الفصل الثالث والعشرون

الفصل الثالث والعشرون

15 0

الرحمة الربانية حينما تتدخل، يصبح الجميع في حضرة الصمت. أيدٍ رحيمة ألجمت قوى شيطانية خططت ونفذت، لتنهار الأحلام على الأرض وتنقلب الموازين ضد صاحبها؛ فلا مبادئ تمنع، ولا ضمير يعيد التفكير مؤنبًا ذاته المُراوِغة.

هناك بشر يسمحون بمرور الفرح إلى حياتهم وهم ينفذون أقل سُنن الحياة التي هي من حق الجميع، ومن زاوية أخرى يقبضون على الخير، مانعين وصوله إلى غيرهم، وكأنهم بهذه الطريقة يتسابقون مع عدوٍّ في الخفاء، ليثبتوا للجميع أنهم مميزون في كافة أمور الحياة. فتُعَدّ قمة الأنانية حينما تحيا وتعيق النِّعَم عن الغير بأساليب شيطانية لا يستخدمها سوى مرضى نفسيين، أوغادٍ لا مَزية لهم على الأرض، وكأنهم خُلقوا لبثّ الفساد.

العائلة المبتهجة التي جمعتها أواصر النسب، في محفل سعيد ووجوه أسعد، كلٌّ منهم يتخيل مستقبلًا مملوءًا بالراحة والنعيم، وقلوبهم تتمنى الخير الحقيقي دون ذرة عداء، كانوا يترقبون ريم وهي تقدم الكوب لعمرو، لكنه سقط في لحظاتٍ أخيرة كنجدة إلهية أزاحت معها شرورًا مُستكينة.

خجلت ريم، وباعدت الصينية بسرعة عن عمرو قبل أن تنتشر المياه على ثيابه فتدنسها، في حين باعد هو نفسه على عجل، ونهضت "أسماء" في الحال تصحح خطأ ابنتها غير المقصود بابتسامة لطيفة تزيل معها إحراجها، إذ حملت الصينية بدلًا منها، وقالت:

_خدت الشر وراحت....

وتابعت لعمرو ببسمةٍ خجولة:

_معلش ملكش نصيب فيها، حالًا هجيبلك غيرها.

أجابها "عمرو"، مؤكدًا بابتسامةٍ أن الوضع ليس خطيرًا، وأن ما حدث أمرٌ طبيعي قد يحدث مع أحدهم، فقال:

_لا يا طنط عادي، حصل خير.

تحركت أسماء من مكانها، مصوِّبةً نظرها إلى الأرض وهي تتنقّل بين الأرجل، حريصةً ألّا تتعرقل في أقدام الموجودين. لكن "منى"، التي حاولت تقديم المعونة وتحمل المسؤولية بدلًا منها، جذبت الصينية نحوها وقالت:

_هاتيها يا مرات عمي، أنا هعملها بدالك.

أصرّت "أسماء" ألّا يصنع مشروب العريس غيرها، فجذَبَته منها بلطافة، وقالت بتصميم:

_لا لا خليكي مع ريم متسيبيهاش، أنا هدخل أصب واحدة غيرها وبالمرة هرص الجاتوه في الأطباق.

غطست أسماء في مهام المطبخ الذي اكتظّ بعُلب الحلوى، وتنوّعت أصنافه بين ساندويتشات الكفتة المشوية، والجبن التركي اللذيذ، واللحم البارد، حتى المشروبات المتراصّة على رخامة المطبخ، وكأنها اختارت أن تقوم بهذه المهام بمفردها دون إعانة معين.

في الخارج، تبادلت ريم المصافحة مع أسرة عمرو، والجميع منبهرون بملامحها الهادئة، وخطواتها المدلّلة، وحديثها الرقيق؛ كلّ ما يحويها جذب انتباههم إليها. وجدوا فيها ما بحثوا عنه لسنواتٍ في زوجة ابنٍ رزينةٍ تحترمهم في غيابهم قبل حضورهم.

أخوات عمرو، اللواتي كُنّ يوزعن ابتسامات الانشراح في زوايا الصالون، كانت نظرات كلّ واحدةٍ منهن توحي بالمسرة تجاهها، وكأنها الأخت الرابعة لهن.

ظلّت ريم تدور حولهن حتى جاء الدور على حياة، التي احتضنتها وقبّلت وجنتيها قبلتين في الهواء، وأبدت غبطتها لرؤيتها، هذه المرة خطيبةً لابنها؛ فالقدر الذي منح ريم فرصةً جديدة، قد منحهم أيضًا فُرصًا أعظم لمجاورة فتاةٍ فريدةٍ في زمن المتكدرين.

قالت "حياة" بفرحٍ ينساب من صوتها:

_ما شاء الله عليكي يا ريم يا حبيبتي، تتحسدي.

نطقت "ريم" بابتسامةٍ وهي ترمقها ببهجةٍ جليّةٍ:

_ربنا يخليكي يا طنط حياة.

جلست ريم إلى جوار علياء، زوجة عمها، متألقةً في فستانها البسيط ومكياجها الهادئ، تعبث في أصابعها بخجلٍ حينما أحسّت أن الأبصار مصوّبةٌ عليها، وكأن لا أحد سواها في هذا المكان، ما جعل الحياء يتضاعف عمّا كان عليه. قبالتها، منى وهناء تهمسان في أذني بعضهما بصمت، هناك إحباطٌ غير مبررٍ رُسم على وجهيهما على الرغم من سعادتهما بخِطبة ريم التي طال انتظارها.

وعلى أريكةٍ أخرى تجلس الأخوات الثلاث: غادة، دنيا، وفاتن. وكلّ واحدةٍ منهنّ، ملامحها الجذابة تحكي قصص الجمال الذي ورثنه من والدتهن "حياة".

غادة، الكبرى، هي الأكثر هدوءًا، تليها دنيا بنفس الهدوء ولكن بدرجة متفاوتة، أما الأخيرة، فاتن، فتبدو ساكنة، لكنها حين تعتاد على شخص، تؤلم أذنيه بثرثرةٍ مازحةٍ تخرجه من سفح الأشجان.

الرجال قد جلسوا على كراسي منفردة، من ضمنهم هشام، الذي استقل كرسيًا بلاستيكيًا أبيض اللون مثل حماه "عصام". وكان فاروق، والد عمرو، قد اتفق مسبقًا مع شوقي على ترتيبات الخطبة، من ضمنها ليلة شراء ذهب العروس، والتي باتت قريبةً جدًا وعلى الأبواب، إذ كلّ شيءٍ على ما يُرام.

وسط الاتفاقات الرسمية، كان عمرو يرمق ريم بابتسامةِ منتصرٍ فاز بما سعى إليه، وكأنه على استعدادٍ لإعلان فوزه بها، والسعادة تلوح في أفق حياته التي استضاءت بحضور ريم إليها، فيما كانت هي في شعفة خجلها الذي بدا أثره على وجنتيها المحمرتين، وابتسامتها الأخّاذة.

خرجت أسماء بعد دقائق بكوب العصير، وقدمته لعمرو، معتبرةً إياه في منزلة ابنها يوسف، رحمه الله، إذ يغمرها شعورٌ غريبٌ بالدفء حين تبصره، كمن يحمل طاقة جاذبيةٍ باذخة. وفي حين أشارت لهناء ومنى بمساعدتها في حمل أطباق الكعكة المزيّنة بكريمةٍ شهيةٍ ذات طَعمٍ مثالي، دخلت الأختان معها تساعدانها بكل حب.

في حضرة السكون، نظر "شوقي" إلى فاروق، وأعاد عليه الاتفاق الأخير، ليقول بتأكيد:

_يبقى إن شاء الله آخر كلام، هننزل نجيب الشبكة بعد بُكرا.

أجابه "فاروق" بهدوءٍ نابعٍ من عقلٍ رزين، فقال:

_إن شاء الله، على خيرة الله.

ضحك "عصام" وهو يلتفت حوله باحثًا عن أصوات النساء الساكنة حتى الآن، ليأمرهن بإطلاق زغاريد تهزّ دارهم بالبهجة، فقال بمرح:

_الستات ساكتة ليه؟ أما مسمعناش زغرودة لحد دلوقتي، زغردوا، عايز البيت يترج من كتر الزغاريد!

خرجت الزغاريد من أفواه النساء، متراقصةً على أنغام الفرح، وكلّ واحدةٍ منهن تُبرز إجادتها لزغرودةٍ تحرّك المشاعر الجامدة، وتعيد رسم لوحةٍ تلطّخت بالأحزان في فتراتٍ سابقة. فضحك عمرو وريم، اللذان نظرا لبعضهما بفرحٍ بعدما اجتمع شملهما، فما مضى ليس إلا مجرّد تجربةٍ خائبة لم يعُد لها مكانٌ في مستقريهما.

بعد مرور عشر دقائق، خرجت هناء ومنى وأسماء، كلّهن حاملات صواني الكعك بعدما قُطّع بالتساوي، والساندويتشات التي بدَت كأنها قطعٌ فنيةٌ تسكن الأطباق. كلّ واحدةٍ منهنّ توزع الأطباق على الحاضرين بالتساوي، مهتمةً بمهمةٍ خفيفةٍ اختُصت بها عن غيرها.

أما العروسان اللذان نهضا يلتقطان صور قراءة الفاتحة، فكانت ريم واقفةً بجوار عمرو، حاملةً باقة الورد بين يديها، والابتسامة لا تفارق وجهيهما. كانت غادة هي من التقطت لهما الصور، توجههما بوضعياتٍ مختلفة، وفي لحظةٍ ما، نظر عمرو إلى ريم بلطف، وعيناه كأنهما منبعٌ للقلوب، وجهه يحكي ما لا يقوله فمه، فاللحظات الجميلة لا تتكرّر.

وبينما العروسان يأخذان الصور مع أفراد العائلة، تارةً مع والدي العريس، وتارةً مع والدي العروس، وأخرى مع الشباب، كانت الأوقات مُترعةً بالوفاق.

خرجت الأغاني وزغاريد النساء وجدالات الرجال من دار عائلة الدميري، منتشرةً حولها في بهجةٍ قضت على سكون الحيّ المعتاد، لكن الحقيقة أن الحبّ كان له دورٌ هامّ في توفيق عائلتين دبّج القدر لهما معرفةً جليلة.

تغيّرت الأماكن لتنتقل إلى عالم البدو، الذي انغرست فيه چيهان دون رغبةٍ منها. دنيا تلوّنت في غياهب الحزن بسكينٍ حادٍّ، لا بفرشاة. كانت چيهان جالسةً على الأريكة، وجهها شاحب، جفناها متورّمان، تزورها كلّ دقيقةٍ غصّةُ قلبٍ تقتلها استياءً، جسدها ضعُف لا بفعل المرض، بل من وطأة الفقدان.

عيناها تلوجان في كل زاوية، كأنما ترى طيفه حولها. لم تعتد على غيابه، بعيدًا عن أيّ نزاعاتٍ نشأت بينهما، كانا ليلًا نهارًا معتادَين على لقاء بعضهما، فلا يطول الهجر.

كيف ستقضي خمسة عشر يومًا بمفردها دون رؤيته؟ غادر ناهبًا الأمان معه، تاركًا إياها في نيران الوحدة. عقلها كان في حالة شرود، وكأنها تلقت جرعةَ مخدّرٍ باعدتها عن الواقع، حتى سمعت طرقاتٍ تنتشر في أرجاء المكان. نهضت وفي سريرتها تَمنٍّ بسيطٌ لو أن يكون هو، لكنها تدرك أن هذا مستحيلٌ في ذلك الوقت.

تحركت بتمهّل في طريقها إلى الباب، وهناك وجدت "غيداء" قبالتها بنفس الحزن، قد جاءت للمرة الثانية تعرض عليها المبيت معهم في منزلهم بدلًا من جدرانٍ لا توحي بشيءٍ غير شجنها، فقالت:

_ما ناوية تنزلين تباتي معاي تحت بدل ما تجعدين لحالك من ساعة ما رمزي دخل سچن العمدة؟

اعترضت "چيهان" على المبيت في منزلهم لأسبابٍ عدّة، منها أنها دخيلةٌ بينهم، وليس من حقها التعامل وكأن دماءها منهم. فدخلت بحزنٍ وظهرها مستدير إلى غيداء، فيما كانت الأخيرة تتبعها إلى الداخل حتى جلستا على الأريكة سويًا، فقالت چيهان باستياء:

_صدقيني مش هينفع... أنا كده مرتاحة أكتر.

ردّت "غيداء" بعقل مشتّت هي الأخرى، فقالت:

_خلاص بخليكي مع شوجك، بس لو حبيتي تنزلين تباتي معاي، دارنا دايمًا مفتوحلك في أي وجت.

حركت "چيهان" يدها على ساقها بشجن، وقاومت ذاتها المستضعفة لترد بثبات، وقالت:

_ماشي يا غيداء، كتر خيرك.

خيم الصمت عليهما، وكلّ واحدة منهما تفكّر في غياب رمزي كأنّه شمسٌ غربت عن حياتهما ونشرت الدجى. لكن في لحظةٍ لمحت "غيداء" طرف ورقة مستورة وراء الأريكة، ما جعلها تمدّ يدها بسرعةٍ وتجذبها نحوها. فتحت تطويقتها التي احتجزت أسرارًا صامتة في طيّاتها، لتجد شعرًا كُتب على يد رمزي، ما أثار دهشتها وهي ترى ابن عمتها ينثر الأشعار المميزة.

اعتقدت في بداية الأمر أنها كتبت خصيصًا لها، فطغت الضحكة على شفتيها وهي تقرأ:

يا ليتَ عِظامي تَهشّمتْ، أهونُ من لفظٍ هشَّمَ قلبي

وفي عينيكِ برقُ هوًى، وفي روحي أنتِ نجوايَ وحُبّي.

لمستُ حنانَ لم أعرفه، وشفقةَ عابرٍ تصادفني بدربي

ما اخترتُ كوني ما أنا، بل صنعوا فيَّ ملامحَ دربي

كنتُ عييًّا، عاجزًا، حتى أتى لقاؤكِ...

فصار الحرفُ يُنطقني، وصار الحلمُ لا يشبهُ هربي

إنّ المقاديرَ أحيانًا تُهدي، بقدرِ ما ينقصُ القلبَ من حبِّ...

اتسعت ابتسامتها، وأسنانها البيضاء تنبثقان من شفتيها، لكن سرعان ما تحولت إلى عُبوس قاتل وهي ترى حرف الـ"چ" ينير الورقة بتوقيعٍ في نهايتها. إذ نظرت إلى چيهان بتردد، والشك يغمر قلبها، لتسألها بدهاءٍ أنثوي:

_جوليلي يا چيهان، هل في حدا في حياة رمزي؟

اِرتبكت چيهان من سؤالها المفاجئ فاكتفت بنظرات متعجبة، فواصلت "غيداء" وهي تعدل جلستها لتكن بالقرب منها، وكأنها تستعد لحوار هام يشفي مخاوفها، مُسترسلة:

_يعني بما إنك أخته الوحيدة، أكيد يحكيلك كل شيء، يجولك يحب إيش ويكره إيش، ولو فيه واحدة شاغلة باله، ما يجدر يخبيها عنك.

استنكرت "چيهان" ما تلقّته من غيداء من تُهم غير مباشرة، وكأن النساء وحدهن لا يفهمن سوى بعضهن، فأجابتها بنفس الرصانة:

_لا معرفش، مش بيحكيلي عنه حاجة عشان أعرف.

لمحت "غيداء" بطريقة ملتوية ريبة أوغرت القلق في نجوتها، قائلة:

_غريبة، كيف يضرب عريسك ويودّي نفسه في داهية بس عشان إنتي أخته؟ وأجولك، لو كنتي مرته، كان جدامه ما سكت، كان جتله فيها ولا شنو؟!

لم تكن چيهان في مزاجٍ يسمح بتبادل الأحاديث حول المشكلة الأخيرة، ما جعلها تسند رأسها إلى يديها بألمٍ يخفق في أعماقها، تاركةً "غيداء" تبحث وراء شكوكها، متابعة:

_يلا، الله يردّه لنا بالسلامة ولا يچيب شي شين مرّة ثانية، ما هي إلا فترة وبتعدّي إن شاء الله....

نهضت "غيداء" مقرّرةً المغادرة، لتترك لچيهان حرية التجوال في مَقطنها الصغير، وبينما كانت تسير واصلت:

_بمشي الحين، جولت أطلّ بس أطمن عليكي، وزي ما جولتلك، لو احتاچتي شي، انزلي تلاجيني.

ردّت "چيهان" بهدوءٍ لا يتناسب مع أحزانها المتلاطمة:

_حاضر.

أوصدت غيداء الباب ونزلت إلى دارهم، والأفكار المتضاربة لا تزال ترعد رأسها بانشغال. هناك، داخل حجرتها، جلست على سريرها، متخيّلةً رمزي قبالتها، ما أخذ منحًى صادمًا لم يكن أحدٌ يتوقّعه.

أما چيهان، فظلّت ثابتةً على الأريكة بين الأضواء الخافتة، عيناها متأثرتان بنعاسٍ قويّ، لم تذق طعم النوم منذ غياب رمزي. فكلّما وضعت رأسها على الوسادة، استيقظت على صرخات القلب. بكت بحرقة، وحاولت النوم من جديد، لكن الفشل كان حليفها.

إن غفَت ساعتين، لا تُتمّ الثالثة. فبدت العلّة النفسية تتملّكها، وتؤثّر على ملامحها، لكنها أخبرت ذاتها أنه لا بدّ من النوم، ولو لدقائق على الأقل؛ فإن أكملت أيامها على نفس الوتيرة، ستهرول كالخبلاء في شوارع القرية.

نهضت برفق، وانسلّت إلى حجرتها، فأوصدت الباب من الداخل بقفلٍ وكأنه أمانٌ إضافيّ يمنحها شعورًا مؤقّتًا بالسكينة. تركت الأضواء موقدةً كما هي، حتى اقتلعت نعلها، وقفزت فوق السرير بقلق، وخلعت حجابها، ثم خلّلت أصابعها داخل شعراتها الملساء، وجذبت الممشطة تمشّط شعرها الذي انعكس عليه بريق المصباح. وفي النهاية، عطفت شعراتها بشكل كعكةٍ سابية، وحزمتها برباط بنفسجي.

استلقت على السرير، وأوصدت عينيها باستياءٍ عارم، متذكرةً "رمزي" في كلّ ثانية، كأنما خيّم بصورته على خلايا عقلها بلا رحمة. فبدأت الدموع تنزلق برفقٍ على وجنتيها، وأنفاسها تتزايد بحسرة. كلما نزعت دمعة، ألحقتها الأخرى. لم تدرِ: أكانت تُلاحق نحيبها أم خوفها من انفرادها وحيدة؟ ظلّت على هذا الحال الشاق حتى غفَت بأحضان النوم.

تتسرّب الليالي ليلةً بعد ليلة. كلّ شيء كما هو، وإن كان يتغيّر، فسيكون نحو الأسوأ. رمزي، الذي اعتاد النوم على أرضٍ صلبةٍ لا يكسوها ما يحنو عليه من آلام العظام، كان يشعر بوجعٍ كأنّ أحدهم ينشر عظامه بجَهَامة. لا تغفو عينه إلا وعلبة الدواء في كنفه، تمدّه بحنانٍ فارقه.

كان الغفير يحضر له أسوأ الأطعمة كلّ ليلة: خبزٌ قاسٍ كالحجر، كأنّ طحينه اختلط بالحجارة التي كادت أن تهشم ضروسه، وجبنٌ فاسد، العفن ظاهرٌ على حوافه، وشرائح طماطم تفوح منها رائحةُ حمضٍ غريب. كلّ شيءٍ لا يليق بإنسانٍ يستحق، على الأقل، معاملةً حسنة.

كلّ ذلك أثّر على حياته بالسلب، وأزاد العناد برأسه؛ في أن يردّ الصاع صاعين إلى شيخ القبيلة، الذي لم يعد، في نظره، سوى خنوعٍ لا يستوجب سوى القصاص. لكن بعقلٍ مدبّر، يكسب المرءُ مطامحه.

خرجت كلمات رمزي محمّلة بالشوق إلى والدته "فطيمة"، مسترجعًا ذكراه معها في الصِّبا، والخلفية ألحانٌ بائسة تُثير البكاء. لكنه، برجولته القوية، اكتفى بصمتٍ حزينٍ بلا دموع. وفجأة، قال:

_وحشتيني واچد، محتاچك چنبي حيل، ودي أرتمي في حضنك وأرتاح....

نظر إلى الجدار، الذي ذكّره بمن تتشابه مع والدته في كثيرٍ من الصفات، باختلاف العمر والملامح، وتابع بشوقٍ يقتله:

_مو إنتي بس ياما اللي وحشتيني....

ثم تمتم بحروفه المُرتابة، وواصل بأسًى وحنين:

_ملعون هالجلب، مكنتش ناوي عاللي صار، ولا كنت حابب يصير كل ذا....

وضع كفّه بحنوٍّ على قلبه، وتابع بتنهيدة:

_مو بإيدي ياما، ضناكي طاح في اللي ما كان يبي يطيح فيه من أول يوم، حاسس نفسي تغيرت وما آني، بس اللي أعرفه إن اللي كنت أخاف منه من أول لحظة صار خلاص.

أعتق من قَتَمة جيبه ورقةً وقلمَ رصاصٍ كانا دائمًا يسكنان جلبابه، فكان ينفث عن ضيق صدره بكتابة الأشعار بأساليب إبداعية، لكن هذه المرة أراد الكشف عن هوية جديدة — الرسم — لم يُجِد تحريك القلم وتجسيد شخصيات حقيقية، لكن تولّهُه جعلَه يمارس هواياتٍ لم يجرّبها من قبل.

لا يُنير عتمةَ المكان سوى مصباحٍ يشعّ إضاءةً برتقاليةً في منتصف الطرقة، يصل مداها بوهجٍ خفيف إلى داخل حجرته المحصورة. حينها قارب جسده ناحية الحديد، وجلس مستديرًا بوجهه نحو الإضاءة ليتمكن من الرسم.

رفع القلم، ودبّج خطه الأول، يرسم زوايا الوجه وكأنه فنانٌ ماهرٌ يُجيد الفنون منذ سنوات مديدة. كلّ ثانيةٍ توضّح الملامح شيئًا فشيئًا، معتمدًا على ذاكرته التي أُضيئت بأنوار الجوى، فيرفع قلمه ويحكّه في رأسه بتفكير، ثم يُنزله مدوّنًا تفصيلةً جديدة، إلى أن اتضحت الصورة كاملة، وأصبحت قريبةً جدًا إلى الواقع.

صنع ما يحتاجه، راسمًا راحته بأنامله، ليغفو في نومه محتضنًا الصورة، لعلها تُبرّد نيران الفُرقة.

نفس ذات الليلة، كان حفل خطبة عمرو وريم، الذي اتسم ببساطته، إذ كان تجمعًا بسيطًا بين عائلتي العروسين وبعض المعارف من ناحية الآباء وأصدقاء عمرو. بينما ريم، التي ظلّت وحيدةً دون صديقتيها اللتين قدمت لهما دعوةً، لكن لا أحدًا منهما اكترث بالحضور، ترك غيابهما شرخًا في قلبها، حينما شعرت أنها ليست الشخصية المرغوبة التي يحبّذ الناس الاقتراب منها. فلا يزال ذاك الشعور المؤلم ينتابها باشتداد، لكن وجود ابنتي عمها وأخوات العريس أزاح عن كاهلها بعض الحزن، محاولةً إقناع نفسها أن الغبطة تكمن في تقارب العروسين، لا في الآخرين بتاتًا.

كان الحفل قبالة دار العائلة، في شادرٍ زُيّن بديكورات العروسين، وبعض الكراسي المتراصّة بترتيب، والموسيقى تزلزل الحيّ، فيما كان عمرو وريم يجلسان على منصة العروسين.

عمرو، الذي ارتدى بدلة العريس السوداء، كان سعيدًا بخطبته على من اختارها قلبه وسكن بحبها، وريم، التي جلست إلى جواره مرتديةً فستانًا أحمر اللون، ووجهها مزيّن بالمكياج اللافت، مبتهجةٌ بمجاورته، والخجل يظهر بوضوح في حركاتها.

أخوات عمرو، اللواتي اهتممن بمظهرهن، وضعن مستحضرات التجميل، وتزيّنت أجسادهن بفساتين زاهية، فاهتمامهن بهذا الحفل تجلّى في رقصاتهن سويًا والزغاريد المنطلقة من أفواههن.

لكن منى وهناء، كان أمرهما عجيبًا، إذ وكأنهما ذاهبتان لقضاء مصلحةٍ حكومية، ملتحفتان بنفس العباءات التي لا تتغير، ولا تظهر على وجهيهما نقطة مكياجٍ توحي بالفرح، لكنهما عبّرتا عن سعادتهما بالتصفيق وإطلاق الزغاريد.

بالقرب من منصة العروسين، تقدّمت غادة، الأخت الكبرى لعمرو، محمّلةً بصينيةٍ براقةٍ يرقد فوقها علبةُ الذهب المفتوحة، تقرّبت منها ببسمةٍ واسعة، حتى أصبحت الشبكة في قبضة عمرو، الذي ألبس ريم دبلتها وسط أغاني الخطبة العريقة، وزغاريد النساء التي أصبحت كأنها نغمةٌ واحدة تسير على نفس الإيقاع.

لحظاتٌ مترقبة، والعروس تبادل العريس ارتداء دبلته السوداء، والنساء حولهما يُبدين سرورهن، وبمجرد أن انتهيا، انتشرت زغاريدهن في الأرجاء.

مالت "غادة" نحو ريم، وقبّلت وجنتيها، وقدّمت لها التباريك، قائلةً برقة:

_ألف مبروك يا روحي.

ردّت "ريم" بابتسامةٍ نابعةٍ من الفرح، قائلةً:

_الله يبارك فيكي، عقبالك.

عانقت "غادة" أخاها عمرو، فيما كانت باقي أخواتها يعانقن ريم. فنظرت في وجهه ببهجة، وقالت بفخر:

_ألف مليون مبروك يا عمرو يا حبيبي، ربنا يتمملكم على خير، ويبعد عنكم الشر ويحفظكم.

نهض "عمرو" وضمّها إليه بسرور، متمنيًا أن يهنئها هو الآخر في القريب، فقال:

_الله يبارك فيكي يا غادة يا حبيبتي، عقبال ما أباركلك أنا كمان قريب إن شاء الله.

ردّت "غادة" بابتسامةٍ واسعة، فقالت:

_يارب يا حبيبي.

تركت مساحةً لتعانقه أخته الصغرى "فاتن"، تلك التي ضمّته إليها بفرحٍ أخويٍّ صادق، قائلةً ببشاشة:

_مبروك يا روحي، يعني خلاص كلها سنتين تلاتة وتسيبنا ويكون ليك بيت لواحدك؟

ضحك "عمرو"، وقال بمزاحٍ نابعٍ من مَعزّته الحقيقية لها:

_آه هريحك مني، مش هتلاقي حد يناكف فيكي تاني.

ثم صفعها صفعةً هادئة على وجهها، تحوي في طيّاتها مزاحًا، لتقول هي بضحك:

_والله ولا أقدر أستغنى عنك مهما قطعنا في بعض.

حضرت "حياة" لمصافحة العروسين، وبدأت بريم، وكأنها اختارت هذا العناق أولًا لتضعها في مقام بناتها الثلاث، تضمّها إلى صدرها بحنان، وتقول بابتسامة:

_ربنا يبارك فيكم يا ريم، ويتممهالكم بألف خير يارب.

ردّت "ريم" بفيضٍ من الحُب، عيناها تلمعان بسعادةٍ غريبة، وهي ترى جميع من حولها يُقدّرونها قولًا وفعلًا، لذلك قالت:

_يارب يا طنط، وميحرمناش منك أبدًا.

بعيدًا بين المعازيم في الصف الأخير، جلست هناء برفقة طفليها، وعلى سيفها منى، كل منهما بدت وكأنها في محفل عزاء وليس حفل خطبة أسعد كل المَهَج. تتابعان النساء المتراقصات، والرجال المتجولون على المنصة. العويص في الأمر عدم اهتمامهما بمظهرهما، فلا داعي للتكلفة والمصاريف الباذخة على أمور لم يُكتب لها الكمال.

لكن رغم ذلك، كانت البهجة تكمن في أعماقهما حتى وإن لم تظهر، إذ نظرت منى إلى ريم وهي سعيدة برفقة محبوبها، وابتسمت ابتسامة طريفة لا توحي بشيء سوى المحبة.

إذ التفتت "هناء" إلى أختها وهي مرهقة من مشاق الحمل، وقالت:

_وإنتي مش عزمتي محمد وقولتيله يجي هو وأمه وأخواته؟ مجاش ليه بقى؟!

ردّت "منى" بلا مبالاة، وعيناها لا تغادران الحفل:

_مانا جيت بعدها قولت مالهاش لازمة يجوا، أصل هيتعبوا نفسهم على الفاضي، وبعدين هو أصلًا كان رايح النهارده يتفق مع المهندس اللي هيعملنا الشقة، خليه يخلص بقى من حوارات الشقة اللي مش بتخلص دي.

قدمت علياء تسير متألمة على ساقيها، و"عبد الحليم" يسندها، لكن بقسوة واضحة، متجهان نحو منى وهناء والأطفال، إذ قال ابنها لها بحدة:

_ما خلاص ياما بقى، ما قولتلك اقفلي الموضوع ده عشان المزاج ميتعكرش على المسا.

ردّت "علياء" بتأوه، وقالت وهي لا تزال تتحرك نحو ابنتيها:

_طب اسندني لحد أخواتك، مش عارفة مالي رجلي شدت عليا النهارده كده ليه، مع إني الصبح كنت كويسة والله.

أعانها عبد الحليم حتى وصلت إلى ابنتيها، فأزاحت لها ابنتها منى مكانًا لتشاركهما في جلوسهما، لكن عبد الحليم الذي يكن كراهية شديدة لأخته "منى"، رمقها بنظراتٍ حادة، ثم غادر تاركًا اللهب تنقشع في روحها. فبادلته نفس النظرات الحادة، وترصدته بغضب، وقالت بعداء:

_في ستين داهية لما تاخدك، هو كان حد عمله حاجة؟

لكن "علياء"، تلك التي لم يعجبها عداء من نبتوا من نفس الرحم—أخواتٍ ذو نسبٍ ودماءٍ واحدة، يكنّون لبعضهم عداوةً صريحةً قبال الجميع، دون خجلٍ ولا تردد—أرادت تهذيبها، فقالت:

_بس يا منى ده مهما كان أخوكي الكبير!

ردّت "منى" بعداوةٍ تفوح من صوتها، ونظراتها الملتهبة التي كادت أن تحرقه موضعه:

_إنتي مش شايفة كل ما يشوفني يبصلي ازاي ولا كأني قتلتله قتيل؟ هو مش مكفيه اللي كان بيعمله فيا؟ أقسم بالله العظيم لأندمه على كل اللي عمله معايا في يوم بس يصبر.

ربّتت "هناء" بحدة على فخذ منى، تعيدها إلى رشدها بدلًا من أن يتحول الحفل إلى معركة فتاكة طرفاها منى وأخيها، فقالت:

_اسكتي بقى بدل ما يمسكك في قلب الشبكة ويعملنا فضايح، استرونا قصاد أهل عريس بنت عمك، مش هتبقى الفضايح جوا البيت وبرا.

رّدت "منى" بصياح فقالت بعناد:

_ما بلاش إنتي يا حبيبتي، خلي الكلام ده لحد غيرك!

الخلافات تتكاثر في لب هذا البيت، وسط أسرة تتنفس الشجارات اليومية بدلًا من الأكسجين، وكأنه أسلوب حياة لا ينفك. فالجميع في غمرة البهجة، وسط الموسيقى المعبرة عن سعادتهم الواسعة، وهؤلاء يصيحون في وجوه بعضهم بانفعال.

بدأ المعازيم يتوافدون في مجموعات، جميعهم يهنئون العروسين، مقدمين لهما هدايا الخطبة التي تنوّعت ما بين أظرف الأموال والهدايا المادية، فكل يعبر عن أُلفته بطريقته الخاصة.

فيما كان شوقي جالسًا مع الرجال، من ضمنهم والد العريس "فاروق" وأخواته وبعض الأقارب، وحينما حانت اللحظة الحاسمة، نهض العروسان يترقصان مع الشباب — رجالًا ونساءً —، أما هشام فتولى مهمة توزيع المشروبات والكعك بالكريمة على الحاضرين.

بينما في مكان مُغاير، وبعد إلحاح طويل من غزالة وغيداء أن تقضي چيهان معهما سهرة بسيطة في دارهم، يتناولون العشاء سويًا في حجرة النساء. فكانت غزالة حريصةً على إخراج چيهان من غَور حزنها. كانت محاولات خائبة، فمهما اجتمعوا لاعتاقها من سجن الشجن، لن يستطيعوا طالما في غياب رمزي، فكان الوحيد الذي يحمل مفتاح بهجتها، وهذا ما اكتشفته مؤخرًا حينما جربت غيابه.

خرجت چيهان من باب دارهم وهي ترتدي نعلها لتصعد، فأخبرتها "غزالة" بتوقها إلى تكرار السهرة، فقالت:

_يا ليت هالزيارة الحلوة ترچع ثاني، لا تحرمينا من شوفتك يا زينة.

ردّت "چيهان" ببسمةٍ مزيفة:

_إن شاء الله يا طنط، في ظروف أحسن من كده.

قالت "غزالة" بنُصحٍ أمومي، راغبةً في سلامتها:

_ديري بالك على نفسك.

دخلت "چيهان" المصعد الكهربائي، واتكأت على زر الطابق الذي تسكنه، وقالت ببسمةٍ مصطنعة تحمل في ثناياها قهرًا نفسيًا مريرًا:

_حاضر.

تحرك المصعد، مقابلًا كل طابق في المنزل، كما تتقابل الأفكار الحزينة في ذهنها. تنظر إلى كل شيء بعينٍ تعيسة، ترى الحياة قاتمة من حولها، مستعجبةً: أكان حضوره هو ما يمنحها السكينة؟ أم كانت تظن أن الخوف يكمن في مجاورته؟ لكن الواقع أظهر ما استتر في مهجتها... الحقيقة التي خشت الاعتراف بها حتى لنفسها. مهما فرت منها، لاحقتها، والآن بات الأمر واضحًا؛ وجوده لم يكن بلا محاسن، بل كانت طاقته وحدها تمنحها الدفء والاستقرار النفسي.

تنهدت ومسحت دموعها بأناملها، ثم خرجت من المصعد، فتحت الباب ودخلت. وبمجرد أن أضاءت الأنوار، استشعرت وجود أحدٍ ما في المكان. لم يكن إحساسًا عابرًا، بل عيناها التي لمحت رجلًا يقف على السطح ناظرًا لها، أكدت لها مشاعرها.

ارتجفت وتراجعت إلى الوراء، إذ وجدته يندفع نحوها. لم تستطع رؤية ملامحه المستترة تحت قماشةٍ مخططة، لا يظهر منها سوى عيناه، وفي جيب جلبابه تلمح حافة سكينٍ حاد، تمامًا كنظراته.

صرخت وفرت في اتجاهٍ بعيد، وهو يلاحقها حتى نشب بذراعها، وكأنه وجد طرف التملّك. حاول السيطرة عليها، لكنها ظلت تلتفت حولها وترتعش بحثًا عن أي أداة تطأ بها رأسه.

هناك على الطاولة... طبقٌ زجاجيّ يناديها. مدت جسدها كأفعى تمط أطرافها بليونة، ثم ضربته به على رأسه. فسقط يتألم لثوانٍ، وهي لا تزال تهرول صارخة، تقول:

_الحقوني، حرامي هنا... حرامي عايز يقتلني!

بينما كانت تجري، سقطت على الأرض، فاحتكَّ ساقها الأيمن ببروزات جدارٍ مشروخ، ما تسبب في جرحٍ عميقٍ جعلها تصرخ صراخًا مسموعًا، والدماء تسيل بغزارة. في تلك اللحظة، نهض الرجل وهو يعاني من آلام رأسه، واستخرج السكين من جيبه بعدما أيقن أنه لا فائدة من التعامل معها بلين.

انقضّ عليها بسرعةٍ فائقة، بينما كانت داخل الغرفة تحاول أن تزيح الباب في وجهه، تقاوم بجسدِ امرأةٍ هزيل، لا يقوى على مواجهة اللصوص. أدخل ساعده الأيسر من فتحة الباب ليمنعها من إغلاقه تمامًا، وهي تقاومه بكل ما تبقى لها من قوة، صارخةً باستغاثة:

_الحقوني! الحقوني! عايز يموتني!

أنهكت عضلات جسدها بعد دقيقةٍ من التصدّي، ورأسها تدور، تبحث عن أي سلاح تدافع به عن روحها. بعيدًا عنها، كانت مرآةٌ زجاجية تبعد ثلاثة أذرع، ما شكّل عائقًا لغشيانها. ووسط المجابهة، مدت سيقانها، ويدًا تدافع، والأخرى تحاول القبض على المرآة. ازدادت أنفاسها مع كل حركة، وتفاقمت الآلام في ساقها المجروحة، حتى نجحت أخيرًا في حيازة المرآة. رفعتها باستعداد، ثم وطأته بها على ذراعه، فجرحته، ما جعله يسحب يده بتأوّه. هنا، أغلقت الباب بسرعة، وصكّته بالمِزلج.

ولم تكتفِ بذلك، بل أزاحت منضدة الزينة باتجاه الباب، لتصنع جدارًا متينًا يمنع وصوله إليها مجددًا. ثم وقفت على السرير، وفتحت النافذة وهي تصيح بذعر، قائلة:

_غيداء الحقيني! غيداء! الحقوني هموت مش قادرة، مش عايزة أموت، الحقوني في حرامي هنا، الحقوني مش قادرة أستحمل....

ظل يطرق الباب بعنف، وسكينه يتخبط فيه، يصنع شروخًا عميقة، حتى تزايد صراخها في الحي. عندها فرّ على عجل، قبل أن يُقتل على يد البدو، متسللًا عبر الأسطح وسط الظلام. في الداخل، نزلت چيهان من على السرير وهي تصرخ، ودماؤها تنزف بلا توقف.

في الأسفل، خرج فهيم وزوجته وأبناؤه من منزلهم على وقع صراخها المتواصل. ضغط فهيم على زر المصعد بخوف، مستشعرًا كارثة قد حلت في داره. أما زوجته "غزالة"، فقد وضعت حجابها على رأسها وتبعته مع أبنائها، وهي تقول برعب:

_أسترها يا رب، هذي چيهان اللي تصرخ، الله يجيب العواجب سالمة يا رب.

حتى ناجي خرج مع زوجته من داره، فصعد الجميع في المصعد، وطرقوا الباب بقسوة. لكن "چيهان"، بعد رحلة الذعر التي عاشتها، خشيت أن تخرج من الحجرة فتجد اللص في انتظارها. ظلّت تعول، وجسدها يرتجف، والدموع تنصبّ على ثيابها التي ابتلّت بالدماء. وبينما تسير فوق الأرض المكتسية بالدماء، قالت بألم:

_مش هقدر أفتح، الحقوني أبوس إيديكم، أنا خايفة أَوي... بجد خايفة!

في الخارج، أمر "فهيم" ابنه ناجي بكسر الباب، فقال بصوتٍ لا يحتمل التأخير:

_اكسر الباب معاي يا ناچي، اكسره بسرعة!

وقفت النساء بعيدًا يتابعن فهيم وناجي وهما يصطدمان بالباب مرارًا وتكرارًا إلى أن انفتح. دخلوا ليجدوا قطرات الدماء ترقد قبالة حجرة چيهان، وباب السطح مفتوح، والعشوائية تسكن المكان، ما أكد وجود لص موجه من قبل دنيء استغل غياب رمزي لينفذ وعوده الشنيعة مع من لا تستحق الإيذاء.

طرق الرجال الباب، فخرجت لهما چيهان، والدماء غمرت طرف عباءتها، وتصببت على الأرض. كانت تبكي بذعر، فلم تجد مأوى لها في لحظتها الحرجة سوى حضن غزالة التي واستها في محنتها.

يتبع.....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة