّ الشيخ نفسه سلطانًا، فكبرياء رمزي المتأصل، وشموخه الغالب، جعلاه في هيئة "ملك الملوك"، جالسًا على عرش الخيلاء، المرصّع بحبّات التداليس اللامعة.

يتبع.....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة