الفصل الثاني والستون

الفصل الثاني والستون

14 0

تستحوذُ المحبةُ رغمًا فوق كل إرادة، وتندس مشاعر مخبولة من الهوى في أرضٍ مدقعة من نَسَم الحب، فتنبلج قرون الأبالسة من رؤوسهم، وأياديهم تندفع نحو انتقامٍ مبطن هدفه الأول عيون لمعت بالطمع في مُرداء فاتنة، وتوقت بأُزوفها من منبعِ الذئاب البشرية، وكأن الجدران تحوي لوحًا مُتباينة جميعها يتصدرها مصعب بجدارة، تارة وهو زعيم الذئاب يقودهم كما يقود الشياطين في اللوحة المُجاورة، وأخرى مُتربعًا على عرش إبليس والقرون نابتة من رأسه بشكلٍ مهيب، ذاك الذي اختار غيداء ضحية جديدة له، مُظهرًا لها حُبه المُزيف الحاوي في أعماقه طمعًا عارمًا، فمن تقبل بهذا الوضيع إلا في حالة أنها تحت تأثير سحره الأسود.

طفحتِ الصدمةُ على ملامحِ وجهِ غيداء وهي تراهُ يشرحُ لها حبَّهُ وآمالَهُ بالقُرب منها، كيفَ لفتاةٍ في عقدِها الثاني، ذات ملامح شبابية فاتنةٍ، أن تنظرَ لذاكَ المتهدِّم بوطآت السنين؟ وكأنَّهُ فرقَ السماءَ من الأرض، بالإضافة إلى مائة اختلافٍ يُؤكِّد أن ما يحدث في هذهِ اللحظة لا يتخيَّلهُ العقل، ولا تؤمنُ به الروح، انتابتْها هزَّةٌ نفسية بحرارة خوفٍ شديدة، ولسانُها قُيِّد عن الحديث، لتجده يقول بنبرتهِ الفاسقة:

_من زمان وآني عيني عليكي يا غيداء، وما أظن ألقى أحسن منك، كفاية چمالك اللي يخبل العقل، سبحان الله، كل شي فيكي يشبه عمتك الغالية، الله يرحمها.

ازدرمت "غيداء" ريقَها بصعوبةٍ غريبة، فبدأت تسعلُ وكأنّها تُقصي المخاوف مع كل نفسٍ منها، وأنفاسُها تمتطي في صدرها برعشةٍ غريبة، فقالت بتردّدٍ سافر:

_ما يصح اللي تقوله ذا، الكلام ذا ما ينفع أبد!

النيّة الفاجرة كفلت أن تهدم أربابًا من الدُّوَل، فكيف له أن يتجرّأَ لعرض الحب على فتاةٍ لا تصلحُ له من أيِّ تجاه؟ لكنّه كفاسدٍ متخلٍّ عن ضميره، لم يَرَ هناك مشكلة من الأساس، ما جعله يقولُ بلا مُبالاةٍ:

_لا، الكلام ذا ينفع، وإذا شايفة إنه ما ينفع فهذي مشكلتك إنتي، ولا قصدك إني مو في بالك؟

أوضحت "غيداء" له رفضَها الشديد لعلاقةٍ يرفضها الدينُ والمجتمع، وكل ما يعترض وجودَها في الحياة، فقالت مُظهِرةً مشاعرَها الحقيقية نحوه:

_بس آني ما أقبل شي زي كذا، وبعدين ما راح أناظر لأرمل عمتي الله يرحمها، لو وش ما صار، كان أولى أتزوچ رمزي، مو أبوه، عالأقل هو بعمري.

انتابت "مصعب" نوبةُ غضبٍ ظهرت على هيئة ردٍّ مُثلَجٍ ببرودة التجاهل، فقال بصوتٍ مُثير للهواجس:

_خلي كلامك ذا ببالك زين، ولا تنسين إني طلبتك وإنتي اللي رفضتيني! ما بتلقين أحسن مني، وخليها فراسك يا غيداء يا بنت غزالة، ياللي برچك هوائي، تفهميني وإلا لا؟

ادّعت "غيداء" الرُّعونة، وتظاهرت بأنّها لا تفهم ما الذي يعنيه، على الرغمِ من استيعابها لتهديدِه غير المباشر، فقالت بخوفٍ يَوثبُ من بين شفتيها:

_ما أفهم وش تقصد، ولا أدري وش اللي في بالك.

ازدرى "مصعب" ردَّها، فخرجت منه ضحكةٌ استهزائيّةٌ لم تبلغ ثانيةً، ليعبسَ وجهُه من جديد، ويقول بحدةٍ مُرعبة:

_مو لازم تفهمين، بكرا الأيام هي اللي بتفهمك، سلام يا زينة العوانس.

الطلب جليّ على حافة جبلٍ سامق، والشمس علوّه تُنيره من كل صوب، فما للأخرق ذاته أن تنصدَّ المعلومة عن الولوج إلى ذهنه؟ أدركت غيداءُ حقيقةَ مطلبه الذي حوى في وجدانه وعيدًا، ذاك اللعين الذي لا يُغلَب، فتتيسر له كل سُبل الانتقام كالعصا السحرية التي بمجرد أن يشير بها نحو ما تتوقه نفسه، في التوّ واللحظة تصبح في عهدته الخاصة. نفسه التي تصنع بين هدوء النهار أنوار النجوم الساحقة، كالوعيد الذي يقول بالعامية: "سأريك النجوم في عزّ الضهر."

كان الشيطان في الماضي بقرونه لامعةَ الحلكة، وذيلٍ يتغنّج على أراضي الشر، وأظافر يبلغ طولها عشرات السنتيمترات، أما الآن فأصبح على هيئة ملاكٍ بجناحين ناصعين البياض، مدّعيًا المحبة والتسامح.

بمجرد انتهاء المكالمة بين مصعب وغيداء، مدّ أصابعه إلى الدلو الذي تنازعت فيه أرواح القطط الأبرياء، ليقرّبه من شفتيه الداكنتين بالأذى، وينطق تعاويذه ويهب دماءهم تقرّبًا إلى الشيطان الرجيم.

وكأنّ ترانيم الموت تتردّد في الخلفية من ورائه، مع صخب هاتفه القديم، ليفتتح مكالمة بينه وبين نابش الآثار المدعوّ «مسعود»، الرجل العرباوي الثريّ الذي عاش على تلال الثراء لأعوام، وعلى الرغم من ذلك لم تتشبع جيوبه من الحصاد. ذاك الذي اشترك في عملية تقديم چيهان قربانًا مُنذ البداية، وعندما فشلت المهمة قرر الاستعانة بضحية جديدة بمساعدة "مصعب".

فبعدما بادر مسعود بالسؤال عن آخر التطورات، أجابه الساحر اللعين قائلًا:

_لا تخاف، بحاول مرة واثنين ومليون لحد ما أچيبها لهني، وإن ما نفعت أچيبلك غيرها، الراصد حالف ما يطلع شي قبل ما ننفذ الأوامر يا مسعود!

انقضت الليالي ليلةً بعد أخرى، وقد حانت ليلةُ زفاف «محسن» ابنِ خالِ منى وأخواتِها. توقّفت الساعةُ عند الثانيةِ عصرًا، وكان الأقارب والأحبّاء قد استعدّوا للحضور من جميع البلادِ اتجاهًا إلى الفيوم، حيث موقعُ الحفل، عدا ريم، التي رفضت الذهاب مع والديها وقررت البقاء في المنزل برفقة چيهان، فمنذ تلك اللحظة انقطع إسلام عن التواصل معها، بعدما كان يصبّ عليها الحبّ صبًّا منذ أولِ علاقتهما العاطفية معًا، وكأنّه لم يعُد يرَى ريم كما رآها في الوهلة الأولى التي انبهر فيها بحبّه الغائر لها.

بدا مُهمِّشًا لوجودها، رغم وقوفها إلى جانبه في الشدائد والمِحن، تلك التي كانت تُصغي له فيها بالساعات وهو يسرد عليها مشاكله في الحياة. لم تملّ يومًا، بل سَعِدت وهي تتولّى دورين: الأخصّائية النفسية، والأم العطوفة.

لم تلتفت أبدًا إلى حالته الاقتصادية، ولا إلى الفارق الاجتماعي الشاسع بينهما، فقد نظرت إليه بعين الحُبّ الصادق الذي لا يكترث بالمادّيات، لأن هواها له كان مختلفًا واستثنائيًّا، أما هو، فأحبّها أيضًا، لكنّه كان حبًّا طائشًا، لا يعرف معنى المسؤوليّة الحقيقية.

وبينما كانت أيّامها تمضي غرقًا في أعماق الحزن، ظلّت إلى جوار أختها الباكية، چيهان التي لم تقدر على نسيان معشوقها الأول والأخير. كانت دومًا تلتفت حولها كالمجنونة، كأنّها سمعت صوته يناديها، لكنها حين تُمعن النظر تدرك أنّها مجرّد أعراضٍ لصدمةِ ما بعد الفقد، فتنزلق الدموع كأنّها أنهارٌ على وجنتيها اللامعتين بالاستياء.

اعتادت أن تُقيم الليلَ يوميًّا دون انقطاع، واسمه لا يفارق دعاءها، حتى دموعها المتلطّخة بدماء الحنين. لم تعرف من أين جاءها يقين الإجابة، رغم حتميّة وفاته.

وفي تلك الأثناء، بينما كانت ريم مستلقيةً على سريرها بنحيبٍ مُرٍّ ملوَّنٍ بالهدوء على شعورها القاسي كفتاةٍ مسحورة، لم تستطع أن تفرح كسائر الفتيات، إذ كانت دومًا علاقاتها تنتهي بشكلٍ قاسٍ بسبب امرأةٍ ساحرةٍ وضيعةِ الخُلق معدومةِ الدين، قرّرت ألا تتركها وشأنها، حتى خيط الأمل ذاته لم يعُد موجودًا لتعيش بشكلٍ طبيعي، ما أزاد الطين بلة.

نهضت "چيهان" من سجودها، ورفعت رأسها نحو السماء، وقالت بتمنٍّ يُرثَى له:

_تعبانة أوي يا رب، لا إله إلا أنت سُبحانك إني كنت من الظالمين، نفسي أرتاح، نفسي في خيط نور ولو صغير يريح قلبي، رمزي مماتش، لسه عايش وهيرجعلي تاني، أنا متجننتش ولا عبيطة! أنا عندي يقين قوي فيك إنك هتحققلي اللي نفسي فيه.

سكنت لبرهة، ودعاؤُها يتردّد في أذنيها بغرابةٍ. هي ذاتها غير مُدركةٍ لدعوةٍ مستحيل وقوعُها، فمن يبتلعه الترابُ وترتقي روحُه إلى السماء لن يعود، ولوِ انطبقت الأرضُ على السماء. شعرت أنّها توهِمُ ذاتها، فانفجرت صارخةً وتابعت:

_أنا مجنونة؟ أنا مش طبيعية صح؟ هفضل لحد امتى ادعي إنه يرجعلي وهو خلاص مات؟ مات ولا مماتش؟ مين اللي مات؟ رمزي؟ رمزي مين؟

نهضت "ريم" سريعًا حين استشعرت أنّ أختها تحتاج إلى الدعم النفسي، فأحضرت لها علبةَ المهدّئ وقارورةَ المياه من فوق الطاولة، ثم عادت إليها سريعًا، وانحنت على ركبتيها ويداها تفتح العلبةَ وتستخرج منها حبوبَ المهدّئ. وفي اللحظة التي فعلت فيها ذلك، ضمّتها نحوها وقالت برهبةٍ:

_اهدي يا چيهان!

ابتسمت "چيهان" ابتسامةً هستيرية ممزوجة بصراخٍ جنوني، مردِّدةً بلا توقف، كادت أن تُلقي بنفسها من النافذة، وهي تقول:

_رمزي مماتتش، أكيد حد غيره هو اللي مات، لكن هو عايش، أنا بسمع صوته كل يوم وهو بيكلمني وأنا صاحية وأنا نايمة، وبـ....

قاطعتها "ريم"، ويداها تتلاحقان لتبكيتِها بلطفٍ، قائلةً:

_طيب اهدي عشان خاطري!

تابعت "چيهان" حديثَها، وصوتُها يتردّد بصيحاتٍ عالية:

_بقولك بيكلمني وأنا نايمة، أنا بقيت أشوف كل الناس شبهه، أنا حاسة بيه زي ما هو حاسس بيا، وعارفة؟ اللي هيريحني أكتر إنكم تجيبولي أي حد من عيلته، أي حد تبعه، خليهم يجوا يطمنوني، أنا خايفة أوي من غيره....

بترت ريم حديثَها حين أرغمتها على تناول حبوبِ المهدّئ بالماء، وبعدما ارتشفت "چيهان" علاجَها نهضت بخوفٍ واضح، وأردفت بقهرٍ يسيلُ من لعابها:

_أنا مش متطمنة حتى وأنا معاكم، أنا خايفة منكم كلكم، حتى إنتي خايفة منك....

تراجعت "چيهان" خطواتٍ إلى الوراء، وأنفاسُها تعلو في صدرِها بارتعاب، بينما كانت ريم تُجاهِد لتبثَّ الطمأنينةَ في قلبِها المرتاع. جلجلت الأخيرةُ أرجاء المنزل بصوتها وهي تردفُ باعتراض:

_أنا منمتش طول الليل، كنت بجهزله الورق اللي هوزعه على الناس مع الأكل، أنا عملت وجبات كتير وشيلتها في التلاجة عشان أوزعها على روحه، وكتبت على الورق ادعوله بالرحمة والمغفرة، أنا عملت كده وأنا عارفة إنه عايش، وهو بنفسه هيفرح بيا لما يعرف إني عملت كل ده علشانه، أنا نصحته كتير يا ريم، عملت كل ده عشان حبيته، أنا مش مصدقة، والله هتجنن!

قبلت "ريم" رأسَها بحنانٍ، مستشعِرةً مدى الاستياء في صوتِها، فمنحتها جرعةً من الأمل حين تلفَّظت:

_چيهان أنا وإنتي محتاجين نروح لأخصائي نفسي، اللي احنا فيه مش طبيعي وخصوصًا إنتي، أنا حجزتلك ميعاد عند الثيرابيست وعشان خاطري مترفضيش، احنا هنعمل بالأسباب والباقي هنسيبه على ربنا.

اعترضت "چيهان" على التوجّه إلى أخصّائي نفسي، إذ في وجهة نظرها العلاج دومًا يكمن في القُرب من الله والتضرّع إليه، لا باللجوء إلى البشر. فأحاطتها ريم بذراعيها وضمتها إلى صدرها، لتقول الأخيرة بصرامةٍ:

_مش عايزة أروح لحد، لو في علاج فهيبقى عند ربنا مش عند البشر، الأخصائي النفسي مش هيزودني حاجة، أنا اللي هيريحني فعلًا إني أعمل إطعام على روحه، وخلال الأسبوع ده إن شاء الله هجيب مصاحف صغيرة وسبح وهوزعها برضه، بس إنتي لازم تساعديني يا ريم!

ابتسمت "ريم" ابتسامةً باهتةً بالحزن، فأظهرت جانبًا إيجابيًّا زاخرًا بالمعونة، وهي تقول بمُوافقة:

_حاضر.

حتى بعد وفاته، تضمر له حُبًّا مضاعفًا، فتاةً صالحةً جاهدت لأجله أثناء حياته وبعدها، تلك التي جهّزت وجباتٍ لتوزيعها على الجميع عسى أن يغفر الله ذنوبه ويرحمه، ويرحم ضعفها هي الأخرى في غيابه عنها. لو كان حيًا لأدرك معنى الوفاء الحقيقي، وعيناه تبصران جهودها الجليلة لأجله. يحتاج الأحبّة أن يسموا بمعاني الإخلاص بالفعل، لا بالقول؛ فالجميع يتحدث، لكن القليل يبرهن بالأدلة على أرض الواقع.

بعد ربع ساعة من نوبة النحيب المِتتابعة، انتشر مفعولُ المهدّئ بين دمائها حتى هدأت أوجاعُها مؤقتًا، وكأنها تستعد لنوبةٍ جديدة في الليل. وسرعان ما ارتدت چيهان وريم ثيابهما وخرجتا مُحملتان بحقيبةٍ مملوءةٍ بأطباق الطعام، تتكوّن من ثمار الفاكهة الطازجة وزجاجات المياه الصغيرة، موضوعةً في أطباق الفلين المُغلقة بإحكام. وقفتا في مُنتصف الشارع، وبدأتا توزعان الطعام على المارة رجالًا ونساءً، وفوق كل طبق ورقةٌ مثبتةٌ دونت عليها: "ادعوا لرمزي الطوخي بالرحمة والمغفرة".

كانت الشوارع مُزدحمة، والعيون جميعها مصوبة على فتاةٍ عشرينية، مُرتدية الكمامة الزرقاء لتخفي آثار سقمها، تتحرك رغم الألم لتوزّع الأطباق على الجميع. فيما وقفت چيهان بالقرب من سيدةٍ تبلغ من العمر ستين عامًا، برفقة حفدتها الذكور، ومنحتهم نصيبهم من الطعام. قبضت "السيدة" على الطبق، وقرأت المكتوب، ثم رفعت وجهها إلى چيهان وقالت:

_ربنا يرحمه ويغفرله ويجعل قبره روضة من رياض الجنة.

مسحت "چيهان" دموعها بأناملها المُرتجفة حزنًا، ونطقت وراءها بتمنٍّ:

_اللهم آمين.

تحركت "چيهان" بين زحام السيارات لتبلغ رجلًا وامرأةً آخرين في العقد الرابع من عمرهم، ومدَّتهما بطبقين، وقالت بنبرةٍ مرتجفةٍ تلونت بمشاعر الفقد الحزينة:

_ادعوله بالرحمة والمغفرة.

رفع "الرجلُ" الطبقَ إلى صدره، ينظر ما المدون عليه من دعاءٍ قاسٍ، ثم رمق چيهان بشفقةٍ، ظنًّا منه أنّها أخته أو حتى زوجته، وقال:

_ربنا يرحمه ويصبرك.

كانت "ريم" على الجهة الأخرى توزّع الأطباق على المارة أيضًا، بعدما وعدت أختها بأنها ستتقاسم الأجر معها. إذ مرّ في تلك الأثناء شابّان، فمدّتهما بطبقين من الطعام، وقالت:

_ادعوله ربنا يغفرله ذنوبه ويرحمه.

وبينما مرّت على عشرات المارة في الشوارع، مرددة نفس القول على مسامع الجميع. بعد نصف ساعة من العمل الجاد، تمكنت چيهان وريم من توزيع كافة الأطباق وزجاجات المياه، فوقفا جانبًا بين حشد المارة، وسط ازدحام الشوارع بالسيارات والأصوات المُتداخلة بصخبٍ، ووقوف شرطي المرور على الرصيف الفاصل بين طريقين الذهاب والعودة.

حدّقت چيهان في الجميع، كأنها تبحث عن رمزي بينهم، وللحظات قليلة خيّل لها عقلها أنها قد رأته للتوّ يقف أمامها، فازداد قلبها بضجيج الشوق ونداءاته الحارة. تحركت للأمام وهي ترمقه بدهشةٍ، ما أصاب ريم بحالة من الاستغراب وهي ترى أختها ترى ما لا يراه الآخرون. فجأة، اختفى من حيالها، فوقفت تنتحب بنبرةٍ هادئة. سرعان ما تدخلت "ريم" في الأمر، فربتت على كتفها بحنانٍ، وقالت:

_اهدي يا چيهان احنا في الشارع! الناس هتاخد بالها!

تفوهت "چيهان" باستياءٍ بلغ ذروته، لم تعد تحتمل فراقه عنها، وإن مرّت آلاف الأعوام:

_تعبانة أوي يا ريم، إنتي مش حاسة بيا ولا عمرك هتحسي بالنار اللي في قلبي، أنا هاين عليا أرمي نفسي قصاد أي عربية عشان أموت وأرتاح بس مش عايزة أموت كافرة، عايزاها تيجي من عند ربنا.

تشبّثت "ريم" بأصابعها، ونظرت إلى عينيها بنفس الأسى، وقالت مُعارضةً لما تقوله:

_بعد الشر عليكي، ربنا يخليكي لينا وما يحرمنا منك أبدًا، أنا مقدرش أعيش من غيرك، إنتي أختي الوحيدة وملناش غير بعض بعد يوسف الله يرحمه، لازم تستحملي وصدقيني هتعدي من اللي إنتي فيه، بس علشان خاطري بلاش تتمني لنفسك الموت تاني!

ازدادت چيهان نحيبًا، ورأسها مدفونٌ في أحضان أختها، ما جذب أنباه المارة من حولهما. وحين أحست "ريم" أنّهما محل التركيز، جذبتها وتحركتا بعيدًا، مُسترسلة:

_يلا بينا يا حبيبتي، يلا ربنا يهديكي.

انصرمت الأُختان عائدتين إلى المنزل بغمرةٍ من الحزن اللازب، تحركتا صاعدتين على الدَرَج حتى دخلتا المنزل. وبمجرد أن عبرت چيهان عتبة الباب، كأنما صبا انتظرت عودتها لتتحدث معها، تفجّر الرنين من الهاتف بنغمةٍ دينيةٍ هادئة. وحينما وقع بصر چيهان عليها قررت أن تستجيب هذه المرة بنفسها دون أن تُنيب أحدًا عنها.

جلست على سريرها مُستغلةً غياب والديها في الحفل، فيما تحركت ريم وراءها لتغيّر ملابس الخروج إلى منزلية. لم تكن چيهان تعلم ما الذي ينتظرها بمجرد أن تُصغي لصوت "صبا" التي هي في الأساس جزءٌ هام من عائلة رمزي، كأنها القطعة الأخيرة التي تذكرها به، على الرغم من ذكرياتهم التي لا تُنسى. فبعدما استجابت للمكالمة، قالت صَبا:

_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مين معاي هالمرة، الخالة أم چيهان ولا ريم؟

لمع الشَّجن في عيني "چيهان"، تلك التي أحنت رأسها لأسفل بحُزن، تُصارع حروفها لأن تخرج من حَلقها، لكنها بثِقل الفقدان فشلت في استهلال المكالمة، لكنها جابهت في النهاية حينما قالت:

_أنا چيهان... وحشتيني أوي يا صبا!

انشرح صدرُ "صبا" حينما سمعت صوتَ چيهان لأولِ مرةٍ بعد علتها المريرة، لم تُصدّق نفسَها، وارتسمت بسمةٌ واسعةٌ على شفتيها، وروحُها تأمل ألّا ينقطع صوتُها أبدًا عن مَسامعها، فقالت بتهلّل:

_چيهان؟! وإنتي بعد وحشتيني وايد وايد يا غالية، طمنيني عنك؟ شلونك؟ زينة؟

نَفَت "چيهان" سلامتها، وأكّدت أنّها في حالةٍ صعبةٍ لا تَـقوى على الجلاءِ منها، فظهر صوتُها مخنوقًا بأنات البكاء وهي تقول:

_مش كويسة خالص، وعمري ما هبقى كويسة، أنا بدعي ربنا كل يوم ياخدني ويريحني من اللي العذاب اللي أنا عايشة فيه....

بينما "ريم" تُصفّف شعراتِها أمام المرآة، ألقَتْها برَمقةٍ حادّة، ونطقت بغضبٍ سال من منبعِ المحبّة:

_حرام عليكي، مش قولتلك بلاش تقولي على نفسك كده تاني؟

لم تَكترِث "چيهان" بأمرِ أختِها لها، بل واصلت مَشهدَها التَّعيس بروحٍ فاضت قهرًا:

_اليوم بيعدي عليا كأنه سنة، متخيلتش إن فراق رمزي هيسيب أثر كبير فيا للدرجة دي، جالي جلطة والعصب السابع بسبب خبر عمري ما كنت أتخيل إني أسمعه في يوم من الأيام، كنت بقول لسه بدري وأكيد ربنا هيتوب عليه في يوم، طلع العمر مفيهوش باقي يا صبا، طلعت مُغفلة ونسيت إن الأعمار بتتسرق من البشر في ثواني، كل يوم بدعيله في قيام الليل، حتى وزعت إطعام على روحه النهارده، وخليت الناس كلها تدعيله بالرحمة.

تأثَّرت "صبا" بجسامة حُبِّها وإخلاصِها العارم له، وتساقطت الدموعُ من عينيها لا إراديًا بهدوء، بعدما لامس الحديثُ وجدانها المتأثر بوفاته، فمسحت على عينيها برفقٍ، وقالت بحُزنٍ متشابه:

_يا الله، ما كنت أظن إنك عشقتيه لهالدرچة، بس باين إن حبك له مو عادي، يمكن ما أدري وش اللي كان بينك وبينه، بس أكيد شفتي منه خير خلاكي تحبينه بهالطريقة يا چيهان.

أكدت "چيهان" مشاعرَها العميقة تجاهه، مُتذكرةً كل الخير الذي قدّمه لها خلال فترة تواجدها في منزل الخال فهيم، وأثناء ما استكانت لتبرمِها، قالت:

_عمل علشاني كتير، كفاية إنه خسر أبوه الحقير علشاني، عمري ما حسيت بالأمان قد ما حسيته مع رمزي، هعيش فاكراه وعمري ما هنساه لحظة لحد ما ربنا ياخد روحي أنا كمان.

حاولت "صبا" مُواساتَها في لحظاتها الحَرِجة، ودّت لو أنّها تخترق شاشتها فتخرج لعِناقها وتحمل عنها همومَها الثقيلة، فنطقت بأملٍ متجدّد:

_بعد الشر عليكي يا الغالية، ربي يخليكي لأهلك وليّا، ويمدّ بعمرك وتعيشي فرحانة ويشيل من روحك الحزن، حاولي تتأقلمين يا چيهان عحياتك الچاية بدونه، إنتي تتعبين روحك لأنك بعدك عايشة عذكريات الماضي...صحيح رمزي ولد عمّتي، اللي كانت حرمة طاهرة ومحترمة، بس ربي ابتلاها بساحر ضحك عليها وفهّمها إنه شيخ، بس رمزي، سبحان الله، ما أخذ من أبوه لا شكل ولا طبع، أخذ چمال أمه وشويّة من حنيّتها، أصلك ما شفتيها يا چيهان، كانت حرمة چميلة، أحلى من كل حريم العيلة...كانت ودّها تربي ولدها الوحيد أحسن تربية، لكن يوم ماتت، اللي ما يتسمّى استلم رمزي وخلاه خاضع لأوامره، وأهو هذا اللي صار، هذا كان أچل رمزي يا چيهان، وما نقدر نقول غير كذا، إنتي اللي عليكي تقوين روحك بقراءة القرآن والدعا له، عسى ربي يغفر له ذنوبه ويسامحه.

لن تَـقوى "چيهان" على إقصائه من ذهنِها مهما حدث، سيظل عالقًا في خلاياها إلى أن تَلفظ أنفاسَها الأخيرة، مثله، فخرج نحيبُها بصوتٍ مسموع، وردّت:

_مش هقدر أنساه، مش هعرف، عمري ما هعرف أنساه ولا أكمل حياتي من غيره، لو بتحبيني ادعيلي ربنا يجعل أجلي عما قريب ويريحني، ادعيلي يا صبا!

رَفَضت "صبا" أن تدعوَ عليها بالوفاة، وقرّرت أن تستخدم حصانتَها لتدعوَ لها بكلّ ما هو جميل، فقالت:

_لا إله إلا الله، ما أقدر أدعي عليكي لو وش ما صار، اللي أقدر أقوله ربي يرفع عنك ويهون عليكي الحزن.

أيكون المستقبل بدونك؟ أيُّ مستقبلٍ تتلاشى فيه أواصِرُك؟ أنتَ المأمنُ والمسكنُ الوحيد لجروحي. حياةٌ كاملة رسمتُها في خيالي بسذاجةٍ جعلتني أُخيِّلُ أنّها قد تتحقق يومًا في أرض عالمنا، لكنك رحلت تاركًا جروحًا عميقة تنزِف شوقًا إليك من أعماقِ وجداني.

سفحي الدامسُ يحتاج ولو خيط نورٍ بسيطًا يُؤكّد لي أنّ أملي فيك لم يكن وهمًا، لكن رأسي التي اصطدمت بجدارِ الواقع لتُفيقَني من حُبٍّ زال صاحبُه، كأنها تُؤكد لي بشتى الطرق أنّ حكايتَنا رُدمت بين التراب، كأنّها جسدٌ تحلّل فاختفى بلا أثر، لكنّي سأظل على العهد، إلى أن تسكنَ عظامُنا في رُقادٍ أبديٍّ يا ملاذي الوحيد!

وَثَبتْ عقارب الساعة على الرقم ثمانية بفزعٍ هزلي، همستْ النجوم في أُذن القمر المُتشعشع بنورِه، وفي قاعة مُغلقة صَدَر صخبٌ عالٍ من الأغاني المُتوالية بحماسة، إذ زخرت قاعة الزفاف بأهالي العروسين، كلٌّ منهم مُرتدي ثيابًا بسيطة بما تتناسب مع الريفيين.

إذ مُعظم الرجال الذين بلغوا من العمر ما فوق الأربعين عامًا، التحفوا بجلابيبهم الريفية البسيطة، حتى نساء العقد الرابع فما فوق اكتفين بعباءاتٍ هادئة دون المُبالغة في التزين، أما اليافعون مِن الشباب والفتيات بدايةً من عمر العشرين فما أعلى، فقد حرصوا على التزين بثياب العصر الباهية.

إذ الشباب ارتدوا البدل ذات الألوان المُتباينة، والفتيات اللواتي ارتدين فساتين السهرة مع المكياج الصارخ المزين لوجوههن الناعمة. كانت الأنغام الشعبية من ورائهم تتماشى مع إيقاعاتٍ مُتناسبة، فيما العريس يترقص مع زملائه الشباب، والعروس تتراقص مع زميلاتها، كلٌّ في دائرةٍ بعيدة عن الأخرى.

اكتفت أَسماء بالجلوس على الطاولة إلى جوار سَلْفَتَيْها، أو بمعنى أوضح "زوجات إخوة زوجها"، برفقة ابتهال وسهر، زوجتي أبناء عصام الذكور، مع الأطفال الصغار الذين لهوا مع بعضهم فوق الطاولة المُزينة بديكورات الزفاف الخلابة من مزهريات صغيرة.

من بعيد، قدَّمت منى خصيصًا لترى عروسَ محسن الجديدة. على الرغم من سقمها في تلك الفترة، فإن شوقها لرؤيتها كان أقوى من أي عِلّة. وقفت بعيدًا كالساحرة اللعينة، ترمق جميع من في الحفل، مُرتدية عباءةً قديمة ووجهها خالٍ من أي مساحيق تجميل، والهالات السوداء راقدة أسفل عينيها، وأنفها مُحمَّر من نوبة الإنفلونزا الشديدة التي أصابتها.

وفي قبضتها منْديلٌ ورقيّ، فوقفت موازيةً بظهرها للجدار، والأغاني تتردّد في أُذُنَيْها، وعيناها تتبعان كلَّ مَن في الحفل. وبينما مرَّ عبد الحليم، أخوها الأكبر، إلى جوارها، رمقا بعضهما بكراهيةٍ، وكأنّهما مثالٌ صارمٌ للعداء الأُخويّ. لم ينطقا بحرف، لكن نظرات العيون وصفت كلَّ شيءٍ باستبانة.

تحرّك صلاح، والدُ العريس، بين الحاضرين، مكتفيًا ببنطالٍ بُنيٍّ وقميص لبنيٍّ بسيطين جدًّا دون جهد التكلّف. وفي المنتصف، كان المصوّر يُراقب تحركات الشباب مع العروسين، مُسجلًا كل لحظةٍ على شاشات القاعة التي عرضت كلَّ حركةٍ بوضوح، وفي الوراء كان والد العروس يتحرّك مُصافحًا الأقارب والأحباب مُصافحاتٍ حارة.

بقي شوقي جالسًا على الطاولة برفقة إخوته الرجال وأبنائهم، وهشام، إذْ تَقرّب منهم صلاح يُعانقهم، والآخرون يُقدّمون له التهاني بقلبٍ فاض بهجة.

العروس ريماس شابةٌ عشرينية، ملامحها هادئة، تشبه إلى حدٍّ كبير غيداء، على الرغم من انتمائهما إلى بيئتين اجتماعيتين مختلفتين تمامًا. الشيئان اللذان يختلفان فيهما بوضوح هما الملامح واللهجة، لكن الطريف أنهما تشتركان في طول الجسد الفارع والقوام المتناسق ولون البشرة.

عينا ريماس ضيّقتان بشكلٍ واضح، ولها شامة صغيرة جدًا فوق شفتيها بالقرب من أنفها، لكن ملامحها متجانسة أعطتها جمالًا خاصًا.

وبينما الجميع يترقصون معًا بسرور، مرَّ إسلام مرتديًا بدلةً وبنطالًا داكنين بلمعانٍ طفيف، مناسبين لحذائه الأسود اللامع، رمق الطاولة التي جلست عليها أسماء، متمنيًا في داخله لو أن علاقته بريم في تلك الفترة تسمح بحضورها. أحسّ نحوها بشيءٍ من الحنين وسط الزحام، كأنه ندم على أسلوبه القاسي معها في الفترة الماضية، فتحرّك بخطاه المديدة نحو الشباب ليندمج معهم في احتفالهم.

وفي تلك الأثناء، تحركت غفران، والدة العريس، نحو إحدى طاولات النساء، التي كانت من ضمنها أسماء، جلست على مقعدٍ مجاورٍ لهنّ، وسرعان ما تهاتفَت النساء لتُخرج كلٌّ منهنّ ظرف المال كهديّةٍ للعروسين. وبينما "أسماء" تمدّ الظرف إليها قالت مقدّمة التهاني:

_ألف مبروك يا أم العريس، عقبال باقي ولادك إن شاء الله.

استلمت "غفران" المُغلفات من النساء، من ضمنهنّ أسماء، وابتسمت ابتسامةً واسعة تكاد تمتدّ من أذنيها لبعضها بفرحةٍ لا تسعها قاعة الزفاف، وقالت:

_الله يبارك فيكي يا أسماء، وعقبال ريم وچيهان.

ارتسمت الفرحَةُ على وجوهِ الجميع، بما فيهم "علياء"، التي عانقت والدة العريسِ بسرورٍ، وقالت بمزاحٍ:

_كده فاضلك اتنين وتكملتي رسالتك يا أم محسن.

ضحكت "غفران"، وردّت عليها بنفس عذوبةِ النفسِ:

_أنتم السابقون ونحن اللاحقون يا أم أسعد.

تعالت قهقهاتُ النساء على الطاولة، فيما انتقلت الأحداثُ على طاولةٍ أخرى في منتدى الرجال. وقف والدُ العروس إلى جوار صلاح، والد العريس، إزاء طاولة شوقي وأخوَاته وباقي العائلة، يتبادلون الأحاديث المتألقةَ ببهجةِ القلوب. استخرج "شوقي" مغلفًا به حزمةٌ صغيرة من المال، ومدّه إلى صلاح بابتسامةٍ عريضة، وقال:

_ألف مبروك يا أبو محسن، ربنا يكملهالهم على خير ويرزقهم الذرية الصالحة.

ردَّ "صلاح" بابتسامةِ فرحٍ خاصة، حينما ملك المُغلف بين قبضتيه كمن ضَرِم على يدِ الإملاق، قائلًا:

_الله يبارك فيك يا أستاذ شوقي، عقبال بناتك الحلوين.

بعيدًا وقف "منسّقُ الموسيقى"، وخرجت كلماته عبر الميكروفون ليقول بأمر، متأهبًا لرقصاتٍ رومانسية هادئة بين العروسَيْن على المسرح:

_نستعد لرقصة هادية بين العروسين يا جماعة لو سمحتم! اتفضلوا على الكراسي عشان نبدأ! يلا يا جماعة اتفضلوا!

بدأ العروسان يتقاربان شيئًا فشيء على منصة الرقص، فيما غادرهم الشباب والفتيات، جميعهم عائدون إلى مقاعدهم بهدوء. تحوّلت الأنغام الصاخبة إلى رومانسية على إيقاعاتٍ هادئة متناسبة مع الأضواء المُنطفئة، تلك التي انصبت أشعتها فوق رؤوس العروسين فقط، لا غير، مع ظلام دامس في باقي أركان القاعة.

رفع العريس يديه الاثنتين على خصر العروس، فيما رفعت العروس ذراعيها على كتفي العريس، وتحركا في رقصةٍ سلو رومانسية على أنغام الحُب. كانت لحظاتٌ مُمتلئة بأجواء الفرح، والأقارب والعائلة مجتمعون في مناسبةٍ جَذْلَة لا تُنسى.

البعض عاش الفرح، والآخر غرق في محيطاتٍ مُدهمة من الحزن، بالتحديد في العوينات بواحة الداخلة، في غرفة معيشة ناجي، حيث تحكي جدرانه الحديثة قصص المودة في زواجٍ قرب أن يتم العامان. أيامٌ باهتة مرت عليه وهو يكتشف تعلقه بزوجته صبا، التي اعترض زواجه منها مُنذ البداية، لكنه مع كل موقف أثبتت له أنها الوحيدة التي تستحقه، ودّ لو أن يمنحها من الخير أطنانًا، وأن يمحو استياءهما عن ما وقعا فيه من كربٍ قاسٍ زلزل استقرارهما.

وفي هذا اليوم قد حضر الشيخ "نعمان" في دارهم، يتلو عليهم آيات القرآن الكريم ليكشف الغم. وفيما الزوجان جالسان قبالته على الأريكة، تنهد بعمق كأنه يقصي أحزانه مع كل نفسٍ، ثم قال:

_بُص يابني، احنا نقول الحمدلله إنكم اتصلتوا بيا قبل ما الموضوع يكبر، كل حاجة في أولها علاجها بيكون سهل عن لما تتساب لمراحل تانية أصعب.

تساءل "ناجي" عما يقصده الشيخ نعمان، فضيّق عينيه باستغرابٍ، وقال مستفهمًا:

_إيش تقصد يا شيخ نعمان؟ آني وصبا معمولنا أسحار ولا شنو؟

أجابه الشيخ "نعمان" بوضوح، مؤكدًا ما وقع عليهما تحت يدِ ساحرٍ لعينٍ لا يعرف دربًا للرحمة:

_إنت وزوجتك معمولكم أسحار شديدة، زوجتك معمولها بالمرض الخبيث في الرحم عشان لقدر الله تستأصله ومتعرفش تنجب مدى الحياة.

صرخت صبا صرخاتِ الخوف، وسرعان ما طوَّقها "ناجي" بذراعيه محاولًا كبح خوفها، فسأله بغضبٍ عنيف:

_منو الكافر اللعين اللي سوا هالعمل يا شيخ نعمان؟ ما في غير مصعب الكلـ* اللي ما يخاف ربه، هو اللي حاطّنا في راسه وكل شوي يتصل عصبا عشان توصله بچيهان، ولما رفضت اتغاظ منها وحطها في راسه.

رفع الشيخ "نعمان" يده بإيماءةٍ من الهدوء، جاهدًا ليهدئ من روعه هو الأخير، وقال:

_اهدى بس يا ناجي! احنا هنعمل اللي علينا وبإذن الله خلال أيام هيكون سحرها اتفك بس لازم تسمعوا كلامي وتنفذوا البرنامج العلاجي بالحرف!

نهض "ناجي" بسخطٍ كالنيران المحمومة، كأنما تحوّل إلى بركانٍ ناريٍّ مستعدٌّ أن يحرق كلَّ من يظهر في طريقه بلا رحمة، وقال بوعيد:

_إن ما قولتلي وش الأسحار اللي متسوية كلها ومنو اللي سواها، ما بتعامل وياك مرة ثانية! ريحني، أبوس إيدك ورچلك!

كان الشيخ "نعمان" متفهمًا لحالة الارتياع التي يعيشها ناجي وصبا في أيامهم الحالكة بالظُلم، فنهض هو الأخير وجاهد لإجلاس ناجي إلى جواره ليشرح له الوضع بكل وضوح، وبعدما جلس ناجي على مقعده، قال:

_بُص يابني، أنا مش من عادتي أقول التفاصيل كاملة لأن احنا ميهمناش غير العلاج وبس، بس أنا هقولك وأريحك، إنت مسلم ومؤمن بالله وعارف إن السحر ده إبتلاء عشان يرفع المسلم درجات ويكون سبب عظيم لدخوله الجنة إن شاء الله، احنا علينا نفك سحر المرض والطلاق والباقي كله على ربنا بإذن الله.

انتاب "ناجي" صدمةٌ شنيعة بعد درايته بأنواع السحر الذي صنعه فاجر، كأنه وقودٌ لأحطاب جهنم المُتقدة، فأعاد الحديث وهو يُردده مع نفسه بعدم استيعاب:

_سحر مرض وطلاق؟ ليش كل هالأذى يا شيخ نعمان؟ وش سوّينا لذاك الفاچر عشان يسحرني آني وزوچتي ويخلي حياتنا چحيم؟ وش الشر اللي شافه منا؟!

ردَّ الشيخ "نعمان"، مفسرًا السببَ الرئيسي وراء الأذى:

_يابني احنا بقينا في زمن ما يعلم بيه إلا ربنا، كل واحد متغاظ من التاني يجري على الدجالين عشان ينتقم منه، الناس دي مطرودة من رحمة ربنا وعقابهم في الدنيا والآخرة شديد، المؤمن بيتعلق في رضا ربنا وبيبقى خايف لا يكون قال كلمة من غير قصد تجرح حد، وهما من تاني ناحية بيبدعوا في أذى الناس وتبصلهم تلاقي لا عندهم ضمير ولا رحمة، بيناموا الليل بطوله ولا كأن حاجة حصلت، بس مش عايزك تتخض! أنا مش بزكي نفسي وأعوذ بالله من كلمة أنا، بس في حالات كتير زيكم وأصعب منكم قابلتني، والحمدلله تم شفاءهم بفضل الله أولًا ثم بجهودي، مفيش حاجة مستحيل على ربنا، توكل على الله والشفاء هيجي بإذن الله تعالى.

فاحت روائح الحُزن في أرجاء المكان. أيتحمّل ناجي ما لا تتحمّله الجبال الجبّارة بطولها وقوّتها المهيبة؟ غيابُ رمزي الذي كسر قوّته وشعشع الضعف في نفسه، انتهى إلى مصعب الذي كالشياطين الخنّاسة، ذاك الذي زرع الابتلاء في مجرى حياتهم، حياة كانت زاخرة بالهدوء قبل أن يظهر فيها كالذئب الشكس الذي قَضَم بقايا سكينتهم. فمال "ناجي" برأسِه لأسفل ببؤسٍ، وقال بنبرةٍ واهنة:

_الواحد ما عاد عارف يصبر على إيش ولا إيش يا شيخ، أتحمّل الأسحار اللي سواها لنا مصعب الفاچر؟ ولا أتحمّل فراق رمزي اللي قتلني وآني حي وقطم ظهري؟ لو رمزي كان موچود، كنت متأكد إن كل ذا ما صار، رمزي كان أخوي، مو بس ولد عمّتي يا شيخ نعمان، موته قهرني والله، وياريتها چات عليّ وحدي، البنت المسكينة چيهان چاها المرض يوم عرفت اللي صار، ليل ونهار تقراله قرآن وتوزّع عروحه الطعام، والله لو كان عايش، كنت غصبت الكل وخليته يتزوچها. بس خلاص، رمزي الغالي ما عاد له مكان بينا.

ابتلَّ جلبابُ ناجي بدموعه، لكن الغريب أن الشيخ نعمان لم يظهر تأثّرًا واضحًا بما حدث، بدا عليه الاعتياد أو أنّه تأقلم، وبينما ينتحب قهرًا، قالت "صبا" ببكاءٍ:

_حنا اتفقنا مع أبوي عاصم وعمي فهيم ندبح ثلاثة عچول ونوزعها عالبلد كلها على روح رمزي الله يرحمه، يمكن ربي يغفر له ويشيل عنه.

اعترض الشيخ "نعمان" على هذه الفكرة، رؤيةً منه أنها تبذير لا أكثر، على الرغم من كونه شيخًا صالحًا يُحب أعمال الخير وإطعام المساكين، لكن رفضه أنار الدهشة في العقولِ حينما قال:

_لا ملهاش لازمة يا بنتي، الأحسن تدعوله.

استغرب "ناجي" رفضه للفكرة، فرفع رأسه نحوه والدموع لا تزال مُرغرغتان في عينيه، ليسأله باستياءٍ:

_ليش لا يا شيخ نعمان؟ على الأقل نخفف ذنوبه من ميزان سيئاته، لعل وعسى ربي يرحمه وتكون صدقة عروحه.

ابتسم الشيخ "نعمان" ابتسامةً هادئة، وردّ:

_صدقوني مش هيفيد بحاجة، خلونا بس في البرنامج العلاجي دلوقتي.

ثم استخرج ورقةً وقلمًا ليدوّن لهما البرنامجَ العلاجيّ المناسب لحالتهما، فأردف وهو يكتب بتركيز:

_إن شاء الله بالنسبة ليكم إنتوا الاتنين هتقرأوا الآيات دي اللي هكتبها في الورقة على ماء يوميًا بانتظام وتشربوا منها مرة قبل النوم ومرة الصبح على الريق، وبالنسبة لعلاج زوجتك فأنا عايزها تغتسل بماء سدر خارج الحمام لمدة ٢١ يوم وهتقرأ عليه نفس الآيات المكتوبة، وهتقرأ سورة البقرة على كوب ماء يوميًا خلال ٢١ يوم مع العلاج التاني ولما تخلصوا البرنامج ده هديكم غيره بس نلتزم بيه....

وتابع بتمعّن لما يكتبه:

_ممنوع المرايات تتساب متعرية، وأبواب الحمامات تتقفل حتى الشبابيك من بعد المغرب لازم تتقفل!

وبينما يدون ملاحظاته في الورقة، انصكَّ بابُ الغرفة بمفرده، فخرج بصدحٍ عالٍ على الرغم من عدم وجود الرياح في الحي. وقع الفزع في الحال على وجهي ناجي وصبا، اللذان نظرا باتجاه الباب برجفةٍ، عدا الشيخ "نعمان" الذي ظل ثابتًا ليقول لهم دون أن يرفعَ عيناه عليهما:

_باعتلكم اتنين يراقبوكم ويتصنتوا عليكم بس أول ما تجيبوا البخور اللي هكتبه ليكم وتبخروا بيه البيت كله هيكونوا فص ملح وداب!

يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة