الفصل السابع والخمسون

الفصل السابع والخمسون

12 0

تمدّد الارتياعُ في كل شبرٍ داخل الغرفة، وازداد الخوفُ بإحاطة الجنيِّ لها من كلِّ صوب. فلم يكن رمزي بضميرٍ يسمح له بإرهابِ الآخرين بقدراته الرّوحانية الخاصة، لكنّ الظروف الصعبة التي أُرغِم على الدُّسّ فيها جعلت من صموده قوّةً أعظم، وجسدًا مُتبرِّيًا من الضمير الحيّ. لسانُه الذي تمتم بتعاويذه السِّحرية، وعيناه اللتان لهما القدرة على تبصر ما لا يتحمله الآخرون، وجسده الثّابت وكأنه يُشاهد مشهدًا هزليًّا داخل فيلم فُكاهي، جميعهم أثبتوا جبروتًا متخفيًا وراء جدران الصمت.

هناك غيداء مغشيةٌ على الأرض بعدما تقابل ناظرها مع وحشٍ كاسر لربّما خرج من أساطير رُويت في الصِّبا، والأكيد أنه أبشعُ بمراحل. كل تفصيلةٍ في جسده استدعت ذبذباتِ الخوف التي اجتاحت كيانَها، لم تَقوَ على سماع اسم الجني، فكيف لها أن تتحمّل رؤيته إزاءها بكل ثباتٍ وكأن شيئًا لم يكن؟

لحظاتٍ قليلةٌ حتى استفاقت غيداء لتجدَ الجنيَّ ذاته حِيالَها، يبثُّها بأشعةٍ حمراء من عينيه، ويزأرُ بنبرةٍ مُخيفة بلا اسم. وبينما أعصابها تكاد أن تخترق رُعبًا، خطا "رمزي" بهدوءٍ إلى الأمام، وقال بوعيدٍ مباشر:

_المرة هذي صيخق ظهرلك وبأقل ما عندي، والمرة الچاية لو شفت وچهك أو سمعتك تنطقي اسمي ولا اسم چيهان، بأچيبلك زعيمهم نفسه!

نهضت غيداء بصَرخاتٍ مكتومة حتى فرّت هاربة إلى الخارج، بعدما نجحت خُطّة رمزي في التخلّص منها. ظلّت الأخيرة تهرول صارخةً بين الشوارع لكن بلا صوت، فكاد أهل الحيّ أن يسمعوا دقات قلبها المتضاربة وكأنّها طبلٌ صاخب.

وقفت قبالة أحدِ المنازل، والسيّاراتُ تتوافد على جهتَي الطريق، ورفعت كفَّها على صدرها وهي ترتعشُ ارتعاشًا واضحًا لا يُخفى. تبلّلت ثيابها إثر الرعب الذي رأته لأول مرّةٍ في حياتها، حتى صخبُ صرخاتها لم يخرج، وبَدَت فاقدةً للنطق؛ فكان ذلك مؤشّرًا واضحًا على أن رمزي كالقطارِ المُندفع، يسيرُ غير مُباليٍّ بمن يُدعس ومن ينجو في طريقه.

وفي هذه الأثناء المكتظّة بمشاعرِ الانتقام والخوف انهمرت الدموعُ من عينيها، وأشارت إلى إحدى السيّاراتِ المارّة، فتوقفت لها سيارة نصفُ نقلٍ بيضاء اللون، يركبُها رجلان، والحقيبةُ الواسعة في الوراء كالوعاءِ الفارغ. وقفت إزاءَهما تُشير بيدَيها كالصمّاءِ، فاعتقد الرجلان للوهلةِ الأولى أنّها وُلدت على هذا المنظر، إذ لم يكونا يَعلَمان ما حدثَ لها من هزّةٍ نفسيّةٍ شنيعة. ألقى عليها "الرّجل البدويّ" نظرة استغرابٍ وسألها:

_مالك يا صبية، تبكين ليش؟!

أشارت غيداء لهما إلى حقيبةِ السيّارة، والدموع ما زالت تلمعُ في عينيها، فنظر "السائق" إلى الرّجل المُجاور له في دهشةٍ، وجاهدَ أن يجمع ألغازِها المُفكّكة، فقال:

_باين عليها خرسة وما تحچي، ركبها معانا وخلاص، ناخذ ثوابها.

أومأ "الرّجل البدوي" لها بكفِّه نحو حقيبة السيّارة، لتبدأ رحلتَها المؤقتة معهما، فأبدى موافقته على اصطحابِها في طريقهم، قائلًا بمعونةٍ رحيمة:

_اركبي بالورى بالشنطة! يلا اركبي!

انضمت "غيداء" إليهما، ورفعت قدميها على الدرج الحديدي حتى بلغت الحقيبة، وجلست في العراء والهواء يلفح وجهها، ثم استخرجت هاتفها مُسرعةٍ، وبينما أصابعها ترتجف بهستيريا غريبةٍ، أرسلت رسالة إلى أخيها الأصغر ناجي، كان محتواها كالآتي:

_الحقني يا ناچي، لساني انعقد، وچسمي يرتچف واجد، ما عاد أقدر أنطق بكلمة، الحقني يا أخوي!

انطلقت السيارة بهم إلى أقرب موقف سيارات أجرة في البلدة، تأهبًا لإيصال فتاةٍ دخيلةٍ بينهم إلى مأمنٍ قريب، لتتصرف في باقي رحلتها بمعرفتها الخاصة.

وفي هذا الأوان، كان رمزي لا يزال متسمِّرًا أمام قوّته الشريرة يتطلّعها بثبات، إلى أن أشار للجني بوجهه نحو المرحاض، فما لبث طويلًا حتى دلف إليه بشكله المهيب، وتمركز في مُنتصفه، وبدأ يتلاشى كأن الأرض تبتلعه ببطء، حتى اختفى تمامًا عن ناظريه.

جلس رمزي على السرير كمثالًا للبسالة الرهيبة التي لا تهاب أعظم عظيم، فاتحًا كتابه على مصراعِيه ليرى ما الخطوة التالية للتحرّك.

أمّا مصعب، فكان كالأخطبوط، تاركًا كل ساقٍ له في بلدةٍ ما، أو كالجني الطائر يتحركُ في أي مكان وفي أي وقت كما يشاء، فالهدف اللعين غايةٌ مهمّة أزاحته إلى منزل الشاب مرزوق، صديق الطفولة لرمزي، والأقرب إلى روحه بعد ناجي ابن الخال، ذاك المتصدّر دائمًا المرتبة الأولى في قائمة الصداقة.

كانت الأجواء هادئة، مُتعارضة مع أجواء مصعب الداخلية، وكأن سفحه براكين مَحمومة بالشر.

وقف مُقابلًا لباب منزل مرزوق، وطرق الباب خمس مراتٍ وراء بعضها، رافعًا كفّه يرمقه كما لو كان يحوي شيئًا هامًّا، وعيناه بين كل حينٍ وآخر تُلقي نظراتٍ سريعة نحو سيارته الراقدة بعيدًا فوق رمالٍ وفتاتِ التين الشوكي.

انصرمت دقيقتان، ولم يخرج له أحد، ما جعله يطرق الباب للمرة الثانية بطرقاتٍ حارّة، فخرج له مرزوق بجلبابه الأصفر، ونظر إليه باستغرابٍ، يُشبّه على ملامحه كأنّه رآه من قبل. مدَّ "مصعب" يده وصافحه بابتسامةٍ لا تصدر إلا من أفواه الثعالب، وقال بأسلوبٍ ماكر:

_آني الحاچ مصعب صاحب الحاچ خليل أبو وهدان، كنت چايك بكلام مهم، قوله إني أبغاه!

لكنَّ "مرزوق"، الذي جَهِل تلك الشخصية، أظهر له عدم دِرايتِه به، فأوضح الالتباس الواقعَ فيما بينهما، قائلًا:

_لا يا حاچ، الحاچ خليل أبو وهدان داره بعيد عنا بشارعين، هنا دار الحاچ سليم البغدادي، أبوي!

وطَأَ "مصعب" كفَّه على جبينه بحدَّةٍ، كمن تذكَّر أمرًا هامًّا غاب عن ذاكرته، ثم رفع وجهه نحو مرزوق بأسفٍ، وقال بلهجةٍ خجولة:

_لا مؤاخذة يا أخوي، أصلي صار لي عشرين سنة ما شفته وكنت چاي أسأل عنه، بس الظاهر الحارات اتچددت والواحد نسى من كتر المشاغل.

ثم رمق إحدى زوايا المنزل المكنونة لتكونَ مَلجأً لخادمه الخبيث، وفي تلك اللحظة ابتسم "مرزوق" له بعفويَّة، وقال بعذوبة حديثٍ:

_ولا يهمك يا حاچ، عادي كلنا ننسى، الله يعطيك الصحة... تعال اتفضل اشرب شي في دارنا!

ابتسم "مصعب" وجسده مستديرُ للمغادرة، وقال بنبرةٍ عالية:

_تسلم يا أخوي يا غالي، الوقت مستعچل وأبغى أوصل للحاچ خليل بأقرب وقت، يلا السلام عليكم.

خطا مصعب سريعًا نحو سيارته، فيما تقدَّم الشاب "مرزوق" خطواتٍ بسيطةً إلى الأمام قبالة باب داره، ورفع كفَّه بإشارة وداعٍ، وقال:

_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

ولج مرزوق إلى داخل المنزل بعدما تأكد من ارتحال مصعب عن المكان، ذاك الذي غادر بطاقاته السلبية تاركًا أثرًا عويصًا منها. خطا الشابُّ إلى بهوه، وأشعةُ النهار تلقى بظلالها على وجهه عبر النوافذ المُزخرفة، لكنه استنشَق رائحةً شديدة التعفن في كفه الأيمن، فرفعه بالقرب من أنفه، فوجدها رائحةً لا تُطاق، كأنها مزيجٌ بين روائح الكلاب النتنة واحتراق القمامة.

وبمجرد أن توغَّلت الرائحة إلى رئتيه، أحس بثقلٍ عارمٍ في الرأس، دفعه نحو المجلس فجلس مُتألمًا، وكأن الحياة أمامه أرجوحةٌ عنيفةُ الاهتزاز، ما يوحي بألاعيب صامتة تعمل في الخفاءِ.

حيث تكمنُ التحدياتُ الأسرية المُشكِّلةُ لعوائق نفسيةٍ كبيرة بين جميعِ أفرادها، أنهى شوقي خياطة جرحه في المستشفى، بعدما أخبره الصيدلي بأن الجرحَ غائرٌ. حينها قرر التوجه برفقة أخيه عصام إلى أقرب مستشفىٍ من منزلهم. طوق الشاشُ الأبيض حول جرحِه كحماية عن تلوث الأجواء وغبارها البكتيري، اهتم بالحفاظ على جرحِه أكثر من حفاظِه على قلوب فتياته من الانكسار، ذاك المتمردُ على الهباتِ الإلهية له. وفي أي موقفٍ صعب يتطلّب الحنان، يظهرُ قاسيًا بجدارةٍ، فالطبعُ دومًا ما يغلبُ التطبع.

جلسَ شوقي في صالةِ منزلِ روحية، مجتمعًا مع والدته وأخيه على الأرايك، والدته تنصحه باللين، أما هو كالوحشِ المفزع يصيحُ بصوته العالي على الرغم مما أصابه من وراء غضبه، فقالت "روحية" بنُصحِ الأجداد الثمين:

_يا شوقي يابني الله يهديك ويستر طريقك، اقفل على المشاكل دي بالضبة والمفتاح، وعيش إنت ومراتك وبناتك، إنت ملكش غيرهم ولا هما ليهم غيرك، روحت جيت أهي چيهان في الأول والآخر ضناك حتة منك، محدش فينا مبيغلطش يا شوقي، احنا مش أنبياء، احنا بشر عاديين ووارد يابني إن كل واحد فينا ياما عمل مشاكل وياما وقع في غلطات كتير بس اتعلم منها.

لم يتعظ "شوقي" من نصائح والدته الغالية له، ظلَّ جامدًا في قراراته بقلبٍ لا يهاب شيء، إذ قال بنبرةٍ توحي بالشر:

_والله العظيم ما هرحم حد، وإن كانت أسماء معرفتش تربيها، أنا بقى اللي هربيها بمعرفتي، شوقي مش رجل كنبة يا حاجة! شوقي راجل أوي وميسمحش إن بنته تجيبله الكلام من اللي يسوى واللي ميسواش!

في الأعلى ضمَّت علياء، زوجة العم، چيهان إلى حضنها، ويداها تمسحان على رأسها بحنانٍ، فيما الأخيرةُ تبكي إلى جوار أختها، ووالدتهما أمامَهُن بوجهٍ انشقَّ حزنًا، كأن الشجن انطبع على وجوه الجميع. والهواءُ ضاق عليهم بؤسًا وحسرةً، وفي تلك الأوقات المليئة بمشاعرِ الاستياء، قالت "علياء" بلُطفٍ في صوتها:

_خلاص يا چيهان، حصل خير، المهم إنك في حضن أمك بالسلامة.

ضربت "أسماء" كفَّيها على فخذيها، وهي متبرمةٌ من حياة تلونت بدُجنة الجحيم على يد زوجٍ جافّ، متجرد من مشاعر الرحمة، قائلة برجفة صوتٍ:

_والله العظيم يا علياء، من ساعة ما چيهان رجعت البيت وهو مش راحم حد فينا، ليل نهار خناق وتحقيق معاها، دي لو دخلت الحمام واتأخرت خمس دقايق يفضل يرزع على الباب يقولها بتعملي إيه جوا،  مانعها تطلع البلكونة تبص منها، انشالله حتى تشملها شوية هوا، ربنا يستر ومياخدش التليفون منها هو كمان، دي تبقى كملت على الآخر.

أحست "علياء" بمدى معاناة چيهان في لُبِّ منزل بمثابة وطنٍ آمن تلجأ إليه حين تباغتها مخاوف الحياة، لكن الملجأَ ذاته كان جحرًا مليئًا بالثعابين اللاذعة. بدت لمساتُها على جسدها كالبلسمِ المطهر لجروحِ النفس، وهي تقول بتحنانٍ وشفقةٍ عارمين:

_معلش يا أسماء، هو الصراحة حقه من خوفه عليها، لما الموضوع يقدم كل حاجة هترجع لطبيعتها، وبكرا چيهان إن شاء الله تقدم في الجامعة وتخرج للدنيا وتعيش حياتها من جديد، وساعتها اللي حصل ده صفحة واتردم عليها.

كأنما تزعزعت مشاعر البغضاء في قلب "ريم" تجاه والدها وهي تراه أبًا ظالمًا. ليس غياب أختها هو من أوجّه فيه التسلط، فالبذرة نمت بداخله إلى أن كبرت ووصلت إلى درجة لا تُطاق من الأذى النفسي، مُتذكرة قسوته عليها في صباها وهي فتاة صغيرة، بدلًا من أن تُدلّل تتعرّض للتعنيف الأسري، يدًا تطأ جسدها، ولسانًا يقبحها بذميم الكلمات. فخرجت عن صمتها وقالت بانفعالٍ حار:

_لا يا طنط كل اللي حصل ده مش علشان چيهان غابت، لأن كلنا عارفين إن چيهان عفيفة وميطلعش منها أي تصرف حقير، كل ده حصل علشان هو أناني من صغره ومبيحبش إلا نفسه، مفتكرش مرة واحنا صغيرين طبطب على واحدة فينا ولا قالها كلمة كويسة، مفتكرش إنه خدني في حضنه زي الأبهات الحنينة اللي بتدلع بناتها وبتديهم الحب بمعلقة، كبرنا جعانين حب واهتمام، خلانا بنشحت الحنية من الناس الغريبة من كتر ماحنا محرومين منها.....

ثم نهضت موضعها باندماجٍ واضح في الحديث، واسترسلت ببكاءٍ:

_هنا ممنوع حد يقول رأيه ولا يفتح بوقه بنص كلمة، لازم نعيش في رعب نفسي طول الوقت لحد ما قربنا نصدق إن ده الأمان، أمان إيه؟ أمان إيه واللي المفروض بنهربله من الخوف هو نفسه مصدر الرعب في حياتنا؟

تراجعت ريم بذاكرتها للوراء عشرة أعوام، فتاةً صغيرةً ليست بِمدلّلة كما يتهمها بعضُ حمقى العائلة، مزدانةً رأسُها بضفيرتين ناعمتين، لامعتين تحت وهجِ مصباحٍ صغيرٍ يتراقص في سقف المنزل.

الساعة الحاديةَ عشر ليلًا، في ذروة الشتاء القارص، چيهان مثل أختها تمامًا لكن بحجم أصغر وأظافر مطلوة بالطلاء الأصفر. وفي محيطٍ بدا آمنًا، استلقتا على سريرهما تحت اللحاف الثقيل، وأخيهما يوسف في حجرته.

استيقظ الأطفال على صرخات الأب في وجه الأم داخل حجرتهما، فهرعوا مُسرعين إلى غرفة الوالدين، حيث "شوقي" يصيح بصوتٍ عالٍ، بثّ الخوفَ في أرواح الأبرياء بقوله القاسِ لها:

_أنا زهقت منك ومن قرفك، إنتي إبتلاء ما يعلم بيه إلا ربنا، إنتي مبتفهميش؟ عايزة من أمي إيه؟

اندهشت "أسماء" من صرخاته المزلزلة لحيٍّ ساكنٍ لا يخترق هدوءه سواه في هذا الوقت المُتأخر من الليل، فاعتدلت على سريرها، والنومُ لا يزال يغمرها، وقالت بدهشةٍ:

_في إيه يا شوقي؟ ما توطي صوتك العيال نايمة! العيال هتتفزع!

نطق "شوقي" بصرخاتٍ مُدوية:

_بلا عيال بلا زفت بقى فوق دماغك! تتحرق العيال! هو الواحد ميعرفش يتكلم في بيته براحته ولا إيه؟

نهضت "أسماء" من سريرها، والتعجّبُ مطبوعٌ على محياها، حتى وقفت موازيةً له، فدخل الأطفالُ بخطواتٍ سريعة وراء ظهرها، وكأنهم يحتمون فيها من شرّه، حتى قالت بعتابٍ:

_يا أخي اتقي الله، بعد الشر عليهم، ده في ناس مش طايلة ضوفر عيل! يعني أنا طول اليوم ضهري مقطوم في شغل البيت والمطبخ، حرام عليا أرتاح الليل بطوله؟ ولا أنا أجرمت يا شوقي؟

انفجر "شوقي" بصرخاتٍ مُفزعة، وقبض على هاتفه في يديه بعدوانٍ غريب، وقال:

_آه أجرمتي، لما جوزك يرجع من برا طالع عينه عشان يجيبلكم الطفح اللي بتطفحوه، ويقولك قومي جهزيلي ماية سخنة يبقى تقومي، تسخين الماية مش هياخد منك عشر دقايق على المخروب اللي يولع في المطبخ!

لم يعجب "أسماء" أسلوبه في الحديث معها، إذ كسر جميعَ حواجز الاحترام فيما بينهما، وكأنّه يهدم عشَّ الزوجية بمحض إرادته. فنطقت هي الأخيرة بصياحٍ:

_وأنا ياما قولتلك السخان بايظ يا تجيب حد يصلحه يإما تشتريلنا واحد غيره، إنت اللي دماغك متركبة غلط.

بدأ شوقي يسبها بوالديها، وقذف الهاتف في الجدار بقساوةٍ، وبينما مرَّ رَّشق في رأس ريم بالخطأ، سقطت تنتحب بحرارة. فخرج "شوقي" من الغرفة محتدمًا، بدلًا من أن يلقي نظرة طمأنينة على ابنته، وهو يقول بنفس الغضب المُحتدم:

_أخوكي يجيلنا يشوف أخته الناشز اللي عايزة تربية من أول وجديد، يجي يورينا هيعمل إيه مع أخته اللي طالعة من بيت محترم، خليه يجي ياخدك يعلمك ازاي تتكلمي باحترام مع جوزك وتشيليه فوق دماغك يا أسماء!

انفجرت صرخاتُ ريم بقهرٍ، فلم يكترث بشأنها سوى والدتها وأخواتها اللذان عانقوها، مُواسين إياها من أبٍ قاسٍ لا يعرف للرحمة عنوانًا، فيما أصابعُ أسماء تتفحّص رأسَ ابنتها المصاب، ويدُ يوسف تقبض على حطام الهاتف الذي تحوّل إلى أشلاء.

استفاقت ريم من ذكرياتها الأليمة، ويدُها لا تزال على نفس موضع الإصابة القديمة. آثاره الجسدية غادرتها منذ أعوامٍ مديدة، لكن الأثر النفسي عالقٌ فيها كالكلب الساغب الذي ينهش في روحها بلا رأفة.

سرعان ما اقتحمت ريم المرحاض وأوصدته على نفسها، ووقفت أمام المرآة تتهشّج بكاءً من وحشِ الذكريات الذي لا يفارق خيالها. فأحنت "علياء" رأسها لأسفل بحزنٍ في هذا الوقت العصيب، وقالت:

_لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أمانة عليكي يا أسماء خليكي مع بناتك واسيهم، ومتكبريش دماغهم برضه، ده مهما كان أبوهم اللي بيصرف عليهم.

تنهدت "أسماء" بحسرةٍ، وخرج صوتها محمَّلًا بمآسي السنوات، لتقول:

_والله بعمل كده، بس شوقي طبعه جاف شويتين سواء معايا ولا مع البنات، ربنا يهديه.

فاضت الروح دموعًا وحزنًا، حتى فوضت أسماء أمرها إلى ربِّها في زوجها، الله القادر الذي لا تغلبه أعظم القوى، ولا يجتاز انتقامه ظالم. الظالمون كُثر، وجهنم أكثر نيرانًا، فما للمظلوم إلا أن يتوكّل على الله في عقاب الظالم، وليست مُحاربته، لأن قوى الله لا تُهزم، وحزبُ الله دائمًا هم الغالبون.

في انقضاء الساعات، تدفّقت الدماء في العروق رعبًا، وأسرةُ فهيم، الذين اصطحبوا ابنتهم غيداء إلى عيادة الطبيب، أخصائي الأمراض العصبية في المدينة، وجدت الغرفة مُهيأة، والمريضة مُستلقية على سريرها، وعلى الكراسي المُتراصة: فهيم، وغزالة، وناجي، ونايف، وفي الخارج عمُّها عاصم منتظرًا بين المرضى في صالة الانتظار المحصورة.

وبينما "الطبيبُ" جالس على كرسيه بالقرب من غيداء، متفحّصًا فمها بعصاه الصغيرة، أمرها بأن تنطق الحروف كما ينطقها تمامًا، فقال:

_قولي "أنا هنا" !

حاولت غيداء تحريك لسانها لتنطق الجملة، لكنها أصيبت بفشلٍ ذريع استحوذ على كل مَن حولها باليأس. فيما يدي والدتها "غزالة" مَرفوعتان على رأسها بحسرة، والدموع على شفا الانفجار في أي لحظةٍ، فقالت برغبةٍ في النحيب:

_يا رب، البنت وش صاير لها؟ كانت نازلة زينة وما فيها شي، رچعت الدار فاقدة النطق وما تنطق بحرف، ريحنا يا دكتور وقولنا وش اللي صار لها؟

زفرَ "الطبيبُ" بقوةٍ، فخرجت أنفاسه محمَّلةً باليأسِ. حينها نهض بخطى محسوبةٍ، وجلسَ على مكتبه، وتعبيراته توحي بشيءٍ من الدمار النفسي الملمِّ بابنتهم. فضمَّ ذراعيه لبعضهما، ثم نظر إلى وجهي والديها، وقال بوضوحٍ:

_بصراحة ومخبيش عليكم، أكيد بنتكم اتعرضت لصدمة نفسية كبيرة هي اللي وصلتها للحالة دي، الآنسة غيداء فقدت النطق، وهنحتاج جلسات علاجية مع أخصائي نفسي، لكن هي جسديًا سليمة تمامًا، والصدمة نفسية فقط لا غير.

لكن "فهيم" بدوره رجلٌ عربيٌّ مكافح، قضى أغلبيةَ أوقاته في العمل، ولم يكن على وعيٍ كاملٍ بما يرويه عليه الطبيب، فظهر جاهلًا لهذه النقطة، وهو يسأله مستفسرًا بقلقٍ:

_آني ما فهمت شي من الحكي اللي تحكي فيه يا دكتور، وش يعني صدمة نفسية؟ وكيف چسمها سليم ولسانها ما ينطق بكلمة؟

أجابه "الطبيب" بوضوحٍ، شارحًا له الوضعَ بإيجازٍ، والأوراق بين يديه، فيما أصابعه تشير إلى ما يؤكد سلامتها الجسدية، قائلًا:

_الورق قدامي كله سليم، أشعة الـ CT سليمة الحمدلله مفيهاش لا جلطة ولا نزيف ولا أي ورم، والتقييم العصبي الكامل، خالي من أي سبب يفسر فقدان نطق الآنسة، وتحليل الدم مستوى الحديد فيه قليل شوية عندها، وفيتامين D منخفض نوعًا ما، لكن كل ده عادي ويتحل، المهم إن الصدمة مأثرتش عليها جسديًا.

سأله "ناجي" باهتمامٍ، على الرغم من عدم وصول المعلومات كاملةً إلى ذهنه:

_الحمد لله، يعني أختي بتتعالچ مع منو؟ معك ولا وين؟ حنا ما نعرف الدكتور اللي تحكي عنه.

دون "الطبيب" رقمَ وعنوان أحد معارفه من الأخصائيين النفسيين في الروشتة، ووقتما أصابعه تتحرك بالقلم بامتهانٍ، أجابه:

_لا، هتتابعوا مع زميل ليا، أنا كده دوري معاكم انتهى....

وبعدما أنهى كتابته، مدَّ يده بالعنوان لناجي، ذاك الذي همَّ لاستلامه، والطبيب يسترسل:

_اتفضلوا!

نهض فهيم وزوجته وأبناؤه وبدأوا يتسربون واحدًا تلو الآخر، فيما الوالد صافح الطبيبَ وشكرهُ على جهوده وطمأنينتهُ للأسرة بشأن حالةِ غيداء الصحية، عدا الوالدة التي لم تهدأ روحها كُليًا، فلا زالت مطوقة بهواجس شديدةٍ بشأن ابنتها، فلا يعرفون ما الذي أصابها في الخارج ليملكوا بدايةَ طرفِ العلة.

حينها خرجت العائلةُ من عيادةِ الطبيب برمتها، متجهةً إلى المنزل تأهبًا لاستئنافِ رحلتهم العلاجية في الغد مع أخصائي جديد. تعاطفُ غزالة مع ابنتها كان كافيًا ليصنعَ من الحديدِ الصلبِ خيوطًا حريريةً من القطن، مُضحيةً بكل ذرةِ حنانٍ لأجلها.

وفيما استلقت العائلةُ في السيارة، عائدين إلى مجثمهم المُريح في بلدة العوينات بالواحةِ الداخلة، كان العمدةُ ضرغام مستلقيًا على سريره بعد عاصفةٍ عارمةٍ من الكوابيسِ اللامتناهية؛ أثاثًا يتحركُ من زمنٍ بمفرده، وخشخشةُ الأقدام تتفاقم وكأن الأقدامَ ذاتها تتحرك في أذنيه، والكلابُ السوداء تلاحقه في منامه، ونباحُها الصاخب في يقظته. حتى الخيالات لم تفارق عينيه، وكأنما أحدهم ابتلعه ظلالُ المخافة ليظهر له ثوانٍ معدودةٍ ويتلاشى قبل نهايتها، وراء الخزانة وعلى بداية ممرات السجن المدفون في داره، كل شيءٍ يوحي بأعينٍ مكنونةٍ تراقبه في بُرُوحِ سريتهِ الرحيبة.

أما حراسُ العمدة، فمضى عليهم رجالٌ أشكالًا وأنواعًا مُتفاوتة: بعضهم رؤوسهم تتخبط في السقف من شدة طولهم، ونوافذُ المعتقل لا تتسع لاجتياز كفوفهم منها، الأجسادُ شاهقةُ الارتفاع والقوى تكفي عشرةَ رجال، والبعضُ الآخر كان طبيعيًا لكن عقله بلغ الحصافة أضعافًا. جميعهم ذوي هيبةٍ متدفقةٍ من شخصياتهم، إلا أن رمزي الوحيد الذي أماتَ قلوبهم رعبًا في محياهم، وهم يبصرون ما يكفي أن يشيب شعورُ رؤوسهم.

نظراتهُ وحركاتهُ من وراء القضبان كانت مُريبة؛ كلما رغبوا في عقابه انقلبت الطاولة رأسًا على عقب فوق أبدانهم، وكأنهم ينصبون الحفرة لأنفسهم لا له.

منذ ولوجه السجن ولسانه لم يتقلقل بحرف، وكأنما رُبط عن الحديث، وتلقائيًا بلا أي إرادةٍ من الحراس، كلما مرَّ غفيرٌ منهم بالقُرب منه أحسَّ بتيارٍ خفي يصعق جسده فيجعله يتراجع عما ينويه، ما جعل الجميع متحدين في نفسِ الفكر، وأن رمزي ليس ببشري عادي، ومن الأكيد أن هناك قوةً عظيمةً تحكمه وتدافع عنه.

نقص يومان من بينِ أصابع الزمان، والصَّحراء مَهيعةٌ برمالِها الذهبية، والشمس في ذُروة حماوتها فوق أبدان رِجال البدو. بين الأميالٍ العظيمة اكتظَّت الصحراء بسيَّاراتهم مُتعدِّدة الأشكال والألوان، لكنَّها جميعًا تتَّحدُ في صِفةٍ واحدة؛ التّراث البدويّ المُتوشحُ على سياراتِهم.

الرجال هناك كأنهم نسخة واحدة توزعت على الجميع باختلاف الملامح، إذ احتضنت أجسادهم جلابيب العرب، والألثمة راقدة على رؤوسهم، كل واحدٍ منهم مالك سيارته، والرياح مشتدة باتجاه أحياء المنازل، أما الأصوات فتعالت مُتنوعة ما بين حكايات الرجال، ومزامير سياراتهم، والأغاني العربية التي شغلها بعض شباب الصحارى.

وقف رمزي إلى جوار "ناجي" وبعض الرجال، يتبادلون الحديث، إذ قال رمزي لأحدهم بضحكةٍ عالية:

_هاه، لا تخرب الحكي، بكرا تشوف من اللي بيزعل!

تُسمّى هذه المغامرة في بلاد العرب "الراليات الصحراوية"، وهي من العادات المَعروفة عند البدو على اختلاف قبائلهم. وفي السعودية والإمارات ودول الخليج، تكون عادةً سباقاتٍ أو عروضًا للسيارات والدراجات في عمق الصحراء. تُعدّ هذه الراليات جزءًا مهمًا من التراث الحديث المرتبط بشباب البدو ورغبتهم في التحدي، وكأنهم ينفثون عن طاقاتهم السلبية عبرها كهواية مُمتعة، مثل محبي سباق الخيل أو السباحة أو الرسم وغيرها من الهوايات المتنوعة.

وقف رمزي إزاء إحدى السيارات البيضاء، يلامسها بتفحّصٍ ليرى إن كانت ستناسبه في مغامرته أم سيحتاج إلى أخرى، وبينما الرجال يصخبون بالمزاح في الجهة الأخرى، وضع "ناجي" كفّه على كتف أحدهم وقال مازحًا:

_عليك سوالف تميت من الضحك، والله!

رَدَّ الأخير مميلًا بجسده في الهواء بإشاراتٍ عابثة:

_ما في غيري بيطير اليوم يا ناچي، بنصير مثل الطيور بالهوا، ونشوف من اللي يغلب، إنت وإلا أنا.

بذخ "ناجي" رأسه لأعلى بثقةٍ يافعة نحو السماء، رافعًا إحدى حاجبيه، وقبض ملامحه بعبوسٍ مرح، وقال:

_آني اللي بفوز، وبأعزمكم كلكم على أحلى حفلة چمال مشويّة.

ضرب "ناجي" كفَّه بكفِّ صديقه باتحادٍ، وضحكاتُهما تتعالى من حولهما، ثم تحرّك نحو رمزي، فوجدَهُ راسيًا أمام سيارته باستياءٍ براقٍ في عينيه، لامس يديه بدعابة أخٍ مُشاكس، وهزَّ جسده قليلًا ليفيقه من غفوة الأفكار التي تلاحقه من كل صوب، وقال مبتسمًا:

_الحلو ويش شاغله؟ وين سارح فكرك يا رمزي؟

شبك "رمزي" ذراعيه في بعضهما بشجنٍ، وخرجت أنفاسُه محمَّلةً من صدره بحزنٍ عظيم، وهو يُخفي آلامَه، مُجيبًا:

_لا سارح ولا شي، فكري ما تحرك من مكانه، وين يروح تفكيري عنّها؟ وأنا بالي وياها دوم، ليل ونهار.

ثم تنهّد، وعيناه تجولان حوله بعاطفةِ الحُزن، وتابع قائلًا:

_اشتقتلها واجد، وما أدري شلون أتواصل معاها، ما معاي رقمها، والتليفون اللي كنت أراسلها عليه رچعته مع الرچال اللي اسمه نعمان، ومن يومها ما لقيت وسيلة أكلمها، حتى بس أطّمن عليها.

لم ينسَ ناجي أن چيهان أرسلت لصبا رقمَ هاتفها الجديد قبل أن تُعيدَ الهاتفَ إلى رمزي بمساعدة الشيخ نعمان، تلك كانت الطريقةَ الوحيدة التي سيتمكّن رمزي بها من الاطمئنانِ على محبوبته الأولى والأخيرة.

ابتسم "ناجي"، وداخله يقينٌ تام أنَّ الأمر لم ينتهِ بعد، فقال:

_رقم چيهان الأصلي مع صبا، أظن إنها أرسلته لها قبل ما ترچعلك تليفونك، بس بصراحة هي حلفتها إنها ما تعطيك الرقم مهما صار، بس لا تشيل هم، راح أحاول مع صبا توصلّك بيها.

أحنى "رمزي" رأسه للأسفل بخيبة أملٍ عظيمة، وعبس وجهه واليأس يُكبله كأسيرٍ له، حتى قال بنبرةٍ هادئة توحي بالاستسلام للواقع:

_وحتى لو وصلت لرقمها الأصلي، ما راح ترضى تكلمني، چيهان شايفة إن اللي بينا خطأ، وكل تصرفاتي ما تدخل عقلها، متأكد إنها لو شافت رقمي راح تحظرني، وساعتها تكون كل الفرص راحت من إيدي.

وقف أحدُ الرجالِ على حافة جبلٍ متوسط الارتفاع، وقبض على الميكروفون ليُخاطب الجميع بصوتٍ مسموع، فقال بتوجيهٍ:

_الچولة بتبتدي يا ربع، كل واحد على موتره، يلا يا شباب ورّونا الحماس!

أشار أحدُهم من بعيدٍ إلى "رمزي"، فتحرّك نحوه برفقة ناجي سريعًا يُصافحانه قبل أن يركب كلٌّ منهما سيارته، وبينما الرجال تتأهب للتحدي، إذ بخفيف الظل والحركة يتسلّلُ بينهم بخفةٍ مريبة، جعلت يداه بقطرٍ حامٍ تبترُ سلكَ الفرامل، وفي أقل من دقيقةٍ تلاشى كذرات الأوكسجين في الهواء، فبينما يقف رمزي مع أحد معارفِه، قال بودٍّ:

_شكرًا يا عزيز، خلينا نحنا اللي نشوفك.

رفع الأخير كفَّه بإشارة وداع مؤقتة، وقال مقهقهًا:

_حاضر يا غالي، دايمًا نشوفك بخير يا وچه الخير.

انطلق رمزي برفقةِ ناجي، كلًا إلى سيارته، فيما بدأ العداد يَعُدّ على شفتي الرجل الأشهر عبر الميكروفون، والأعداد في حالةٍ تنازلية بالتدرج، بدايةً من الرقم عشرة نهايةً إلى واحد.

ركب رمزي السيارة ورفع يداهُ بساعديه كلتاهما على حافةِ التارة، يرى على جانبيه سياراتٍ عدة تقف بعشوائية لا بنظام، كأنها مثالًا لفوضى لم تبدأ بعد،

وعلى حافةِ الجبل بدأ الرجل ينادي في الميكروفون بالأرقام تنازليًا، وها هي اللحظةُ المرتقبة، وصولًا إلى رقمٍ واحد، انطلقت السيارات بسرعاتٍ جنونية، وكل واحدٍ منهما مناضلًا لأن يُبرز مهاراته النارية في سباق السيارات.

من ضمنهم ناجي في الوراء، فانغرزت إطارات السيارات في الكثبانِ الرملية، وكلما استدارت مقاومة حركتها، انتدحت الرمالُ في الهواء وكأنها عاصفة رملية شديدة قد تُعمي من يتجرأ للوقوف حيالها.

السياراتُ الحمراء تسنمت على حافةِ الجبال، وبعيدًا حشدٌ من الرجال يهتفون بصفقاتٍ حارةٍ وصفيرٍ تحفيزي، فيما سياراتُ الدفع الرباعي والنصف نقل يبرزون مهاراتهم في السباق العنيف بين الرمال التي ابتلعت إطاراتِها الأربعة.

نظر "رمزي" يمنةً ويسرةً بانتباه، وكأن عيناهُ زُرعت في منتصف رأسه ليكن على وعيٍ كامل بالمخاطر المُتوقعة، وبينما اجتاز العديدَ من السيارات، صعد على حافةِ الجبل المائلة لأسفل، لكنه وبدفعٍ أقوى حرّك الفتيس على أعلى سرعة، وضغط بقدميه على مكبسِ البنزين ليفعمَ السرعة أضعافًا مُضاعفة باحترافيةٍ عجيبة.

وفي لحظةٍ غير متوقعة، تحركت السيارة في اتجاهٍ غير مقصودٍ دون إرادةٍ منه، وكلما حاول أن يستدير نحو الاتجاهِ الصواب وجد وعورةً قوية جعلت الكثبانَ محيطةً بإطارات السيارة من كل صوب، فضاعف رمزي من سرعة السيارة حتى تشعشعت الرمالُ وخرجت من أحضان الإطارات الأربعة، فانطلقت السيارة من جديدٍ واستعادت حيويتها.

لكن، وعلى حينِ غِرة، تقابل رمزي مع جبالٍ شاهقةِ الارتفاع على مسافةٍ دانية جدًا منه، وكلما حاول أن يُبطئ السيارة ليقف بها ويُغيّر المسار وجد السرعةَ تتزايد، إلى أن هوت به السيارةُ علوَ هضبةٍ ماردة على أرضٍ صلبة، فانحدرت رأسًا على عقب بضحيّتها.

انتشر صخب تكسير السيارة مع عظامِه التي تحطمت مع كلِّ رتجة، ورأسِه الذي تخبط بقساوةٍ في عظام السيارة العتُلة.

وبعد دقيقتين من انقلاب السيارةِ برمزي على جميع زواياها في منطقةٍ نائيةٍ جدًا لا تُبصرها الأنظار، سقط مغشيًا بلا إحساس، هنا توقّف الزمنُ لبرهة، ولا يشعر بأي ألمٍ يكتسي بدنه كالمتوقع، فانفتح جفنُه الأيمن انفتاحًا بسيطًا والعين الأخرى تتساقط عليها قطراتُ دماء رأسه.

أصبحت السيارة ما هي إلا كعلبةِ السردين المحطمة، لا يرى معالمها ولا يرى شيئًا سوى الحديدِ الضاغط على جسده بعنفٍ شنيع، بدأت دماؤه تنزف بانهمارٍ، وأهاته تتعالى، لكن ألمه منعه من جلاءِ صوته من أعماقه المُحطمة.

حاولت أصابعه أن تنسل داخل جيبه حتى أخرج هاتفَه بيدٍ مرتجفة، لاهثًا بأنفاسه الأخيرة وكأنه يحتضر، اتصل على ناجي مراتٍ عدة لكنه لم يُجبه، ما كان أمامه سوى الشيخ نعمان، ذاك الذي اتصل به بألمٍ ينهش في بدنه كسكراتِ الموت، وخرج صوتُه بعذابٍ أليمٍ، وهو يقول بنشيجٍ:

_ألو... ألو يا نعمان، صار لي حادث قوي فالصحراء!

جاهد أن يُتم حديثه بأنفاسٍ متقطعة كأنها أنفاس الموت، وتابَع:

_روحي بتفارقني... بموت يا نعمان، تعال الحقني بالله!

واسترسل بكلماتهِ الأخيرة، وبين حينٍ وآخر يتهشَّجُ صوتُه ساعيًا أن يتلفّظ حروفه رغم ألمه الحادّ:

_أنا عند راليات الكثبان الرملية... بعد دار خالي.

انقطعت المكالمةُ على آهاته العالية حتى فقد الوعي تمامًا. في تلك الأثناء نهض الشيخ نعمانُ من موضعه بحالةٍ من الجنون، خرج من حجرة النوم على عَجَل بملامح مشدوهة، مناضلًا للوصول إلى رمزي، وخرج من بابه نزولًا على الدرج بسرعةٍ ليسعفه قبل فوات الأوان.

بالفعل، لم تمرَّ عشرُ دقائق إلا وقد كان في منزل الخال فهيم يُخبره بما حدث لرمزي. هناك تحرك أخوال رمزي برفقة الشيخ نعمان إلى موقع العروض الصحراوية، يُعاركون الوقتَ الضائع لإنجاده.

فلم يتركه الخالُ عاصم وشأنه كما زعم في المرة الأخيرة، لقد غلبته مشاعرُ الأبوة، وهنا تظهر مقولة "الخالُ والد"، وفي غياب الأب كانوا له ظهرًا وعونًا.

انقضت نصفُ ساعة من بحث الرجال عن رمزي في كل صوب، وسيارةُ الإسعاف حضرت خصيصًا لأجله.

توقفت أمام السيارة المحطمة، ونزلَ المسعفان منها متعاونَين مع الرجال والأقارب لإخراجه.

لم يتحمّل فهيمُ وعاصم المشهد، فبدآ صارخَين بهستيريا على نهايته المأساوية، حتى الشيخ نعمان وقف بعيدًا بحدقتَين متسعتَين غير مستوعب الحادث الشنيع.

ما لبثت الدقائق أن تمرَّ سريعًا حتى حضر "ناجي" بصرخاتٍ جنونية كالنساء، رافعًا كفَّيه علو رأسه، مُنوِّحًا بأعلى صوتٍ وهو يقول:

_لا! رمزي! رمزي ولد عمّتي! رمزي يا ناس! ولد عمّتي والله! لا... لا، هذا مو حقيقي!

فرَّ مهاوش سريعًا نَحوَه، وضغطه إلى صدرِه رغمًا عنه، والأخيرُ يصرخ صرخاتٍ مزَّقت القلوب. استخرج المسعفون رمزي مُحطَّمًا من فُوَّهةِ السيارة بعد معاناةٍ بين حشد الرجال المجتمعين بحالةٍ هَلُوعة، ليجدوا ثياب رمزي قد تمزقت، وأنهار من الدماءِ تدَفقَت على جسده بأكملِه، والكدماتُ الزرقاء انطبعت في الحال على وجهه، وما خفيَ كان أعظم.

امتزجت صرخاتُ الرجال ببعضِها، والمسعفونَ ينقلون رمزي بتعاونٍ داخل السيارة حتى تحرَّكوا به نحو عملياتِ المستشفى.

الساعةُ الخامسةُ قُرب أذان المغرب، رمزي بلا جلبابه، مرتديًا زيَّ العمليات الأزرق، وفي حالةٍ يُرثى لها على سريرِ العمليات، والأطباء من حولِه يتفحَّصونه قبل بدء العملية، فتبيَّن لهم بعد الفحوصات أنّه يُعاني من نزيفٍ داخليّ، وانفجار الزائدة، وكسورٍ في الساقين والذراعين، وجروحٍ غائرة في العمود الفقريِّ والبطن، يبلغُ طول الواحدةِ منها سبع سنتيمتراتٍ فأكثر، وغيبوبةٍ إلى أجلٍ غير مُسمى، وغيرها من المشكلات المتفاقمة.

في الخارجِ وقف رجالٌ ونساءُ العائلة، بما فيهم صبا التي انتحبت بحرارةٍ شفقةً على حاله، وخوفًا من انهيار چيهان عند دِرايتها بما أصابه من ابتلاءٍ ذريع، لم يُدمِره وحده بل زلزل كيانَ كلِّ من حوله.

ضَمَّت "غزالة" ذراعيها إلى صدرها بحسرة، ودموعها تنهمر بتدفق، حتى انشقَّ صوتها المبحوح من أحبالِها المُنهكة، لتقول بتضرُّعٍ إلى الله:

_يا أمانتنا يا رمزي، لو أمّك كانت عايشة كانت ماتت عنك بدل ألف مرة، إنت مو ابن فطيمة، إنت ولدي بعد والله، ربي يعلم غلاك مثل غلاوة ولادي.

رفع الشيخ "نعمان" يده على الجدار، بعينين لامعتين من الدموع، وقال بانهيارٍ صوتي كأنه يُخاطبه بعتابٍ حزين:

_لا إله إلا الله، ياما نصحتك وقولتلك محدش فينا ضامن عمره، يوم ما تقابل ربك تقابله وإنت استغفر الله العظيم، كافر؟ يا رب توب عليه واغفر له واسترها معاه، يا رب.

نصف ساعةٍ من الانتظار كانت بمثابة أعوامٍ عدة.

الجميع على أحرٍّ من نار الجمر خوفًا على رمزي من الوفاة، جميعهم في حالةٍ صعبة لا تُحتمل، بما فيهم الشيخ نعمان الذي رفع كفيه عنان السماء وتوسّل للرحمن أن يعفو عنه ويرحمه بعدما ارتدّ عن الإسلام وسلك مسار الجن والشعوذة.

لم يكن الموت كارثةً بقدر أن يكون على سوء ختامٍ، وهذا ما أرهبه وجعله مضطرب الحركات والمشاعر.

بينما داخل غرفة العمليات توقف قلبُ رمزي فجأة، أصدر الجهاز صخبًا عاليًا سمعه كل من خارج جناح العمليات، فمن كان جالسًا نهض بسرعة، فيما الأطباء في الداخل يصعقون صدره لعلّهم يُحيوا فيه ذرةَ حياة، انغلق جفنيه، والأطباء لا يزالون يعملون بقصارى جهدهم.

فشلت المُحاولات جميعها، فنظر الأطباء لبعضهم بخيبة أمل، ورفعوا الغطاء الطبي فوق رأسه، فيما أشار الجراح للممرضة بأن تُصلّ الخبر إلى أهل رمزي.

خرجت "الممرضة" بخطى قلقة حتى وصلت إليهم، فطوّقها الجميع من كل جانب، وقبل أن يبادر أحدهم بالسؤال عنه، أحنت رأسها باستياء، وقالت بكل أسف:

_الدكاترة عملوا كل اللي في وسعهم عشان ينقذوه... البقاء لله.

تفجرت صرخاتُ الرجال والنساء في أرجاء المبنى، لم يتحمّل ناجي الخبر فانقضّ بنواحٍ مزّق القلوب تجاه جناح العمليات، وعلى عقبه والده وعمه، فيما سقطت غزالة على الأرض وهي تصرخ بجنونٍ غير مستوعبٍ ما حدث، حتى الشيخ نعمان تشبّث بسرعة في الجدار محاولًا تمالك أعصابه.

توفّي مشركًا بالله، ظنّ أن العمر سيتسع لتوبته، لكن الموت يأتي على بغتة فلا يأخذ آراءً ولا يستأذن الروح.

غادرت الروح إلى بارئها في ريعان الشباب، انتهت رحلته حينما سقطت ورقته من شجرة الأحياء،

الحزن لفقده قاتلٌ مدمر، لكن لا مخلوق يُعزّ على خالقه، كل روحٍ لها يومًا بتاريخه وساعته، فلا يبقى للمرء سوى أعمال الخير وصلواته المضيئة لظلمة قبره.

رمزي الذي شبّ على الشر ظنّ أن الوقت كافٍ، لم يعلم أن عداد عمره يتناقص بالتدرّج حتى أتاه الموت فجأة.

بدأ رحلته وأنهاها قبل التوبة النصوحة التي نصحته بها چيهان مرارًا وتكرارًا، انتهى دوره من حياتها، لكن ألم الصدمة لم ينتهِ بل سيبدأ بعد ليدفعها نحو هاوية الدمار، فكم من عاشق عاش ساعيًا للصلاح ليجد محاولاته ما هي إلا رمادًا متطايرًا بين هواء الخسارة؟

يتبع في قفزة زمنية جديدة.....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة