"كانت أمي ساحرة، لكني لا أحدثك عن سحر أسود أو سحر الخدع والتسالي، لكنها امتلكت سحراً روحانياً عجيباً جعل الأرواح البشرية شفافة لها، وكشف لها عن كل مستور بداخلها من خبيث وقبيح؛ كانت تعلم ما يضمره كل شخص أمامها، وكان لديها ولوج إلى العوالم النفسية الداخلية للبشر بكل تعقيداتها وتشابكاتها، وكان جل ما يضايقها هو انعدام النقاء، وأن الإنسان لا يمكنه أن يرتكب خيراً دون أن تتداخل معه دوافع أخرى ولا حتى شراً، ما عاد للخير النقي أو الشر نفسه بحالته النقية مكاناً في العالم...بأية حال، كانت لأمي قدرة على تحوير حقيقة العالم الفيزيائي في نظر الناس؛ كان بإمكانها جعلك ترى العالم يحترق من حولك فتركض وتهذي كالمجنون في الشارع أنها النهاية، لكنها لم تكن شريرة على الإطلاق فلم تستعمله أبداً لأغراض كتلك، كانت نقية القلب لدرجة لا يتصورها أحد، وكانت تتواضع وتخفي أمر قدراتها تلك على الناس لئلا يعظمونها أو يخشونها، وهي لم ترد من الاثنين شيئاً، لم يعلم أحد بأمر قدراتها سواي وسوى أبي الذي هجرنا إثر علمه بذلك، ولا أود الحديث عنه..." لمحت سوليداد أمارات الدهشة والقلق على وجه برينان فاغر الفم؛ فقطعت حكايتها وراحت تضحك قائلة: "بالنسبة لشخص بارد المشاعر خاوي الروح فإن قلقك هذا يبدو أجنبياً عن ملامح وجهك!" ازدرد برينان لعابه وسألها ولم يكن قلقه قد زال تماماً بعد - ولكنه كان قد تماثل للزوال؛ فبرينان حقاً كان أبرد مما تظنون: "رغم أنك خارقة للطبيعة وحالك غريب لكن والدتك...لا بد أنها أغرب بكثير!" =نعم، هي من جعلتني هكذا بأية حال! -هي؟! =غريب أنك لم تخمن هذا! -...ولكن، لم عساها تفعل بك هذا؟ أأغضبتِها أو... =على النقيض تماماً؛ لقد فعلت بي هذا من فرط حبها لي وخوفها علي، ولا أنكر أني حتى اليوم كثيراً ما أشعر بضيق من حالي لكني أذكر نفسي أني عرفتها طوال عمري، وأني متأكدة أنها ما كانت لتضرني، وأنه كانت لها بصيرة أعظم مني وربما أعظم من أي إنسان عرفته في حياتي؛ فأسامحها وأتابع أيامي بصمت وهدوء. -...فعلت هذا لأنها تحبك وتخاف عليك؟! =إني جميلة جداً يا برينان، وأعلم مقدار جمالي، وأستطيع رؤية وجهي في المرآة حتى اللحظة بينما لا تقدر أنت أو غيرك على ذلك، وما فعلته أمي أنها حورت صورتي في أبصار الناس فغدا وجهي في أعينهم كما تراه، وكان جمالي هذا مثيراً لخوفها علي؛ رأت أنه سيسبب لي متاعب وسيؤلم قلبي؛ فحرمت رؤيته على الجميع كي تحميني. -...وجعلتكِ... =مسخاً؟ ولِمَ تخجل من قولها؟! لا بأس، الحق أن أمي كانت ناقمة على من ضايقوني في مقتبل شبابي بغيرتهم من حسني وجمالي، واستغلالهم لي وتمتعهم بإيذائي نفسياً - حسب ما رأته أمي في أنفس الناس - وقد ظلت صابرة لكن حبها لي وغضبها منهم كان يتعاظم مع كل يوم يمر علينا، رغم أني كنت لا ألقي بالاً لكل هذا لكن أمي لم تحقر أبداً من شأنه وإنما بالغت في تقدير المشكلة؛ كما أخبرتك أنها مهووسة بالنقاء؛ فوجدتها تغضب من رفاقي الذين أضمروا الغيرة بداخلهم والحسد والتلاعب وغير ذلك وادعوا محبتي وصداقتي، وعندما طفح الكيل بالنسبة لها ألقت بسحرها علي، مستنزفة الكثير من طاقتها من أجلي، ولكنها أكدت لي أنها لا تود تعذيبي بهذا، وأني سأعود إلى سابق عهدي عندما يجدني شخص نقي القلب يراني على حقيقتي ويحميني ويعوض غيابها، رغم ما كانت عليه أمي إلا أنها كانت أيضاً مهووسة ومؤمنة بالحب يا برينان، وأقصد الحب النقي، أكثر مما تتخيل ومنك حتى! -ولكن...ماذا لو لم يظهر هذا الشخص؟ أتبقين هكذا إلى نهاية عمرك؟! =إن لهذا السحر روحاً ما، تشعر وتحس بي، لكن دعنا نقل أنها ليست روحاً حقيقية بالمعنى الدقيق؛ فهذا ما لا يقدر على خلقه إلا الرب، إنها مجرد روح بسيطة مكلفة بمهمة الاهتمام بي ومحاولة تفهمي وأيضاً الرحيل عندما تتحقق رغبة أمي، أو عندما تمر مدة محددة لم تعلمني أمي بها رغم أنها أكدت لي أنها ستكون قصيرة، وبالمناسبة...ماتت أمي تلو إخبارها لي بهذا. -أنا لا أدري ما أقول...الأمر يفوق استيعابي! =هه، لا تشغل بالك بأمر غرابته؛ طالما أنك تتعود على كل شيء بسرعة هكذا وتمل منه فسيكون لما قصصته عليك نصيب من هذا وأنا متأكدة! -هذه المرة لا أعلم ما إن كان هذا سيحصل أم لا...لكن تابعي حديثك بأية حال. =هكذا، أصبح الجميع يرون وجهي مشوشاً لا ملامح له، وبدأ الأمر معي منذ بضع سنوات مع رفاقي القدامى، وهذا رائع بيد أنه مؤلم؛ أصبحت أرى الجميع لكنهم لا يرونني إلا كمسخ! بأية حال فهذا لا يهم؛ ما كان ليحبني أحد منهم حباً نقياً أو يحترمني حتى، دائماً ما تلوث الحب على مدار التاريخ الإنساني بإعجاب سطحي أو فضول أو أنانية أو...إلخ! -وهذا يشملني بالطبع! =لا أقصد إهانة حقيقية لك يا برينان، أظن أنك قد تكون أفضل منهم. -وكيف؟ =...كل ما في الأمر بصراحة أني ممتنة لك لأنك لم تخشني وتركتني أتحدث. -لكنك قلت أنك لا تمانعين ذلك؛ أقصد لا تمانعين حياتك وأن يخشاك أحد. =نعم، قلت لك أنه رائع بيد أنه مؤلم أيضاً، لكلٍ ثمنه! -سوليداد...مع احترامي بالتأكيد لكن...أمكِ هذه مجنونة! =لماذا يا برينان؟ لعل ما فعلته بي هو ما حفظني من شرور الناس وخبث نفوسهم طوال هذه الأعوام! -وكان ثمن ذلك وحدة وعذاباً! =أنت تذكر الوحدة لأنها جل ما تريد تغييره الآن، أما أنا فلدي أشياء أخرى أذكرها...لكن لا داعي لذلك! بأية حال يا برينان، من الأفضل للمرء بكثير أن تؤذيه نفسه بدل أن يؤذيه أحد غيرها! -ولم؟ لم لا يكون من الأفضل ألا يؤذينا شيء على الإطلاق؟! =ابحث إذن عن أية مدينة فاضلة واقطن فيها، دستور الحياة هنا أن الأذى مصيبك لا محالة، غالباً أنت تختار نوع الأذى الذي يصيبك وحسب، بالمناسبة، إن تعاظم بداخلي شعور الكره لحالي ورأى السحر حزني العميق وإرادتي أن يرحل فسيرحل، لكني وقتئذ سأجد نفسي عاجزة عن تقبل هذا العالم، وسأؤذى بلا شك...صدقني يا برينان، حرية الاختيار الحقيقية في الحياة أن تختار الأذى الذي سيصيبك ليس إلا! -لست بحاجة إلى التأكيد على كلامك، حياتي خير مثال على ما تقولين حتى ولو لم يكن ألمي بعمق ألمك، أعلم يقيناً أن ألمك أعظم. =ولكن الخير من ورائه أعظم أيضاً! -...إذن، كيف تأكلين أو تبتاعين حاجاتك؟ كيف تحيين؟! =كما أخبرتك؛ للسحر روح تشعر بي، وعندما يعرف أني سأخرج لأقضي حاجة ملحة فإنه يزول مؤقتاً لئلا يخشاني أحد، حتى لو تعرضت لمضايقة بالشارع أو ما إلى ذلك فإن الأمر يكون مجرد حدث عارض سرعان ما أهرب منه وأنساه...يبدو أنه من الصعب حقاً أن تكون جميلاً في هذا العالم، كأنه ذنب يجب أن يحاسبك كل ما حولك عليه! -...هذا بالتأكيد أغرب ما سمعت في حياتي! =ليس له إلا أن يكون كذلك! والآن اعترف أنك بدأت تمل إذ أن فضولك على الأغلب قد شبع وارتوى! -لا...أنا حقاً لا أشعر بأي ملل! =إذن فربما تحب ألا تكون وحيداً وحسب! -سوليداد...أعلم أني آخر من ينبغي له أن يتحدث عن النقاء لكن...أنا حقاً لا أود أن أزعجك أو...أجعلك تشعرين أن هنالك شيء غير نقي بداخلي، أريد أن...أعالج ذلك! =...الوقت تأخر يا برينان، أكثر من اللازم، من الأفضل لك أن ترحل! -أي وقت ذاك الذي تأخر؟! =...الوقت! -...أو ربما يكون أوان تغير حالي قد فات حقاً! =برينان، ليست هنالك جوانب أخرى شيقة أو مثيرة للفضول أكثر مما عرفته الليلة... -أنا أود أن أكون برفقتك وحسب! =...هذه شفقة إذن يا برينان، أليس كذلك؟! -كلا، ليست كذلك! =لا أدري...رغم أني أصدقك وأرى فيك الخواء وأعلم أن مسألة اختبار المشاعر قد تكون دخيلة عليك بشكل ما لكن...الشفقة شعور خبيث، ربما أنت فقط لا تعلم بعد أنك تشفق علي! -...سأرحل، وسأفكر كثيراً و...أتجول داخل نفسي، وإن تيقنت أن رغبتي في البقاء بصحبتك لا تشوبها شفقة... =أو أي شعور خبيث آخر، لا إعجاب سطحي أو فضول أو رغبة في الصحبة أياً كانت... -نعم نعم، فهمت...عندئذ سآتي مجدداً! =...هذا يناسبني. -...وربما آتي على أي حال! =هه! لا أعلم حقاً ما أقول...لا بأس يا برينان، ستجد الباب مفتوحاً لك دائماً. -إن الباب حرفياً مفتوح دائماً! وهنا ضحكت سوليداد من قلبها حقاً!
محمد تامر