التوجُّس يُبدّد الاستمتاع بالحياة، فيعيق ملاذاتها، فماذا إن كانت تسير بانسجام في طريق واسع زُرع على جانبيه الورود، والشمس تفشي الوضوح عليها، لكن فجأة تنقلب الموازين إلى ما لا يُعقل، لمجرد حقٍّ في الحياة من أقل الحقوق: "الزواج"، في عالم يحوي ملايين المتزوجين، حتى الحيوانات، الطيور، الأسماك، الزواحف، وغيرهم من الكائنات الحية التي لا ينقطع عنها الواقع المرغوب.
لِمَ توقفت عند اثنين أقل آمالهما في الحياة أن يجتمعا في المستقبل تحت سقف منزل واحد، عشٌ يُبنى بالمودة والرحمة؟
كل ذاك من مجرد خطبة تجهل مصيرها البشرية، يعرفها القدر ويدرك نهايتها التي لا تخطر على بال أحد، فما المتوقع لو أنهما خطوا خطوة الزواج الرسمي؟ هل ستنفجر الديار احتفالًا بهما، أو ستنهار الجبال فوق رؤوسهم تبارك لهما؟
ظواهر غامضة بدأت تحدث داخل دار أسرة عمرو، فلم تقتصر الألاعيب عليه فقط، بل انتقلت إلى أخته الصغرى "دنيا"، وكأن اللعنة شملت الجميع وأحاقت بدائرتهم المغلقة، فما تفسير ما حدث لعمرو داخل حجرته وفي المرحاض؟ حتى دنيا، التي صرخت صراخًا حارًا، جعل الجميع يدخلون لها بأرجل حثيثة، وأعين مشدوهة.
وقف عمرو، وراءه والدته وباقي أخواته، يشاهدن ما حدث. الحقيبة التي عاشت سنوات فوق الخزانة اندفعت على الأرض محدثة فوضى وضجيجًا جذب انتباههم جميعًا، ودنيا لا تزال ترتجف خوفًا، فتقدمت والدتها وأختها غادة نحوها وعانقتها، واستفسرت عما حدث، فيما كان عمرو يرفع الحقيبة الثقيلة ويضعها على سريرها برفق.
سألت "حياة" بفضول، والأجواء المحيطة لا توحي سوى بالارتعاب:
_في إيه يا دنيا؟ مالك مذعورة كده ليه؟!
اِرتجفت أنامل "دنيا"، فلا حرف جلا على لسان متخبط، وجسد خشي النهوض، كان مشهدًا مفزعًا من فيلم كارثي بدأت بدايته منذ أمس، لكن بنهاية مفتوحة وغير متوقعة، وبينما تحاوطها والدتها بذراعيها، أجابت بحروف متباعدة:
_الشنطة اتحدفت على الأرض، دي بقالها سنين متحركتش من مكانها، وكمان محدش قرب منها.
سألتها "فاتن" باهتمام، قائلة:
_وقعت يعني؟
رَدَّت "دُنيا" مُستنكرةً سُقوطَها بشكلٍ عادي، فقالت:
_لا اتحدفت موقعتش، كأن حد حدفها.
ربّت "عمرو" على رأس دنيا، وقبّلها بحنان، يغمرها بالطمأنينة التي تحتاجها، ثم قال:
_متخافيش، مفيش حاجة تخوف!
وتابع حديثه إلى والدته وأخواته بابتسامة مطمئنة:
_هي تلاقيها اتزحلقت بس، لكن مفيش حاجة تستدعى الخوف، ويلا بقى جهزولنا أكلة حلوة من إيديكم، وطلعوا المواضيع دي من دماغكم!
ردّت "غادة" بسكينة تتنافى مع حياةٍ غُرِقت وسط أحداث مبهمة، قائلة:
_حاضر.
خرجت غادة بخطى هادئة خارج الغرفة، وكمّي ذراعيها مرفوعان بشكل يوحي بالانشغال في صُنع الطعام الذي انقطع تحت وطأة صراخها، وكأنه سكين باتر لمهام الحياة، ما جعلهم يتوقفون بشدَه عند نفس النقطة.
ظلّت الأسرة تتسلّل من داخل الحجرة واحدًا تلو الآخر، حتى خرجت حياة مع ابنتها دنيا، وهي لا تزال تعانقها بذراعها الأيمن، تخطّيان سويًا وسط دعم الأخوات، ودخلن المطبخ جميعًا وكأنهن لوحة تصف مظهرًا من مظاهر التعاون، حيث في لُبّ هذا الدار حرصت الوالدة "حياة" على تعليم فتياتها جميعًا مهارات الطبخ، والعناية بنظافة المنزل، وتطهيره من المُدنّسات، حتى أصبح دارهنّ صورة مثالية من صور الطهارة: أبواب ونوافذ لامعة كأنها مرآة تنعكس عليها الوجوه، أرضيات ناعمة من شدة العناية، كل شيء مُرتب وجميل، مما عكس اهتمامهنّ بالجوهر الداخلي.
في أعماق المطبخ بدأت الأيادي تتحرك بتناغم: غادة تقطع الخضروات بتساوٍ، فاتن تغسل الأرز بعدما انتقت منه القش والحصيات الصغيرة، ودنيا تغسل الأواني تحت المياه الجارية، تزيل بالإسفنجة بقايا الطعام العالقة.
بعيدًا عن كل ذلك، كان "عمرو" ما زال ينظر حوله بصدمة، ولا يجد إجابة واضحة لما يطوف في ذهنه. لكنه خرج من حجرة دنيا، وانخرط إلى حجرته، فجلس على سريره ورفع هاتفه بشوق ليكون أول من يُلقي تحية المساء على ريم، فكتب بابتسامة:
_مساء الخير يا حبيبتي، وحشتيني أوي بشكل!
أما "ريم"، فمن داخل حجرتها في منزلها، كانت مستلقية على سريرها، تُعاني من ذبذبات عنيفة في جسدها، كأنّ خفيًّا يتدفّق في شرايين يديها وساقيها، وتشعر بحركة في صدرها تمتدّ إلى حلقها مسببة خنقة غريبة. ورغم كل ذلك، رنّ إشعار الرسائل في هاتفها، فقبضت عليه، وردّت قائلة بنفس الاشتياق:
_مساء النور يا عمري، معقول؟
كان الباب مفتوحًا، وليس على آخره، وروائح طهي الطعام تتسلل إلى رئتيها، إذ كانت أسماء تجهّز الطعام ببالٍ متكدّرٍ بغياب چيهان، التي تربّعت في رأسها بلا انقطاع.
يا وَيحَ قَلبِها لَو عادَتْ مِياهٌ،
تارِكَةً في فِراقِها ظَمَأً اسْتَلزَمَتْهُ أَرْواحٌ صَدْيانَة،
شَمْسٌ غابَتْ، والثُّلوجُ انْهَمَرَتْ عَلى الجَليدِ، زادَتْهُ أَثْقالًا،
لَكِنْ في المُبْتَغى رَجاءٌ بِلمِّ شَمْلِ الوِصالِ.
إنه الأمل الذي لا يتوارى، وكأنّ الحنين يكتظّ في وعاءٍ منقبض، فمشاغل الحياة وحدها لن تُنسيها ما أثقل كاهلها، لكنها مجرد تخديرٍ موضعيّ ينتهي مفعوله حينما تُصغي لاسم چيهان يُردّد حيالها، وقتها ينهار كل شيء.
فيما اتصل "عمرو" بريم بعدما تأكّد أنها مستيقظة، تقايضا الأحاديث، ليخبرها بشوقه العارم لها في عالم لا يتّسع شوقه، وبمنتصف الحوار قال:
_والله يا ريم أنا مش عارف إيه اللي بيحصل من إمبارح، من ساعة ما دخلت عندكم البيت وأنا مش تمام.
اِنفزعت "ريم" لما قاله، وبدأت تنهال عليه بالأسئلة، قائلة:
_ليه في إيه؟ حاجة حصلت تاني بعد ما رجعت؟
تنهد "عمرو"، ولا يدري ما سيقوله؛ إذ حتى اللحظة التي سيخبرها فيها، لم يكن يعلم إن كان ما فعله صوابًا أم تصرّفًا خاطئًا سيزرع القلق في نفسها. لكنه، رغم كل شيء، قال:
_هو بصراحة حصل، بس أنا مبحطش في دماغي، اللي مضايقني إن دنيا أختي حصلها حاجة مشابهة.
تساءلت "ريم" باهتمامٍ واضح في نبرتها، فقالت:
_طيب فهمني في إيه، أنا بجد مش فاهمة حاجة!
شرح عمرو لها ما حدث منذ أن خطا بوابة دارهم وحتى قبل خمس دقائق من اللحظة الحالية، لكنها، منذ ربع ساعة، كانت قد أرسلت صور الخطبة لمنى كما وعدتها؛ تلك التي صنعت فيديو لطيفًا من أجلها ورفعته كقصة جميلة على برنامج الواتس آب، تهنئ فيها العروسين بعبارة مغمورة بالحبّ والتباريك، إذ كتبت:
"ألف مليون مبروك لريم أختي وحبيبتي، ريم مش بس بنت عمي دي روحي كلها، لينا ذكريات كتير مع بعض من واحنا قد كده، ولا عمري كنت أتخيل إننا هنكبر وكل واحدة فينا هتتخطب وقريب هنتجوز وكل واحدة هيكون ليها بيتها وحياتها، بجد نفسي ربنا يباركلك في حياتك يا ريم ويكملهالك بألف خير يارب، عمرو ده عوض ربنا ليكي يا قلبي... ربنا يخليكم لبعض ويفرحكم ويبعد عنكم ولاد الحرام يارب... العيلة كده نقصت منها واحدة. "
قابلتها ريم برد صافي نابع من جوهر طيب لا يعرف للكراهية دربًا، وكأنّ حجرتها لم تنفجم من قوة البهجة التي أحستها هذه الأيام. ثمة ريشة حانية لمست قلبًا مجروحًا داوت جروحه العميقة، فالنفس المجروحة تكون أشدّ مطلبٍ لعوضٍ يُنسيها مرارة الفقد، وبالفعل وجدت ريم "عمرو" رجلًا باسلًا يستحق حبها عوضًا لها عن محبوبها السابق.
لكن ربط الأحداث ببعضها ينزع أشواك حقيقة علقت في أسفاح الإندلاس، فتكّون صورة جديدة أكثر اتضاحًا. وبينما ريم تنصت لحكايات عمرو، وَبَخَت ذاتها على إرسال صور الخطبة إلى ابنة عمها، تصرفت معها بصفاء لتقابلها الأخرى بالتدليس، فدس السم في العسل مهارة صعبة لا يُجيدها سوى المراوغين.
بين أروقة منزل فهيم، اتفقت غيداء مع چيهان أن تذهب معها إلى طبيب الوحدة الصحية ليغير ضمادات جرحها ويعقمه جيدًا منعًا لتلوثه. فخرجت چيهان مستندة على ذراعها، واستقلتا إحدى السيارات التي اتجهت بهما إلى الموقع المطلوب.
وأثناء الطريق كانت چيهان مميلة برأسها على النافذة بوهن نفسي مسموع، تتابع الطرق التي سار عليها البدو بجمالهم، والنساء اللواتي ثابرن وسط الأراضي الزراعية، تلفّ جلاببهن حول أخصارهن برباطٍ متين. الشمس تركت علاماتها على وجوههن المتصبغة بحمرة الكفاح، فتجمعن المحاصيل داخل الأرب الواسعة، والطيور تحلق فوق رؤوسهن.
وبعد دقائق وصلتا إلى الوحدة الصحية، فخرجت غيداء وساندت چيهان، ثم توجها إلى داخلها ليتمما ما جاءا لأجله. وبينما تسيران، التفتت "غيداء" نحو چيهان المتألمة، وقالت:
_على مهلك لا خياطة الچرح تفك!
لكن في طريقهما، تقابلت "غيداء" مع زميلاتها الممرضات، فابتسمت وأشارت لهنّ من بعيد، ثم التفتت نحو چيهان، وقالت بخجل:
_معلش يا چيهان، اجعدي ارتاحي هنا شوي، وآني بروح أسلم على صحباتي وبرچع، ما راح أتأخر!
ردّت "چيهان" بألمٍ يجتاح جسدها، فقالت:
_عادي، خدي وقتك.
ساندتها حتى جلست على درج الوحدة الصحية، ثم خطت مُهرولة إلى زميلاتها بحماس. كنّ ثلاث نساء في عمر الثلاثين، جميعهنّ يرتدين زيّ الممرضات الموحّد، كأنهنّ وشاحٌ للرحمة، جنودٌ لطيفة على الأرض، يعملن بتعاون، ويُزلن أوجاع المرضى بأيادٍ رحيمة. وبينما كانت "غيداء" تعانقهنّ بحرارة، قالت:
_كيف حالكم يا بنات؟ والله مشتاجة لكم كثير.
أجابت الثلاثة بابتسامةٍ واسعة:
_الحمدلله.
=بخير والله.
_إنتي كيف حالك يا غيداء؟ تزوچتي ولا بعد؟
فيما كان الحوار يتجه في مسارٍ أكثر اهتمامًا بعد غيابٍ دام لأشهر، وقفن الثلاثة جانبًا يتحدّثن باكتراث حول أمورهنّ الشخصية، في طرقةٍ اكتظّت بالمرضى وأهاليهم، تتعدد فيها الخطوات ما بين الأطباء، الممرضين، المرضى، والأهالي، فتنتشر الأصوات وتتوه الأعين بين هذا الزحام.
انشغلت "غيداء" وسط عذوبة الكلام الذي أخذها إلى عالمٍ آخر، متناسيةً چيهان، لكنها، وفي لحظة غير متوقعة، تحرّكت حين تذكّرتها، تبحث عنها في كل صوب، لكن دون فائدة، وكأنها ذرة ملح ذابت. فقالت لزميلاتها بقلق:
_طيب برچعلكم مرة ثانية، عندي واحدة جريبتي تعبانة وچاية تغير على الچرح.
ردّت إحداهنّ بابتسامةٍ آنسة، وقالت:
_خلينا نشوفك عالطول، لا تغيبي عنا يا غيداء!
عانقتها "غيداء"، وردّت بنفس درجة الإعزاز، قائلة:
_من هالعين جبل هالعين، أخلّص وبرچعلكم عالسريع نكمل السوالف!
تحركت "غيداء" بعجلة بين طُرُقات المستشفى، تبحث عن چيهان، متخوّفة من غيابها المفاجئ الذي زرع الرهبة في وجدانها. صعدت إلى الطابق الثاني بخطى واسعة، تنظر في الوجوه وتفحصها، علّها تجدها بينهم.
ازدادت ضربات قلبها، وأحسّت بحرارة تطوف حولها، خشية أن تكون چيهان قد تاهت في بلدة تجهل أركانها، حتى اِنضوت إلى حجرة طبيب الجراحة العامة، متوقعة أن تجدها هناك، فمن الممكن أنها صعدت مَلُولَة من جدالات غيداء وزميلاتها المريرة، مقررة أن تنتظر بالأعلى أو تنهي مهمتها سريعًا.
بين جدران حجرة الطبيب، الذي انشغل في تغيير ضمادات المرضى، لم تجد چيهان، فتفاقمت الهواجس برأسها أكثر من قبل، وتوجّهت إلى الطبيب بابتسامة تخفي وراءها المخاوف، وقالت:
_السلام عليكم، شلونك يا دكتور يحيى؟
نظر "الطبيب" إلى المتحدث ليرى من هو، في حين كان يغير ضمادة جرح طفل في العاشرة من عمره سقط على حجرٍ قاسٍ في الشارع، جرح ركبته. ثم أعاد نظره إلى المريض سريعًا، وقال:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وقفت "غيداء" بالقرب منه، وسألته بوجهٍ قلق:
_مشوفتش الأبلة چيهان اللي چينالك وياها البارح بالليل؟
أجابها "الطبيب" وهو يثبت الضمادة بإحكام على ركبة المريض، قائلًا باستنكار:
_لا مشوفتهاش.
رفعت "غيداء" إصبعها على شفتيها بتفكير، وعيناها تجولان في الحجرة باضطراب، وقالت بنبرة خافتة لنفسها:
_يا دي النيلة، راحت فين يا ترى؟ لا يكون صارلها شي... رمزي راح يزعل منا كثير ومش بعيد يجاطعنا...
وتابعت للطبيب ببشاشة مُزيفة، يستكين في أعماقها خوفٌ فائض:
_طيب بشوفها فين وبچيبها لك وباچي.
غادرت غيداء حجرة الطبيب، فيما كان قد أنهى دوره مع الطفل وافتتح كشفًا مع حالة جديدة.
بين أروقة المستشفى، خطت غيداء للبحث عن چيهان، والهموم تطرق بابها، فلم تترك موضعًا إلا ودخلته، مستعينةً بعينين باحثتين، ولسانٍ يسأل المارّة، لكن الحياة دَكِنَت قبالتها وتحولت إلى ظلامٍ بائسٍ بلا نور. فكانت أقصى طموحاتها في هذه اللحظات العصيبة أن تلمحها، ليهدأ قلبها ويَسكن في ضياء الطمأنينة. لكن چيهان، التي توارى معها الأمل، لم يكن لها أثر بين الناس، ما استبقى الذعر في مُهجتها.
هناك، في حلكة السجن ومرارة أيامه، كان رمزي جالسًا بقهرٍ يوثَب من ملامحه الثائرة، متوعّدًا لشيخ القبيلة ولكل من كسر حدوده الصارمة. فقد تجرّأ عليه حينما أدخله رغمًا عنه في حياة لا يرغبها، كأنما عاش في كهف، بعيدًا عن تطورات الحياة وملاذ البشريين.
باتت لياليه واحدةً دون مواقيت، يحلم بليلة إطلاق سراحه وعودته إلى الحياة، التي لم يقدّر معناها إلا في حقبة الظلام التي عاشها بين نيران الاضطهاد. فلا يشعر المرء بعذوبة ماء النهر إلا بعدما يُجبر على الغرق في أعماق المحيط.
أنصتت أذناه لأبواب تنفتح، فازداد تركيزه، وأجّل التفكير إلى أن يعرف تفاصيل الحدث. ولج أحد رجال الغفر بهيئته المعتادة —جلبابٌ بدوي، سلاحٌ مثبّت في كتفه، وعمامة على الرأس— يتحرك بخطى ثابتة، وفي يده ورقة بيضاء مطوّقة، استلمها من أحد الرجال خارج دار الشيخ ضرغام، وتبدو حاملةً أمرًا هامًّا لا يُحتمل التسويف. بات يقترب شيئًا فشيئًا، إلى أن وقف موازيًا لرمزي، وقال بنبرةٍ صارمة:
_في حد مرسل لك الورجة هذي معاي!
لم يفهم "رمزي" أيّ ورقة جاءت خصيصًا من أجله، وما الذي تحويه، ولماذا أُرسلت من الأساس. فرفع وجهه ناحية الغفير، وسأله بنبرة خشنة، أشدّ حدّة من صوته:
_تطلع ورجة إيه دي؟
استلم رمزي الورقة من بين فراغات الحديد، قابضًا عليها بين يديه وقلبه يزداد خفقًا، أعصابه مشدودة، وأصابعه ترتجف. وحينما خرج الغفير من الطابق الأرضي وانغلقت الأبواب، بدأ رمزي في فتح الورقة ببطء، وبشغفٍ ممزوجٍ بالخوف.
كانت صدمة عظيمة لم يستطع تحمّلها، وهو يقرأ ما كُتب داخل الورقة بالدماء الطازجة. اتسعت عيناه بذهولٍ قاسٍ، وتزايدت نبضاته برهبةٍ مفزعة، ليجد "مصعب" يقول بقِصاصٌ حانَ موعدُه:
_الزينة خلاص اندبحت وخذينا دمها، ما عاد إلها وچود بينا، روحها ترفرف فوج السما الحين، كل اللي سوّتُه راح وتخرب بيدي، ما هو آني جولتك لا تلعب مع الرچاچيل الكبار، لأحسن تزعل، وإنت اتمسخرت على كلامي، بس مو مهم، المهم إني وفيت بوعدي.
نهض "رمزي" بصدمةٍ عاتية جرفت ما تبقّى من روحه، فالآن كلّ ما بناه انحدر في هاوية الدمار. لقد نُفِّذ الوعد، وأُفسد سعيه لحمايتها طوال الأشهر الماضية. كأنه حلمٌ مؤذٍ، لكنه ليُفيق ذاته من وُعورة القهر، ظلّ يصفع وجهه بيده ليفيق من كابوسه المُرعب. لكنه ارتجف رجفةً عنيفة حينما تيقّن من أنه واقع لا يمكن تغييره. اتّسعت عيناه وهو لا يزال تحت تأثير الصدمة، عقله متوقفٌ عن التفكير، يوبّخ ذاته على كلّ فعلٍ ارتكبه ألقاه بين أنياب السجن، وكانت النتيجة أنه لا يستطيع حمايتها أو الدفاع عن قلبها الطاهر.
تحرّك للأمام بوجهٍ مشدوه، يتأوّه ويصرخ كفرخٍ صغير أضاعته أمه، تشبثت يداه بالحديد، وهو يعوِل لأوّل مرة عُواءً ساحقًا، يزعزع الأرض وما تحمله، ويداه تتخبطان في القضبان بانهيارٍ شاجٍ، وهو يقول بجلجلةٍ عاتية:
_چيهان! چيهان! بالله طلعوني من هنا... النار تاكلني! طلعوني!
تخبطت يداه على قضبان زنزانته المحصورة، تتزايد دفعًا بلا رحمةٍ لعظامه، وفي كل مرةٍ تتصاعد قوته، وكأنه ينتقم من نفسه لأنه تناءى عنها ولو للحظة. ذاك الغياب الذي منح الأشرار فرصتهم السانحة لإتمام الأذى، وكأنهم كانوا يتربصون باللحظة. لم يستوعب عقله ما قرأه بعينيه، ولسانه يصرخ صراخًا حارًا لا يماثله حزن في حياته، ويداه تضربان الجدران بعنف، وكأنه خُيِّل له أنّ بحزنه الشرس يستطيع أن يلين الحديد بين قبضتيه. تزايدت قوته أضعافًا مضاعفة، واجتاحته حالة رهيبة من الهياج الساخط، مرددًا باستغاثة:
_چيهان لا! چيهان! ما عاد أجدر! حاسس روحي تنسحب منّي...
ضرب يداه في الحديد بصلابةٍ غريبة، راغبًا في الخروج من المكان بأيّ طريقة، وإن كانت العقوبة بتر عنقه. كل دقيقة تمرّ كانت تقتله، فلا البقاء يريح، ولا المغادرة يجد فيها جَمامه. ومن شدّة اصطدام أصابعه بالحديد، انخدشت وخرجت الدماء مستطيرة على الجدران، لكنه لم يشعر بشيء، سوى صوته الداخلي الذي أخفى من هوله أيّ شعور بالألم. تابع بصرخاتٍ تمزّق السكون:
_چيهان! آني بحلم؟ هذا حلم؟ لا... مو حلم... مو حلم...
تشبث بالورقة بين يديه، ينظر ما فيها بجسدٍ مرتعش، وكأنما أصابته حالة جنون لم تمرّ به طوال حياته. جعلته يقطع الورقة بغيظٍ مدفون، فتطايرت القطع فوق رأسه وثيابه، ونيرانه المتقدة كادت أن تشعل جبال الثلوج، مجلجلًا بقهر:
_يا چيهان! ليه تخليني أندم عكل شي سويته؟ راح يصيرلي شي... والله مآني مصدّج....
اِنقضّ نحو الباب بخبالٍ ليس بعادي، يطرقه بعنفٍ شرس، ونواحه يُرَجْرِج دار الشيخ ضرغام رجًّا، مردفًا:
_افتحوا لي! ورب السما مآني جاعد هنا دجيجة! آني تعبان حيل... ما عمري حسّيت نفسي بهالضعف...
متابعًا بضرباتٍ فتاكة لم تَعُد عليه سوى بالمضرّة على أصابعه المرتجفة، وصوته الواهن:
_افتحوا هالخراب ده! افتحوا لي وطلعوني! بدي أطلع الحين!
سقط على الأرض، ظهره متاخمٌ للجدار بقهر، والدموع تتساقط من عينيه، رافعًا كفّيه فوق رأسه، وكأنه يُحجم ألمًا لا يطيق مواجهته. واسترسل بصوتٍ ضعيف يكتنفه الندم:
_آني الغلطان من يوم ما تركتك... بس والله ما كان بيدي يا چيهان، خوفت أزوچك لواحد يظلمك، ما كنت أجدر أخلّي حد يجرّبلك، لأنك طاهرة ونظيفة من چوا، حتى لو كان زين، ما راح ينفع... صدجيني، ما ينفع مهما صار... كنت أدافع عنك وإنتي غايبة، وآخرتها آني الغلطان... مش لأني ضربته، لا! لأني تركتك بيد أبوي، اللي استغل غيابي وضحّى فيكي، وهاهو سوّاها...
خرج من هدوئه وهو يصرخ صراخًا متواليًا:
_سوّاها... خلاص سوّاها... بس آني ما عاد أجدر، حاسس إني بموت من الجهر، صدجيني ما لك ذنب، ما كان ينفع تدخلي حياتنا ولا تجربي منا يا چيهان... إنتي الوحيدة اللي ذكرتيني بأمي، نفس الطهارة ونفس صفا الجلب، لولا إنها أمي وآني عارفها، كنت جولت إنك بنتها...آني من جوّا بتجطع... تعبان، تعبان حيل...
عَاوَلَ إعوالًا حارًّا، وتابع:
_تعبان... ما عاد أجدر... سامحيني إني ما كملت مشواري، بس والله ما كان بيدي!
كأن دموعه انهمرت من شلال الآسية، وهو نفسه مستعجبٌ من ذاته التي انقهرت على فراقها دون وداعٍ أخير حتى. الوضع حَرِج ولا يُحتمل، خرج عن المألوف، فأشواك الأشواق علقت في قلبه، إن تركها أزادته آلامًا، وإن اقتلعها تركت فراغًا تسبح فيه دماء الاستياء. فكان يتخبّط بسيقانه في الجدار ويصرخ، تحوّل من شابٍ عاقل إلى منتحبٍ كالأطفال، حتى سقط أرضًا واضطجع عليها دون إرادةٍ منه، أصبحت رأسه ملاصقة لأرضٍ صلبة كمشاعره التي لانت يومه هذا، ودموعه تتساقط دمعةً تلو الأخرى بمرارة، مغمضًا جفنيه، محتضن الأرض بيديه، مرددًا بصراخ:
_چيهان، غلطان والله غلطان... غلطان يوم تركتك يا چيهان، يا أبوي اللي راح يجتلني زي ما سوّى وياكي، يا آني اللي بموت روحي عشان أچيلك، ما عاد ينفع أعيش بعد اليوم، بس لازم آخد حجي وحجك يا چيهان....
رفع رأسه لأعلى بوَهَنٍ عظيم، يناديها بصوتٍ عالٍ كاد أن يُرَجْرِج الحيّ من شدّته:
_چــيــهــان!
استخرج صورتها التي رسمها بإمكاناته المحدودة من جيب جلبابه، وجسده ينتفض من قوة الاستعبار، متأوهًا كمن انغرست المسامير في ساقيه، لكن الفارق الوحيد أنها انغرست في صميم قلبه المتشوق. دقّق النظر فيها بعينين مغرورقتين بالدموع، وكأن بينهما حجابًا منعه من رؤيتها بوضوح، فرفع كفّه ومسح دموعه، وتابع بتوبيخٍ لضميره:
_يا بنت الأصول يا الطاهرة، حجك فوج راسي والله.
رفع الصورة وضمّها إلى صدره وهو ينتحب، كان في حالة يُرثى لها، مندهشًا من حاله الغريب، ولأول مرة يتأثر بهذه الطريقة التي جعلت جسده ينتفض حزنًا. كان صوته ينتشر في أرجاء دار الشيخ ضرغام، ذاك العمدة الذي جلس بشموخ على كرسيه، غير عابئ بصراخ رمزي في الأسفل، فيرتشف الشاي، وقبالته طاولة مملوءة بأصناف الفواكه المختلفة.
دخل "الغفير" إلى البهو ليستجوبه في أمر رمزي، الذي اخترق سكونهم بإعواله الحار في الأسفل، فوقف بمحاذاة العمدة، وأخفض رأسه قليلًا بتبجيل، وقال:
_أخينا اللي تحت يا حضرة العمدة، من ساعة وصلته الورجة وهو ما وجف صريخ وخبط على الحديد، شكله وصله خبر حد غالي عليه... يعني لو ينفع....
امتدت أصابع الشيخ "ضرغام" إلى طبق الفواكه، وقبض على إصبع موز، وبدأ يقشره بلا مبالاة، وهو يقاطع حديث الغفير، ليقول:
_متكملش، عارف إنت هتجولي إيه! مفيش خروچ جبْل ما يخلص مدته بدون مشاكل، وإذا عمل مشكلة چديدة راح نمدّد له المدة، والمرة دي بتكون شهور مش أيام....
رفع رأسه نحو الغفير، وأردف بحزم:
_امشي يا غفير الهَنا إنت، وإياك تچيبلي سيرته، خلّيه يچعچع إن شالله يچعچع للعام الچاي، مفيش طلعة!
أمر وطاعة، حين توثب الأوامر من فوهة العمدة ضرغام فلا مجال لتنميقها أو الجدال فيها، فالخضوع واجب على نفسٍ أحيَت في هذا الدار الذي انحكم بقوانينه الصارمة، ومن يخرج عن طوعه فقد حكم على ذاته بالمجازاة. وقد أخفض "الغفير" رأسه أكثر من قبل، وقال:
_تحت طوعك يا عمدة.
خرج الغفير من المنزل، فتبيّن هدوء الشيخ "ضرغام" وسط الأعاصير النارية، يظهر غير مهتم بإعواله في الأسفل، فرفع كفيه على أذنيه وكأنه يحجب الضجيج الذي يحدثه، وفمه لا يزال مستمتعًا بتذوق الموز الطازج، ثم قال:
_هالمرّة جرصة ودن صغیّرة، المرة الچايّة بورّيك يا رمزي لما الشيخ ضرغام يِحاكم حد، يِسوي فيه شنو...
ثم قذف قشرة الموز على طبق الفواكه، وتابع بتهكم:
_جال يطلع جال، ده لسه فاضله أيام سودة ما يِشوفها غير هني.
تحوي الحياة أفئدة قاسية لا تنكسر سوى بالدك عليها بالمطرقة، ناس لا يملكون ذرة تعاطف، لم يمروا على أزقة الرحمة يومًا ولا يعرفون لها عنوانًا، فيعتقدون أن القسوة هي قمة القوة والهيمنة، ولا يدركون أنها لا تخرج إلا من أضعف النفوس وأقلها أَزرًا.
الطيبون بطبعهم لا يعرفون الأذى، فيُسمّون درجات عالية في جهالة الظُلم.
حيث يعيش مصدر الفساد في الأرض، مَن خُلق خصيصًا وكأنه حطب من أحطاب الجحيم، لا يتحرك في موضع دون أن يترك بصمته الدنيئة، هو إجابة سؤال "لماذا صُنع الله جهنم؟" فلا تكمن الإجابة في رد مباشر، بل في أفعال تفسر هذه الإجابة بوضوح.
بين الظلام الذي اعتاد الحياة فيه، أضواء حمراء تنبعث من حجرة عمله المكتظة بأدواته السحرية الملعونة، وكتب تحضير الجان، منها "شمس المعارف" الكتاب الشهير الذي يشعل نيران من يفكر في قراءته، فلا يقوى على صرف الأذى سوى من مارس المهنة الرجيمة لسنوات، علم لا ينفع بل يضر ويطغى ويؤدي إلى هلاك بلا رجعة.
حياله طبق استانلس كبير يُشعل فيه النيران، وبجواره صور ضحايا عدة، منها —أشخاص بمفردهم، أزواج، مخطوبين، أمهات وأطفالهن، وغيرها— وفي قبضته هاتفه المحمول يخاطب امرأة مجهولة، فيقول لها بتأكيد:
_لا تشيلي هم، آني جدّامي كومة صور، بس ببلّش بيهم هم الأول، واطمني، يومين ثلاثة بالكتير وتجوم بينهُم علّة كبيرة، وكل شوية أزتّ لهم علّة، ووِحدة وِحدة الجلوب تتباعد، ويلعنوا اليوم اللي تعرفوا فيه على بعض.
بانتقام لا يخرج سوى من خسيسة لم ينعم الله عليها بتقدير المعروف والإخلاص، فقط دماء الغدر تدفّق في عروقها تدفّقًا، ملعونة، حقيرة، خسرت دينها من أجل كيد نساء وكراهية دفينة، وقالت:
_محدش بيبردلي ناري غيرك، لما تنفذ اديني رنة عشان أطمن إن كله تمام!
رد "مصعب" بانشغال، ووراءه أعمال عويصة في انتظاره لن يتمها أحد غيره، قائلًا:
_طيب، سلام وراي مشاغل كثير.
أنهى المكالمة ورفع صورة العروسين الجدد حياله، وفي يده قلم بحبر أحمر ثابت لا يتأثر بالمياه، يصنع سحره وفقًا لتواريخ الميلاد التي من خلالها حدد نوع البرج إن كان ناريًا، مائيًا، هوائيًا، ترابيًا. فبينما خيوط النيران الواثبة من الطبق القائظ تتطاير على وجهه باستعداد، رفع كتابه الرجس، يفتح صفحاته بتمعن، وكأنه ينسج سحرًا خاصًا على مقاسهما، ويتلفظ طلاسمه، ويحضر خدامه لينفذوا له ما يرغب، لكن في عالمهم المقايضة مطلوبة، فإن أنفعتك أنفعني بما أتوق إليه.
فبينما يظهر الجان إزاء مصعب ويحدث بينهما لغة تواصل لا يفهمها سواهما، كلفه الجني بذبح ثعلب من قبل، إذ يعد أخطر أنواع القربان المستخدمة في التفريق، مبلغه باهظًا، لكن طالبة السحر بطبعها لا تملك ذاك المبلغ، قد حضرت في الصباح ودفعت بطريقة أخرى يزلزل لها عرش الرحمن. وقد سأله "الجني" بصوت يشيب شعور اليافعين، قال:
_الخيط الأول تقطّع... نُفذ الأمر؟
تسللت يد "مصعب" داخل وعاء معدني كبير، رفع غطاؤه القماشي، فظهر الثعلب المقتول ليؤكد له مصداقيته في عمله، مجيبًا:
_جدّامك، ودمّه سايل، آني أوصّيك تنفذ أمري... وتفرّج بين ريم بنت أسماء وعمرو ولد حياة، وتخلّي اللي بينهُم ينكسر كسر ما يلتئم، ويصير بينهم خيبة ما وراها صُلح.
كتب طلاسمه فوق الصورة بيدٍ ثابتة لا تتزعزع، مارست الدمار في حياة ما يزيد على أربعمائة ضحية منذ أن سلك طريقه المشؤوم إلى يومه هذا، ثم نفث بكلمات مُريبة، وهو يقول:
_زارا مينتور... آلاخ نيمّا... هسّام راكتي نو فايدار!
أرغولا تينام، فيردوس كالا، شينّا إيغروس، لتنشّج الجلوب، وتسجط في بؤرتها، وليتچمد الزمن حيث أمرت....
مرددًا بلسانٍ يتأرجح على أرجوحة الرعب، والغموض يخيم على الأجواء من حوله، والدخان ينتشر على أنغام الخور:
_يا تايار، امشي بتكليفك... امشِ يعنيه، آمُركم يا خُدّام، يا موكّلين بسحر الربط عن الزواچ وسحر التفريج، تغرزوا العُجد في شاكرة الجلب، والراس، والرچلين... وتمنعوا زواچ ريم بنت أسماء، وتخلوها محرومة منه ليوم الممات!
اختفى جثمان الثعلب من داخل الوعاء تاركًا أثر الدماء فيه، أما مصعب، الذي صنع عروسًا محاكية لجسد ريم، فبدأ يربط العقد في موضع القلب بإبرة رفيعة وخيط متين. بدأ من رأسها، وكلما مرَّ على عضوٍ، ربطه بحقارة لا مثيل لها، حتى تكوّنت عقد كثيرة في جسدها، وكأنها عقد خرج لها جسدٌ بشريٌّ أُخفى معالمه. ولم يكتفِ، بل نشب صورة العروسين التي دوّن عليها طلاسمه، وألقى بها في الطبق الناري، ثم جمع الرماد ودمجه بدماء الثعلب، وبدأ يدون طلاسمه من جديد على نسخةٍ أخرى من صورتهما.
في تلك الأثناء، أحسّت ريم بآلامٍ شديدة في سائر جسدها، فنهضت من على سريرها متألمة، تظل تتكئ على الجدار ولهيبٌ مضمر يسري في عظامها، حتى خرجت، والوصب جليٌّ على وجهها. فبينما نظرتْ إليها "أسماء"، انفزعت، وفرت نحوها مسرعة، وسألتها بخوف:
_مالك يا ريم؟ حاسة بإيه؟
ردّت "ريم" بتأوّه، ولا تعرف ما يحدث داخل جسدها من آلام مفاجئة، فقالت:
_مش عارفة يا ماما، مرة واحدة لقيت جسمي واجعني أوي كأن حد بينشر في عضمي.
ربّتت "أسماء" على كتف ابنتها بحنان، وقالت بتخمين:
_ما هو يا ريم إنتي لبسك خفيف أوي واحنا الجو لسه برد، ياما قولتلك تقلي لبسك عشان متاخديش برد.
على النحو الآخر، أحضر مصعب قفلًا تخلله الصدأ، وربطه في موضع الإنجاب، ودوّن طلاسم بقلمه الأحمر على القفل. وقد ازدادت آلام البطن لدى ريم، فبسطت كفها على بطنها بتأوه، تشعر بآلام الرحم على الرغم من انتهاء ظرفها الصحي منذ أيام، ورأسها يدور، ما جعل والدتها تسندها وتسير بها إلى أريكة الصالة، قائلة:
_اقعدي ارتاحي وأنا هعملك حاجة سخنة تشربيها، أعملك يانسون ولا حلبة؟
أجابت "ريم" بإنهاك لا يفارقها، قائلة بوصبٍ كأنما رُسم على جبينها:
_لا يا ماما، هاتيلي مسكن ولا أي حاجة، الألم اللي عندي ده عايز مسكن، المشروبات مش هتنفع معاه.
دخلت "أسماء" حجرة ريم وهي تقول بقلق:
_هجيبلك مسكن، وهعملك حاجة سخنة تشربيها برضه، وبعد كده تقلي لبسك، متلبسيش خفيف!
كان مصعب في تلك اللحظات يُجدِّد السحر، لكن بطريقة أشد من كل مرة. فبعدما ثبّت القفل في جسد الدمية، بهذه الطريقة منعها من الزواج تمامًا. وفي خطوة أخيرة، قذف حجارة زرقاء اللون، تبدو كالأحجار الكريمة لكنها خبيثة؛ كل حجرٍ بمثابة مشكلة، وحجمه يدل على مساحة النزاع، إن كان هينًا أم كبيرًا لدرجة شجارٍ عنيفٍ ينتهي بخصامٍ لليالٍ طويلة.
وبما أنه متمرسٌ في مهنته، لم يستغرق التحضير سوى دقائق، لتعيش الضحية تتعالج أشهرًا، وأحيانًا أعوامًا، من أثر الأذى الذي زرعه في حياتها. كان لعينًا في الماضي، لكنه ازداد لعنة، وبلا رحمة يسحق رجالًا ونساءً مقابل المادة والرذائل. فلم يرتكب ذنبًا واحدًا، بل مجموعة متكاملة من المعاصي والآثام.
وبينما كانت أسماء تمدّ يديها داخل الخزانة، وتتحرك بهدوء للبحث عن الدواء المسكّن الذي ترتاح ريم لتناوله، لامست أشياء لينة، ملمسها يشبه ملمسًا تعرفه. أخرجتها قابضةً عليها، لتجده دود أبيض متوسط الحجم يتحرك بين يديها. قذفته بعيدًا وصرخت بحرارة، وتراجعت إلى الوراء بارتجاف، لكنها عادت ورفعت الثياب، لتجد سرب من الدود المتلاعب حول ثياب ريم، وكأن الخزانة تحوّلت إلى مسكنٍ للحشرات التي انتشرت في أرجائه بطريقة مفزعة، فقالت بصراخٍ:
_دود.... دود في الدولاب... دود!
يتبع.....
الكاتبة رانيا عمارة