١

١

21 0

لم يكن حاله مختلفاً عن كثيرٍ منا؛ فقد كان الألم يعصف بنفسه هو الآخر جراء وحدته وفراغ روحه وملل حياته وضجر أيامه، وقد رحل عنه أهله جميعاً في عمر مبكر رحيلاً أجبره أن يستند على نفسه ويتقوى بها رغم جراحها وندوبها؛ فبها صادق الموت واعتاد الخواء، بَيدَ أنه علم في قرارة نفسه أنه يستند على نفسٍ لا تجد لها ظلاً يؤكد وجودها في العالم أو انتمائها إليه! لم يتعبه كثيراً البحث عن عمل، ولم ترهقه للأمانة الأعمال والوظائف الروتينية الكثيرة التي قرر إعالة نفسه منها، بيد أن الوحدة هي التي قهرته وأبكته ليالِ عدة، وكذا شعوره أنه لا شيء في هذه الحياة، كثيراً ما حاول خلال حياته تكوين الصداقات وقليلاً ما حاول الدخول في علاقات عاطفية؛ ودائماً ما فشل! لم يستطع أبداً الانتماء إلى نفسه أو إلى غيره، أو حتى إلى جماعة؛ فوجد بالتالي أنه لا يستطيع الانتماء إلى العالم نفسه، بل شعر أنه ينتمي إلى العدم وإلى مصير أهله الذي أصبح ينتظره ليغدو مصيره هو الآخر ويريحه من سأم الحياة، وكثيراً ما حاول أن يتناسى وحدته ويجد سُلوة تشغله عنها؛ وكان الإخفاق له رفيقاً وخليلاً كالمعتاد! حاول تأمل الدنيا والحياة والعالم من حوله، وأن يصبح ممتناً لكونه ينام آمناً ولديه قوت يومه عكس المصير الأسود الذي حاق بأهله؛ عل ذلك يشفي روحه ويداوي جراح نفسه، لكنه دائماً ما كان يعود ويقول لنفسه أن لا معنى لكل ذلك حقاً إن كان سيظل وحده، مهما كانت حياته كريمة ويسيرة فما المعنى حقاً وراء ذلك؟ ما المهم في كون الغني غنياً والفقير فقيراً، والتعيس تعيساً والسعيد سعيداً، ما معنى كل ذلك حقاً؟! وهل ما يسمى بالرضا مجرد أكذوبة ومخدر موضعي للروح، أم أنه كما يُشاع عنه فضيلة تُعَلم بالصبر وتنويع النظر إلى خيرات الحياة؟! ما معنى أن ينام المرء منا راضياً أو حزيناً أو أن يفعل أي شيء في حياته دون أن يجد من يخبره بذلك؟! ما قيمة الأدب المكتوب إن لم يقرأه أحد، وأفلام السينما للعاملين بها إن لم يشاهدها أحد، والموسيقى لدى عازفها إن لم يستمع إليها أحد؟! ما قيمة الواحد دون واحد آخر يجعله اثنين؟! وضمن ترسانة مشاعره المتشعبة والمعقدة، ألح عليه شعور غريب وهو الحنين إلى الحب! حنين جعله لا يفكر في التقدم خطوة واحدة في حياته، وينتظر قدوم محبوبة لا يعلم لها وجوداً حتى، ويشعر أن ارتقائه ولو درجة واحدة في سلم حياته البائسة دونها لهو ذنب عظيم! آمن بالحب وصدق به واعتنقه، كنبوءة في رواية فانتازية لمختارٍ سيأتي ويخلص العالم من شر عظيم، وتعاظم شعوره بمرور أيامه أن الحب بطل نبوءته ومخلصه الذي سيدفع عنه شرور وحدته وعذابها، ويحرره من ظلمات نفسه التي أعمت عينيه عن أنوار الدنيا، ويسمو به من أرض العدم إلى سماوات الوجود، ويجلب له من أمانيه وأحلامه اليومَ الموعود! وبالطبع قاوم هذا الشعور تحديداً باستماتة إذ أنه رآه ضرباً من الجنونِ لا منطق له أو تفسير، وكالعادة...! وعلى هذا الحال استمرت حياته الكاملة الناقصة بشكل يجعل المنطق يضرب كفاً بكف؛ فالراحة واليسر في كل خطوة عنده يقابلهما عدم رضا وشعور بنقص مكون ما من الطبخة! كثيرون يؤيدون مبدأ الرحلة الفردية ليس ضمنهم صاحبنا، تمنعه أفكاره العجيبة وشوقه المجنون من التقدم إلى الأمام، والمشكلة أنه يُعَرِّف نفسه كشخص غير مؤهل للصداقة أو الحب – وأثبتت تجاربه ذلك – إذن فهو يجعل حياته تتوقف على أمر لن يحدث غالباً؛ إذن فهو لا يريد لنفسه حياة جديدة أو راحة من ألم نفسه الذي يتناقض وهدوء حياته ويسرها، ربما يتكاسل عن المحاولة ويختلق لنفسه المبررات ويحلم أحلاماً ويتمنى أمنيات أبعد من النجوم، بيد أن عنده كل مؤهلات وفرص بداية جديدة وحياة رائعة، أيعقل حقاً أن احتياجه وتعطشه إلى الحب قويان إلى هذا الحد؛ أنه يبخل على نفسه بخطوة صادقة إلى الأمام مؤثِراً على نفسه محبوبة يجهل وجودها؟! أيمكن للوحدة حقاً أن تفعل بالمرء كل ذلك حتى لو كانت حياته تسير على صراط مستقيم لا عوج فيه؟! وظلت أيامه هكذا؛ تجري بلا مسار أو نهاية، إلى أن حدث ما بث الروح في حياته التي كانت قد أصبحت عدماً أرضياً لا طعم له ولا نكهة، وتغير كل شيء... ومن هنا نبدأ.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الحُلوة

المؤلف محمد تامر
2025/11/15 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة