الفصل الثامن والخمسون

الفصل الثامن والخمسون

12 0

بعد مرور عامٍ كامل! رحلةٌ جديدة في الحياة خاضها أسرى الحُزن، ضحايا عوالم الأذى، أطفالًا شبّوا ليجدوا أنفسهم بين دروبٍ أحدُها مظلمٌ والآخرُ مستنيرٌ بضياء الرحمة والإنسانية. الآمالُ اندفنت في أعماق اليأس، وأخرى انبثقت من بين الرمال مُعلنةً رحلةً جديدة، فالرحلةُ دومًا تحمل في طيّاتها استمتاعًا وإن غرزت الأشواكُ في القدمين، وتعرقلت السيارةُ لأميال، فمن الأكيدِ يكمن الأملُ في أحدهم واقفًا في نهاية الدرب ممدًّا يدَ المساعدة.

تغيّر الكثيرُ في حيوات الأجمعين عدا الحبُّ المتفاقم داخل قلبِ چيهان، على الرغم من فقدانها لتسوية الأوضاع، رغم ظلالٍ اختفت عن عينيها لعامٍ كامل من الزمن، أخبارٍ لم تعد تسمعها منه مباشرة، بل أخبارٍ تصلها عنه كأي غريب، وكأنها توقّت أن تُثبت للعالم قدرتها على دعس قلبها بالقدمينِ نفسِهما اللتينِ هوتا في حبه منذ عامين. الوحيدُ الذي لم يغادر ذهنها لحظة، ليلًا نهارًا مستربعٌ في مهجةٍ استضاءت بنهارِ تَيَمُّمه.

عاشت چيهان طوال هذه المدة على أملِ النسيان، فتتلاشى ملامحه عن ذهنها للأبد، بدأت تخرج للعالم الخارجي فعادت المياهُ إلى مجراها، كطالبةٍ جامعيةٍ انضمت أخيرًا في بداية العام الدراسي إلى كلية الدراسات الإسلامية في موطنها الأصلي "المنصورة". أما عن العائلة فقد عادت إلى بلدتهم الحقيقية تاركين طور سيناء، مستقرين في شقّتهم القديمة في إحدى العمارات ببعض التجديدات المستحدثة في أركانها، فلم يعد شوقي ليجد مستقبلَه المهني كالسابق في الجنوب، إذ انحدرت أحوال الأسرة الاقتصادية فجأةً في ظروفٍ غامضة، ما جعله ينتقل بأسرته إلى العالم الحقيقي في بلدة المنصورة.

أكانَ حُبّي لَكَ ماضٍ يُنسى؟

والناسُ إنْ يلقَوني قالوا: قلبُها سيَقْسَى،

وفي شُغورِكَ عن عالَمي، وجدتُ نفسي تَشْقَى، والألَمُ يُقْرِحُ،

أفَيَفْضَحُ مُغْرَمٌ يَهْلَكُ في المغيبِ ويَسْأَم؟

كلما وقفت چيهان إزاء مرآتها أحسّت كأنها ترى روحه منشقّة على ملامحها الباهتة في غيابه. فتشابه الأرواح لا يعني تلاقي الشخصيّات في الصفات، ولا يعني تماثل ملامح الوجوه، بل ربما تكون ملامح مشتركة في الاتصال الطاقي بينهما، كالمسكن الهادئ الذي تلجأ إليه النفس بعد حقبة طويلة من الضياع.

لكن ما ملأ أنفاسها بالحيرة هو غيابه عن السؤال عنها خلال هذا العام؛ كيف له أن يتحمّل انتزاعه عنها، فيميل إلى العزلة وكأنها لم تكن ذات أهميّة يومًا في حياته؟

وفي المنتصف كانت صَبا تطمئنها عليه بين الحين والآخر، فتقول:

«رمزي يوصي عليكِ بالسّلام.»

فتردّ الأخيرة وقلبها يعتصر شوقًا:

«أُرسلي سلامي إليه.»

ثم تصمت بلا أي ردّ آخر. فكيف لصبا أن تجمع شتات شجاعتها فتتجرأ لتخبرها بالحقيقة القاسية؟ الحقيقة التي إن مرّت على أذنيها لقتلتها قهرًا عليه.

بدأ اليوم مُرهقًا على چيهان وهي تحمل حقيبتها الدراسيّة على ظهرها وتخرج بها إلى الجامعة. الطرق اتسعت كأنها تمهّد لها العبور، والشمس ألقت وهجها على فستانها البسيط وحجابها الشرعي الذي أزادها بهاءً.

چيهان التي اكتسبت وزنًا إضافيًا — ستة كيلوجرامات — ازدادت جمالًا عمّا قبل؛ امتلأت وجنتاها قليلًا فبرزت ملامحها، تلك التي كلما تقدّم بها العمر تملّكها الجمال الطبيعي الهادئ.

خرجت إلى الجامعة بخطًى مُرهقة، كأنها ترى رمزي بين الوجوه، يظهر لثوانٍ ويختفي كالسراب المتلاشي على الطرقات.

كانت الشوارع مُزدحمة بالبشر من أشكال وأعمار مُتباينة؛ منهم من انطلق إلى عمله بمثابرة حماسيّة، وآخرون إلى دراستهم، فتكدّست الطرق بالزحام في الساعة التاسعة صباحًا، وتنوّعت الأصداء ما بين أبواق السيارات ومحادثات الناس لبعضهم البعض.

ولجت چيهان إلى الجامعة بخُطى سريعة، وعيناها تَبحثان في هاتفها عن أيّ تأخيرٍ محتمل عن المحاضرة الأولى. إذ هناك، داخل الجامعة، تسير فتيات من الفِرَق الجامعية الأربع المختلفة، من بينهن چيهان التي لا تزال في الفِرقة الأولى.

لا تدري لِمَ جاءت إلى هنا رغم ظروف الحياة العَصيبة، لكنها الخطوة الأهم التي تمنّتها منذ أن سُلِبت منها الحُرية.

تحرّكت بين زميلاتها حتى صعدت إلى القاعة في الطابق الثاني العُلوي من المبنى، ثم دخلت إليه سريعًا لتجد الأستاذ الجامعي لم يلبث هناك سوى دقيقتين. سرعان ما صعدت درجات المدرّج وجلست بين الفتيات المحجّبات، وبينما الأستاذ الجامعي –رجل أربعيني ذو لِحية– وقف إزاء جهاز العرض المرئي، ورفع الميكروفون نحو فمه، وخاطبهم بابتسامةٍ هادئة، فقال:

_احنا المرة اللي فاتت اتكلمنا عن التوبة وشروطها، وازاي بيكون باب التوبة مفتوح مهما بلغ الإنسان الذنوب، النهارده يا بنات، هناخد محاضرة عن الإيمان بعد الذنب، وهنشوف ازاي الإنسان ممكن يقوم من ضعفه أقوى من الأول، وازاي ربنا بيبدّل السيئات حسنات لو المسلم تاب توبة نصوح....

بينما بعض الفتيات تتبادلن الأحاديث في المقاعد الأخيرة من القاعة بلا اكتراثٍ للمحاضرة، ارتدى الأستاذ الجامعيُّ لمادّة العقيدة الإسلاميّة نظّارتهُ الطبيّة، واسترسل بنُصحٍ للجميع:

_الصوت يا بنات ياللي ورا! اللي هتتكلم في المحاضرة مش هقولها غير اتفضلي برا ومتحضرليش مرة تانية، هنا تقعدي محترمة وملتزمة كامل الإلتزام، احنا مش جايين نهرج، احنا جايين نتعلم أمور دينا السليمة....

ثم ألقى نظرةً سريعة على الفتياتِ أجمعين، كمن يتحكّمُ في الوضع بمجردِ نظراته الحاسمة، فهدأتِ الأصواتُ من حوله حتى تلاشت نهائيًّا، ممّا أتاح لهُ الفرصة للمواصلة. فاعتدل في وضعيّته، وحرّك أصابعه على شاشة الحاسوب الشخصي حتى ظهرت المحاضرةُ على جهاز العرض الضوئي من وراءِه، حينها أشار بيديه نحو جهازه، وأردف بمهارةٍ جليّةٍ في الحديث:

_عندنا هنا خمسة أجزاء هنشرح كل واحدة منهم شوية: الإعتراف بالذنب، والندم الصادق، والإقلاع عن الذنب فورًا، العزم على عدم العودة إليها، تصحيح المسار... هنبدأ شرح في الإعتراف بالذنب، إيه هو الاعتراف بالذنب؟ بس قبل ما نشرح، عايز حد يقولي يعني إيه، اللي تعرف ترفع إيديها!

رفعت الفتياتُ الظافرات بالدين أصابعهُنّ لأعلى، ومن بينهن "چيهان" التي اتخذها الحق لمسار الشجاعة. بدأ الأستاذ الجامعيُّ يجول بعينيه حولهن، يبحث عن الأنسب للإجابة، حتى اختارتها عيناه من بين صفوف الطالبات، فأشارَ إليها، فنهضت لتُجيب، وخرج صوتها محملًا بالحزن، وإجابتُها تفيض بمشاعر صادقة، فقالت:

_الاعتراف بالذنب إني لما أقع في الخطيئة أعبر عن مدى ارتكابي للخطأ منكروش وأقلب الباطل حق لصالحي، وأكون عندي القدرة الكبيرة للتغيير وإني أحول الغلط لصح ومقعش فيه مرة تانية وكمان أنصح وأوعي اللي حواليا إنهم ميرتكبوش نفس الغلط، مش أبرره واختلق لنفسي مبررات واهية ملهاش أي أصل من الدين.

أُعجب الأستاذ الجامعي بإجابة چيهان الواضحة، فمَنَحها نظرة انبهارٍ، وسألها بفضولٍ:

_براڤو عليكي، إنتي اسمك إيه؟

رَدَّت "چيهان" بوضوحٍ، وجميع أنظارِ زميلاتها مُنصَبَّةٌ عليها مِن حولها:

_چيهان شوقي الدميري.

أشار الأستاذ الجامعيُّ لچيهان بالجلوس، فجلست بقليلٍ من الفخر النفسيِّ، إذ حرَّكَ الأخير الميكروفون بالقرب مِن فمه ليُخاطبَ الجميع، قائلًا:

_زميلتكم چيهان قالت إني مقلبش الباطل حق لصالحي، على الرغم من إن النقطة دي لا تمثل رأس السؤال نفسه ولا تتجه لنفس السياق إلا أنها نقطة في غاية الأهمية، مش عيب يا بنات إننا نغلط، لكن العيب إننا نوهم نفسنا وغيرنا إننا على حق.

يقطع الحقُّ دبر الباطل، فيعيش الظالم متغلفًا برداءِ الحق، وفي أعماقه باطل عظيم ليس بهيّن، ذاك البارع في صُنع باطله من العدم ليقنع الناس قبل نفسه بصوابٍ ليس بحقيقة، وإنما يخلق الفساد على الأرض كمن وُلد خصيصًا ليُخادِن الأبالسة.

هناك ماضٍ أليم، كشبحِ الذكريات الذي يلاحق ناجي في كل خطوة من خطواته، ذاك المُسترخي على الجلسة العربية في دار والده فهيم، تمنى لو أنه يقبض على النهار بيديه ليُضيء له سفحه الحالك بالشدائد، والشدة الكبرى حطمت حطامه بفقدانه رمزيًّا كأخٍ عزيز قبل أن يكون ابنَ العمة فطيمة.

تركَت وفاته شروخًا غائرة في عقله لا تُرمم، محاولًا سدّ فراغات غيابه بين روتين يومه الممل، ومشهد فراقه لا يهاجره لحظة. تذكّر منذ عامٍ حينما وقع خبر وفاته كصاعقة عظيمة على جميع أفراد الأسرة، زلزلت هدوءهم. لم ينسَ هيئتَه كشابٍ تحوّل إلى طفلٍ صغيرٍ ينوح على هرِّه الضائع بين متاهات الأموات.

الرجال حاملون نعش رمزي يسيرون به بهتافاتٍ خاشعة مُرتعبة من عقبات الموت، وكان ينبغي على الشيخ نعمان أن يعلو بصوته داعيًا له بالرحمة بين حشد الرجال المتنقلين، إلا أنه كان في وضعٍ مأسويٍّ، وقدماه لا تطيقان الوقوف على الأرض بهُولة، وصوت أحد الرجال يصيح، تتبعه أصوات باقي الرجال وهو يقول بأعلى صوتٍ:

_لا إله إلا الله....

فتتبعه الآخرون بنفس درجةِ الصوت المتهدِّجة:

_لا إله إلا الله.

أَيَنظُرُ "ناجي" لتابوته من بعيدٍ كالغرباء، دون أن يعاونهم على رفعه؟ ارتعابًا من أن يُلامس الخشب فيرتجف بدنه برُمَّتِه قهرًا على فراق عزيزه. حينها قاوم ضعفه، والدموعُ تنهمرُ من عينيه بغزارةٍ، حتى وقف بين الرجال يساندهم في حمل التابوت بجسدٍ مرتجفٍ تحت برودة الفقدان.

لم يكن صوتُه كافيًا للخروج، كأنَّه يخاطب نفسَه في آخر بقعةٍ من الصحراء، وهو يقول برجفة صوتية عنيفة:

_لا إله إلا الله.

لم يقوَ الشيخ "نعمان" على صلب أقدامه، تمهّل جانبًا ويداه تتحسسان صدرًا بدأت تنتابه بوادر ذبحة شديدة تقتله بدل المرة مرتين في حياته. لامست أصابعه أحد المقابر وكأنه في كابوسٍ مُرعب لم يفق منه بعد.

أذناه كأنهما تسمعان أصوات عذاب القبر قبل أن تبدأ، وبداخله رغبة جامحة بأن يمنعهم من دفنه، ورغبة أخرى بأن يغادر قبل أن يُدفن بجواره حزنًا عليه.

تعالى صدره بأنفاسٍ مُتضاربة، والدموع تتساقط من عينيه، وهو يقول لنفسه بانكسارٍ:

_مات على معصية... مات كافر....

سَرَحَ بعينيه في السماء، وبؤبؤاه متسعان بخوفٍ واضحٍ لا يخفى، وتابع:

_هيدخل قبره ازاي دلوقتي؟ ازاي هيقابل ربه وهيستحمل اللي هيجراله جوا من عذاب القبر وعذاب يوم القيامة؟!

تزايدت شهقاته حتى بات يسمعها كل من مرّ بجواره، فيما استدار وضمّ ذراعيه على مقبرةٍ ما، أحنى رأسه لأسفل حتى أصبحت متاخمةً لها بحسرةٍ، وجفناه منغلقان كمن لا يستطيع مُواجهة الواقع، ليتابع بنحيبٍ عالٍ:

_نصحتك كتير، كنت بتسخر مني يا رمزي، كنت بتعاملني بجفاء عشان خايف عليك، قولتلك العمر مش مضمون والموت مبيفرقش بين كبير وصغير، قولتلك ونصحتك بدل المرة مليون، حتى چيهان اللي ياما نصحتك، چيهان اللي حبتك حُب صادق وملقتش منك رجاء....

حينما تذكّر جيهان فجأة، رفع رأسه ببطء، واسترسل بفزعٍ أشدَّ على قلبه:

_چيهان؟ چيهان هتموت فيها لو عرفت، ده أنا راجل ومش قادر أستحمل، والنبي ﷺ قال: اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحَزَن، وأعوذ بك من العَجز والكسَل، وأعوذ بك من الجُبن والبُخل، وأعوذ بك من غَلَبة الدَّين وقهر الرجال....

ابتلعت الثياب دموعه وهو يُتابع:

_شوفي لما أنا مش قادر أستحمل اللي حصل، إنتي هتستحمليه ازاي يا بنتي، ازاي هتستحملي إن نتيجة تعبك ونصحك له السنين اللي فاتت تكون نهايتها إنه يموت كافر لربه؟

اندمجت تهشجاته في سماء الحزن، ورأسه مَرفوع لأعلى باستغاثة، متابعًا بصرخةٍ عاليةٍ يتخللها التوسلات الحارة:

_يا رب... يا رب اغفر له وارحمه واعفو عنه، اللهم يا مَن رحمته وسعت كل شيء تغفر له ذنوبه، معجزة من عندك يا رب!

تمدّدت أصداءُ صرخات النساءِ في أرجاء المقابر، كالثعبانِ المتمدد المتمكّثِ لرمزي بين ظلامِ القبر، منتظرًا مجيئَه ليلتفَّ حول جسده، يُقبِّحُه عن كل ما ارتكبه من ذنوبٍ ثقيلة منذ أن شبَّ في عالم السحر.

ابتلَّ الترابُ بدموع الأحباب، ومن بينهم ناجي الذي قبضَ بيده على جزعِ شجرةٍ ببكاءٍ لافح، فيما باقي الرجال فتحوا القبر تأهبًا لإنزالِ المتوفّى فيه.

كانت لحظاتٍ كالأعوام، وسكينُ الفقدِ يجرحُ القلوب فتنزفُ عذابًا لوداعِه. وقفَ أحدُ الرجال المتقين على بابِ القبر، يُلقي خطبته الأولى والأخيرة، فقال:

_يا عباد الله، يا أهلَ الدنيا، ها نحن الآن في محطةٍ فاصلةٍ بين الأحياءِ والأموات، جميعُنا على شعرةٍ واحدةٍ من الموت؛ فلا باقٍ يبقى، ولا نفسٌ يسكنُ إلّا ونهايتُه مودَّعةٌ بين أيادي الرحمن. كُفّوا بالله واعظًا، وشدّوا رِباطكم في أيامِ المحنة؛ فلا دنيا بلا بلاءٍ أو اختبارٍ من اللهِ عزّ وجلّ، تكاتفوا لفعلِ الخيرات، وانشروا أعمال الخير على بقاعِ الأرض، واتركوا الزرعَ يقول: تركَ أثرًا طيبًا لنا وللمخلوقات، امحوا العقبَ من طرقاتِ الناس يا عبادَ الله، فإماطةُ الأذى عن الطريق صدقة، فماذا لو كنتَ سببًا في إزالة همٍّ وكربِ مسلمٍ؟ ماذا لو تثاقل ميزانُ حسناتِك وكفَى ميزانَ السيئات؟

ثم رفع السبابة باندماجٍ، ومهجته ملامسةً لكل كلمةٍ تخرج بعاطفةٍ من الإيمان، وتابع:

_في الدنيا نُولد من فُوهات الأرحام، ونعيش في فُوّهة الحياة، وفي النهاية نستقرُّ في فُوّهاتِ القبور،

الموتُ لا يختارُ صغيرًا ولا كبيرًا، الموتُ زائرٌ يأتي على فجأةٍ دون استئذان، فافعَلوا الخير اليوم كأنّكم ستودّعون الغد، وها نحن....

تعاونَ مهاوش وعواد لعناق "ناجي" في الوقت الذي استرسل فيه التقيّ خطابه الملامس للقلوب، فجاءت اللحظة الأشد ذعرًا، والرجال يتكاتفون لاستخراج رمزي من التابوت والانتقال به إلى القبر في لحظاتٍ كتمت أنفاسَ ناجي، ذاك الذي زلزل الأرض بصوته الصارخ، وهو يقول:

_لا يا رمزي، لا! يا غالي عقلبي وروحي، ما بقدر أسيبك بالظلمة لحالك، لازم أودّعك.

استفاق ناجي من ذكراه الأليمة على صوت والدته "غزالة"، تلك التي جلست إزاءه بدهشةٍ لحاله الغريب. بدا شارد العقل ولا يعي تصرفاته، فنظرت إليه باهتمامٍ منسابٍ من حروفها، وسألته:

_أما قولي يا ناچي، مو ناوي تودي صبا وتطلعون عالخليچ وتسَوّون لها العملية؟ يمكن ربي يكرم صبا بيد الدكتور ويچيلنا خبر زين يفرّحنا؟

تنهد "ناجي" بحزنٍ واضح على نظراتها، وأجابها بصراحةٍ تخلو من كثرة الممالقات:

_لا ياما، صبا سليمة وآني بعد سليم، والدكاترة ما قدروا يعرفوا السبب اللي مانع الخلفة، وما لها داعي العمليات، حنّا بعدنا صغار عالهمّ والمسؤولية.

زفَرت "غزالة" بضيق، والحزن يحتطب في صدرها، آمِلة برؤية حفدتها، لكن الوضع مع مرور الوقت يزداد تأزمًا بلا مبرر يَشفي تساؤلات العقول، فضمّت أصابعها بعضها إلى بعض بحسرةٍ، وقالت:

_والله يا ناچي، حزينة عليكم واجد، الود ودي أفرح فيك إنت وصبّا، مثل ما فرحت بولاد إخواتك الكبار.

خرجت أنفاسُ "ناجي" مُحمَّلةً بأتراحٍ عميقة تتقلقل في صدرِه، ونهض في الحال برغبةٍ للصعود إلى زوجتِه، ثم قال:

_خليها على الله ياما، لا تشيلي هم، ما حد بياخذ نصيبه إلا بوقته.

مرَّ "ناجي" إلى جوار أخيه الأصغرِ نايف، ذاك الذي صافحه بمجرَّد تبصره، فصعد الأخير إلى زوجته مُحمَّلًا بأحزان الكون برُمَّتها على عاتقيه. دلَف إلى داره في الأعلى، وصكَّ الباب برفقٍ خشية أن يُهدِم جمام زوجته صبا.

ما لبِث أن عبَر حجرة النوم ليجدها مُتربعةً ببكاءٍ على سريرها في أجواءٍ كئيبة أزادت الطين بلّة. تحرَّك نحوها مُعتقدًا أنَّها بكت حُزنًا على خسارتها لأُمنيتها الكُبرى، فجاورها على السرير، وسألها بلُطفٍ في صوته:

_وش فيكي تبكين يا صبّا؟ أحد زعلك؟

جففت "صبا" دُموعها بطرف كمِّ عباءتها اليمنى، وتهشَّجت ببكاءٍ نبع من عُمق ألمِ الضمير. لم تستوعب ما تفعله إلى هذه اللحظة من تمثيليّةٍ كاذبةٍ في حقِّ چيهان، تلك التي اعتزّت بمعرفتِها أكثر من انسجامِها مع نساء العائلة، فنظرت له بعينين محمرّتين من إرهاقِ الحُزن، وأجابته بصراحةٍ:

_ضميري يأنبني يا ناچي، وكل ما چيهان تكلمني أقولها رمزي يسلم عليكي، قلبي ما يطاوعني أقولها الحقيقة، أخاف أقولها إن رمزي مات من زمان وتنقهَر، أخاف أوچع قلبها، هي تموت فيه، أنا متأكدة إن چيهان تحبه حب كبير، والخبر بيكون صدمة كبيرة تذبحها يا ناچي!

مسح "ناجي" بأناملِه على رموشِ عينيه المُبتلّتَين بدموعِ القهر، لم تَمحُ آثار الجنازة من ذاكرته بعد، كأنها ليلةُ الأمس. الليلة التي انشَقّت فيها السماء بفيضٍ من الدموع، وأعلَن القمر مغيبه حدادًا على روحٍ لم تبرُد دماؤها بعد. رمقها هو الأخير، وصوتُه خرج هادئًا، لكنَّه كالكرة النارية التي إن انخدشت تناثرت نيرانُها المُلتهِبة في الوجوه، فقال:

_لازم تقوليلها الصدق يا صبا، چيهان لازم تدري إن رمزي راح لربه، تعب ساعة ولا كل ساعة، حرام البنيّه تعيش على أمل إنه بعده حي، وممكن يتبدل عشانها ويرچعلها، وهو بالحقيقة تحت التراب...

لم يقوَ على مواصلتها، فتمالك رباط جأشه، ليسترسل:

_تحت التّراب من سنة... قوليلها يا صبا، واللي يصير يصير، چيهان بييچيها يوم وتدري، منّا ولا من غيرنا، بس يوم تعرف منّا أهون من تعرف من الغريب وتزعل منك.

انغلق جفنا "صبا" ببكاءٍ، وجسدها يرتجف تحت وطأةِ التّعاسة، وبينما وجنتاها محمرّتَين قهرًا، رفعت يدها إلى قلبها بخوفٍ عارم، وقالت مترددة:

_أخاف يا ناچي، قلبي ما هو مطاوعني أشوفها تتعذّب على فقدانه، تدري؟ كان ودّي حبهم يكمل بالزواچ، ونحضر عرسهم ونفرح من قلوبنا صدق، كان ودّي أشوفهم سوا، الاثنين حبوا بعض حب صادق، بس الظروف كانت أقوى منهم....

ثم صمتت لبرهةٍ تُفكِّر في الكلمات، وتابعت:

_رمزي يمكن ما شفناه من سنين، ولما رچع صار شديد، كأن موت أُمه قسّاه عالدنيا وما فيها، بس يوم يكون مع چيهان، كنت أشوف بعيونه المحبّة، أحسّه غير، مو نفس رمزي اللي نعرفه، كان حبه لها فاضحه... رمزي طيّب، مثل عمتي فطيمة الله يرحمها، بس أبوه... هو سبب كل البلاوي.

تغيّر مسارُ الحديث وكأن نجمًا غاب عن كوكبِه، إذ فاجأته فجأةً بسؤالٍ طريف لم يُباغت ناجي من قبل، فاعتدلت "صبا" نحوه في حالةٍ من السهو، ثم قالت مُستفسرة:

_ناچي! إنت تزوچتني غصب لأني بنت عمك؟ واجد مرات أحسك مچبور عليّ، ومضطر تكمل بس عشان كلام أبوي وأبوك، مو أكثر... إنت ما تحبني؟

ابتسم "ناجي" ابتسامةً هادئة، ثم شبكَ أصابعَه بأصابعها، ومنحَها الطمأنينة التي توّاقت إليها منذ زمنٍ طويل، فقال:

_بصراحة، بالبداية كنت قابلك لأنك بنت عمي، وما في حد عندنا ياخذ حرمة من برا العيلة، ما كان ببالي لا حب ولا كُره، بس يوم مر الوقت، شفت إنك تستاهلين الحب، وحبّيتك، وما لقيت أحن ولا أطيب منك، بس صدقيني يا صبا، موت رمزي موتني وآني حي، خلّاني أشوف الدّنيا سودة، رمزي ما كان بس ابن عمتي، رمزي كان أخوي الكبير، اللي أحبه وأرتاح بوچوده، غلاوته عندي أكبر من غلاوة أخواني نفسهم... آني تعبان يا صبا، ومحتاچك چنبي تصبّريني على فراقه.

ربّتت "صبا" على ظهرِه كأنها تمنحُه الحنان بجرعةٍ دافئة، مُستشعرةً نفس الألم الذي يسكُن فؤاده، فنطقت بشفقةٍ كالألحان المنكسرة:

_معك والله يا ناچي، وأدعي ربي يشيل الحزن من قلبك، ويكون بعون چيهان المسكينة، اللي ما راح تقدر تتحمل فراقه، وبتنقهر عليه أكثر مني ومنك.

قبّل "ناجي" رأس زوجته بتحنّانٍ عظيم، مُمتنًّا لوقوفها إلى جانبِه في محنته العسيرة، حتى قال:

_الله يخليلي إياكي يا زينة الحريم كلهن.

كم من مرءٍ عاش بأعينٍ يعميها التغافُّل أمام فرصٍ أثيثة لا تُقدَّر بثمن؟ لم يكن خطابه لها مجرد تغميدٍ للمشاعر أو فضّ مجالسٍ لتهدأ عواصفها المُضطربة، بل حقيقةً ملموسة، وهو في كل يومٍ يراها خيرَ إرغامٍ في مجتمعٍ لا يعطي حُرية القرار، أبناء العمّ والعمة لبعضهم، وإن كانت القلوب متنافرة وساكنةً في ملاذاتٍ أخرى وجدت فيها الحياة، علاقاتٌ مُغلقة تحوي حظوظًا مجهولة الختام، إما أن تكون لصالحه أو ضد بهجته.

أنعم الله على ناجي بزوجةٍ مُحِبة أكدت له أن فرصته في الحياة سانحة، والقدر يتبسم له بخالص الحُب.

علاقةٌ جديدة في عالم الحب بعد خسارة وضياع وألم، بعد محاولاتٍ عديدة للتشبث بالحياة، ومحارباتٍ شنيعة من معدومي الضمير الذين اختاروا الفرح على حساب تعاسة الغير بأساليبهم الشيطانية.

ريم، التي حاربت السحر للمرة الأولى وعاد بقوةٍ أشد شراسة، لا تزال تعاني في حياتها من عراقيل تنبت من العدم. نظرات الناس لها تبدو كأنها كائنٌ فضائي قادم من كوكب الغرابة، العداء غريب ولا تبرير له سوى بسحر الكراهية والنفور المدون على صورتها، تلك التي كلما وُلد أملها مات قبل أن يُحيى.

وفي لقاء العوض وجدته مأمنًا لها، يفهمها قبل أن تسرد عليه المشكلة، ظروفه مثل ظروف حياتها الشاقة، وأرواحهما على تلاقٍ في طريق الحب. الظروف شديدة، لكن الغرام أشد، والإصرار أعظم بألا ينتهي هذا الحُب بالدمار كما حدث في المراتٍ السابقة.

إسلام، لم يتركها يومًا خلال هذا العام، ليلًا ونهارًا يطمئن على حالها، يخشى عليها نسيم البرد القارس أن يجرح بدنًا مُرهفًا. بدا لطيفًا في حديثه معها، والعقول مُتفاهمة، كأنهما وُلدَا خصيصًا لأجل لقاءهما. اعترف بالحب بعدما رُدمت صفحة عمرو بين التراب، ذاك الذي لم يهتم بالتواصل معها، بل واصل رحلته في محطة الحياة مع من تُشابهه، وأعلن عقد قرآنه للجميع. لكن وجود إسلام في هذه الفترة كان بمثابة بلسمٍ يُطيب الجروح، هون عليها ما لا يُطاق.

بعد ساعات، في الموطن الجديد بعيدًا عن منزل العائلة، استقرت الأسرة في منزلِها القديم بالمنصورة بعد التجديدات التي منحتُه طابعًا مُريحًا، وروائح الطلاء تتفجر من قلب الجدرانِ البيضاء. جلست "أسماء" إزاء ابنتها على السرير، وأبدت رفضها الكلي لعلاقتها بإسلام، فكرت الأم بعقلها فيما الابنة جرت وراء أوهام الحب، فقدمت إليها نصائحها الثمينة بقولها:

_يا ريم متمشيش ورا قلبك! يا ماما الحب مبيأكلش عيش، إسلام ده مينفعناش، أهله ناس مش سهلة يا بنتي، ميغركيش الأحضان والابتسامات اللي بيعملوها قصادنا لما بنشوف بعض صُدفة، كل ده تمثيل واللي جوا قلوبهم مش خير لينا.

اعترضت "ريم" ألا تسمع نصائح والدتها، كانت ترى ما لا يراه الآخرون، معتقدةً أنّه سينتشلها من بئر الأحزان إلى أحضانٍ مليئة بالأمل، فقالت بإصرارٍ:

_يا ماما والله والله إسلام كويس جدًا وجدع أوي أوي فوق ما تتخيلي، مش شرط علشان أهله كده يبقى هو كمان كده، وبعدين أنا مشوفتش منهم حاجة وحشة.

رمقتها "أسماء" باستغراب، مُحاولةً أن تستقصي سراب الآمال الزائل، فقالت بمحاولةٍ جديدة لإعادتها إلى رشدِها:

_سيبك من موضوع أهله ده، ده واحد معاه دبلوم وإنتي معاكي بكالوريوس يعني مفيش أي توافق فكري ما بينكم وأكيد هيحس بالنقص ده وهيطلعه عليكي بعدين.

استميتت "ريم" للدفاع عنهُ بشتى الوسائل، فانزلقت الدموع من عينيها بحسرةٍ، وقالت بمُحاماة:

_والله موضوع التعليم ده ما فارق لا معايا ولا معاه وبعدين إسلام ممكن يكمل تعليمه بعدين ويبقى معاه شهادة هو كمان، يا ماما أهم حاجة الأخلاق والدين مش الفلوس، الفلوس بتروح وبتيجي لكن اللي بيفضل هو الشخص نفسه، وأنا حبيت إسلام أكتر من عمرو بمليون مرة، إسلام بيفهمني من قبل ما أتكلم وبيدور على راحتي، وأنا وهو فينا حاجات كتير أوي شبه بعض، وأنا هفضل متمسكة بيه مهما تحاولي إنك تقنعيني أسيبه!

عجّت "أسماء" في وجه ابنتها حين وجدت أن مُحاولاتها جميعًا باءت بالفشل، فأظهرت احتجاجها لهذه الزيجة بأسلوبٍ عقلاني، قائِلة:

_هو إيه اللي فيكم حاجات كتير شبه بعض؟ طلعيلي حاجة واحدة تقول إنكم زي بعض فيها! ده لا معاه شهادة عليا ولا معاه مليم ساغ يوحد ربنا يجيب بيها انشالله لو طوبة، وأهله ناس ربنا يسهلهم بعيد عننا....

انفجرت ريم باكيةً، كأنها ترى الحياةَ ضدَّ بهجتها، معتقدةً أن والدتها اتَّحدت مع الطالحين لتفسد عليها أُمنيتَها الغالية، فهدأت "أسماء" في أسلوبها ورفعت كفَّها على فخذِها بحنانٍ، واسترسلت:

_يا حبيبتي أنا مش بقولك إن إسلام وحش، ولا بقولك إن الفلوس كل همنا، أنا مشكلتي معاه مش مشكلة شخصية، إنتي من حقك يجيلك أحسن شبكة ويتعملك أحسن فرح، ومن حقنا احنا كمان نكون متطمنين عليكي مع واحد واثق من نفسه مش يجي في أي يوم يحس بالفرق بينكم فيطلع عقده عليكي وإنتي ملكيش ذنب.

نهضت "ريم" بصرخاتٍ عالية، ووطأَت رأسها بيدَيها بقسوةٍ، وحدقتيها تتسعان بغضبٍ غريب، بدت متحولةً كالوحش الكاسر، وهي تقولُ بنواح:

_يوه بقى، هو هتبقي إنتي والدنيا عليا؟ إنتي عارفة دي العلاقة الكام تفشل في حياتي؟ كام مرة أتخطب وميحصلش نصيب وقلبي أنا اللي يتكسر مية حتة؟ عارفة يعني إيه كل البنات حواليا يتخطبوا ويتجوزوا اللي بيحبوهم وتيجي عندي أنا وتقف؟ مش حاسة بالنار اللي جوا قلبي ولا إيه؟ مستخسرين فيا واحد يحبني ويديني كل اللي ناقصني؟ مش كفاية الحنية والحب اللي اتحرمت منهم بسبب أب نرجسي؟ هيبقى لا أخ ولا أب ولا حبيب؟

صفعت "ريم" وجهَها بكلتا يديها، وهي تنقز على الأرضِ بحرارةٍ كالطفلةٍ الصغيرة الصارخة، والدموعُ مُنهمرة من عينيها بغزارة، مُسترسلة:

_حرام عليا أفرح زي باقي البنات؟ حرام أعيش اللي ناقصني؟ عايزين مني إيه؟ سيبوني في حالي بدل ما أرمي نفسي من الشباك وأرتاح وأريحكم مني بقى!

نهضت "أسماء" وقبضت على ذراعي ابنتها بإحكام، حتى جلست معها وهي تضمها إلى صدرِها بالإجبار، فقالت بمواساةٍ لطيفة:

_أنا مش ضدك يا ريم، افهمي إنتي بقى وحكمي عقلك! إنتي لسه صغيرة والحب واخدك ومنسيكي الواقع، عايزاه يا ستي خديه بس متبقيش تيجي تشتكيلنا منه بعدين، اللي بيشيل قربة مخرومة بتخر على دماغه، وافتكري إني نصحتك عشان خايفة عليكي مش عشان ضد فرحتك زي ما بتقولي.

تفوَّهت "ريم" بصرخاتٍ مزقت القلوب الساكنة، فقالت بانهيارٍ نفسي عنيف:

_أنا تعبت، نفسي أفرح، نفسي أحس إني بني آدمة ليا حقوق زي باقي الناس، أنا جيت الدنيا أتعذب يا ماما، جيت عشان أموت بالحياة، أنا مخنوقة أوي وشايفة الدنيا سودة.

ربّت "أسماء" على كتفيها بدعمٍ لتهدئ من آلامها المُتفاقمة، وقالت:

_هتفرحي، إنتي مش أقل من حد في حاجة، ويا خايبة مش باللي اتجوز الأول، باللي يتجوز الجوازة الصح، ياما ناس اتجوزت واتطلقت تاني، وياما ناس جوازها جه متأخر بس عاشت أحلى سنين عمرها، ادعي يا ريم، الدعاء بيغير القدر!

استوعبت ريم نصائحَ والدتها الذهبية لها، لكن الفجوات النفسية لا تزال غائرةً في أعماقِ القلب، تاركةً شروخًا لا تُداوى بأعظم الأدوية، ولا تهدأ بأعظم المسكنات. زفرت بقوةٍ، ونهضت إلى المرحاض تتوضأ تأهبًا للصلاة وقراءة القرآن، وفي وجدانها يقينٌ عظيم بأن القدر لربما يتغير يومًا إلى واقعٍ جميل يشفي رضةَ القلب، فسجادةُ الصلاة كانت في انتظارها لتصغي إلى توسلاتها القوية النابعة من دافعٍ مَنين.

في الحرم الجامعي، خرجت چيهان من المحاضرة الأخيرة بثقلٍ في الجسد تجهل مصدره، وتحركت بين صخبِ زميلاتها الفتيات. إحداهن تسابق زميلتها على درجاتِ الكلية لتتقابلا مع ثالثتهن، وأخرى تقف بجوار رفيقاتها، يبدون كألوانٍ باهيةٍ بأخمارهن المتوشحة بلون التقوى. وبمجرد أن خرجت من لبّ المبنى، تلقت مكالمةً هاتفيةً من "صبا"، وقفت جانبًا لثوانٍ، ثم استجابت للمكالمة، فقالت الأخيرة بتردد:

_شلونك يا چيهان؟

استشعرت "چيهان" خوفًا يداهمها من كل صوب، ارتعد جسدها لثوانٍ، كأنها أحست بخبرٍ قاسٍ سيزلزل كيانها بعد قليل، فتصالبت، وأجابت بطفيفٍ من الرهبة:

_أنا كويسة، إنتي عاملة إيه؟

تراجعت "صبا" عن قولها في الحال، وغيرت الحديث بإجابةٍ تغلَّفت ببعض الإيجابية لتجلُو نبرتها بهدوء، قائلة:

_الحمدلله بخير.

انصدمت صبا حينما سألتها "چيهان" عن أحوال رمزي فجأةً، وكأن القلوب مرسالٌ قوي قبل تلفظات الألسنة، تلك التي توجهت إليها بسؤالها:

_رمزي كويس؟ هو ليه لحد دلوقتي مسألش عني ولا فكر حتى يسمع صوتي؟ صبا أنا جوايا مشاعر كتير مش متطمنة، أنا عارفة إن احنا مش هينفع نكون لبعض مهما حصل، بس أنا في صوت بيقولي في حاجة إنتي مخبياها عني.

انتحبت صبا، وسرعان ما رفعت كفها على فمها لتكتم نحيبها الفاضح، ارتعبت من فكرةِ أن يخرج صوتها مُرتجفًا، فأعادت "چيهان" حديثها مجددًا:

_صبا! روحتي فين؟ صبا أنا تعبانة نفسيًا أوي، أنا بحاول أكون كويسة ومش عارفة، أنا عايشة بالمهدئات عشان أعرف أحط راسي على المخدة، أنا محتاجة أتطمن على رمزي انشالله لو تفتحي المكالمة تسمعيني صوته من غير ما يعرف إني بكلمك!

انفجرت صبا ببكاءٍ، فتيقنت "چيهان" أن الضياع اختطف رمزي، لكن بأي شكلٍ لا تدر. وبينما زميلات چيهان تمرن بجوارها بضحكاتٍ هادئة، ألقت چيهان نظرةً سريعة عليهن، وعادت إلى عالمها المرير، واسترسلت وهي على شفةٍ من الانهيار:

_صبا إنتي مش بتردي ليه؟ ليه سكتي؟ رمزي مش كويس صح؟ أنا عايزة أسمع صوته انشالله لو حرف واحد بس اتأكد إنه كويس.

قررت "صبا" أن تخبرها بالحقيقة، شاءت أم أبت، فالسر قادمٌ للانكشاف لا محال. بدأ صوتها يرتجف بقساوةٍ، والحروف تفضحها شيئًا فشيء، حتى قالت بحروفٍ متفرقةٍ استحوذها البكاء:

_رمزي... رمزي ما....

ابتلعت ريقها في نفسِ ذاتِ الوقت الذي سمعت فيه دقات قلب چيهان كالطبول الصاخبة، إلى أن تمالكت أعصابها الفالتة، وأردفت:

_رمزي اتوفى من سنة، والله العظيم يا چيهان كنت راح أقولك، بس خِفت عليكي يصير لك شي!

نطقت "چيهان" بهدوءٍ ما قبل العاصفة، وحدقتيها مُتسعتان على مصراعِيهما:

_بتهزري! لا بتهزري! مش حقيقي لا! ده هزار تقيل أنا مش قده! متهزريش يا صبا أنا مش هستحمل!

أجابتها "صبا" بنشيجٍ مكتوم، ويداها تتخبطان فخذيها بتوبيخٍ لما أفشته من سرٍ مفزع:

_والله العظيم ما أمزح، رمزي مات من سنة، ما كنت أبغى أقولك عشان ما تتوچعين عليه، بس كان لازم تدرين، سامحيني يا چيهان، أمانة عليكي!

سقطت چيهان في هاويةِ الدمار، الصدمةُ جعلتها بلا عقلٍ يُفكّر، لحظاتٍ قليلةٌ حتى هوى هاتفُها من يديها على الأرض، بعدما ارتخت أعصابُها لدرجةٍ لم تحتمل سيقانُها الوقوف، نظرت حولها لثوانٍ بوجهٍ مشدوه، أهذه الحياةُ التي انطفأ نورُها في غيابه؟

أكنتُ أعيش الوهمَ طوال هذا العام معتقدةً أنه سيعود شخصًا جديدًا متندمًا على زلّات الماضي؟ خيالي ساذجٌ إلى أبعدِ درجة، وقلبي مريضٌ بحبِّ من ردمه الترابُ حتى تشبّع موتًا، ذاك الذي لم يبقَ منه سوى العظام، وددتُ لو أن أقتلَ روحي لأبقى بجانبه، وإن تعانقت العظامُ في الممات وفعلت ما لم تفعله الحياة.

يا حسرتاه! قلبي يتمزّق من جذوره ويُقتلع شيئًا فشيئًا، النيران تأكلني حيّةً بلا رحمة، ومياهُ الصدمة تنزلق على جبيني بخوفٍ، عيناي لن تحتملَ البكاء، فالبكاءُ وحده لن يكفي للتعبير عن آلام الفراق، لا أرى العالمَ من حولي، أرى الظلامَ وكأنك اقتلعتَ عينَيَّ وغادرتَ بهما للتوّ أسفلَ التراب، قلبي لم أشعر بدقّاته نهبًا منك له على سماع خبرِ الموت، ظننتُ حبّي بسيطًا إلى أن أجبرني الموتُ على إظهارِ أشدِّ درجاتِ الحبّ، ليُثبت لي أن حبّي لم يكن ساذجًا، بل كان حقيقيًا طاهرًا.

هَوَت چيهان بصرخاتٍ مفزعةٍ حتى فقدت وعيَها في الحال، والأرضُ تحتضنها، همّت إليها زميلاتُها حتى تكدّس حشدُ النساء من حولها، فيما بينهنّ الطالباتُ والأساتذةُ الجامعيّون، لتقولَ "إحدى الدكتورات الجامعيات" بصوتٍ عالٍ:

_هاتولها ماية بسرعة يا بنات! حد يجيبلها ماية!

فرت الطالبات بزجاجاتِ المياه، جميعُهن متقارباتٍ من وجه چيهان، والدكتورة الجامعية تشطف وجهَها برفقٍ، ظنًّا منها أن الأمر بسيط، لكنه كان أكبر مما يتخيّله العقل. أفرغت الطالبات ثلاثة زجاجات مياه بلا جدوى، إلى أن أعادت "الدكتورة الجامعية" حديثَها بصياح:

_اتصلوا على الإسعاف بسرعة! اللي معاه رصيد يرن عليهم! يلا خلصوا!

اتصلت إحدى الطالبات برقم الإسعاف وشرحت لهم ما حدث، لم تمرّ خمسُ دقائق حتى اقتحمت السيارةُ الحرمَ الجامعي، ونزل منها المسعفون بنشاطٍ وسرعة. لم يكن هناك سيرةٌ على الألسنة في هذه اللحظات العصيبة سوى چيهان التي فقدت وعيها.

تكدست المنطقةُ بمئات الطالبات وفريق التدريس الجامعي، يقفون باستغرابٍ على الوجوه، حتى حمل المسعفون چيهان على النقالة ودخلوا بها إلى السيارة. سرعان ما ركبت إحدى زميلاتها معها، حاملةً هاتفها في قبضتها بفزعٍ، وحقيبتها على كتفها، فانطلقت بهم السيارة بسرعةٍ جنونية، وصفارة الإنذار تصدح بين أرجاء الشوارع، متفاديةً السيارات بمهارةٍ واحترافية.

هناك، بين جدران المستشفى، تحرك بها المسعفون داخل جناح العمليات، تاركين المهمة القادمة على أهل الطب. لم يتمهل الأطباء لإنقاذها، فبدأوا بوضعها على سرير العمليات، يتفحصونها بدقة. الأياد تعاونت، والحركات تزايدت داخل الغرفة، وكلٌّ منهم يؤدي دوره. رفع الطبيب القناع الطبي عن فمه، وبعد إجراء الفحص الطبي، سأله زميله باهتمام:

_طلع عندها إيه؟

زَفَرَ "الطبيب" باستياءٍ، وأجابه باستبانةٍ، مفسرًا ما حدث:

_احتشاء خطير في عضلة القلب، لازم نبدأ العملية دلوقتي!

يتبع.....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة